رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان الأسبوع الماضي واحدا من أعظم الأسابيع التي مرت في تاريخ مصر وثورة الشعب المصري، حيث تجلت فيه طبيعة الصراع بين نظام سقط وفقد شرعيته ويأبى التسليم بالحقيقة، وبين شعب أدرك حقه في الحياة وامتلك إرادته وسلك الطريق وتمسك به. فبينما تتجلى الإرادة الشعبية ويتراكم الزخم الشعبي من حولها متجاوزا قدرة أي تنظيم أو أي قوة سياسية، وتتحول مظاهرات المئات التي دارت طوال السنوات الماضية إلى المظاهرات المليونية، وتبلغ الثمانية ملايين حسب إحصاء وكالة الأنباء الألمانية، وتشمل كل أنحاء مصر، وتطيح بأي إمكانية لبقايا النظام للقيام بانقلاب مضاد، وتسقط عن النظام كل أوراق الشجر التي حاول أن يستر بها وقوعه تحت أقدام الثورة، رغم كل ذلك تحاول بقايا النظام وأد الثورة بالقتل والحرب النفسية والتشويه والالتفاف السياسي. لم تتجاوز الثورة الشعبية النظام فحسب، بل تجاوزت العديد من النخبة، والأحزاب القائمة، وإن استثنينا منها حزب الجبهة الوطنية، وتجاوزت جماعة الإخوان المسلمين، وتجاوزت حتى الحكماء الذين يملكون قدرات رائعة، فبينما هم يقولون إنها ثورة، يتحدثون عن مطالب إصلاح وعن شرعية قائمة وكأن المطلب هو الإعداد لرئيس يأتي، أو فتح أفقا للترشيحات. وإذا كان حزب الجبهة، والشباب في ميدان التحرير، قد تمسكوا بمعنى الثورة ومطالبها، فإن الدكتور محمد البرادعي أيضا كان متمسكا بدلالات الحدث وموجبات التغيير. ورغم هذا فالجميع حريص على الاصطفاف مع الجميع، ولكن السؤال هل الجمع والاصطفاف يؤدي إلى غير النتيجة الصفرية دون إتمام الفرز قبل الاصطفاف... سؤال يفرض نفسه على كل القوى، والأفراد؟ المشهد أمامنا يجمع النظام الذي فقد شرعيته يوم 25 يناير، والأحزاب والنخبة، وثالثا الجماهير صاحبة الثورة. لم يتوان النظام عن شيء يمكن استخدامه وتركه دون استخدام: لم يتوقف النظام عن ممارسة القتل، وتجلى ذلك فيما اصطلح على تسميتهم بالبلطجية، وبلغ الأمر أن يمتلكوا السلاح الناري ويقتلوا 11 متظاهرا بين الأربعاء 2 فبراير والجمعة 4 فبراير، واستخدموا قنابل مسيلة للدموع، والخيل والجمال، واستخدموا قنابل مولوتوف وكرات النار، ويكتشف المعتصمون أن البلطجية ــ وهم فاقدو الإحساس نتيجة المخدرات التي يتناولونها واكتشف ذلك الأطباء الذين حاولوا علاج بعضهم من الجروح دون تخدير ــ كانوا بصحبة رجال من الشرطة بلباس مدني، وأعلن رئيس وزراء الحزب الوطني ــ كما أعلن هو وأكد ــ أنهم لا يعلمون عنهم شيئا. وعندما فشلت محاولات البلطجية مع المعتصمين بميدان التحرير، تحولوا لقطع الطرق علي القادمين إلى الميدان، وأمام أعين الجيش جرى التعرض للغذاء والدواء ومحاولة منعه من الوصول للمعتصمين. غير القتل، لجأوا إلى الاعتقالات، ففي الوقت الذي كانوا يدعون فيه إلى الهدوء والحوار ورفض الممارسات السابقة من الأجهزة الأمنية، كانت حملات المداهمات لمكاتب الجمعيات الحقوقية والمدنية واعتقال أعضائها، ولو لمدة 48 ساعة، ولكن بعد تحطيم مكاتبها وترويع الجميع بشكل المداهمات وعنفها، وأيضا كان الأمر يتم مع المكاتب الصحفية، وجرى الاعتداء على بعضها وعلى أطقمها، وجرى إنذارها بالانسحاب من الفنادق المحيطة بميدان التحرير، وجرت مهاجمتهم أيضا، وفوق كل ذلك جرى اعتقال بعض من نشطاء ميدان التحرير. وشنت حملة تشويه وحرب نفسية من نوع تلك الحملات القديمة والبالية، أن متظاهري 25 يناير قد أنهوا تظاهراتهم، وأن الموجودين بالتظاهرات بعد ذلك يعملون وفق أجندات أجنبية، مما أعاد النكت السياسية الساخرة إلى التداول، وأصبح كل واحد يطالب "بأجندته"، أو "بوجبة الطعام الفخمة" أو"بالمائة يورو" التي قالوا إنهم يتقاضونها مقابل انضمامهم للتظاهرات، حتى إن البعض قالوا: لو أنها حقيقة لانضم مبارك للاعتصام لأخذ المائة يورو، وبلغ الأمر ببقايا النظام أن يعلنوا عن مخطط من إيران وحماس وحزب الله للإضرار بالوطن!! ثم بدأ الحديث عن جلال وكرامة وحرمة السيد الرئيس الذي يجب أن ينهي فترة رئاسته ويخرج بكل تكريم، وكأن كل دم الشهداء الذي تجاوز 400 شهيد، والجرحى الذين تجاوزوا 5000 جريح، كل ذلك ليس كافيا لتكريمه، أو على الأقل الحض على التغاضي عن هذا التكريم لصالح وطن تمارس فيه سلطة هذا الرئيس القتل كل يوم دون رادع. حاول النظام إعادة صياغة المشهد بأن من يعتصمون بميدان التحرير، هم الشباب الذي له مطالب، وأنهم سوف يرعون هذا الشباب، ولكن في إطار من الشرعية، واندمج من النخبة الكثيرون وكل الأحزاب في ذات الرؤية، وهو أمر يفرغ ما تحقق من قيمته. الحدث ثورة شعب، كان الشباب رأس الرمح لها ووقودها، ولكن الشعب في كل مصر خرج ليرفض النظام ويسقطه، والمطالب أيضاً رفعها الشباب، ورفعها العديد من الكتاب والحركات، وهي في مجموعها مطالب شعب يرفعها الشباب ويحميها الشعب ويطالب بها. وهكذا تكسرت هذه الموجة، ولأن جعبة الساحر لا تخلو من الألاعيب، فقد جرى حصر المطالب في أمور إصلاحية، وتعديلا لمادتين في الدستور، ويجب الحفاظ على الرئيس والمجالس المزورة وكل شيء إلى حين انقضاء المدة الدستورية لولاية الرئيس. وهذا أقصى ما يملكون، وهو الادعاء بضرورات الشرعية الدستورية، ويصل الأمر بأحد الرجال المحترمين للقول بأننا لو أسقطنا الشرعية الآن فإننا نضع سنة أن أي فعل غوغائي يمكنه أن يسقط الشرعية، وهو ما يعني ضمنيا أنه يرى ثورة الشعب نوعا من الغوغائية. ورولت الأحزاب والنخبة إلى حوار الطرشان بين نظام سقطت عنه الشرعية، وبين أحزاب ونخبة لا تملك ولا تستحق، فهي التحقت بقطار الثورة عندما وجدته تجاوز محطة إسقاط الشرعية، وتعجلت اقتسام الكعكة، ولكنها لم تدرك أن رحلة القطار لم تصل إلى محطة الوصول النهائية بعد. عندما سقط النظام يوم 25 يناير سقطت معه شرعية الأحزاب والدستور والقوانين المكملة، وصارت الشرعية التي تحمي الوقائع هي الشرعية الشعبية، أو الشرعية الثورية، مما جعل كل أفعال النظام الساقط عدوان علي الشرعية وليس العكس. هكذا تجلى الأمر مساء الأحد 6 فبراير، وإن أضيف إليه جديد تحاوله جنازير الدبابات والمدرعات، وهو تقليص مساحة الاعتصام، وينام المعتصمون داخل الجنازير ويصنعون سلسلة بشرية تحول دون تحرك الدبابات والمدرعات، اللحم والدم في مواجهة الرصاص والدبابة والمدرعة، ولكن كلا منهما يعبر عن إرادة تسعى كي تفرض نفسها في مواجهة الأخرى، وحتى اللحظة ما زالت الإرادة الشعبية تملك زمام المبادأة، بل وتملك خطوطا بشرية تمتد بعمق الوطن كله، بينما أعمال البلطجة التي يستند إليها النظام الساقط لا تملك غير أعمال الإرهاب الجبان، وتحت راية الحفاظ على الشرعية. مفترق الطرق الذي وصلت إليه حركة الثورة الشعبية يفرض علينا إعادة التذكرة بأهداف هذه الثورة: رحيل الرئيس عن منصبه، وبكرامته، ولا يعني هذا ركوبة لطائرة "بن علي" إلا إذا شاء هو، وعلى الجميع إدراك أن الثورة في مصر لا تمسك بكتالوج الثورة التونسية وتعمل على أساسه، ولكنها تدرك قيمة الثورة التونسية كما هي تدرك قيمة ذاتها وخصوصيتها. إلغاء قانون الطوارئ. حل كافة المجالس المزورة الشعب والشورى والمحليات، وإيقاف العمل بالدستور القائم، وإلغاء كافة القوانين المقيدة للممارسة السياسية. حل الحزب الوطني وإحالة قياداته إلى المحاكمة بتهمة الإفساد السياسي، لعدم جواز تحميل كل جرائم الحزب لفرد واحد، وإذا كان الحزب يتجمل، فهذا أمر لا يعني أحدا، فهو مصدر للفساد وليس له وجود بعد 25 يناير. تشكيل مجلس رئاسي، وتمثل فيه القوات المسلحة. تشكيل وزارة تكنوقراط، للفترة الانتقالية. تتحدد مدة الفترة الانتقالية بالمهام الواجب إنجازها: • إلغاء قانون الأحزاب وإطلاق حرية تكوين الأحزاب. • إطلاق حرية إصدار الصحف. • تشكيل اللجنة التأسيسية. • إدارة الحوار الوطني حول الدستور الجديد. • إقرار القوانين المكملة للدستور. • الاستفتاء علي الدستور والقوانين المكملة. إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية. بدون الوعي أن ما حدث منذ 25 يناير حتى اللحظة هو ثورة شعبية، وليست مظاهرة تطالب بتعديلات لانتخاب رئيس، فإننا نكون قد فقدنا الطريق، وهو ما ينطبق على العديد من الأحزاب والقوى والنخبة. ولعل الصراع بين طرفي المعادلة حول انتماء القوات المسلحة ينتهي بها إلى الانتماء للإرادة الشعبية في مواجهة صلف نظام تهاوى، ومازال يمسك بالوطن وقيمه وعلاقاته ليأخذها معه إلى أخدود مظلم صنعه لنفسه. إن أصداء الثورة الشعبية في مصر تؤتي أكلها في اليمن الذي أعلن عدم التمديد وإلغاء التوريث، وأدى إلى إلغاء قانون الطوارئ في الجزائر، ووصل بالتحركات الشعبية في الأردن إلى إقالة الوزارة القائمة وتشكيل وزارة جديدة، وهي تدفع بالجماهير في الأقطار العربية إلى استرداد زمام المبادأة والأخذ بمبدأ الحركة الشعبية سبيل لاسترداد الإرادة الشعبية وإعمالها. حتى اللحظة مازالت الجماهير تعبر عن إرادتها بأسلوب سلمي، وتواجه أعمال البلطجة بموقف دفاعي أعزل من أي أدوات للدفاع غير الحجر. انتصرت على الخوف بالشهداء، وعلى الفوضى باللجان الشعبية، وهي تراهن على أن تصل رسالة التغيير إلى القوات المسلحة، لتدرك الأهداف وتقوم بدورها، كما أن الجماهير على يقين أن الزمن لصالح الثورة وليس على حسابها.
