رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت تسميات متعددة للإشارة إلى منصات مثل فيسبوك وإكس وإنستغرام وتيك توك وسناب شات. فأحيانا قيل: «الإعلام الجديد»، وتارة «الإعلام البديل»، ثم استقر الاستخدام الشعبي والإعلامي على مصطلح «وسائل التواصل الاجتماعي» أو «شبكات التواصل الاجتماعي». غير أن هذا الاستقرار اللغوي لا يعني بالضرورة أن المصطلح دقيق أو محايد، بل ربما يخفي وراءه تصورات ثقافية واقتصادية تؤثر في فهمنا لهذه المنصات ووظائفها.
ظهر مفهوم "الشبكة الاجتماعية" (Social Network) أصلًا في علم الاجتماع خلال القرن العشرين لوصف العلاقات الإنسانية الواقعية، مثل الأسرة والأصدقاء والجيران وزملاء العمل، أي شبكة العلاقات التي تمنح الأفراد الدعم والانتماء والتفاعل المجتمعي. لكن مع ظهور المنصات الرقمية، انتقل المصطلح من مجال علم الاجتماع إلى المجال التقني دون مراجعة كافية لمعناه وحدوده. وهكذا أصبحت التطبيقات الرقمية تُوصَف بأنها «شبكات اجتماعية»، رغم أن بنيتها التقنية ووظائفها الاقتصادية تختلف جذريًا عن مفهوم الشبكة الاجتماعية في العلوم الإنسانية.
من "التواصل" إلى "المنصة"
قبل شيوع مصطلح "وسائل التواصل الاجتماعي"، كانت المنصات تُعرَّف بحسب وظائفها التقنية، كالمدونات والمنتديات وخدمات التراسل أو التدوين المصغّر. فعلى سبيل المثال، كان تويتر، قبل تحوله إلى «إكس»، يُعرَّف بوصفه خدمة للتدوين القصير بعدد محدود من الحروف، لا بوصفه شبكة اجتماعية بالمعنى المتداول اليوم. غير أن النجاح العالمي لفيسبوك في أواخر العقد الأول من الألفية أسهم في تعميم فكرة أن هذه التطبيقات تقوم أساسًا على "التواصل" وبناء "المجتمعات الرقمية".
لكن هل ما يزال التواصل هو الوظيفة الأساسية لهذه المنصات؟ يشير الواقع إلى أن كثيرًا من هذه التطبيقات تحولت تدريجيًا من فضاءات للتفاعل بين الأفراد إلى أنظمة معقدة لإدارة الانتباه، وتحليل السلوك الرقمي، وجمع البيانات، وتوجيه المحتوى بواسطة الخوارزميات. فالمستخدم لا يرى دائمًا ما ينشره أصدقاؤه أو محيطه الاجتماعي، بل ما تختاره الخوارزمية وفق اعتبارات ترتبط بالتفاعل والاهتمام والعائد الاقتصادي.
ومن هنا قد يصبح وصف هذه التطبيقات بأنها «وسائل تواصل» وصفًا غير مكتمل؛ لأنها لم تعد أدوات محايدة للتفاعل الإنساني فقط، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد رقمي عالمي يقوم على إدارة الانتباه والبيانات.
هل هي فعلًا «اجتماعية»؟
تكمن إحدى الإشكالات الأساسية في كلمة "اجتماعي" نفسها. فالمصطلح العربي، وفق ما يورده معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، يشير إلى "علاقات اجتماعية بين المتكلمين؛ سواء أكانت علاقة أُلْفَة أم علاقة رسمية"، وهو معنى يرتبط بطبيعة العلاقات الإنسانية داخل المجتمع وبُعدها التفاعلي والرمزي.
غير أن استخدام هذا الوصف مع المنصات الرقمية يوحي ضمنًا بأنها تعمل لتعزيز المجال العام أو تقوية الروابط الاجتماعية بصورة طبيعية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فهذه التطبيقات مملوكة غالبًا لشركات دولية خاصة تعتمد نماذجها الاقتصادية على الإعلانات، وتحليل البيانات، والاستهداف السلوكي. ولذلك فإن كلمة "اجتماعي" هنا لا تشير بالضرورة إلى التضامن أو الرعاية أو المنفعة العامة، بل إلى وجود تفاعل بشري يمكن تحليله واستثماره اقتصاديًا.
أزمة التعريب والنقل المفاهيمي
تشير دراسات عربية عديدة إلى أن ترجمة مصطلحات الإعلام الرقمي من الإنجليزية إلى العربية جرت في كثير من الأحيان بصورة سريعة ومن دون تأصيل معرفي كافٍ. فقد تُرجم مصطلح (Social Media) إلى "وسائل التواصل الاجتماعي"، وإلى "الإعلام الاجتماعي"، كما استُخدمت صيغ أخرى مثل "الوسائط الاجتماعية" و"الشبكات الاجتماعية".
