رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أخي العزيز
قرأت تعليقك بالورقة والقلم، محاولا أن أخرج إلى قلب ما تقول، قد يشفع لنا حسن الظن بأنفسنا وادعاء كل منا التجرد وهي نعمة من الله إن استقرت فينا يكون لنقاشنا جدواه. دعني لا أتناول الأمر بترتيب عرضك له، لأن الأمر ليس حجة مقابل حجة ولكنه محاولة تنشد صدق قراءة الواقع قبل الحكم عليه واتخاذ موقف تجاهه.
وأعتقد أنك معي بأن الانتقال في الحوار من (ثورة يناير وخصوصية أنها ثورة شعب بلا زعامات، إلى توصيفك للحالة الآن) إننا أمام صراع سياسي لن يكون فيه غالب ومغلوب، وأمام مشكلة سياسية خلقتها اختيارات خاطئة للنخب السياسية من الطرفين منذ بداية مسار الانتقال. وتصور فريق ما بأن بإمكانه فرض وجهة نظره على الآخر لن ينتج عنه إلا دفع الناس إلى التصادم في الشارع وسقوط ضحايا بشرية من الطرفين، بجانب تخريب مسار الانتقال بأكمله وإدخال البلاد إلى نفق مظلم، وهو بيت القصيد وهو لب الاستيعاب لحقيقة ما يدور.
فهل فعلا ما نواجهه مشكلة سياسية؟
وهل الأحزاب المطروحة أمام الشعب وبتعدد انتماءاتها، هي أحزاب الثورة أو هي أحزاب تعبر عن مجتمع خرج ثائرا، أم أنها أحزاب تمضغ آلام الشعب وتأخذ منها سبيلا للصدام فيما بينها، والصدام هنا كلمة تتجاوز الحقيقة، فهم يكتفون بصراخ "الميكروفونات" وشاشات التلفزيون ويتفقون معا على حالة الانتقال من "الثورة أو بروفة الثورة" إلى "الصراع السياسي"، وما قضايا الثورة غير أرضية تستر بها الصراع على الكراسي.
ثم الحديث عن المؤامرة (والثورة التي تجاوزت كل المؤامرات وفخاخ العنف المتتالية طوال ما يقرب من سنتين، ستتجاوز المؤامرة الحالية).
ثلاثة عناصر: الانتقال من ثورة إلى صراع سياسي - الأحزاب التي تأخذ بقاعدة الفيتو فيما بينها - المؤامرة الحالية.
المشهد كما أقرأه أن الثورة لم تتجاوز المؤامرات حتى نصل إلى مؤامرة حالية، وأن انتقال الثورة إلى صراع سياسي هي واحد من مظاهر المؤامرة، ولكن المشهد المحوري في الثورة بدأ مع الوقائع المؤدية إلى ثورة يناير وطوال الأشهر المنقضية، وهو إخراج الكتلة الشعبية من المعادلة والحيلولة دون تحقيق نتائج تتجاوز الأحجام والقدرات المحدودة للأحزاب والجماعات، ويضاف إلى ذلك السيطرة على النتائج وألا تكون تلك النتائج حافزا لتكرار الاحتشاد الشعبي.
المؤلم أن المؤامرة الرئيسية مازالت مستمرة تحت هذه الغايات ولا يعطي الواقع أي دلالة على أنها استكملت أركانها، وما يراه البعض اليوم مؤامرة هو في توصيفه المباشر محاولة لمواجهة نتائج المؤامرة الرئيسية.
ولا أتجاوز الواقع أيضاً أن العنف الذي دار طوال العامين الماضيين كان له محاور متعددة:
محور ترهيب الشعب وهو محور بدأ في أعقاب الأيام الأولى للثورة واتهم فيه "البلطجية"، ولكن العديد من الوقائع تؤكد أن وراءها قطاع من الداخلية، وواجه هذا المحور ما جرى تسميته "باللجان الشعبية"، لينتقل الأمر إلى عمليات قرصنة سواء بسرقة السيارات أو البنوك وغيرها من صور الإرهاب.