2298
| 08 فبراير 2011
تجاوز الشعب المصري بإرادته وحركته وإصراره ودماء الشهداء، كل ما كنا نأمل ونتوقع نحن المؤمنين بأن الشعب وحده القادر على الحركة من أجل التغيير وتحقيقه. أيام أو هي ساعات خلال تلك الأيام، نقلت الحركة من يوم الغضب في 25 يناير، إلى جمعة الشهداء في يوم 28 يناير، وخلال خمس ساعات من بعد صلاة جمعة الشهداء، كان ملايين المصريين يزيحون نظام مستبداً، متجاهلاً لكل قيم الشعب وتاريخه، جثم على صدر مصر لمدى 30 عاما، في ثاني ثورة شعبية في الوطن العربي خلال شهر يناير، وكأن الأمة العربية في موعدها مع يقظة الشعب وثورته. فرط نظام مبارك في حقوق الشعب وثروته، واستهان بقدرة الشعب على الثورة، واكتفى بوضع القوة الغاشمة المتمثلة في الأمن المركزي وأوامر القتل المتاحة لقياداته، وكتائب أمن الدولة بالملابس المدنية، وتشكيلات البلطجية التابعة لها، في مواجهة الشعب وكأن هذا النظام المنصرم كان يقول: "ليس للشعب لديَّ سوى القتل". غاب النظام عن الوجود وعن استيعاب الأحداث، وعندما نطق، كان يعلن شهادة وفاته، حيث أصدر رئيس الجمهورية بصفته الحاكم العسكري قراراً بحظر التجول ونزول الجيش المصري لمواجهة "أعمال الشغب والخروج على القانون وأعمال النهب والتدمير والحرق والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة"، نص كان بمثابة شهادة الوفاة للنظام، وبعده يخرج مبارك على الشعب في منتصف الليل ليعلن إقالة الوزارة، وليرفض الشعب التفاف الرئيس على مطالبه، ويعلنون أن دم الشهداء ثمن لتغيير النظام وليس تغيير الحكومة، ويرتفع هتاف الجماهير "الشعب يريد إسقاط النظام"، ويكتشف الجميع أن المبادأة انتقلت إلى الجماهير المحتشدة في كل مصر. وتتوالى الأحداث: - قوات الأمن المركزي التي ظلت تمارس قتل المتظاهرين في كل المحافظات تنسحب من المشهد، وتغادر الساحة في كل الأماكن بعد المقاومة الرائعة التي بذلها المتظاهرون، وبعد سقوط ما يقرب من 200 شهيد وتجاوز أعداد المصابين الثلاثة آلاف مصاب. - الجيش ينزل إلى الشارع، ويصطدم المتظاهرون ببعض طلائعه عندما وجدوا أنها من تشكيلات الحرس الجمهوري، ويتعدل المشهد، عندما تصل تعزيزات من وحدات أخرى، ويكتب عليها المتظاهرون "يسقط حسني مبارك" ويتعانق الشعب مع أفراد الجيش المصري، وتبيت الجماهير في ميدان التحرير، رافضة الرئيس مبارك وتطالب برحيل النظام. - هجوم الجماهير في كل المدن والأحياء على مظاهر وجود الداخلية والحزب الوطني، واحتراق العديد من أقسام الشرطة، وحرق مبنى الحزب الوطني على كورنيش النيل، إعلاناً باحتراق هذا الحزب المسؤول عن كل ما أصاب مصر خلال فترة حكم مبارك. وتأكد أن الجماهير في كل المحافظات تسيطر على الموقف، وأن النظام يسقط. وتبدأ عمليات حرق الأرض، وكأن هذا ما تعلمه النظام من درس الثورة التونسية، وتنتشر عمليات البلطجة والاعتداء على الممتلكات والأشخاص، والهجوم على المنازل الآمنة، ومهاجمة المتحف المصري ومطبعة البنك المركزي، ويتجلى الدرس التونسي في تشكيل لجان شعبية للدفاع عن مصر وفي كل المحافظات، ويصل المشهد إلى ذروته في إطلاق المساجين من السجون بنفس الأسلوب التونسي وكأنها مدرسة واحدة في حرق الأرض وتدمير الوطن. يكرر الغرب وأمريكا ذات الموقف مع تونس، ولكن ثورة الشعب المصري فرضت نفسها على البيت الأبيض وعلى كافة الحكومات الغربية، وهو ما يجب أن نتحسب له، لأن معيار القبول هو الموقف من إسرائيل. ولأن نظام مبارك كان صديقا استراتيجيا لإسرائيل، فهذا واحد من المخاطر المتوقعة على حركة الشعب. لم يعد الأمر المطلوب مجرد حماية الممتلكات من النهب، ولكن المطلوب اليقظة والانتباه لاحتمال مواجهة أفعال إسرائيلية داخل مصر، مما قد يفرض على اللجان الشعبية أن تتحول إلى لجان مقاومة شعبية. وينتقل الموقف من يوم للغضب إلى جمعة الشهداء، ومن غياب للدولة إلى سقوط النظام. سقط الرئيس وسقط معه مشروع التوريث بعد أن سحب الشعب تفويضه له، ولم تعد تفلح الكلمات الشعارية الجوفاء، وعدم اتخاذ المواقف وترك القضايا دون حل ليتكفل بها الزمن، واسترد الشعب النظام الجمهوري بعد أن كان قد تحول إلى نظام الأسرة الحاكمة. سقط الحزب الوطني وعناصر الإفك التي كانت تتخذ منه ستاراً للنهب، السياسي والمادي، وحرقت الإرادة الشعبية وجوه، كما حرقت مقاره بما فيها المقر الرئيسي له، وصارت محاكمة قياداته جميعها وفي كل المحافظات بتهمة الإفساد السياسي والتزوير أحد مطالب الحركة الشعبية. انكشفت حقيقة المجالس المزورة وسقطت سواء على مستوى المحليات أو التشريعية، وصار الواجب حلها، والتحقيق في حقائق التزوير الذي أدى إلى وجودها، وتقديمهم إلى المحاكمة. تجاوزت حركة الجماهير الدستور القائم، والقوانين الناتجة عنه، وصارت إرادة الجماهير هي مصدر الشرعية. بدأت الفئران تهرب من مركب النظام الغارق، وببلاهة وكذب وجهالة يصدر عن الحزب الساقط بيان بقبول استقالة أمين تنظيمه، وبقي سؤال: أين هو هذا الحزب لكي يقبل أو يرفض؟ إن حزب سرقة الوطن، الحزب المحروق. وتحولت حركة الشعب إلى حركة تحرير الوطن وبناء نظام جديد، واستعادة مصر الوطن لكل الشعب وليس لتحالف سلطة شاخت وثروة وطن منهوبة. وتم تجاوز الخوف من الموت، ونزع سلاح القتل من يد الأمن، والذي لم يتوقف عن القتل حتى مساء السبت 29 يناير، حيث كان القناصة يحتلون سطح وزارة الداخلية، وكانت رمايتهم رماية قتل في الرأس والصدر. كذلك تم تجاوز احتمالات الفوضى التي جرى التهديد بها، وظهر للمراقبين أن الفوضى بقدر ما أنها جاءت من بلطجية، فإن عناصر من الداخلية كانت تمارس الاعتداءات على الممتلكات والأفراد حتى أنه أذيع على الفضائيات خبراً عن القبض على أفراد شرطة في سيارة ينقلون عدداً من الجثث، وتكررت مشاهد سيارات الإسعاف التي يستخدمها عناصر من الأمن ويطلقون منها الرصاص. تجاوز الخوف من القتل والقبول بالشهادة، وحصار الفوضى باللجان الشعبية جعلا الوقت معاملا لصالح حركة الثورة الشعبية، وطالما أن الحركة تملك زمام المبادأة، فإن هدوء الثقة يضيف عاملا جديدا من عوامل القوة لحركة الشعب. ويحاول النظام المنهار أن يلتف من جديد، بتعيين نائب رئيس ويختار رئيس وزراء، وكأنه يملك مقومات البقاء، وكأنه لم يخرج بضعة ملايين من شعب مصر في كل المحافظات ترفض هذا النظام وتعلن سقوطه، وهنا ليس المطلوب القياس أساسا على ما يقوم به النظام، ولكن ما الذي نملك أن نفعل؟ ونلاحظ أن الكيانات الحزبية والجماعات تحاول أيضا أن تكون مصدرا للقرار، وهو أمر غير مرفوض، ولكنه يبين أن هناك احتياجا من قوى الحركة الشعبية والشبابية من غير الأحزاب، أن تعبر عن إرادتها وتصورها لمشروع التغيير، ومن بين المطروح من رجال يمكن اعتماد أن الدكتور البرادعي أقرب الأشخاص إلى التعبير عن هذه الحركة الشعبية، وتبدو الأحزاب وجماعة الاخوان في حديثها ومحاولاتها في الانقضاض على الحركة، أنها لا تدرك معنى الدم الذي بذله الشعب، وأعتقد مع كامل الرغبة في توحيد جبهة القوى السياسية، أن الأحزاب وجماعة الاخوان قد سقطت جميعها مع النظام ذاته، وتجاوزتهم حركة الشعب من أجل التغيير، وادراكهم لمعنى الجديد الذي يحدث سيغير من سلوكياتهم وقد يبرر وجودهم. تتمثل مصادر القوة لدى النظام الساقط في الجيش المصري والشرطة. الجيش المصري والصراع بين الشعب والنظام على انتماء الجيش لمن؟ هل هو للشعب أم لشخص الحاكم، وحتى اللحظة يمثل الجيش ضمانة الأمن والحماية لحركة الجماهير من أجل التغيير، وهو ما يمكن الاعتماد عليه لتحقيق التغيير السلمي. والشرطة وبالتبعية وزارة الداخلية تتعرض لاتهامات شديدة من جراء ممارساتها بين الثلاثاء إلى الجمعة الساعة السادسة. قامت قوات الشرطة بالقتل العمد للمتظاهرين العزل وقامت بمخالفة أمر الحاكم العسكري بمعاونة قوات الجيش لحفظ الأمن وانسحابها غير الشريف وترك الأقسام والسجون دون تسليمها إلى الشرطة العسكرية والتحقيقات العسكرية. كما خالف الوزير ومعاونوه وضباط الداخلية القسم بالحفاظ على أمن الوطن والمواطنين، وهروبهم وخروجهم من الشارع مهزومين، هو الخيانة العظمى وإلا فما معنى الخيانة العظمى. ويبقى سؤال ما هي معادلة عودة قوات الشرطة إلى العمل في ظل ظروف عدم الاستقرار، ومن سيقود هذه المؤسسة؟ هل هو الوزير المتهم بجرائم القتل والخيانة العظمى. تعود الشرطة للعمل في إطار معادلة أصابها الخلل مع أفراد الشعب الذين قاموا بدورها أثناء هروبها في حفظ الأمن، هذا غير أنها تعود غير مميزة عن مجرمين وبلطجية سرقوا سياراتها وزيها الرسمي وأسلحتها، كل ذلك ليمارسوا النهب والقتل، فمن منهم الشرطي ومن منهم المجرم؟ لقد خرجت الشرطة من الشارع مهزومة وها هي تعود للشارع مهزومة بتحديد سلطاتها في عدم الاقتراب من ميدان التحرير وعدم التعرض للتجمعات والتظاهرات. هذا ما تواجهه ثورة الشعب المصري، ومازالت المهام أمامها، ومازالت في بداية خطواتها الأولى إلا أنها حققت إنجاز إسقاط النظام وكشف عوار أسلوب مواجهته للأزمات، ونجح هذا الشعب أن يؤكد حقيقة قدرة الشعب على الثورة، ونجح الشباب في الوجود رغم هزيمة وتكلس كل الأحزاب والجماعات ويبقى أن مطالب التغيير ليست نوعا من الكهنوت، الكل تحدث عنها والجميع عرض لها، ولكن البحث كان كيف يمكن التحرك؟ ونجح الشباب العظيم في إتمام التحرك بداية، وقبل الشعب بدفع ثمن الحرية ويدفعه، كلنا نريد أن ندفعه. ليت كل المتكلمة أن يشاركوا الشباب والشعب الثائر الحركة علهم ينجزون شيئاً في حياتهم. المعادلة الآن هي الشباب كرأس رمح لثورة الشعب، وقد اختار الشباب البرادعي شريكاً له، في مواجهة النظام والمعارضة والجماعة.
