رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما يسيل الدم، يمنع لغط القول، ويخرج الرجال ليصطفوا، فإن كان الدم نداء شرف، يخوضون الغمار، وإن كان الدم عار أمة، يرفعون سيف الحق، وما أمضاه، ولكنهم بالضرورة يجب أن يكونوا رجالا، وليسوا مسخ رجال.
الرجال يكفيهم نداء العقل والواجب والحقيقة، والصغار أولئك الذين يمضغون الكلم ويسَوفون، يبيعون الوهم، ومن الوهم ينسجون الأماني، وعندما تكون أمانيهم محض كذب، ولا تحمل غير الكبر والتجبر، فلا شيء يسود غير القتل.
إطلالة العنف في مصر جاءت مبكرة، ومن قبل الثورة لأكثر من أربعين عاما، مع بداية السبعينيات من القرن الماضي، ولم تنشأ في الأحياء الفقيرة أو العشوائية، فمصر حينها كانت تحت السلاح، وكان السلاح محدد الاتجاه قطعيا تجاه العدو الصهيوني الذي يحتل الأرض، كان الثأر من العدو للشرف وتحرير الأرض يملكان العقل ويبنيان الإرادة، وكان يومها أمرا عجبا، فالدول في أعقاب الهزيمة تسودها الفوضى والانحلال، ولكن مصر في أعقاب هزيمة يونيو 1967 سادتها إرادة استرداد الذات لتحرير الأرض والدفاع عن وطن.
بدأ العنف غريبا ومصنوعا داخل أروقة الجامعات المصرية، وتحت راية الجماعات الإسلامية، وكأن قدر ديننا أن يربطه الخوارج عليه بالعنف، وكأن دين العقل والسلام، قد أضاعوه بضعف الحجة وتشوش الغايات، وانعدام المسؤولية.
العنف يرفع راية الدين، ويتخذ من ساحة العلم ميدانا، ومن طلبة العلم أدوات.
كان الرجال على جبهة القتال يستعدون لحرب التحرير، وكان الشعب من ورائهم يضع صبره وكل الإمكانات من أجل التحرير، وكانت الجامعة حاضنة لمستقبل العنف في الوطن، معادلة أكدت الوقائع بعدها، أن مولد التسويف والتفريط في المستقبل بدأ في تكوين جيل استطاب تغييب مهمة الوطن، وأخذ بترف الانحراف بالدين، واستهدف المجتمع، ليمضي مسلسل العنف متصاعدا، نرصده على استحياء كلما ألم بنا موقف، نتحدث عن المظاهر، ولا ندرك عمق التشوه في التكوين النفسي والاجتماعي والسياسي، وكما صار الدين ملاذا للهروب من إحساس العجز، أصبح مسوغا لتنامي العنف وتراكمه، أيا كان مصدر صناعته محليا أو إقليميا أو دوليا.
انتهكت حرمة الإنسان التي جسدتها الأديان "لا تقتل"، وتحول أمرها إلى فتاوى جاهلة سواء في ظلام تنظيمات دينية سرية أو من فوق المنابر علانية أو على شاشات فضائيات تستغل الدين في توجيه السياسة وتحل القتل، للجندي والعالم والمواطن، فصار الوطن سلخانة للبشر بفتاوى كهنة لا عاصم لهم من الانحراف، ولا رادع من وازع ديني أو وطني أو أخلاقي.
يبين من ذلك عظمة الخروج الشعبي المصري بالثورة ضد نظام الاستبداد، فقد تجاوز الشعب ثقافة العنف والهزيمة وفتاوى الاقتتال أو حتى فتاوى العبودية وتحريم الانقلاب على الحاكم.
كرة الثلج تتدحرج منذ عام 1967، وتدهس كل ما يواجهها من مواقف تحاول جاهدة أن تقلل من الخسائر، ونجحت كرة الثلج أن تتجاوز نتائج حرب أكتوبر 1973، وصارت روح القتال وإرادة التحرير أمرا يجب تجاوزه، وبدلا من استغلال نجاح أكتوبر لإعادة بناء وطن، جرى تغذية روح الاقتتال الداخلي وثقافة "أثرياء الحرب"، خرج الشعب من تحت السلاح بهدف التحرير، إلى استعباد بسياسات اقتصادية واجتماعية، تزيد من الإرهاق المعيشي، وتحيل مصر إلى واحة للفساد والمشاريع الذاتية وواحة لكهانة باسم الدين، كشفتها وقائع يناير العظيمة.
هل ستصبح ثورة يناير الشعبية فرصة أخرى ضائعة في تاريخ الشعب المصري، كما ضاعت فرصة حرب التحرير في أكتوبر؟
أرى يقينا أن ثورة يناير لن تتحول إلى فرصة ضائعة في تاريخ الشعب المصري، ولكنها فتحت أفقا أعمق من مطلب تغيير وتطهير مؤسسات الدولة، فقد رفعت الغطاء عن حقيقة جماعة الإخوان، وأن جوهر تاريخها أنها جماعة "للاستعمال" على حد تعبير الأستاذ هيكل.
ولنمسك بمشهد رئيس ترك وطنه في حالة احتراب ورحل إلى باكستان، واحة السفيرة الأمريكية الحالية في مصر، وهناك يمنحونه درجة الدكتوراه الفخرية بعد ثمانية أشهر من توليه السلطة؟ فما هي مبررات هذه الشهادة، وأي سبب استدعى هذا التكريم، وفي الأعراف المصرية عندما يتمادى أحدهم في مديح آخر، يعاجله بقولة "لبست العمة"، أي أنني أصبحت حبيس نفاقك وسأسلم لك بما تريد!!، لم يترك المصريون أمرا دون إحالته إلى تعبير ساخر، خاصة زي الجامعة الباكستانية لم يكن مناسبا للرئيس، وأكبر حجما، فأحال مشهد التكريم إلى حالة مسرحية وجد فيها المصريون ضالتهم للسخرية.
