رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عمرو سرور

- باحث في اللغويات

مساحة إعلانية

مقالات

15

عمرو سرور

«وسائل التواصل الاجتماعي» مصطلح غير بريء

18 مايو 2026 , 11:06م

منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت تسميات متعددة للإشارة إلى منصات مثل فيسبوك وإكس وإنستغرام وتيك توك وسناب شات. فأحيانا قيل: «الإعلام الجديد»، وتارة «الإعلام البديل»، ثم استقر الاستخدام الشعبي والإعلامي على مصطلح «وسائل التواصل الاجتماعي» أو «شبكات التواصل الاجتماعي». غير أن هذا الاستقرار اللغوي لا يعني بالضرورة أن المصطلح دقيق أو محايد، بل ربما يخفي وراءه تصورات ثقافية واقتصادية تؤثر في فهمنا لهذه المنصات ووظائفها.

ظهر مفهوم "الشبكة الاجتماعية" (Social Network) أصلًا في علم الاجتماع خلال القرن العشرين لوصف العلاقات الإنسانية الواقعية، مثل الأسرة والأصدقاء والجيران وزملاء العمل، أي شبكة العلاقات التي تمنح الأفراد الدعم والانتماء والتفاعل المجتمعي. لكن مع ظهور المنصات الرقمية، انتقل المصطلح من مجال علم الاجتماع إلى المجال التقني دون مراجعة كافية لمعناه وحدوده. وهكذا أصبحت التطبيقات الرقمية تُوصَف بأنها «شبكات اجتماعية»، رغم أن بنيتها التقنية ووظائفها الاقتصادية تختلف جذريًا عن مفهوم الشبكة الاجتماعية في العلوم الإنسانية.

من "التواصل" إلى "المنصة"

قبل شيوع مصطلح "وسائل التواصل الاجتماعي"، كانت المنصات تُعرَّف بحسب وظائفها التقنية، كالمدونات والمنتديات وخدمات التراسل أو التدوين المصغّر. فعلى سبيل المثال، كان تويتر، قبل تحوله إلى «إكس»، يُعرَّف بوصفه خدمة للتدوين القصير بعدد محدود من الحروف، لا بوصفه شبكة اجتماعية بالمعنى المتداول اليوم. غير أن النجاح العالمي لفيسبوك في أواخر العقد الأول من الألفية أسهم في تعميم فكرة أن هذه التطبيقات تقوم أساسًا على "التواصل" وبناء "المجتمعات الرقمية".

لكن هل ما يزال التواصل هو الوظيفة الأساسية لهذه المنصات؟ يشير الواقع إلى أن كثيرًا من هذه التطبيقات تحولت تدريجيًا من فضاءات للتفاعل بين الأفراد إلى أنظمة معقدة لإدارة الانتباه، وتحليل السلوك الرقمي، وجمع البيانات، وتوجيه المحتوى بواسطة الخوارزميات. فالمستخدم لا يرى دائمًا ما ينشره أصدقاؤه أو محيطه الاجتماعي، بل ما تختاره الخوارزمية وفق اعتبارات ترتبط بالتفاعل والاهتمام والعائد الاقتصادي.

ومن هنا قد يصبح وصف هذه التطبيقات بأنها «وسائل تواصل» وصفًا غير مكتمل؛ لأنها لم تعد أدوات محايدة للتفاعل الإنساني فقط، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد رقمي عالمي يقوم على إدارة الانتباه والبيانات.

هل هي فعلًا «اجتماعية»؟

تكمن إحدى الإشكالات الأساسية في كلمة "اجتماعي" نفسها. فالمصطلح العربي، وفق ما يورده معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، يشير إلى "علاقات اجتماعية بين المتكلمين؛ سواء أكانت علاقة أُلْفَة أم علاقة رسمية"، وهو معنى يرتبط بطبيعة العلاقات الإنسانية داخل المجتمع وبُعدها التفاعلي والرمزي.

غير أن استخدام هذا الوصف مع المنصات الرقمية يوحي ضمنًا بأنها تعمل لتعزيز المجال العام أو تقوية الروابط الاجتماعية بصورة طبيعية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فهذه التطبيقات مملوكة غالبًا لشركات دولية خاصة تعتمد نماذجها الاقتصادية على الإعلانات، وتحليل البيانات، والاستهداف السلوكي. ولذلك فإن كلمة "اجتماعي" هنا لا تشير بالضرورة إلى التضامن أو الرعاية أو المنفعة العامة، بل إلى وجود تفاعل بشري يمكن تحليله واستثماره اقتصاديًا.

أزمة التعريب والنقل المفاهيمي

تشير دراسات عربية عديدة إلى أن ترجمة مصطلحات الإعلام الرقمي من الإنجليزية إلى العربية جرت في كثير من الأحيان بصورة سريعة ومن دون تأصيل معرفي كافٍ. فقد تُرجم مصطلح (Social Media) إلى "وسائل التواصل الاجتماعي"، وإلى "الإعلام الاجتماعي"، كما استُخدمت صيغ أخرى مثل "الوسائط الاجتماعية" و"الشبكات الاجتماعية".