1582
| 01 فبراير 2011
ستدخل وقائع ثورة الشعب التونسي كنقطة فاصلة في تاريخ العرب، فعلى مدار الأسبوع الماضي وحده، كانت حركة الشعب التونسي وتفاعله مع المستجدات تؤكد أن الشعب التونسي يعرف ماذا يريد وقرر الحصول عليه، ويحصل عليه. يعلم قيمة الزمن فلا يضيعه من بين يديه، وأيضا لا يستعجله. ومن السمات التي تشرق مع النجاحات التي يحققها الشعب ما يمكن أن نسميه "التواضع" كدلالة ثقة، والاعتراف "بدور الشباب" كدلالة وحدة رؤية، وفتح الباب على مصراعيه بلا تحفظ لمن يريد الانضمام لمسيرة التغيير، والتبدلات في موقف الأمن من المسيرات الشعبية بعد رحيل "بن علي" دليل يؤكد ذلك. بدأ التعامل الأمني كأن شيئا لم يتغير، ضرب بالعصي والأحذية، ووجوه تدمي، ثم استخدام كثيف للغازات المسيلة للدموع، ولتنتهي بمشهد إطلاق الرصاص في الهواء وبانفعال مريب، وواجه المتظاهرون كل ذلك بالمصافحة والأحضان والجلوس على الأرض، لينتهي الأمر بانضمام رجال الأمن إلى المظاهرات وقيامهم بإضراب في بعض المواقع. تفاعل متبادل بين أطراف المجتمع يؤكد نجاح التظاهرات الشعبية المستمرة في بدء استقطاب قوات الأمن إلى جانبها. لم يغب عن الشعب في حركته من هو الخصم؟ وما الهدف؟ وكيف الوصول إليه؟ فالهدف إزاحة النظام كله، بشخوصه وحزبه ودستوره وقوانينه، وليس من سبيل إلا الضغط الشعبي بالتظاهر. وأصبحت سمة تونس أن كل صباح يحمل مهاما جديدة بهدف إزاحة نظام الاستبداد، وإتاحة الفرصة أمام قوى المجتمع للائتلاف، ويلاحظ أيضا أن لغة الحديث هي لغة الجماهير وليست طنطنة النخب، حتى أن المذيعين في حواراتهم المذاعة، تكاد تنتابهم حيرة عما يسألون وما الذي يحاولون استكشافه، فالوقائع غير نمطية. ولينضم اتحاد الشغل التونسي للمواجهة ويرفض الانضمام للوزارة، ويطالب بعزل بقايا النظام السابق، وتشكيل وزارة ائتلافية للفترة الانتقالية. يبدو مشهد الوزارة المؤقتة مهينا وهي تستجدي الشعب أن يبقي عليها، ذات المشهد الذي ظهر به بن علي وهو يقول "أنا فهمتكم"، بينما في حقيقة الأمر هو يستجدي الشعب أن يبقيه ولا يطرده. لا يمكن التعامل مع ما يجري في تونس بعيدا عن محيطها العربي، لأنها أقرب إلى الزلزال، وكأنها بيان تجريبي عما يجب أن يحدث وكيف يمكن أن يحدث. وإن كان العالم قد فوجئ بالوقائع والنتائج وفرض عليه ردود أفعال لم يكن يتوقعها تجاه عملائه، فهو من ناحية أخرى استدعى الانتباه للقادم من احتمالات. والمحيط العربي يشهد ألوانا متعددة من المواجهات، انفصال جنوب السودان عن الدولة (99%)، والاقتتال في اليمن بين جنوب يطالب بإلغاء الوحدة وشمال ينفذ تعليمات أمريكية فيما يطلق عليه مواجهة مع القاعدة، وفتحت سماء اليمن للطائرات الأمريكية تقصف ما تشاء وقتما تشاء وبالأجر، أو بالمعونات، ومواجهة تتصاعد في لبنان وتقترب من حافة الحرب الأهلية، أو تتجاوزها إلى حرب جديدة بتصورات غير تقليدية بين أمريكا وإسرائيل من ناحية في مواجهة الوجود العربي كله، ولبنان ساحة هذه المواجهة، وأيضا مواجهة بين الشعوب والأنظمة في مصر والجزائر والأردن. الجميع أمام حالة جديدة، ليست كما كانت قبل 14 يناير 2011، وكأن الشعب العربي اكتشف مكامن الخطر والقوة وخاض تجربة استكشاف القدرات، ووجد طريقة وعرف آلية الطريق، في حين يبدو الصراع واجبا في كل الساحات. وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال اليو ماري كشفت حقيقة الموقف الفرنسي عندما عرضت في الجمعية الوطنية في 11 يناير الحالي على تونس الخبرة الفرنسية للمحافظة على النظام والتعامل مع التظاهرات، وهو الموقف الذي يتفق عليه كل الغرب وأمريكا تجاه المنطقة العربية باختلاف أقطارها وتجاه شعوبها. وكان إعلان الغرب الحرب على الإرهاب هو إعلان بانكشاف مواقفه تجاه قضايا الأمة العربية، وعناده وعدم تغيير هذه المواقف، والذي وصل بنفس الوزيرة أن تتحدث عن الأسير الإسرائيلي شاليط على أنه جريمة حرب، وتناست الوزيرة الفرنسية أن إسرائيل تحتل منذ 44 عاما أراضي صدرت بشأنها قرارات من الأمم المتحدة ويقضي القانون الدولي بعدم جواز ضمها، وغير هذا تناست موقف الجنرال ديجول في مواجهة وقائع حرب 67، شأنها في ذلك شأن رئيس فرنسا ساركوزي الذي كان والده عميلا للمخابرات الأمريكية في المجر عام 1956، وهو من تتهمه الفيجارو بأنه أحد أربع عملاء للموساد في فرنسا. أمريكا والغرب يتعاملون مع المنطقة كوحدة واحدة وهم من قسموها إلى أوطان ويسعون الآن إلى تقسيم المقسم وتفتيته، وهم في سعيهم هذا تجمعهم إستراتيجية واحدة الهدف فيها مواجهة "أمة تقطن هذه الأرض لها قومية جامعة"، ووجود هذه الأمة تهديد لمصالحهم فيها، سواء المكان أو مخزون الطاقة أو إمكانات النمو. وقد يكون التحرك الأمريكي لدعم انفصال جنوب السودان أو فصل دارفور، ولدعم الحريري و14 آذار في لبنان، ودعم أبو مازن في فلسطين، وجرائمهم في العراق على مدى عقدين من الزمن، تصرفات تبدو متسقة مع سياساتهم، ويبدو الغريب والمريب محاولة التجمل التي ادعاها أوباما تجاه الثورة التونسية. تؤكد المعلومات أن مسؤولين في الإدارة الأمريكية كانوا يبحثون عن الموقف الأفضل الذي يمكن للإدارة الأمريكية أن تعلنه بشأن الثورة التونسية، وهذا يعني بأن الإدارة الأمريكية بكل أجهزتها ومخابراتها ومؤسساتها الإستراتيجية فقدت بوصلة التعامل مع الحدث وارتبكت!! مما جعل تصريحات أوباما عن حق الشعب التونسي تمثل حالة نفاق مزر، ومحاولة تماسك في مواجهة ضربة موجعة تلقتها أمريكا والغرب في تونس. واكتشف الغرب عدم صلاحية الحكام التابعين له في درء الخطر عنه، وتحولوا إلى عبء عليه عندما اكتشفت الشعوب حقيقة ولائهم للغرب، وانتقلت من مطالب الخبز والعمل إلى مطلب الحرية والكرامة والعزة، لنفسها وليس لغيرها. واستحضرت ثورة الشعب التونسي دروس الحركة من أجل التغيير في يقين الأمة العربية: 1- أن التردد والخوف هو العائق الأول لحركة الشعب وأن الشباب هو رأس الحربة للحركة من أجل التغيير. 2- أن غياب الأحزاب والنقابات والجمعيات وحتى النخبة ليس معوقا لإتمام الحركة الشعبية، فهي ليست القوة الرئيسية للتغيير، بل بعضهم عبء على حركة التغيير. 3- أن القبول بالتضحية والاستعداد لها سيحرم السلطة من قيمة استخدامها للعنف كرادع لحركة التغيير. 4- أن انتحار محمد بو عزيزي لم يكن الحل ولكنه كان نداء لإدراك الخطر، والحركة الشعبية هي التي دفعت الثمن ـ100 شهيد ـ وحققت النصر باستمرارها ووعيها وشمولها للأرض والشعب وقدرتها على تطوير أدائها وتحديد أهدافها. 5- أن ما يجري بعد 14 يناير 2011 يتم في مناخ نجاح حركة الشعب التونسي وأثر هذا النجاح على كافة الأطراف الداخلية والخارجية. 6- التجربة كشفت أن الأمن مهما بلغت تجاوزاته فالقوات المسلحة حاكم لعدم تماديه في عنف العاجز بقاعدة "شمشون" وهدم المعبد. 7- أن الكيانات المستبدة مهما كان عنف رد فعلها فهي تنهار في مواجهة إرادة شعبية تملك قدرة الحركة وشجاعة المواجهة، وليس أمامها إلا الهروب. 8- أن الزمن لصالح حركة التغيير الشعبية، طالما حسن توظيفه، وجرى استثماره. 9- أن الثقة في شرعية حركة الشعب من أجل التغيير، وحق الجماهير في ذلك، هو مصدر رئيسي للقدرة، ومظلة جمع كل الشعب في مسيرة التغيير. 10- أن هذه الثقة بالحق في التغيير وشرعية التحرك من أجله، تمكن الحركة من الاستخدام الأمثل للوقت والجهد وعدم الانفلات، وتزيد من الثقة في إمكانية تحقيق الأهداف. 11- أن الشعب، وإن غاب التنظيم في بدايات الحركة، وغابت قيادة لها، إلا أنه يملك القدرة على إنتاج حركة شعبية تملك عقلا ذاتيا يفتح أبواب الإبداع أمام الإنسان المواطن، ويكشف مخزون الشعب من قياداته الطبيعية. ورغم محاولات المراقبين الغربيين حصار الثورة التونسية ونفي أي احتمال لتأثيرها عبر حدودها، إلا أن الأوضاع في اليمن ومصر والجزائر تعطي مؤشرات بأن المواجهة قادمة بين الشعب والأنظمة الحاكمة، وها هي في الأردن حركة شعبية لمواجهة الحكومة هناك رغم الخصوصية التي تحيط بالحالة السياسية الداخلية في الأردن. وها هي مصر تنتظر تجليات دروس ثورة تونس، فقد حدد الشباب يوم 25 يناير موعدا ليوم يعلنون فيه غضبهم وكان ذلك محل ملاحظة شخصية كتبت بها إلى البعض منهم، ألا يتم الجمع بين يوم استشهاد رجال الشرطة في مواجهة الاحتلال البريطاني مع يوم احتجاج على أداء الشرطة حاليا، ومع إصرارهم قلت هذا رأي والقرار لكم، ولكن الأمر الذي يثير الريبة، هو غياب الأحزاب عن المشاركة، وكذلك الموقف الذي أعلنته جماعة الإخوان أنها ترفض المشاركة لتوافق التاريخ مع عيد قومي، وهو قول يحاول التغطية على اصطفاف الإخوان في صف النظام الحاكم منذ نجاح ثورة الشعب في تونس، وكأنهم يعودون لمهمة مواجهة الحركة الوطنية والتي استدعاهم إليها أنور السادات. يواجه الشعب العربي ذاته، واستبداد السلطة، وغياب الأحزاب والقوى السياسية، والقوى الخارجية، ولكن دروس ثورة تونس الشعبية تؤكد بوجوب بدء التحرك لأنها لحظة مواتية.