ولا يعكس هذا التعدد بالضرورة ثراءً لغويًا، بقدر ما يكشف غياب اتفاق مفاهيمي واضح حول طبيعة هذه الظاهرة. فالمشكلة لا تكمن في الترجمة بوصفها نقلًا للكلمات، بل في نقل التصورات الفكرية المصاحبة لها. فعندما نستعمل عبارة «وسائل التواصل الاجتماعي»، فإننا نعيد بصورة غير مباشرة إنتاج تصور يرى أن التفاعل الإنساني هو الوظيفة الأساسية لهذه المنصات، في حين أن الأبعاد الاقتصادية والخوارزمية قد تكون أكثر تأثيرًا من التواصل ذاته.
المنصات ليست محايدة بالكامل
غالبًا ما تُقدَّم هذه التطبيقات باعتبارها أدوات مفتوحة للتعبير والتفاعل، إلا أن الواقع المعاصر يكشف أنها تؤثر كذلك في تشكيل الرأي العام، وأنماط الاستهلاك، والسلوك الرقمي، وحتى الصحة النفسية للمستخدمين. فخوارزميات الاقتراح وإعادة النشر والموضوعات الرائجة لا تعمل بطريقة محايدة تمامًا، بل تميل إلى إبراز المحتوى القادر على جذب الانتباه وتحقيق أكبر قدر من التفاعل.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن هذه المنصات ذات أثر سلبي فقط، فقد أسهمت أيضًا في نشر المعرفة، وتعزيز المبادرات المجتمعية، وإبراز المشروعات الثقافية والتعليمية، كما استفادت مؤسسات عديدة من البيئة الرقمية في توسيع الوصول إلى الجمهور وتعزيز المشاركة المجتمعية.
أي بديل لغوي ممكن؟
إذا كان مصطلح «وسائل التواصل الاجتماعي» غير دقيق بصورة كاملة، فإن البدائل المقترحة لا تهدف إلى استبداله فحسب، بل إلى إعادة توصيف الظاهرة بصورة أكثر اتزانًا. فقد يقترح بعض الباحثين استعمال تعبير «المنصات الرقمية» لأنه يركّز على البنية التقنية لهذه التطبيقات دون تحميلها دلالة اجتماعية مسبقة. ويقترح آخرون مصطلح «المنصات الاجتماعية التجارية» لإبراز الطبيعة الاقتصادية لهذه البيئة الرقمية، بينما يذهب اتجاه ثالث إلى استخدام تعبيرات مثل «وسائط التفاعل الرقمي» أو «منصات المحتوى الرقمي» لأنها تصف الوظيفة الاتصالية دون افتراض وجود دور اجتماعي خالص.
وقد تبدو هذه الاختلافات بسيطة من الناحية اللغوية، لكنها في الواقع تعكس اختلافًا في فهم طبيعة الظاهرة نفسها، فاختيار المصطلح ليس عملية حيادية، بل يمثل جزءًا من بناء المعرفة وتوجيه الإدراك العام.
قد يبدو النقاش حول المصطلحات قضية لغوية فرعية، لكنه في الحقيقة يمسّ طريقة فهمنا للعالم الرقمي. فالكلمات لا تصف الواقع فحسب، بل تسهم في تشكيله وإعادة إنتاجه. وعندما نصف هذه المنصات بأنها «شبكات تواصل اجتماعي»، فإننا نمنحها ضمنيًا صورة إيجابية بوصفها فضاءات للتقارب الإنساني، بينما هي في الوقت ذاته أنظمة رقمية اقتصادية وإعلامية معقدة تتجاوز مجرد التواصل، وتهدف إلى إدارة الانتباه والبيانات والسلوك وتحويلهم إلى قيمة تجارية داخل فضاء عالمي شديد التعقيد.
وفي ظل التحول الرقمي العالمي المتسارع، ربما أصبح من الضروري إعادة التفكير في اللغة التي نصف بها هذه المنصات، ليس رفضًا لها، بل سعيًا إلى فهمها بصورة أكثر دقة ووعيًا.
رواتب لربات البيوت
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى... اقرأ المزيد
30
| 18 مايو 2026
لعبة روبلوكس المدمرة
تذكرون بلا شك حينما اتخذت دولة قطر وبعض الدول الخليجية قرارا لا رجعة فيه بحظر لعبة (روبلوكس) الشهيرة... اقرأ المزيد
30
| 18 مايو 2026
قانون بطريقة برايل.. فمن يطبّقه؟
في الخامس من أكتوبر 2025، صادق حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى... اقرأ المزيد
192
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5730
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5526
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026