ولا يعكس هذا التعدد بالضرورة ثراءً لغويًا، بقدر ما يكشف غياب اتفاق مفاهيمي واضح حول طبيعة هذه الظاهرة. فالمشكلة لا تكمن في الترجمة بوصفها نقلًا للكلمات، بل في نقل التصورات الفكرية المصاحبة لها. فعندما نستعمل عبارة «وسائل التواصل الاجتماعي»، فإننا نعيد بصورة غير مباشرة إنتاج تصور يرى أن التفاعل الإنساني هو الوظيفة الأساسية لهذه المنصات، في حين أن الأبعاد الاقتصادية والخوارزمية قد تكون أكثر تأثيرًا من التواصل ذاته.

المنصات ليست محايدة بالكامل

غالبًا ما تُقدَّم هذه التطبيقات باعتبارها أدوات مفتوحة للتعبير والتفاعل، إلا أن الواقع المعاصر يكشف أنها تؤثر كذلك في تشكيل الرأي العام، وأنماط الاستهلاك، والسلوك الرقمي، وحتى الصحة النفسية للمستخدمين. فخوارزميات الاقتراح وإعادة النشر والموضوعات الرائجة لا تعمل بطريقة محايدة تمامًا، بل تميل إلى إبراز المحتوى القادر على جذب الانتباه وتحقيق أكبر قدر من التفاعل.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن هذه المنصات ذات أثر سلبي فقط، فقد أسهمت أيضًا في نشر المعرفة، وتعزيز المبادرات المجتمعية، وإبراز المشروعات الثقافية والتعليمية، كما استفادت مؤسسات عديدة من البيئة الرقمية في توسيع الوصول إلى الجمهور وتعزيز المشاركة المجتمعية.

أي بديل لغوي ممكن؟

إذا كان مصطلح «وسائل التواصل الاجتماعي» غير دقيق بصورة كاملة، فإن البدائل المقترحة لا تهدف إلى استبداله فحسب، بل إلى إعادة توصيف الظاهرة بصورة أكثر اتزانًا. فقد يقترح بعض الباحثين استعمال تعبير «المنصات الرقمية» لأنه يركّز على البنية التقنية لهذه التطبيقات دون تحميلها دلالة اجتماعية مسبقة. ويقترح آخرون مصطلح «المنصات الاجتماعية التجارية» لإبراز الطبيعة الاقتصادية لهذه البيئة الرقمية، بينما يذهب اتجاه ثالث إلى استخدام تعبيرات مثل «وسائط التفاعل الرقمي» أو «منصات المحتوى الرقمي» لأنها تصف الوظيفة الاتصالية دون افتراض وجود دور اجتماعي خالص.

وقد تبدو هذه الاختلافات بسيطة من الناحية اللغوية، لكنها في الواقع تعكس اختلافًا في فهم طبيعة الظاهرة نفسها، فاختيار المصطلح ليس عملية حيادية، بل يمثل جزءًا من بناء المعرفة وتوجيه الإدراك العام.

قد يبدو النقاش حول المصطلحات قضية لغوية فرعية، لكنه في الحقيقة يمسّ طريقة فهمنا للعالم الرقمي. فالكلمات لا تصف الواقع فحسب، بل تسهم في تشكيله وإعادة إنتاجه. وعندما نصف هذه المنصات بأنها «شبكات تواصل اجتماعي»، فإننا نمنحها ضمنيًا صورة إيجابية بوصفها فضاءات للتقارب الإنساني، بينما هي في الوقت ذاته أنظمة رقمية اقتصادية وإعلامية معقدة تتجاوز مجرد التواصل، وتهدف إلى إدارة الانتباه والبيانات والسلوك وتحويلهم إلى قيمة تجارية داخل فضاء عالمي شديد التعقيد.

وفي ظل التحول الرقمي العالمي المتسارع، ربما أصبح من الضروري إعادة التفكير في اللغة التي نصف بها هذه المنصات، ليس رفضًا لها، بل سعيًا إلى فهمها بصورة أكثر دقة ووعيًا.

اقرأ المزيد

alsharq رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى... اقرأ المزيد

30

| 18 مايو 2026

alsharq لعبة روبلوكس المدمرة

تذكرون بلا شك حينما اتخذت دولة قطر وبعض الدول الخليجية قرارا لا رجعة فيه بحظر لعبة (روبلوكس) الشهيرة... اقرأ المزيد

30

| 18 مايو 2026

alsharq قانون بطريقة برايل.. فمن يطبّقه؟

في الخامس من أكتوبر 2025، صادق حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى... اقرأ المزيد

192

| 18 مايو 2026

مساحة إعلانية