754
| 25 يناير 2011
محمد بوعزيزي وأبو القاسم الشابي، معلمان لأجيالنا في مدرسة الإرادة الشعبية التونسية. أجاب أبو قاسم الشابي على سؤال ما العمل؟ وقال إرادة وشعب. "إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاة.. فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر"، وكيف؟ قال "وللحرية الحمراء بابٌ.. بكل يدٍ مضرجة يُدقّ". تلقي بوعزيزي رسالة الشابي، وجعل حياته رمحا أرسله إلى صدر نظام الحكم في تونس، ليصل خلال ثلاثين يوما، وعبر مائة شهيد برصاص الأمن، وأربعة شهداء آخرين على نهج بوعزيزي يدعمون رمحه برماح حياتهم لتبقى الشعلة موقدة. وحولت جماهير الشعب التونسي إجابة الشابي إلى واقع وحقيقة في كل الأرض التونسية، وحققت ما أرادت، وقبلت بدفع الثمن حشدا وحركة ودما. وهدمت أصنام الخوف والنخبة والاستقواء بالخارج. الشعب العربي بين الفرحة لانتصار أهلنا في تونس، وبين الرغبة في حماية هذا الانتصار ودعمه، وأعترف بصعوبة الكتابة حول هذا الإعجاز الشعبي، فما تم إنجازه إعجاز والمتبقي إعجاز آخر. قال صديق: نجحت حركة "الاحتجاج" الشعبية في تونس في تحويل مطلب اجتماعي واقتصادي إلى مطلب سياسي بتغيير النظام، وافقته وأضفت: كان يمكن أن يتم هذا وتهدأ حركة "الاحتجاج"، ولا تتحول إلى "ثورة" تشمل كل الوطن وكل الشعب، ولكن الحركة ارتبطت بمفهوم الحرية على إطلاقه وارتبطت بمعنى العزة والكرامة، وهذا الارتباط أكسب الحركة الشعبية سمات حركة التحرر الوطني وحولها إلى ثورة شعبية ضد نظام الحكم. يعرض فيديو على شبكة الإنترنت لأحد أبناء تونس في شارع بورقيبة أثناء حظر التجول، وهو يتحرك قاطعا الشارع بالعرض ويصرخ قائلا "الشعب التونسي ما يموتش"، "الشعب التونسي حر"، "تحيا تونس الحرة"، "المجد للشهداء"، والفيديو تم تصويره من أعلى عمارة سكنية، وتسمع صوتا بكاء، وتنطلق زغاريد وكأن الحي كله يسمع الرجل، هل هناك من يملك وصفا لهذا المشهد غير أنه شعب استرد عزته وكرامته وحريته. تجاوزت ثورة الشعب التونسي مرحلة الكلام والبغبغة، وتجاوزت عجز الأحزاب، وتلونها وتوافقها مع النظم الفاسدة وارتباط بقائها ببقاء تلك النظم، وتجاوزت قصور النقابات وجمودها سواء نتيجة القوانين المعوقة لوجودها أو لدعاوى التمييز بين العمل النقابي والعمل السياسي، وتجاوزت غياب التنظيم الجامع والمنسق لحركتها، وتجاوزت غياب قياده للحركة، وتمددت جغرافيا لتشمل كل الوطن، وكل الوقت على مدى الفترة من 17 ديسمبر حتى 14 يناير، وفي حسابات حركات المقاومة للاحتلال أو الأنظمة المستبدة يقسمون اليوم إلى ليل ونهار ولكل طرف جزء من قسمي اليوم، ولكن ثورة الشعب التونسي امتلكت الليل والنهار، سواء هناك حظر تجول ورصاص أو ليس هناك، ولم يقل لنا أحد بعد كيف امتلكوا طاقة العمل لدوام الأربع وعشرين ساعة، كانت حركة كل الشعب كل الوقت وفي كل الأرض. وانضمت بعض الكيانات المنظمة خلال الأيام الأربعة الأخيرة، بعد أن بلغت الحركة حداً لا يمكن عنده إعادتها للوراء، وأعلن الإضراب العام المتصاعد ليكون يوم الجمعة 14 يناير موعد الإضراب العام في تونس العاصمة وتشارك فيه نقابة المحامين. لم تستقو الحركة بالخارج الأمريكي أو الأوروبي، وهو ما يجعل قيمة ثورة الشعب التونسي تتجاوز الحركات الملونة في أوروبا الشرقية والتي دعمتها المخابرات الأمريكية بالتمويل والتدريب والمساعدات الفنية والإعلامية، وهو أمر استولى على عقل وإرادة الكثير من النخبة العربية، وأحالهم على قائمة الرجاء للإدارة الأمريكية، وهذا لم يفعله الشعب التونسي أو انتظره دعما لقواه. فرضت الحركة نفسها بقدرة الاستمرار وتصاعدها علي مستوى المطالب والانتشار، رغم الشهداء الذين سقطوا برصاص الأمن، بل وتكرار عملية الانتحار كما لو كانت إضافة طاقة تحدي لكل الشعب، مما فرض علي العالم الخارجي بعد ثلاثة أسابيع من التجاهل أن يعترف بها، والثورة على أبواب القصر لإزاحة ساكنه، وهو ما تحقق. التحدي الذي تواجهه ثورة الشعب التونسي دخل مرحلة حرق الأرض، والشعب التونسي يقاتل عنا جميعا معركة استخلاص السلطة من مغتصبيها. بدأت مؤامرات القصر والنظام من لحظة إعلان هروب زين العابدين بن علي، وكانت محاولة الالتفاف الأولى بتعيين رئيس وزراءه محمد الغنوشي لنفسه رئيسا بالنيابة، وأعلنت ثورة الشعب أنها لن تقبل هذا، وأن مظاهراتها مستمرة. وفي مواجهة هذا الموقف أعلنت بقايا النظام استحالة عودة الرئيس وتولي فؤاد المبزع (وهو من المقربين لبن علي) رئيس مجلس النواب مسؤولية الرئيس بالنيابة، وبدوره بدأ محاولة الالتفاف الثانية، بأن كلف محمد الغنوشي وهو المسؤول عن المواجهات الدامية خلال الشهر الماضي، بتشكيل الوزارة وأطلق عليها وزارة الوحدة الوطنية، وكما هي العادة تشاور الغنوشي مع الأحزاب التي يمكن أن تتوافق معه تأسيسا على أنها الأحزاب المرخص لها، وعاد الرئيس المؤقت وأعلن التزامه بالدستور وان الانتخابات الرئاسية ستتم خلال 60 يوما. ترتكز محاولات الالتفاف على دعوى "الدستورية" وهي في هذا تعود بتونس إلى التسليم ببقاء النظام مع استبدال رأس النظام، وتجاوبت أمريكا وفرنسا مع مقولة الانتخابات والديمقراطية والدستورية. وأضيف إلى محاولات الإفلات والالتفاف، عمليات تخريب منظمة تقوم بها عناصر تنتمي إلى مؤسسات أمنية للنظام، وبلغ الأمر بمدير السجون التونسية أن يصدر أوامر بفتح بوابات السجون وإطلاق سراح المساجين، وجرى إشعال النيران في عدد من السجون في وقت متزامن وبأسلوب واحد مما أدى إلى وفاة عشرات المساجين، غير حوادث تخريب لمنشآت وقتل لأفراد وترويع لأهالي، والغرض من ذلك كله يبدو إشغال الجماهير التونسية بالدفاع عن منشآتها ومساكنها وأرواحها، وصرف الانتباه عما يحدث بالفعل على المستوى السياسي، والحيلولة دون استعادة القدرة على التجمع والتظاهر. وفي تدخل غريب، يلقي معمر القذافي خطابا يردد فيه مقولات الرئيس الهارب، ويدين حركة الشعب ويدعي أن زين العابدين هو أفضل رئيس لتونس ومدى الحياة؟!، وكأنه يرسل رسالة للشعب الليبي أن الصبر على المكروه والجوع والبطالة أفضل من الثورة عليه؟! في مكان ما في هذه اللحظات، هناك غرفة سوداء يجتمع فيها العديد من ممثلي أجهزة المخابرات وممثلي الدول ليبحثوا الأمر، والسؤال الرئيس أمامهم ما تكلفة القبول بحدوث تغيير بهذا الأسلوب، وما مدى الخطر الذي يترتب على تحقيق نتائج ناجحة لحركة تمرد شعبي؟ وما مردود ذلك على دول المنطقة التي تموج بذات المعاناة والرغبة في التغيير للنظم الحاكمة؟ وهذا الدور يماثل الدور الذي لعبه "نادي السفاري" الذي كان يضم المخابرات الإيرانية والمغربية والفرنسية والمصرية في سبعينيات القرن الماضي ولعب أدواره في إفريقيا ضد حركة الشعوب في أنجولا وإثيوبيا. وفي ذات اللحظة لا يغيب عن المجتمعين الانتشار الخارجي لأبناء تونس وأبناء المغرب العربي في أوروبا، وهو الوجود الذي فرض على فرنسا الخروج عن قناعات سلطة ساركوزي، فرفضت لجوء زين العابدين إليها رغم ما أذيع عن أن فرنسا كانت طرفا في اتفاق مغادرته تونس. ومن بين البدائل المتاحة أمام الحركة المضادة للثورة، الحفاظ على بقايا النظام والتضحية برأس "بن علي" ومنعه من التصرف في أمواله، ويمكن الوصول إلى حد تسليمه للقادم على كرسي الرئاسة في تونس لمحاكمته على الفساد، وهذا كله لا تكلفة له إذا تمت مقارنته بتكلفة خروج الشعب التونسي منتصرا في معركة التغيير، ويحقق التغيير بإرادته وبقواه الذاتية. بقايا النظام ومعمر القذافي والغرفة السوداء لا تخوض معركتها في مواجهة الشعب التونسي فقط، ولكن معركتها الحقيقية في مواجهة استرداد الشعب العربي لإرادته وكسره لحاجز العجز والخوف والثقة في امتلاك قدرة التغيير. ويبقى على الشعب التونسي وقواه الحقيقية من اتحاد الشغل والمحامين والنقابات والأحزاب والقوى السياسية الرئيسة، مسؤولية الاحتفاظ بقوة الدفع وتنظيمها لمواجهة احتمالات المخططات المضادة للثورة، وإدراك أن إزاحة رأس النظام لم تكن هي الهدف، وأن الحزب الحاكم وبقايا النظام في الوزارة والمؤسسات والمجلس النيابي، هي منظومة الفساد، وأن الدستور وترسانة القوانين هي ستار يحمي أهدافها وليس لصالح الشعب، وكل ذلك في خندق واحد معاد للشعب التونسي، وعلى الشعب أن يدرك أن القدرة التي مكنته من تشكيل لجان شعبية للدفاع عن الأحياء والمنشآت في مواجهة عمليات التخريب بالتعاون مع الجيش، هذه القدرة تمكنه من وضع أساس بناء دولة حديثة في تونس المحررة. وتكون البداية من تشكيل وزارة انتقاليه تتولى إعلان حرية تشكيل الأحزاب، وحرية إصدار الصحف، وإلغاء العزل السياسي، وإعداد التعديلات الدستورية والقانونية المطلوبة وتشرف على انتخاب جمعية وطنيه لوضع العقد الاجتماعي الجديد وعلى أساسه تتم الدعوة لانتخاب رئيس للجمهورية، ويمكن حينها القول إن تونس على باب المجتمع الديمقراطي. كتب صديق من تونس في رسالة "إن مصلحة رموز الحزب الحاكم تكمن في بقائهم في السّلطة لتأمين مستقبلهم، وإلا سينتهي بهم الأمر في السجون، فشخص كـ"عبد الله القلال" رئيس مجلس المستشارين الصوري، لا يمكنه الخروج من تونس لأن محاكم سويسرية أصدرت ضدّه برقية تفتيش دولية لجرائم اقترفها لمّا كان وزيرا للداخلية. وقد ظهر "عبد الله القلال" هذا على يمين الوزير الغنوشي في خطاب تنحية بن علي وهو يرتدي ربطة عنق بنفسجية وهو اللّون المفضل لزين العابدين بن علي! وهذا الأمر رغم عفويته فإنّه يدل على أن فكر بن علي ومنهجه التعسفي لا يزال قائما في تونس رغم رحيله". التحديات كبيرة، وما تم إنجازه عظيم، وما زال الطريق لتحقيق الهدف في المنتصف.
1171
| 18 يناير 2011
في المشهد الأخير من فيلم "العصفور" رسم "يوسف شاهين" صورة لحال مصر، فما إن أنهى عبد الناصر خطاب التنحي، كما عرضه الفيلم، حتى انخرط "صاحب المكتبة" في البكاء، بينما خرجت "بهية" إلى الشارع وسط الجموع البشرية تهتف "حنحارب"، ويكمل يوسف شاهين تشريح المجتمع عند تلك اللحظة، ويعرض لسيارات النقل التي تحمل الماكينات المسروقة من مصنع كان يبني في الصعيد إلى مخازن الفساد، الحدث واحد وهو وقوع الهزيمة وتنحي عبد الناصر، ولكن التصرف تجاهه مختلف حسب الانتماء، ورد الفعل في اتجاهين متناقضا تماما، وهي ذات قصة نبيا الله داود وسليمان وصراع المرأتين على ذات الطفل، فما إن قضى سليمان بقطعه بالسكين إلى نصفين، حتى تباين موقف المرأتين، فانشغلت الأم بالدفاع عن ابنها، وصمتت المرأة الأخرى ليكشف سليمان من هي الأم الحقيقية ومن المدعية. ذات المشهد تكرر في مصر في أعقاب انفجار الإسكندرية، بينما انشغل الكثير من المشاهدين بالانفجار على أنه المشهد الرئيس في مصر، وأن الخطر يكمن في احتمالات فتنة تطل برأسها بين عنصري الأمة، وانطلقت الأبواق الحكومية تتحدث عن الإرهاب الذي يهدد مصر، والقادم من الخارج، وفي ذات الوقت كانت قافلة الفساد تتحرك في الاتجاه المعاكس، ولكنها لم تكن تنقل ماكينات مصنع جرى تفكيكها وسرقتها من صعيد مصر، بل كانت تحمل في طياتها مخططا تشريعيا يعلن الإجابة عن السؤال: لماذا كان التزوير مطلقا وفجاً لهذا الحد؟، بل إن أخذنا بنظرية المؤامرة نقول إن حادث الإسكندرية كان أمرا يرجوه ويتمناه تحالف السلطة والثروة الحاكم، فقد وضع الحادث حدا للحديث عن الانتخابات والتزوير، ونقل الحديث إلى الإرهاب والوحدة الوطنية وبينهما ورد الإعلان عن قضية الجاسوسية لتمثل مرحلة انتقاليه. وإدارة الأزمات تقول بوجود فرصة داخل كل أزمة، تمكن من العلاج أو الانطلاق من جديد لتجاوز الأزمة وبناء بيئة تحول دون تكرارها أو تكرار غيرها من أزمات، أو هي تحقق نتائج في إبعاد أخرى غير نطاق الأزمة علي الإطلاق. أعقب انفجار الإسكندرية انفجار آخر في وجه التحالف الحاكم، حيث أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر حكمها بعدم دستورية القانون 100 لعام 93 والمنظم للانتخابات في النقابات المهنية والذي أدى إلى تعطيل النقابات المهنية في مصر، وفرض الحراسة على نقابة المهندسين لخمسة عشر عاما. كان توالي الانفجارات يمكن أن يمثل للتحالف الحاكم أزمات تحرجه، ولكنه استخدم الفرصة المتاحة داخل الأزمات لإعادة توجيه الرأي العام، وإغراقه في أمر الفتنة الطائفية وبحث كيف يمكن أن يعيش عنصرا الأمة معا، ورغم أن الأزمة كشفت غياب الدولة وضعفها تجاه قضايا مصر الرئيسة التي تتحملها مباشرة "المياه والوحدة الوطنية"، إلا أن التحالف الحاكم بدأ مباشرة في الدعاية لقانون الإرهاب، وتوالي الإعلان عن مشروعات جديدة للقوانين حتى القانون 100 كان المشروع البديل له موجودا وجاهزا للعرض ويمكن أن يتم إقراره خلال زمن محدود. من ناحية أخرى كانت "الأزمة ـ الفرصة" تفتح بابا للنقاش الوطني حول "من يصنع الفتنة الطائفية في مصر؟"