محور الصراع الطائفي، منذ اللحظات الأولى للثورة وحتى ماسبيرو، ويومها خرجت مذيعة بالتلفزيون تستنجد بأهل بولاق أبو العلا، لإنقاذ الجيش والتلفزيون من هجوم "مسيحي"، ولم يكلف أحد نفسه التدقيق في الوقائع.
محور العنف الناتج عن أجندة انتقال السلطة كما وضعها البشري، وهو عنف كان ظاهره ثورة وحقيقته رحلة الإقصاء الداخلي بين أطراف الصراع على وراثة الحكم تحت المظلة الأمريكية ويومها كان التحليل أن القوى المضادة للثورة أكثر قدرة على تحديد عناصرها وأهدافها، وأن القوى المنتمية لحركة الشعب كانت تأخذ الأهداف جزئيا دون تمييز لها بمدى أثرها على قضايا التغيير، وجرى استبدال الخصومات والالتفاف على تطهير النظام بمحاكمة حسني، بينما كافة قضايا المتظاهرين تنتهي بالبراءة، ولتتم المصالحة مع كل عناصر النظام السابق، وتبقي فقط الخصومة السياسية والاجتماعية مع الثورة وعناصرها، وهو ما انتهى إليه أداء الفترة الانتقالية واندثرت مهامها الأساسية دون تحقق.
ووصلنا إلى مشهد العنف المتوالي من مرسي واجترائه بما يسمى بالإعلانات الدستورية وهو نوع من العنف لا يسفك دم الأفراد ولكنه يحاصر دولة وشعب وثورة، وواكب هذا عنف استخدام ميليشيات الإخوان لحصار الدستورية ثم واقعة الأربعاء 5 ديسمبر بالعدوان على معتصمي الاتحادية وقتل 10 من المعتصمين، وكان الأربعاء الأسود هذا إيذانا بانتقال العنف داخل ذات مؤامرة الاستيلاء على السلطة إلى مرحلة جديدة.
لدي قناعة أن ما نشاهده هو حالة من المقاومة الشعبية غير المنظمة.
وأن نظام الإخوان يدعي أنها مؤامرة على الديمقراطية؟
وهنا يصبح الحديث عن ديمقراطية الصندوق هو ادعاء بغير سند من معنى الديمقراطية، فالديمقراطية لها شروط واجب توافرها وهي تتحقق عبر تراكم اجتماعي واقتصادي وتعليمي وسياسي وليست مجرد طرح البدائل العاجزة والمرفوضة أمام شعب ليختار بأي صور العجز يمكنه أن يقبل.
ولعلك تراجع الدعوات المتتالية من محمود مكي إلى أبو إسماعيل عن القوة والميليشيات والعنف والتربص، وأخيرا قرار من النائب العام بمنح الضبطية القضائية إلى عموم الناس.
ما يوصف أنه مؤامرة جارية هو في حقيقته مقاومة للمؤامرة المستمرة على الشعب، وحالة المقاومة هذه تؤكد عجز كل الأحزاب وتتجاوزها.
وتقول يا صديقي (كما أن الانقسام الشديد بين الطرفين قد يدفع المؤسسة العسكرية إلى التدخل. فالجيش في مصر جزء من المعادلة قبل الانتقال وبعد الانتقال. المشكلات السياسية تحتاج إلى حلول سياسية، والحلول السياسية تحتاج إلى تقدير الأمور بشكل صحيح والتدبر في عواقب القرارات.)
"الجيش في مصر جزء من المعادلة"، قولة حق ويجب النظر إليها بموضوعية وبعيدا عن الشطط أو التمني.
1) إن كانت أهداف الثورة (عيش - حرية - عدالة اجتماعية)، غير إن الحقائق والمعلومات جعلت في مضمون الشعار "بناء جيش وطني قوي" هدفا من أهداف الثورة وكلما ازداد الوعي تزايد وضوح هذا الهدف.
2) إن الجيش المصري هدف لقوى خارجية لإحالته إلى قوة لمواجهة "الإرهاب"، أي قوة مضافة ضمن "الفيلق العربي بحلف الناتو" كقول صديق آخر.