ولكن الأكثر مرارة أن يتوجه الرئيس بالتحية لدورهم في حرب أكتوبر 1973، وهو أمر لم نرصده إطلاقا، فمثلا إيران الشاه أمدت مصر بالوقود، رغم علاقة الشاه بأمريكا وإسرائيل، إلا إذا كان الرئيس يعني موقف ذو الفقار علي بوتو عندما قال لعبد الناصر قبل الحرب "لقد خرجوا لينالوا منك"، وكان أحد أهم الإشارات التي سبقت يونيو 1967.
والرئيس، أو كما يوصفه المصريون، مندوب مكتب إرشاد الإخوان بالرئاسة، أيضاً يتحدث عن موقف للشرطة في القلب من ثورة يناير 2011، وهي الثورة التي بدأت في مواجهة الشرطة وجرائمها ولإقالة وزير الداخلية حبيب العادلي، فهل تقدير الرئيس يعني ضمنا موافقته على ممارسات الشرطة حينها بالقتل والسحل ثم الهروب إلى الثكنات، واستمرار حالة القتل حتى اللحظة؟، أم أنه تقدير لها أن رجالها تركوه يهرب من السجن؟
والرئيس لم يكتفِ بهذا، ولا بصمته المريب على حالات القتل والسحل والعنف المتبادل، بل سارع وفي احتفالية للمرأة، بالتهديد والوعيد وإعلان أقرب إلى إعلان حالة الطوارئ، وبدلا من أن يكون تعبيره عن قراره السابق بفرض حظر التجوال على منطقة القناة وإعلان الطوارئ بالمنطقة، حديثا سياسيا يصفه بأنه "مثل أكل الجيفة"، فبدا وكأنه استطاب أكل الجيفة ويعد الشعب المصري أنه لا يملك غير الجيفة لهم.
جماعة تاريخها "الاستعمال"، ويبقى دائما البحث وراءها من يستعملها؟ وفيما يستعملها؟، ورئيس يعيد تشكيل حقائق تاريخية على هواه، لأنهم منحوه الدكتوراه ولبس الطاقية، ولا يملك خطابا سياسيا بل يتوعد أمنيا ويهدد، وكلا الأمرين يؤكد أن الفرصة لن تضيع هذه المرة.
فالشعب وشبابه الذي يتحمل هموم الثورة لم يتوقف عن المقاومة لكل محاولات إجهاض الثورة والاستيلاء على مقدرات الأمة، يملك زخما جماهيريا من القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير ولم تدخل هذه القوى في معادلة التوازن والمواجهة بعد وقادرة حال تحركها أن تقلب الميزان من الكلام إلى الفعل الحاسم. بينما يتصاعد الرفض الشعبي لجماعة الإخوان، وتتميز جماعة الإخوان بقدرة فريدة على استثارة العداء لها بمواقفها، وعجزها عن الارتباط بالشارع وكسب ثقته، فالشعب يريد المصارحة، واحترام العقل، ولا يريد مواقف البابوية والإحسان عليه ليحقق حاجاته اللحظية.
وفي الوقت ذاته فالحلول المطروحة سياسيا لا تجد من يسمعها ويتعامل معها موضوعيا، كما أنها تخرج من عباءة العجز السياسي الفاقد لاستيعاب حقيقة ما حدث في يناير ومطالب الشعب، وهي أيضاً تدور بين عناصر صناعة المشكلة أنفسهم.
الكيانات السياسية عاجزة عن كسب ثقة الشعب، ومتخلفة عن مواقفه، ولم يعد أمام الشعب غير المقاومة بذاته، وهي معادلة جديدة على الواقع المصري، وأكثر عمقا من مجرد تفويض أي قوة مؤسسية للقيام بهذا الدور.
وتضاف قيمة أن الزمن لصالح حركة الشعب، فرغم مظهر أن الجماعة تحقق نتائج السيطرة بتعيين عناصرها في مفاصل الدولة، لكنها أقرب إلى الطلاء الخارجي، فتجربة الفترة الماضية تؤكد أن عناصرها تفتقد الكفاءة وتركن إلى استخدام السلطة ولغة لا تستقيم وذكاء الشعب، كما أن حالة العصيان الصامت دون جعجعة سياسية، واستطراد المواجهة معهم وتنوعها، تزيد من مقاومة عملية السيطرة، ويصبح عامل الزمن لصالح المقاومة أكثر منه لصالح عملية التمكين.
لن تضيع الفرصة، بل تلوح وسط الأزمة فرص متنوعة لصالح الثورة رغم أن الأيام القادمة تحمل الكثير من الآلام، والآلام تعبد طريق التغيير وتزيد من الإصرار على قبول التحدي، وتبقى حقيقة أن يمتنع السائلون عن ترديد: ما البديل؟، مؤداها أن اندماج القوى الاجتماعية والمثقفين والطلاب والمهنيين إلى حركة الشعب مهما كان بطء تحققه، غير أنه يحفر مجرى في الحياة السياسية المصرية لإنتاج القيادات الطبيعية التي ستمثل البديل بقدر استيعابها لحقائق المجتمع وحاجاته لأنها منه، واستيعابها لما يحيط بها في عالمنا المعاصر، ولرفضها قاعدة التفويض للآخرين.
لن تستقر لعبة الصغار في مصر، فدون تناسب الأحجام، انتماء ومضمونا وهوية، لا بقاء لمن يحاول السيطرة على مصر عبر التاريخ.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4902
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2628
| 08 سبتمبر 2026