، وهو سؤال ظلت الإجابات فيما سبق تحوم من حوله وتتجنب المكاشفة، ولكن هذه المرة تم عرض كل الأداءات المؤدية للفتنة، وبلا مواربة. وفتح النقاش أيضاً بابا لكشف "الفتنة الكبرى" المستهدفة في مصر، والمتمثلة في اتهام الشعب بالخنوع، والقبول بالهزيمة، ووصل التجاوز بالبعض باتهام الشعب بالجبن، وكأن المتحدثين والمنظرين هؤلاء قد هبطوا على الشعب من السماء، وليسوا منه. هذا الاتهام الذي يردده البعض هو دلالة غياب عن حقيقة مهمة النخبة، أو الطليعة أو المفرزة المتقدمة في المجتمع، فالشعب هو الهدف، وهو الكتلة الحاسمة لأي صراع اجتماعي إن تم الاقتراب الصحيح إليه لكشف الصورة أمامه، الشعب ليس حالة تمرد دائمة أو حالة خنوع دائمة، الشعب حالة بناء وعمل ومحاولة لتوفير مقومات الحياة دائمة، نعم ينشغل بهموم وطنه بوعيه أو بالاستدعاء أو باستشراف الخطر، وإن كان البعض يراه متخاذلا، فهل من المقبول القول إنه يرى الصراع بين السلطة والنخبة صراع المماليك وأنهم جميعهم يتحدثون لغة لا يعرفها وهو غير موجود في مضمونها فضلا عن غاياتها وأهدافها. وجود هذا الشعب وصبره وقدرته على التحمل، رغم كل ظروف الحياة، هي التي جعلت مصر باقية عبر التاريخ ورغم كل ما ألم بها، أم أن مصر بقيت لأن البعض منهم وجد طريقه للمعرفة الآن، بقلم يقضي به وقت فراغه، أو "كي بورد" يطلق بها عنتريات التقييم للأمة على الإنترنت. لو رجعنا إلى كل التحركات التي دارت على مدى السنوات الست الماضية، لوجدناها إما أنها تحركات نخبة، أو أنها تحركات فئات اجتماعيه، وكلاهما سقطت منه الأحزاب. ولو بحثنا في تحركات النخبة، لوجدناها بدأت انقلابا على الأحزاب بحركة "كفاية"، والسؤال هل جمود الأحزاب مسؤولية الشعب؟ ولوجدنا أن تحركات الفئات الاجتماعية حققت نتائج في مواجهة النظام، هي أخذت المثال من تظاهرات النخبة، واستمدت الإحساس بحقها والشجاعة على المواجهة من المواقف التي خاضتها النخبة، رغم محدودية النتائج التي ترتبت على تلك المواقف. وإذا ما رجعنا إلى باب كسر القيود الذي فتحته حركة نادي القضاة، لوجدناها كانت إطلالة على طريق الحرية، لم يتحملها التحالف الحاكم فحشد كل إمكاناته لمواجهتها، ولكنها ستبقى في تاريخ الوطن تحمل معنى التفاف الأمة حول قضاياها. إذا راجعنا انتخابات 2005، ونتائجها، أليست دلالة على حيوية الشعب، أم أن هناك من زورها؟ إن مشهدا لسيدة مصرية تصعد إلى لجنة الانتخابات على سلم نقالي لتعبر من نافذة خلفية لمبنى به لجنة انتخابات، لأن الأمن يحاصر المبنى ويمنع الناخبين من الوصول إليه، لهو مشهد يقول من هو هذا الشعب. ثم موجة الوحدة الشعبية في مواجهة انفجار الإسكندرية، وبروز دعوة الدروع البشرية، هل تنتج من شعب بلا وعي، أم شعب لا يخشى الموت. إذا عدنا إلى وقائع المحلة الكبرى، وأحداثها، في 6 أبريل 2008، التي أعادت إلى الأذهان مظاهرات المحلة طوال السبعينيات، هل كان عمال المحلة مستوردين من الخارج، أم أنهم عصب حركة الرفض الوطنية. لقد كانت أحداث 1977 والتي سقط فيها نظام السادات هي نقطة الانقلاب، فكما فتحت مظاهرات العمال وطلاب الجامعة في فبراير 1968 الباب لتكوين الأمن المركزي والذي يتجاوز عدد قواته الآن نصف المليون جندي بكثير، فقد أدت أحداث 1977 إلى خطط جديدة للإجهاز على الحركة الشعبية المصرية، وأدت الانهيارات الاقتصادية وبيع المصانع وتفكيك الوجود العمالي وحصار النقابات إلى تعويق الحركة الشعبية المصرية. والكثيرون ممن كتبوا عن التغيير واحتمالات انفجار الشارع في وجه التحالف الحاكم، كان يقدم النصح خشية ثورة الجياع التي لن تبقي ولن تذر، وبات الحديث أنها يمكن أن تشتعل من جراء حادث هنا أو هناك، ولم يعد السعي إلى الشعب بخطة عمل، أو بصناعة الفرصة وليس انتظارها واستغلالها بانتهازية، وهو أمر لم يتحقق حتى اللحظة، وكلما طال الزمن دون تحققه، سقطت من النخبة عناصر دون القدرة على الاستمرار، وانفجرت تكوينات حزبية، وكأن الزمن المنقضي دون فعل إيجابي للتغيير ضرورة لتطهير ميدان الحركة من أجل التغيير. استخدم تحالف السلطة والثروة الحاكم الفرصة التي أتاحتها الأزمة، وكانت الحركة الساعية للتغيير دون القدرة على استخدامها، مما فرض عليها بديلا وحيدا، وهو أن تصنع حركة التغيير فرصتها بذاتها. بات واضحا أن الشعب هو قوة الحسم الرئيسة في عملية التغيير، والعمل على استقطابه وإدخاله إلى ميزان القوى هو مسؤولية قيادة التغيير، وأن التحالف الحاكم يسعى عكس ذلك في محاولة لإبقاء الشعب حبيس سعيه من أجل لقمة العيش، هذه هي المعادلة الرئيسة لحركة التغيير في مصر، وأي تجاهل لهذه المعادلة هو خروج عن هدف التغيير وتجاهل لحاجة مصر. فجر يوم التاسع من يناير تنقل وكالات الأنباء أخبارا عن مقتل خمسة من التونسيين في ولاية "القصرين" غرب تونس قرب الحدود الجزائرية، وأن قوات الجيش تنتشر حول المباني الرئيسة في مدينة "تالة" بالولاية، ليبلغ العدد في المساء ما يقارب العشرين شهيدا من جراء استخدام الرصاص الحي، وفي الوقت ذاته مازالت المواجهات مستعرة في الجزائر بين الشعب وقوات مكافحة الشغب، ويوم الجمعة قتلت القوات الصهيونية عمر القواسمي وهو على فراشه في مدينة الخليل بعشر رصاصات، وسيد بلال شاب مصري يعيده الأمن لبيته في الإسكندرية مقتولا بعد القبض عليه بأربعة وعشرين ساعة للتحقيق معه في حادثة الانفجار، واليمن يسعى إلى تعديلات دستوريه للرئاسة مدى الحياة، والجنوب السوداني يبدأ رحلة التصويت لمدة أسبوع على الانفصال، ومازال هناك من يهاجمون الشعب العربي أنه متخاذل، وينتظرون منه أن ينقذهم دون أن يبذلوا في سبيل ذلك ما يلزم من جهد وعرق ودم.
933
| 11 يناير 2011
القلم ليس دائما كمشرط الجراح، فمشرط الجراح ينبغي عليه أن يتجرد من أي انفعال، وأن يتعامل بعقل ومشاعر باردة، عكس القلم يفقد هذه الصفة خاصة عندما تكون الأحداث ساخنة، وموجعة، وتتجاوز حد القدرة على احتوائها لعوار شديد ألم ببيئة حدوثها، وعندما يحيط العوار بالمنوط بهم إدارة الأزمة لتجاوزها بأقل الخسائر، وتزداد الأزمة تعقيدا عندما يعمدها الدم، فالدم خارج ساحات القتال له رائحة الجريمة والغيلة، وعندما يسيل الدم على الأعتاب المقدسة لدور العبادة، يزداد لهيب الأحداث اشتعالا، وتمس الأحداث قداسة المعبود ذاته، وهو ما يصنع عصور الشهداء. عاد بي عنوان لمقال للأستاذ فهمي هويدي (متى تغضب مصر؟) إلى عنوان لكتاب الأستاذ هيكل (خريف الغضب). وقرأت عنوان مقال الأستاذ فهمي هويدي، كأنه يسأل: متى تبلغ مصر الرشد؟، ليس بحثا في أمر العمر بعدد السنين، ولكن في أمر ترجمة الغضب إلى فعل، ولعلي أضيف "فعل شعبي". واسترجعت عنوان الأستاذ هيكل وكأنه لا يتحدث عن غضب وقع في خريف 1981، ولكنه كما لو كان ينعى لنا بلوغ الغضب لخريف العمر، ويقارب نهاية الأجل. في المقال ناقش الأستاذ فهمي هويدي استقبال مصر لنتنياهو رغم ما أعلن مؤخرا عن عملية تجسس إسرائيلية أطلق عليها "الفخ الهندي" المتهم فيها مصري واثنان من الموساد، ولن أناقش الموضوع ولكن المقال حدد الأفعال التي تقوم بها إسرائيل وعددها 13 فعلا (التجسس – التدمير – الاستيطان – التهويد – التصفية – التنصل – الفضح – الإذلال – الاحتقار – الازدراء – الفصل – الاختراق – التحريض)، والأفعال المواجهة لها (الاستياء – العتاب) ولم تبلغ الغضب أو إعلان الغضب. والكتاب كان عن فورة غضب متبادلة، مرت بربوع مصر في خريف عام 1981، بين سلطة السادات التي أودعت 1536 من المعارضين له في المعتقل فجر الثالث من سبتمبر عام 1981 ولم يكد يمضي شهر إلا وخالد الإسلامبولي ورفاقه يخرجون من بين جنود العرض العسكري في السادس من أكتوبر ويهاجمون منصة العرض، ويقتلون السادات وهو يرتدي بزة عسكرية، ووسط كل رجال الدولة. كان غضبا متبادلا، فعل ورد فعل استغرق ثلاثة وثلاثين يوما، وبهتت جذوة الغضب من بعد ذلك. بعدها قرأنا الفريضة الغائبة للمهندس محمد عبدالسلام فرج، وقرأنا التحليل السياسي للواقع الذي كانت تحياه مصر في ذلك الحين، وكلتا الورقتين حكمتا اتخاذ قرار الاغتيال ومثلتا المقدمات الفكرية والسياسية لاتخاذ القرار، ومن قرأ ورقة التحليل السياسي، والتي نشرت في الجرائد في حينها، كانت لا تختلف عن أي قراءة سياسيه يقوم بها تنظيم سياسي قومي أو يساري، حتى بالألفاظ، أي كانت مصر تملك قراءة واحدة للواقع الذي تحياه، وكانت مصر قريبة من بعضها البعض، متلامسة الأكتاف مع التنوع الفكري والعقائدي، واختار العديد فعلا واحدا ونجح أحدهم في تنفيذه. جاءت في الساعة الأولى من العام الجديد أنباء عن انفجار أمام كنيسة في الإسكندرية، وأن الانفجار أسفر عن إصابات شديدة، (وجرى دفن 24 جثمانا في مقبرة جماعية، ومازال ثمانون مصابا تحت العلاج)، ولا أستطيع أن أصف الحالة التي مرت بي وبالعديد من الأصدقاء ونحن نتابع الأنباء حتى ظهر اليوم التالي. وبدا واضحا أن شيئا مختلفا قد حدث، يماثل واقعة اغتيال رفعت المحجوب في نهاية الثمانينات، التي اتسمت بتكتيك وتنفيذ احترافي، وفي يوم إجازة الجمعة، مما أكد في حينها أن هناك معلومات، وهناك تخطيط، وهناك مستويات متعددة من الأفراد للتنفيذ، وهناك فوق هذا التأمين والإخفاء من بعد التنفيذ، كانت كل تلك المواصفات مع نجاح العملية مؤشرا مغايرا، وأيضا في هذا الحادث هناك شيء ليس من طبيعة هذه العمليات في مصر، حيث صرحت مصادر أمنية، بعد دراسة موقع الانفجار عن احتمال وجود انتحاري هو منفذ التفجير. الحادث جاء في أعقاب بعض الوقائع: 1. أنه جاء بعد حديث عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية "أمان"، والذي قال فيه: "لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً"، ولم يخرج أحد للرد عليه. 2. جاء بعد كشف شبكة التجسس الإسرائيلية، والمتهم فيها مصري وإسرائيليان، وأن هذا المصري كشف أن أحد المسؤولين عن الملف النووي السوري كان عميلا للموساد، وأن إسرائيل هي التي قامت بتخريب خطوط الإنترنت التي تخدم الشبكة في مصر، وكان هناك حديث عن اختراق لشبكة الاتصالات المصرية. وكان هذا الحادث واقعة كاشفة عن صحة تصريحات يادلين، كما أنها أعادت إلى الأذهان حقيقة الصراع مع العدو الإسرائيلي. 3. أنه في أعقاب حادثين مثلا نقطة انقلاب في العلاقة بين الأمن وبين المواطنين: حادثة المواجهة بالرصاص بين الأمن والمواطنين في الدائرة الانتخابية التي تقع فيها هذه الكنيسة، وهي الدائرة التي يمثلها وزير حاليا، وكان في حملته الانتخابية يزور الكنائس لحشد أصوات الناخبين المسيحيين، ويستعين بداعية إسلامي شاب لحشد أصوات الناخبين المسلمين، أي أنه من حيث لم يدر أكد الانقسام الطائفي، ولم يطرح حديثا سياسيا يستقطب المواطن أيا كان دينه، لأنه لا يملك مقومات هذا الحديث. حادثة العمرانية، حيث جرى صدام بين الأمن وحشود من المسيحيين بسبب مبنى إداري تحول إلى كنيسة، وقتل في الواقعة شابان مسيحيان، وهاجم قرابة الثلاثة آلاف من المسيحيين مبنى محافظة الجيزة، وجرى القبض على أعداد منهم، ومازال البعض مقبوضا عليه، وهو أمر اتخذ البابا شنودة موقفا رافضا له، واعتكف في وادي النطرون. 