3) إن العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية، مسألة علمية، وليست رهن بالأهواء أو بمحاولات السيطرة على المجتمع، وهذه العلاقة كانت محل بحث عبر التاريخ، وبحثتها مصر واستقرت على توصيفها منذ 1967، ولكن ما حدث في الدستور كما وصفت الصحف الأجنبية ولها أهواؤها، أن الدستور أعطى الجيش الحكم الذاتي لنفسه.
4) إن الجيوش في الدول النامية وهي الكتلة الصلبة في تلك المجتمعات، هي الأكثر تنظيما والتي تملك السلاح، وهي القادرة على الانقلاب على سلطة الحكم.
5) التجربة خلال الفترة الانتقالية حملت من الوقائع ما أحدث شرخا بين جمهور المتظاهرين والجيش، خاصة في وقائع المحاكمات والسحل والاعتقال والقتل بل إن المؤتمرات الصحفية كانت في ذاتها تزيد من التوتر أكثر منها تزيد من الوضوح، وإذا كان الجيش من طرفه وضع مبررات لموقف منه، غير أن هدف استبعاده من معادلة القوة كان هدفا داخليا وخارجيا لإفساح فرصة كاملة للاستيلاء على السلطة دون تحقيق مهام الفترة الانتقالية.
6) إن وقائع العنف في سيناء، ليست مصادفة، ولأن الصراع على سيناء صراع بين مصر وأطراف أمريكية إسرائيلية ضمن مشروع تبادل الأراضي للتخلص النهائي من القضية الفلسطينية، فكان الغريب تلك الموجة من تنظيمات إسلامية مسلحة على سيناء، وليس آخرها الهجوم على رفح، ولكن الخطر يكمن في التسلل لمواجهة الجيش في سيناء بعد القبض على عناصر جرى نسبهم إلى كتائب القسام.
7) إن حالة الاستدعاء للجيش ليقيم توازنا مع سلطة القرصنة على الدولة، يواجه الآن بالحديث عن مدنية الحكم، غير عابئ بأن أحد شروط مدنية الحكم هي دستور توافقي، ولعلك ترى في حكم محكمة القضاء الإداري بوقف الانتخابات وإحالة قانون الحقوق السياسية إلى الدستورية ما يؤكد أن مسؤولية الجيش في حماية الدستور مسؤولية قائمة حتى وإن اختلف الجميع على الدستور، فليس للجيش أن يضع من عنده دستورا وإلا كان انقلابا على الحكم، والسؤال ما الذي يحول دون الانقلاب على الحكم؟ هل هو صحة الحكم؟ أم غياب إرادة الانقلاب عن الجيش وعدم رغبته للدخول طرفا في صراع سياسي؟
8) السؤال الآن، هل الجيش المصري طرف يمكن لأي جماعة أن تعلن أنها على استعداد لمواجهته بالسلاح كما تحدث أبو إسماعيل؟ وهل ونحن نطالب الجيش أن يبتعد عن "السياسة" نطلب منه أن يكون كما خصيان بني أمية؟ وهل يمكن أن نبني جيشا مصريا قويا دون أن يكون من خلفه مجتمع متماسك يضع الجيش في مكانته الحقيقية بالنسبة للمجتمع؟
حاولت أيها الصديق أن الملم عناصر الصورة، ولكن الخطر الذي يحيق بالوطن للأسف مصدره المؤامرة المستمرة منذ قيام الثورة، أطراف المؤامرة لم تتبدل، والحديث عن البلطجية وما يطلق عليهم الفلول، هو ذر للرماد في العيون حتى لا تنكشف حقيقة أطراف الصراع.
الصراع على الهوية والسلطة، لا أشك في أن الإخوان والتنظيمات المتأسلمة قد خسرت صراع الهوية، وبقي صراع السلطة وسيستمر، لأن البحث عن حكماء وسط غابة الأهواء هو العبث بعينه.
ليدرك مرسي ومن يخالفونه أن المعارضة بالوكالة قد انتهت، ومواجهات الشعب في كل اتجاه هي معارضة بالأصالة، هي مصالح تائهة لا تجد سبيلها للتحقق، ففتحت الباب أمام مواجهات تتباين وتتعدد وتنتشر بعرض مصر وطولها.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43473
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7122
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5379
| 13 سبتمبر 2026