4. وسبق الحادثة تأكيد على طائفية الشارع في مصر شارك في ذلك الأنبا أبشوي والدكتور محمد عمارة والأستاذ سليم العوا، وجرى تلاسن من الجانبين، وكأن كليهما لا يتحمل مسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الوحدة الوطنية، وزاد من اشتعال الموقف غياب دور الدولة، وتركها الأمور علها تذوى جذوتها من ذاتها دون تدخل منها في أدق قضية داخلية في مصر. 5. أن الحادثة جاءت بعد انتخابات مجلس الشعب والتي شهد الجميع فيها أن التزوير كان علنيا ولا يحاول التستر، وأن من أداره هو الجهاز الأمني، ورغم ذلك خرجت قيادات الحزب تعلن أنها خاضت تجربة ديمقراطية ونجحت فيها، وأدرك الشعب أن حالة الكذب لا تراعي أن الناس قد رأت بأعينها، وغير ذلك رأى البعض أن الأعضاء المعينين بالمجلس كان من بينهم مسيحيون لهم موقف من البابا شنودة، وغير هذا استبعدت النائبة "جورجيت قليني" التي وقفت ضد ممارسات "عبد الرحيم الغول" نائب الحزب الوطني والذي اتهم بعلاقة مع المتهم الرئيسي في قضية الهجوم الذي جرى في نجع حمادي على إحدى الكنائس هناك، ونجح الغول في دخول المجلس المصنوع بأيديهم. 6. أنها جاءت بعد تهديد من القاعدة في بلاد الرافدين باستهداف المسيحيين في مصر بعد الحديث عن اختفاء سيدتين مسيحيتين أعلنتا إسلامهما، واختفتا، وصارتا موضوع شحن متبادل، مع غفلة تامة عن مردود هذه المشاحنات، وتهديد القاعدة كل هذا كان يوجب أن تكون اليقظة الأمنية في أعلى حالات الاستعداد. كان الانفجار وضحاياه نقطة الذروة لكل هذه الوقائع وغيرها، وكان الاستنتاج الوحيد أن هناك دورا غائبا للدولة. قد يمكن لأي محلل سياسي أن يقول بسقوط نظام حكم، ولكن أن ترتخي قبضة الدولة على أخطر قضايا الوطن، "مياه النيل والوحدة الوطنية"، فهذا واقع يؤكد أن خللا مؤكداً قد أصاب الدولة في مصر. الوقائع السابقة في تكوينها تعرض للعدو وخططه وأن هذه الخطط محل التنفيذ وقضية التجسس تؤكد ذلك. وتعرض لغياب التعامل السياسي مع المواطن في مصر، وأن الدور الأمني في تزوير الانتخابات، ومواجهة الاحتجاجات والمسيرات بالعنف المسلح، قد أخذ دور الأمن بعيدا عن واجباته، ورغم تكرار حوادث التفجيرات الشديدة من طابا إلى نويبع إلى سيناء والصعيد والإسكندرية لمرات متعددة، إلا أن وزير الداخلية مازال في مكانه، وكأن كل هذا لا يدلل على خلل في الأداء، ويكفيه فقط أنه يواجه الحركة السياسية داخليا. كما أنها تقول إن بعض رجال الدين قد خرجوا عن صحيح الأداء ولم يراعوا مسؤولياتهم. هكذا يدفع أبناء الشعب أمام دور العبادة دمهم ثمنا لغياب الدولة في مصر، ولعل هذه الدماء لا تفتح أبواب المعتقلات لحملة مماثلة لحملة سبتمبر 1981 لتكون النهايات بعد 30 عاما كما كانت البدايات وليخرج إلينا جديد غير منظور لنا الآن، قد يقود إلى حقبة جديدة في مصر، يقترب فيها حالها لما يجري في السودان بوابة مصر الخلفية وعمقها الإستراتيجي، ولعلنا عندها نكتشف كذب الوعد الأمريكي بأن حقنا في المياه لن يمسه أحد إذا تحقق انفصال الجنوب، وعد أمريكي بضمانة إسرائيلية! لعلنا لم نبدأ عصرا جديدا للشهداء بالدم المسال على الأعتاب المقدسة لدور العبادة الذي يمس قداسة المعبود ذاته، كل ما حولنا يكشف ما جره على الوطن فقدان القدرة على الغضب، فماذا لو انحرفت بوصلة الغضب بين أبناء الوطن.
510
| 04 يناير 2011
الرمال المتحركة تبتلع الارادة العربية وعلينا أن نحدد الأهداف بدقة يبدو الواقع العربي المحيط، كرجل وقع في بحر الرمال المتحركة، لا يستطيع أن يقف على قدميه، ولا أن يوقف انزلاقه لباطن الأرض، والرمال تضغط من كل الأجناب على رئتيه فلا يستطيع التنفس، وباتت عيناه جاحظتين عاجزتين عن الأبصار، وإذا ما ألقى أحد ممن التفوا حوله حبلا إليه لعله ينقذه، رآه وهما تملأه الأشواك، ومن خشيته أن تؤلمه الأشواك أو تدمي يديه، يستسلم للمضي إلى حتفه، تحت دقات دفوف لا تغني لحنا عربيا على الإطلاق. بات من التكرار الممل الإطلال على تفاصيل الصورة، في كل الأرجاء العربية، دولا أو أنظمة أو قوى معارضة أو حتى نخبة الثقافة والفكر فيه، فبين الإدانة أو كشف العجز، صارت الكلمات والمعاني تزيد من اتساع بحر الرمال، ليغرق فيه الزمن القادم من قبل أن نصل إليه، بعد أن جرى وأد التاريخ، وصار التاريخ لعنة على صانعيه، وليس درسا للمتعاقبين على الأرض العربية. هل يذكر أحد معنى الهجرة، طواعية كانت أو قسرية؟، أذكر في طفولتنا عام 1950 وما بعده هجرة داخل مدينة الإسماعيلية، عندما تحاصر القوات البريطانية المحتلة حي "العرب" الذي نسكن فيه للبحث عن الفدائيين، فنهاجر لبضعة أيام إلى أهلنا القاطنين في حي "الإفرنج"، والفارق بينهما شارع. وهجرة أخرى عام 1967 بعد أن كان القصف الصهيوني قد نال من المدينة، وقتل العشرات، ونسف قطار مهاجرين في اليوم التالي ودمر مبنى محطة السكك الحديدية، وأيضا كانت هجرة إرادية، ووصفناها أنها إجراء يحرم العدو من وسيلة الضغط على الإرادة والأعصاب، ولم يهاجر البشر فقط، ولكن تم تفكيك المصانع ومعامل التكرير ونقلها بعيدا عن قصف العدو، وكما تحدث الفريق عبد المنعم رياض رئيس الأركان المصرية: "العدو يقصف عشوائيا، فيصيب حيثما تصل قنابله أهدافا، بينما نحن يجب أن نحدد الأهداف ونضبط توجيه القصف لنصيب هدفنا". هذا معنى الهجرة الذي يمكن أن نضم إليه قصص اللاجئين في كل أرجاء الأرض العربية، ولكن الهجرة الجديدة لم تعد إنقاذا للحياة، ولكنها هجرة من الحياة ذاتها، فكأن مجرد الوجود فوق الأرض العربية هو عدوان في حد ذاته على الإنسان، تمثلت معنى الهجرة من الحياة في مشهد الانتحار بحرق النفس في سيدي بوزيد التونسية، والتدلي مشنوقا من كوبرى على النيل بالقاهرة، والمهاجرون الذين يطلقون عليهم مجازا المنتحرون، متعلمون، ولكنهم يعانون من العدوان على حق الحياة فاختاروا الهجرة الطوعية. فارق بين زمنين، وفارق بين عدوين، أحدهم تهرب بالحياة من قصفاته القاتلة، والآخر عدو تهرب من الحياة لأنك لا تتحمل الوجود معه فوق الأرض. وجديد الإنسان في الوعي العربي هو حق العودة الذي يقامر به العجز العربي، في مقابل القبول الإسرائيلي بالتفاوض، وتأبى إسرائيل التي نجحت في الانتقال بنا، من شعار من النهر إلى البحر، وشعار صراع الوجود وليس الحدود، إلى استجداء وقف الاستيطان من إسرائيل وأميركا، وتأبى إسرائيل وتقضم الأرض، وتعلن "القوة العظمى" عجزها. جديد آخر أوضحت الوقائع أنه يصيب الإنسان العربي في أي قطر دونما سابق إنذار، أن الأنظمة لا تملك إلا الأجهزة الأمنية للتعامل معه، حدث في فلسطين هناك في الضفة وفي غزة، وكلا الأطراف مدانة بهذا، وحدث في مصر، تجاه من حاولوا الإدلاء بأصواتهم، ويحدث الآن في تونس من سيدي بوزيد إلى تونس العاصمة، وبقدر ما واجه الأمن وقتل، بقدر ما تنتشر الاعتراضات إلى قطاعات أوسع. الخشية من الحرب الأهلية في مقالنا السابق، لم نكن نتوقع أن بشائرها ستقع خلال أيام معدودة. وها نحن ننتقل من إدراك بأن إسرائيل هي العدو الرئيس، وأن فلسطين القضية المركزية، إلى افتقاد الوعي بأرض الوطن والشعب فوق الأرض. سلاسة التعامل مع قضية الجنوب السوداني، والتسليم بانفصاله، بل وإلباس الانفصال صيغة الفتح الإسلامي وأنه سيمكنهم أن يفرضوا الشريعة الإسلامية في الشمال، هو حديث خارج عن العقل والسياسة والوطن والدين، هو حديث الإفك، فالأوطان ليست محل التجزئة إلا بالتفريط، وليس الدين الهادي للبشر الذين هم الشعب، محل مفاضلة مع الشعوب ويتحقق بنفي جزء من البشر لإتمام سيادة للدين، هذا هو الجهل بمعني الوطن وجهل بالدين، ليس من الشرع التفريط في الأرض، والشعب، وإلباس الهزيمة لباس الاختيار بين الدين واللا دين! وليس من الجائز الربط بين اختيار السودانيين الانفصال عن مصر وإعلان الاستقلال عام 1956، وبين تقسيم السودان إلى دولتين،فارق بين فك ارتباط وبين تقطيع أوصال. كما ليس من المقبول أن ندرك ما تفعله أميركا وإسرائيل بشأن الجنوب ودارفور، ونبلع ألسنتنا، مجرد الكلام نفتقده، وكأن البلاهة بديل البلاغة قد نالت من العقل العربي. وصارت الأمور في قضايا الأوطان تقاس بحجم إنتاج البترول، وبمقدار الثروة، نتعامل مع الأوطان تعامل المحتل، وليس تعامل الوطني المسؤول عن حريتها ووحدتها. وهي ذات الرؤية في التعامل مع شمال العراق، وإن كان الطريق إلى الانفصال في بداياته، وفاقدي الهوية الوطنية، ومدعي الانتماءات المذهبية يتحكمون في أمر الأرض والشعب، وهم لا يمكنهم استيعاب دلالات الأرض ولا الشعب، ولكنهم يستوعبون الأجندات الخارجية، وهناك الدين المسيحي يقدم لتقسيم جديد غير التقسيم القومي. استخدمت أميركا الدين في منطقتنا مرتين، الأولى مشاركة مع اليمين العربي الذي كان يواجه معها دعوة القومية العربية بغرض تفريغها من مضمونها القومي والاجتماعي، بما يضمن مصادرة البواعث القومية للمواجهة مع أميركا وإسرائيل، والمرة الثانية لحشد المتطوعين من العرب لقتال السوفييت أثناء احتلالهم لأفغانستان، وكانت المساجد تدعو المتطوعين للسفر إلى أفغانستان للجهاد المقدس ضد الملحدين السوفييت، كان السلاح والتدريب والأموال بلا حساب، فهي حرب المجاهدين بالوكالة عن الأميركان ومدعومة بالأنظمة العربية وثروة البترول العربي، وبعد خروج السوفييت من أفغانستان، نفضت السي آي إيه يدها من المجاهدين الأفغان، وتحول الشباب إلى مواجهة مع أميركا ذاتها من ناحية، ومع الأنظمة التي دفعت بهم من ناحية أخرى، ومنذ وقائع الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتفجير مبنى التجارة العالمي في نيويورك، أطلقت أميركا مقولة "إن الإسلامي قرين الإرهاب". اتفقت أميركا وإسرائيل على هذا المصطلح، وجرى تعميقه، بل وتم حصار الدول العربية على أنها تناصر الإرهابيين وتمولهم، وصارت مدارس القرآن هي البيئة الأساسية للإرهاب في عرفهم، فأغلقوها وطاردوا تلاميذها من أفغانستان إلى كل الدول العربية، وبلغ بهم الأمر إلى المطالبة برفع آيات الجهاد من المصحف الشريف، ووقعت الأنظمة العربية في فخ المواكبة، وتولى عدد من الدول العربية مهمة استجواب المجاهدين في سجون عربية، ومن ناحية أخرى استطابوا ادعاء أن الإرهاب قرين الدين، وجرى تعديل على المناهج التعليمية. واشتعلت إفريقيا والجزيرة العربية والعراق وباكستان وأفغانستان في قتال بين "مجاهدين" ينتمون إلى القاعدة أو منهجها، وبين الاحتلال أو الأنظمة التي يعملون فوق الأرض الواقعة تحت حكمهم، واليمن خير دليل علي ذلك. هكذا أصبح الدين، وهو أحد مقومات الوجود العربي، وإحدى دعائم وحدته، مبررا للحرب على العرب، لأنه دعوة للإرهاب في عالم السلام غير الإسلامي. واعتبرت المقاومة في فلسطين لونا من الإرهاب، وليست حقا تكفله الشرائع الدولية لمواجهة الاحتلال. هكذا صار الدين وسيلة يستخدمها الجميع لتبرير مواقفهم مهما كان تناقضها فيما بينها، أو تناقضها مع الدين ذاته. في حديث الأستاذ هيكل على قناة الجزيرة الخميس الماضي 23 ديسمبر 2010، وهو تاريخ كانت مصر تحتفل فيه بهزيمة العدوان الثلاثي في معركة بورسعيد، تحدث عما سيتبع الاستفتاء الذي سيجري في السودان في التاسع من يناير القادم، وبعد أن نوه عن إمكانية تكاد تكون مؤكدة بانفصال الجنوب، فتح ملف مياه النيل، والمنابع، وحدد أن الملف سياسي من المنابع إلى السد العالي، ومن بعد السد إلى المصب ملف فني. وللمرة الأولى يعرض الأستاذ هيكل استعداده لأن يتقدم بتصور عن الملف السياسي، المرة الأولى يعرض هيكل أمرا كهذا في تاريخ كتاباته وأحاديثه، وعلى الملأ، الأمر الذي يجب التوقف عنده، إن هناك خطرا من نوع جديد، ولا ينفع معه الأداء العاجز، ولا تصلح له الأداءات الوظيفية، فهل سيجد من يسمع له، أم أن الأجندة الداخلية والإفريقية للنظام لا تسمح بهذا. هكذا الإنسان والأرض والمياه والدين، صارت رمال متحركة تبتلع الإرادة والقدرة العربية، وبقيت كلمات الفريق عبد المنعم رياض رئيس الأركان المصرية: "العدو يقصف عشوائيا، فيصيب حيثما تصل قنابله أهدافا، بينما نحن يجب أن نحدد الأهداف ونضبط توجيه القصف لنصيب هدفنا"، تدوي في الآذان لعلها تصيب انتباها.
721
| 28 ديسمبر 2010
العرب قرروا الخروج من التاريخ وانشأوا لانفسهم عشرات من حوائط المبكى الأحداث الجارية فوق الأرض العربية باختلاف أقطارها "تُنَطَقْ الأخرس" كما تقول أغنيات المقاومة "لأولاد الأرض" بالسويس. ولكن الحالة العربية الآن أفقدت الكلام مضمونه، وأهملت الفعل وحلت مكانه جلسات النواح والبكاء والحياء المنبوذ والتجاوز البذيء على شاشات الفضائيات، والكل يحيا الفوضى ويقبل بها. مواكب الوارثون ليست جديدة على المجتمع العربي، فقد سبق أن انطلقت وتحت أسماء مختلفة في عامي 1967 و1970 عامي هزيمة يونيو، ورحيل جمال عبد الناصر إلى رحاب ربه. لم يكن الوارثون في حينها أفرادا، وأبناء أو قادمين من المجهول، ولكنهم كانوا تنظيمات وأنظمة، والكل يرفع رايات الثورة العربية، وينشد أناشيد الثأر والتحرير، ويحمل أموالا ينثرها هنا وهناك، انتبهوا وتفرغوا لوراثة جمال عبد الناصر، وتركوا أرض المعركة خالية، وكأني بهم قد هبطوا من جبل أحد، فاستدارت خيل العدو وأحاطت بهم، وكان هذا فعلهم في أقرب لحظات الأمة العربية إلى تحقيق الذات في معركة عسكرية تضع إسرائيل في حدود حجمها الطبيعي وكونها عدوا غير خارق، وأن العمل الاحترافي الجاد يمكنه أن يكشف القدرات لكل الأطراف. لم تخسر الأمة العربية حالة الحشد من بشر وثروة وقوة وعتاد التي حققتها في 1973، ولكنها خسرت معاييرها، وكأنها قد انتقلت إلى المدينة الفاضلة، وألقت السلاح إلا فيما بينها، وتركت العروبة العقيدة التي وحدتها، وتغاضت عن فلسطين قضيتها المركزية، بل الأدهى من ذلك، أنها وأدت كل الأحزاب والتنظيمات التي احتشد فيها كوادر الأمة السياسية، وتهاوى حزب البعث وجبهة التحرير الجزائرية وطليعة الاشتراكيين والطليعة العربية والأحزاب القومية والشيوعية، ولم يبق منها إلا أسماء خالية من المضمون، وخرجت من الأوكار تنظيمات بديلة سواء قادمة من زمن الاحتلال أو هي قادمة بإدعاءات دينية، وغير كل هذا أنتج الغرب للكوادر العربية عبوات جاهزة، استعاضت عن الفكر السياسي بما يسمى بحقوق الإنسان، ومن الإنسان حقوق المرأة، ومن الأوطان القوميات والأعراق والأديان، وشكلت لهم أوعية ما سمي بمنظمات المجتمع المدني، ولم تتركهم في العراء، بل أوجدت لهم مرجعيات في أوروبا الاسكندنافية وهولندا وأمريكا، وأوجدت لهم التمويل من أوروبا وأمريكا، ونجحت في استقطاب كوادر اليسار الشيوعي والقومي، وصنعت منهم نجوم إعلام، بعد أن تم ترويض الإرادات وتحويل الأفكار. ولم يتوقف الأمر عند الأحزاب السياسية أيا ما كانت توجهاتها وتاريخها، ولكنه شمل منظمة التحرير الفلسطينية، وميثاقها، وقياداتها، وجرى تصفية كل هذا، وكأن منظمة التحرير الفلسطينية، قررت أن تتجرع السم بيدها وليس بيد إسرائيل. وكما قتلت إسرائيل أبو جهاد وهو قائد انتفاضة الحجارة، ليصنع أبو عمار ما أسماه "بسلام الشجعان"، أنقلب أبو مازن، والذي كان قابعا في هدوء وفي الظلام بينما رجال الثورة يمارسون المقاوم، انقلب على أبو عمار، وجلس في الظل حتى يتم تمهيد الأرض له، واجتمع الجميع على أبو عمار، فبينما كانوا يقررون مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002، كان شارون يحاصر أبو عمار ويخنق الأرض من حوله حتى تم قتلة، ليأتي أبو مازن ويضع يده في يد قاتليه، وهو في الوقت ذاته يضرب المقاومة والمقاتلين في أعنف عملية تصفية بقيادة الجنرال دايتون. هذه المشاهد جميعها أكدت أن عملية هدم البناء السياسي والشعبي داخل الأمة وفي أقطارها، لم تكن جملة مصادفات التقت في مجرى واحد، ولكنها بالقطع منهج جرى إعماله، وانساق الجميع بإرادتهم إلى تنفيذه. انتهت خطط وراثة الأنظمة، وأنشأ المثقفون العرب، مؤتمرات تحت مسميات قوميه وإسلامية، والأسماء تحتوي علي كلمة "الحوار"، الكلام، وهي مؤتمرات يسمع المثقفون العرب فيها أنفسهم، ولو بحثت عن الأعضاء لوجدت الأسماء تتكرر في كافة المؤتمرات، وأصبحت هذه المؤتمرات مصدرا للبيانات، وليست معهدا لإنتاج كوادر سياسية مناضلة. لدى الإسرائيليين حائط مبكى واحد، سرقوه من المسجد الأقصى تمهيدا للاستيلاء على كل المسجد، وأنشأ العرب لأنفسهم عشرات حوائط البكاء، في كل الأقطار، وحول كل القضايا، وتفرغوا للطم وشق الصدور، وقرروا الخروج من التاريخ، وفرطوا في الأرض، من العراق إلى الجولان إلى السودان إلى سيناء. غياب المؤسسات السياسية، وغياب حالة الاستنفار بالمقاومة وغياب الفلسطينيين، وقد أنهت أمريكا دورها في الجنوب واستدارت الآن إلى دارفور، ولن يستطيع العرب مواجهة العدو، وغياب لغة محددة وواضحة تعبر عن الرؤية العربية دون نفاق الغرب باستخدام أدبياته، كل ذلك أصاب الإرادة العربية بحالة سيولة وأفقدها قوامها، وصارت قدرة الفعل العربية حديثا من أحاديث الذكريات. حالة البشير في السودان وأبو مازن في رام الله، تدعو إلى الرثاء أكثر منها دعوة للإدانة. البشير يعرض على الجنوب حصة الشمال في البترول، مقابل خيار عدم الانفصال، والجنوبيون يرفضون ويقولون العرض جاء متأخرا، ولكن أعرض نفس العرض في أبييه، أي تنازل عن جزء آخر، ويخرج المتحدثون باسم المؤتمر الوطني يقولون ما قاله البشير عن الواقعية، إن الانفصال هو الاحتمال الأرجح. وأبو مازن يهرع إلى لجنة المتابعة يسألها ماذا يفعل، بعد الصفعة التي وجهها نتنياهو إلى أوباما، ورفضه إيقاف الاستيطان لـ 90 يوما مقابل 20 طائرة إف 35، وكأن لسان حاله يقول سأحصل على الطائرات من دون مقابل، وإسرائيل لن تتنازل عما في يديها من أرض، فماذا يمكن أن يفعل مجلس الأمن أو العرب لأبي مازن؟ الإجابة لا شيء. لا يستطيع أحد أن يدين البشير وأبو مازن، فأي منهما لم يظهر في المسرح السياسي فجأة، بل كل مراحل الانهيار تمت أمام كل العرب بل وشاركوا فيها وكذلك جامعة الحكومات العربية، ومن يدين واجب عليه أن يعرض البديل خلال اللحظات الباقية، وهذا أمر يفوق قدرة خدمة "سليمان" من الجن. يكاد يكون الأفق يحمل للأمة العربية بديلا واحدا هو الحرب الأهلية، ليس فقط في السودان وفلسطين، ولكن في كل القضايا المطروحة، حتى وإن بان للعيان أن هناك إشارات للانفراج، فالحقيقة أن شدة التناقض والتباين في الخيارات تجاه القضايا العربية، حشدت الشعوب في جانب، وكافة مؤسسات السلطة في الجانب الآخر. وصار الأمر جملة من العلاقات المشوهة، تربط كافة الأطراف، وكأن هناك إدارة خفية توجه العلاقات، وكل النتائج تؤدي إلى تفتيت المنطقة إلى شظايا. محمود عباس لن يستطيع أن ينال شيئا، وهو غير مرشح لإتمام الوحدة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية، لأن خياراته تتناقض كليا مع خيارات باقي الفصائل، ولن يستطيع العرب أن يقدموا جديدا يغير موازين القوى، والأمر مرشح لحرب أهلية بين القوى الفلسطينية. والبشير غير قادر أن يحمي السودان ويمنع الانفصال برشوة مالية في اللحظات الأخيرة، وتكاد تكون رائحة الدم تزكم الأنوف في السودان، وقد أنهت أمريكا دورها في الجنوب واستدارت الآن إلى دارفور، والأمر كذلك مرشح لحرب أهلية إن لم تكن بين الشمال والجنوب فإنها ستكون بين شمال وشمال، لأن انفصال الجنوب سيترك آثاره الجانبية على متخذ القرار في الشمال. وإن تركنا هذا ونظرنا إلى الوضع الداخلي في مصر في أعقاب الانتخابات، لا يجوز أن نقول إن هناك انسدادا، ولكن المتابع لحال الأحزاب والنخبة، يجد حالة من عدم وضوح الإرادة، سيولة، كل من يعن له أن يفعل شيئا يفعله، وكل ما يجري بعيدا عن احتياج الجماهير، وانطلق قطار القرارات الهادمة لمجتمع الشعب بداية من التأمين الصحي، وهو أمر يهدد بصدامات لا رادع لها خاصة أن القانون قد غاب، وأهدرت الأحكام القضائية، ولم يعد من سبيل سوى القوة بمعناها البدائي. وأعلن الرئيس المصري أمام المجلس المنتخب مقولة جديدة مفادها "كلنا كنا فقراء"، ووجب على الشعب أن يجد سبيله للانضمام إلى حزب "كنا فقراء"، وأيضا لم يعد من سبيل سوى القوة بمعناها البدائي. بدأت الحرب الأهلية في مصر داخل الأحزاب، وحزبي التجمع والناصري على وشك الانفجار، والخاسرون في الانتخابات يقفزون فوق الأسباب، ومهام التغيير بإعلان البرلمان الموازي، هم مع أنفسهم، والشعب يرصدهم مع الحزب الحاكم في ذات الخندق، ويدفعون جميعهم الشعب ليتولى أمره بيده، فالأحزاب والجماعات والجمعيات جميعها، مسميات والمضمون ذاتي ولا علاقة له بالمجتمع. هل لنا أن نساعد في نشوب حرب أهلية عربية عربية؟ هل هذا هو الحل؟ ليمسك من يبقى من العرب بالأمر وتنتهي معادلة اللا سلم واللا حرب، والتي صارت اللا مقاومة واللا دولة، ليس في فلسطين وحدها، ولكن باتساع الخريطة. هل هناك من يملك تأسيس حركة عربية قادرة على تجاوز عجز الأحزاب؟ أم أن القدر يفرض العودة لنقطة بداية جديدة في الظلام.
611
| 21 ديسمبر 2010
تتجمع في سماء الأرض العربية غيوم يزداد لونها سوادا، تنذر بسيول حمضية ستحرق الحرث والزرع، بعض الغيم أنزل زخات حمضية، ومازالت الغيوم حبلى، ولم تصحو السماء، بينما لونها يشتد سوادا. احتلت وقائع سوداء مشهد الانتخابات المصرية، لا يُنقِص من سوئها تصريحات هنا أو هناك، ولكن ذلك ما عشناه، ورأيناه، وأدركناه من دون نقل أو روايات منقحة أو مزودة بإضافات التشويق، الوقائع جميعها تؤكد أن جيل أكتوبر قد اندثر، وأهال عليه التراب جيل الوارثون من دون حق ولا شرعية، وأن المسألة ليست اصطياد سمكة "القرش الإخوانية" كما يدعون، فهي لا تعدو سمكة أنتجها المزارعون في أحواض خاصة، لم تتغذ غذاء طبيعيا، وصار لحمها مترهلا، لسكونها وخلودها إلى الهدوء فليس هناك ما يدفعها إلى الحركة من سعي إلى الرزق أو تعامل مع الخطر، ولم يضعوا في أحواضها كما يقول المثل الألماني "سمكة قرموط" كثيرة الحركة والصدام، مما يدفع سمك الأحواض للحركة فيتكون جسمه وينمو وتزداد حيويته، سمكة وديعة جرى اصطيادها بالمتفجرات بدلا من شباك الصيد، وأطاحت أصداء الانفجار، بمكونات الحياة الحزبية، وتداعت التوابع بانقلابات داخل الأحزاب تستهدف أشخاص قياداتها، حيث يسكن الفساد في الرأس كما هي الأسماك، ولا تعرض دون النزع من الكراسي والإحلال شيئا آخر. مصر لا تنقسم إلى عرقيات وقبائل، وحدها النيل، وأضفى النشاط الزراعي على أهلها نوعا من الصبر والهدوء، يخاله الغريب عنهم أنه الغفلة وقد نالت منهم، أو أنه الموت، ولكنها سمة أهل الري الدائم، والزراعة الناعمة، ومصر عبر التاريخ نسيج واحد، لا يداهمها الاقتتال والفتنة إلا مصنوعاً، ومستهدفا، وحتى القتل والثأر في مجتمع الصعيد له أصوله وقوانينه، وكان أيضا مجتمع الجريمة والمطاريد في الجبال مجتمعا له قوانين تحكمه ويخيل إليك أنه مجتمع له حكماؤه. كشفت الانتخابات الأخيرة أن الإرهاب صار منهج الدولة، وانتقلت البلطجة من الحراسات الشخصية في إطار الوجاهة، إلى تكوين الميليشيات من أدنى الأشخاص سلوكا داخل المجتمع، وانتقل الأداء الأمني للدولة من حماية المجتمع والأمن العام للمواطنين، إلى استخدام البلطجة لتنفيذ أهداف التحالف الحاكم، وباستدعاء المجرمين المحكومين من سجنهم لأداء مهام بين الناخبين والعودة بعدها مع بعض المقابل. والتباين الحاد بين الوقائع والتفسيرات الرسمية، ينذر بأن القادم من أحداث سيشهد تجاوزات أكثر حدة، خاصة عندما يلجأ الكل إلى الميليشيات كوسيلة أكثر نجاحا من الاتصال السياسي، وليتطور الفكر البلطجي بتغيير السلاح من سلاح بدائي إلى آخر متطور، والموردون على الحدود جاهزون، فكل سلاح في غير موضعه في مصر هو سلاح لصالح إسرائيل. أسقطت البلطجة المرشحين الذين لا يريدهم التحالف الحاكم، أسقطت المعارضة، ولكنها في الوقت ذاته أسقطت الجمهورية الثانية والتي امتدت من 1971 إلى يومنا هذا، وصارت مصر في حاجة إلى شرعية جديدة يكون الشعب قادرا على دفع ثمنها. تتابعت الوقائع في الأحزاب الثلاثة التجمع والناصري والوفد وجماعة الإخوان، وكلها تنبئ بأن القادم تنفيس عن غضب ولا يتجاوز هذا، وخرجت دعوة لتشكيل مجلس نيابي موازٍ، بلا شرح لكيف ولا ممن ولا لماذا؟، "وعادت ريمة إلى عادتها القديمة" وخرج الخاسرون في الانتخابات بنداء لوقفه ضد التزوير، الكل فاقد لخطة أو رؤية، الكل يلهث وراء كاميرات الإعلام، دون الوعي بأنها لا تغير من الواقع شيئا، وأنه لا تغيير من دون رؤية إستراتيجية. الحقيقة أن تحالف السلطة والثروة لم يكشف عن وجهه وبفجور فحسب بل في الوقت ذاته عرى الأحزاب والإخوان، وكشف أنهم ظواهر صوتية، لا جذور لها، ولم يدع التحالف الحاكم وسيلة قبل الانتخابات أو أثناءها أو بعدها إلا واستخدمها لتحقيق أهدافه، لأنه ليس هناك من يملك قوة يمكنها أن تردعه، فيخشاه. الخطر يتصاعد ويقترب من مصر، ومصر مشغولة في غيوم الردة السوداء، سرقوا نتائج أكتوبر 73، وسرقوا ناتج عرق الشعب على مدى عشرات السنين، ويسعون إلى وأد الإرادة، ولم يعد أمام الشعب إلا أن يشق لنفسه طريقا واضعا في اعتباره أن الدولة تملك سلاح البلطجة وفقدت واجب الالتزام الدستوري تجاه الشعب وأمنه ومستقبله، وغير هذا هو خداع للنفس. الأحزاب الثلاثة والجماعة شاركوا في مسرحية الانتخابات الأخيرة، شاركوا عن طبيعة تجمعهم مع التحالف الحاكم، فالجماعة لم تعرض مشروعا وطنيا، ولكنها تحمل مشروعها الخاص الذي لا يعدو مجرد التواجد، وكذلك هي الأحزاب التي تصورت أنها بعد أن يؤكل الثور الأبيض سترث عرش الطاووس الذي عاش عليه الثور الأبيض ثمانين عاما، نصفها في أحضان الجمهورية الثانية. في الحزب الناصري تكرس الانقسام الحادث بين جبهتين، الأولى أطلقت على نفسها "جبهة الإصلاح والتغيير" والأخرى جبهة الأمين العام الحالي، وصار لما يسمى جبهة الإصلاح والتغيير متحدثا رسميا، وأعلنت أنها تملك تفويضا من رئيس الحزب لنائبه، وأنها تملك توقيعات 224 عضوا من المؤتمر العام وهي نسبه 45% من أعضائه، وأطلقت على الطرف الآخر لقب "عميد الفاشلين"، الذي اتهمهم بدوره أنهم مزورون. كلاهما إذا شاء صدق من صديق لهما، لا يصلح أن يبقى، كلاهما وبمكوناته السياسية والجماهيرية، خارج أي وجود شعبي أو قيمة سياسية، ووجب أن يخلي مكانه، فالفشل ليس في انتخابات مجلس الشعب، ولكن الفشل في ثمانية عشر عاما مضت من عمر الحزب، تآكل خلالها دور ورثة من حركة التأسيس التي قادها المرحوم فريد عبد الكريم، كانت تتجاوز بحيويتها الأحزاب القائمة، ليصبح على أيديهم شريكا في جريمة الحكم في مصر، وتآكلت رؤية إستراتيجية وتصور سياسي كان يمثل ركيزة لحركة المقاومة في مواجهة حركة الانقلاب والردة في مصر، وكما ورث الصامتون حركة التأسيس ووأدوها، يسعى 224 عضوا لوراثة الحزب الناصري في مشهد لا يقل عبثية عن مشاهد البلطجة في الانتخابات. تكاد الصورة في حزب التجمع تتكرر، صراع بين رئيس الحزب، وممثلي 20 محافظة، وأيضا الصراع يشتد أواره بعد أن تآكل الوجود الجماهيري للحزب، واستمرأت قياداته، الشكوى من حصار السلطة للأحزاب، ولم يتبق لها من الفكر اليساري إلا العداء لجماعة الإخوان. وتبقى الخديعتان القادمتان من مجتمع ما قبل الثورة، حزب الوفد وجماعة الإخوان، لا يحمل أي منهما مشروعا وطنيا، وإن كانت الرطانة بما يسمى الليبرالية والديمقراطية، أو الالتحاف بالدين، هي حيثيات الوجود، وكلاهما شريكان مع التحالف الحاكم في جريمة البلطجة الانتخابية بعد أن استدرج كل منهما الآخر إلى المشاركة في الانتخابات، ونجح التحالف الحاكم في الإيقاع بهما. شارك الوفد التحالف الحاكم في معركة وأد الإعلام المعارض، وصارت تجربة الدستور هي رأس الذئب الطائر التي أودت بالإعلام إلى غياهب "الكلام الأخرس" من باب التنفيس لأي احتقان يمكن أن يتولد. وتكاد الجماعة تؤدي دور الترابي وجماعته في السودان، وكأنها ستؤدي بنا إلى التقسيم، وضياع الجنوب، وهي بذاتها لا تحمل مشروعا اجتماعيا وسياسيا واضح المعالم. ويخطئ البرادعي وهو يتوجه بحركته إلى الجماعة كي يمنحها قبلة الحياة، فهي في حاجة إلى تقييم للذات ومراجعة واجبه، وإلا فهو يهدر دروس الأيام الماضية، ويجمع المتناقضات، ولن يجني إلا محصلة العجز. نجحت جماهير الشعب المصري في ثورة 1919، لأنها كانت حركة للأمة، وهي خاصية جرى ضربها بالتكتلات التالية تحت مسميات حزبية، ولم يبق الوفد مجرد حزب، ولكنه بقي شاهدا على خاصية الأمة التي يتسم بها الشعب، حتى بعد أن أصبح حزبا لكبار الملاك، وليس حزب الجلاليب الزرقاء، وهكذا صار الاحتياج إلى قيادة تستطيع استدعاء الأمة، وسط طبول وصخب "معارضة السلالم الرخامية". طرحنا من قبل بديل التنادي بين قامات قادرة على الحوار وجمع الأمة، وكل الرجاء إلى أصحاب دعوات ما بعد الانتخابات أن يلتقطوا أنفاسهم، ويصمتوا لبعض الوقت، ولعل الشعب يبدأ العصيان، بالخروج من الأحزاب والجماعات، فهي أضغاث أحلام ليس لها وجود حي. في حوار مع صديق بالسودان حول أزمة الجنوب والدور المصري قال لي: "الإشكالية أن مصر في صراع على مدار الساعة، والكيد الإسرائيلي من الداخل والخارج، والكانتونات اللاوطنية في داخل مصر تصعب المسألة، والرأسماليون الجشعون في مصر يكادون هم والحكومة المختلة أن يطيحوا بالنظام"، ولم يكد ينتهي الحوار بيننا إلا ونقلت وكالات الأنباء تصريحات لمسعود البرزاني عن حق تقرير المصير للأكراد في العراق، إسرائيل تجد لنفسها وجوداً في جنوب السودان، وفي شمال العراق، بينما مصر تحاول درء الحرب الأهلية عن نفسها، وتجاهد أن تسترد الإرادة الوطنية.
1059
| 14 ديسمبر 2010
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
2922
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
2895
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1362
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1020
| 11 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
738
| 08 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
714
| 13 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
663
| 13 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
645
| 12 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
633
| 09 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
609
| 13 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
576
| 11 مايو 2026
في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...
549
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية