رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أن نروي عن الشباب أمر غير أن نحيا معه أداءه خارج الميادين وفي مهام تتطلب وعيا وإرادة وليس التظاهر والهتاف والاعتصام. بعد 16 عاما من الحراسة القضائية على نقابة المهندسين المصرية (450 ألف مهندس) وعدم إجراء انتخابات لتشكيل مجلسها واختيار النقيب العام لها طوال 20 عاما، أتاحت مسؤوليات تولي مهمة الإشراف عليها لي فرصة التعامل مع جيل جديد من المهندسين الشباب، يتزايد عددهم مع تنوع المهام، والإعلام عبر الشبكات الإلكترونية، لتتكشف القدرات المتنوعة التي يمتلكها هذا الجيل وتتجلى صورة الأمل في الرغبة في العمل والمعرفة، أمل يضيء وسط بورصة الانتخابات في مصر. تبدو حركة الانتخابات المصرية وتكتلاتها وانتقال الأحزاب من تكتل إلى آخر "ضجيج بلا طحن"، أو كما كانت تشيع في بداية السبعينيات مقولة "سياسة الاسكوتر... صوت عال وحركة معدومة"، للتعبير هن مثل هذه الوقائع والتي تتسم بالصوت العالي الذي يصم الأذان وبلا فاعلية، والاسكوتر هو نوع من الدراجات البخارية كانت في مصر ذلك الوقت، يصدر أصواتا عالية بينما حركته بطيئة لا تتناسب وما يصدر عنه من أصوات. من يتابع قوائم المرشحين الانتخابية وسرعة انتقال الأحزاب والجماعات من تكتل إلى آخر، يدرك أنها تكتلات خارج التاريخ ومسيرته بعد تفجر ثورة الخامس والعشرين من يناير، ويلمس بوضوح أنها تكتلات ليست ناتجة عن اتفاق سياسي أو التوافق بين هوامش برنامجية أو فكرية مشتركة، ولكنها مجرد شوق دفين إلى كراسي نيابية لم يعلن على الشعب مبررات شرعيته كي ينالها، وتكاد تنقض على ثورة الشعب لتحيل المجالس النيابية القادمة إلى تعبير من جديد عن واقع ما قبل ثورة يناير 2011. الاستقالات من الأحزاب تتوالى، وشخصيات نيابية كان لها دور معارض قبل يناير تتراجع عن المشاركة بما يوحي أن الانتخابات فجرت الأحزاب من الداخل، وهو ما يزيد القادم سوءا، وكأن العملة الرديئة بعد الثورة تطرد العملة الجيدة من مجمل الحياة السياسية، وتكاد مصر تبدو وطنا "تحت الحراسة الثضائية"، سلبت من شعبها، وأنيط بإدارتها غافل أو متطلع أو أناني. ومما زاد الأمر توترا أن زحف أعضاء الحزب الوطني المنحل يتزايد ويكاد يصل إلى نقطة التعادل مع غيره من الأحزاب الأخرى، خاصة أن الأحزاب الأخرى سعت إلى العديد من عناصره لتضعهم على قوائمها لتضمن أصوات العصبيات القبلية والعائلية دون أي تقدير لمعاني التغيير وإعادة بناء الوطن، وبديل الارتقاء إلى قدرة الشعب وإنجازه، يرتدون إلى عصور التخلف والجاهلية السياسية. تغافلت الحكومة عما يسمونه قانون الغدر والذي كان القصد منه عزل القيادات السابقة للحزب الوطني المنحل والتي أسهمت في إفساد الحياة السياسية والاجتماعية وكانت هذه العناصر أداة التشريع وإصدار قوانين اصطلح على أنها سيئة السمعة وهي منوط بها اختيار لجنة وضع دستور مصر بعد الثورة! وضعت العصي في عجلات الثورة للحيلولة دون الوصول إلى غاياتها، وتحول شباب الثورة وعناصرها إلى فرائس تطاردها قوانين استثنائية أصدرت بعد الثورة، وتقع ضحية هجمات متوالية أمنية وإعلامية، وجرى تجاهل حاجات الشعب التي جسدها شعار "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية". الثورة لم تكن فعلا اختياريا أو اعتياديا، ولكنها كانت ضرورة لتغيير الواقع الذي يحياه الشعب، وتحولت من مجرد حركة في الميادين كسرت حاجز الخوف، تحولت بفعل المعاناة إلى عقيدة وسلوك لدي الشباب، بينما هي لدى النخب السياسية طموح إلى حد الجنون إلى سلطة ترث النظام السابق دون أن يكون الشعب داخل اعتبارها إلا بشعارات وأقوال لا ترقى إلى اليقين. يرصد أي مراقب منصف أن خللا ما أصاب العلاقة بين المجلس العسكري والأحزاب والنخب السياسية، وصارت بين هؤلاء مجتمعين وبين الشعب فجوة عميقة ليس هناك فرصة لتجاوزها في المدى المنظور، بل هي تضع اللبنات الأولى لصدام قادم، لن يكون بين الشعب وقوى الأمن بالشارع، ولكنه بين الشعب وتلك القوى وممثليها ولكن مسرحه سيكون مبنى المجلس النيابي وما يحيط به من طرق ومبان. امتد الخلل إلى آلة الإعلام التي تم مصادرتها بذات أساليب النظام السابق، ولم يكتفوا بهذا بل طاردوا أي محاولة وديعة ومهنية لممارسة حرفة الإعلام وفق أصولها المتعارف عليها في كونها أداة للكشف عن حقيقة ما يجري وأن مهمتها في هذه المرحلة هي تحليل الأحداث والإضاءة من حول المخاطر التي تهدد الوطن ومصادرها وما يترتب عليها من أضرار تطول شعب لم يبخل بحياة أبنائه في سبيل لقمة عيش كريمة وحرة وأن يقيم العدل الاجتماعي بين أبنائه وكافة الأطراف الاجتماعية المكونة للشعب. كسا اللون الأسود تصرفات الأشهر التسعة الماضية، ونازع سواد التصرفات لون الدم الأحمر لأبناء الشعب بأيدي من أطلق عليهم البلطجية، وهم أداة النظام السابق وخط دفاعه الأخير، وانضمت إليهم قوى هي ملك للشعب، فأهدرت دمه ولم تملك إلا تبريرات هي ذاتها تبريرات النظام السابق. رغم كل ذلك تحولت الثورة في الشباب إلى روح وإلى عقيدة وإلى سلوك، وارتقى الشباب درجات سلم الوعي، يدفع الثمن على أعتابه، ويزيد إصرارا وعنادا، وأدرك بالتجربة الدامية أن الصراع ليس مكانه ميادين مصر وشوارعها، ولكنه صراع على الشعب بفئاته كلها وعيا وإرادة. ولم يكن هذا مجرد قول ولكنه أخذ سمة الفعل وفي كل الاتجاهات، ولم يضع الشباب إرادته رهينة رغبة أو لقمة عيش، بل تخلص من أسر ذلك بوعيه أن تغيير الوطن هو سبيل البقاء الحر العزيز، وأن التغيير فعل ومنهج ومفاهيم، وليس مجرد أفواه وحناجر، وأن الدم غال وعزيز، وليس إهداره هواية تقليد أعمى ولكن الروح وليس مجرد الدم المسال هي ثمن يدفع، وقد دفع مقدما، وكسر حاجز الخوف وأطلق الإرادة من عقالها. شباب ينتقل بين الاعتصام نهارا إلى العمل من أجل بناء نقابته ليلا، وشباب يعود من عمله، دون راحة ليسهم في الإعداد لانتخابات هي طريقه لتحرير نقابته، لا يخجل أن يحمل المكانس وينظف مسرحا عشش فيه العنكبوت ويرفع عنه القاذورات، ويحاول إصلاح كراسيه ويبحث عن تطوير إمكاناته إعدادا ليوم الانتخابات، ويتطوع من كل ربوع مصر ليشرف على صناديق الانتخاب، ينتقل بين الكمبيوتر، وشراء سندوتشات الفول والطعمية بلا خجل ولا تردد، يعود سواء كان المريض أم أو ابن، إلى العمل التطوعي إعدادا ليوم الإرادة، ويصنع أعلامه الخاص ليبلغ الدعوة إلى كل أبناء المهنة. وتخرج إلى النور مجموعة أخري من شباب المهندسين حديثي التخرج، وتنشر المجموعة فيديو علي شبكة الإنترنت يدعو في هدوء وعمق واصرار كل المهندسين للاحتشاد يوم الانتخاب لتحقيق ارادتهم، عرف أن الإرادة يجب ترجمتها إلى فعل، وان الفعل الجماعي هو الفعل المنتج، وسعيت إلى لقائهم، وبادروا هم باتصال تليفوني، هم المبادرون، لم ينتظروا دعوة من أحد، وجاءوا لنلتقي. الزمان ليلا وساعة القاهرة التاسعة مساء، والمكان نقابة المهندسين، والحضور يجمع بينهم إنهم مهندسون وتتباين ألوان الشعر، فقد انتقل البعض منا إلى صفة شيوخ المهنة، ويمتد إلقاء إلى منتصف الليل مع شباب "مرصد"، يسألون ويستفسرون لتبين محددات الانتخابات، قواعد وقانون وإجراءات وأماكن، وكان الصباح قد شهد شبابا يتصلون من أماكن عديدة يطلبون دورا أو تحديد مكانا لديهم للجنة الانتخاب، الكل يسعى ليوم الانتخاب. لم تكن مبادرة الاتصال منهم هي المبادرة الأولى، بل يمكن أن تكون الثالثة فقد سبقها إنتاج فيديو الدعوة وتلي الفيديو ندوة عقدت في مركز الثقافة الشعبي "ساقية الصاوي" ونجحوا في هذه المبادرة أن يجمعوا الشباب من حول انتخابات نقابتهم. كان سؤالهم الجوهري خلال اللقاء عن ماهية المهام التي يستطيعون أن يساهموا بها وبالإعداد ليوم الانتخابات، بهدوء وسلاسة وبلا انفعال مما يؤكد أن الاهتمام موضوعي وليس مجرد انفعال بالحدث بل هو تفاعل، وانتماؤهم إلى الوطن ترجموه حيال المهنة التي ينتمون إليها بمهنتهم، الدعوة إلى مشاركة كل المهندسين في انتخابات نقابتهم. شباب تجاوز حالة النقد والاتهام إلى حالة البناء بينما النخب السياسية تعيش حالة "الضجيج بلا طحن" ويحكم سلوكهم هدف وراثة سلطة سقطت دون وعي بحقيقة التغيير الذي تحققت نتيجة ثورة يناير في سلوك الشعب وفي عقيدة ووعي الشباب من أبنائه. وعادت بي هذه الوقائع إلى مقال ودعوة كتبها ابني وهو في سنهم ليقول: "إن تكون الجمعة القادمة وما يأتي لاحقا من مظاهرات "مع" وليست"ضد" مع الحرية مع العدالة مع النظافة مع المستقبل مع النور وليست ضد الطوارئ وضد الكبت وضد الوساخة وضد الماضي وضد الظلام. لأن " مع " تجعل الحشد إيجابيا بناء أمام الرأي العام بعكس " ضد" تجعل الحشد سلبيا هداما أمام الرأي العام رغم أن كلمة "مع" هي بالضرورة ضد شيء آخر، تجاوز الشباب ما كنا نخشاه أنهم لم يتول أحد أعدادهم ولم يضع أحد مثالا قيميا يحتذون به، فصنعوا لأنفسهم قيمهم الرائعة في مواجهة غياب القدوة. ورغم ضجيج بورصة صناديق الانتخابات، ستبقى مصر ولادة، وسيظل هذا الشباب مثالا لأجيال قادمة.
598
| 25 أكتوبر 2011
تبرز قيمة القيادة وقدرتها في وقت الفوضى، حين تتشابك الخيوط، وتختلط الأوراق، ويغشى الطريق دخان الحرائق، وتتعطل البوصلة، تبرز القيمة الحقيقية للقيادة، وتصبح "الفوضى ـ الأزمة" مجالا خصبا لتعمل القيادة "رؤيتها" وبالتالي "قدرتها" على إدارة الفوضى دون أن تصبح طرفا فيها أو يؤدي بها وبالوطن إلى تلاطم عناصر الفوضى. وما يقول به التاريخ العسكري عن انفلات الرابط الرئيس للجيوش فيما يسمى بالانضباط العسكري، والذي يحدث في أعقاب النصر أو الهزيمة، هو دلالة على المهمة الأولى واستيعاب لرؤية واضحة، إنه دون نظام وانضباط ليست هناك إمكانية وجود للجيوش، وبدون رؤية ليست هناك عقيدة قتالية، ودون الانضباط والعقيدة تتحول حالة الفوضى إلى ما يشبه الانفجار الذري لا يبقي ولا يذر. المشهد في مصر الآن يماثل حالة الفوضى التي تعقب النصر، أحاديث تتناثر حول بطولات كانت، وعن مغامرات تمت، وعن قرارات اتخذت وكانت سبب التحول من "الغضب" إلى حالة "الثورة"، ولكن يهيم في الجو العام سؤال: كيف وصلت الحالة الثورية إلى حالة الفوضى؟ ويمتد السؤال على استقامته إلى ما العمل؟ ولا يعني السؤال إجابة تكشف عن مهام مجهولة من السائل ولكنه في طياته نداء بأن تسمعه شيئا يبعث الطمأنينة في النفس ويريحها ويجلب النعاس الآمن، وهذا في حد ذاته يقضي بأن الحالة الثورية قد غابت لغياب في الوعي والرؤية المستقبلية. أسئلة كثيرة قد تبدو هي أسئلة اللحظة تسمعها وتجدها من حولك في الفضاء المصري بامتداده الجغرافي والفضاء الذي يغلفه، ومجرد إعمال العقل يقضي بأنها أسئلة خاطئة في لحظة فاصلة. مست الفوضى الواقع المادي المعاش وتضاريسه السياسية، ومست أيضا الفكر والشعارات المتداولة، وكما قال السادات يوما : "إن الديمقراطية لها أنياب" مبررا لحملات أمنية وضربات يوجهها إلى الحركة الوطنية، وكما ادعى الغرب أن الإسلام دين الإرهاب في محاولة لإجهاض أي حركة مقاومة للغرب ومخططاته، ولحصار أي فكرة ترتكز على المقاومة، فإن مصر تشهد اللحظة إرهابا من نوع آخر قد يصح أن نطلق عليه "الإرهاب بالديمقراطية"، فتحت شعار الديمقراطية والحرية تجري عملية التوريث الجديدة للسلطة في مصر، ولغياب الرؤية لمصر التي أرادها الشعب في شعاره الذي يعتبر إستراتيجية "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية"، صارت الفوضى تمس جذور الثورة وإمكانية تحقيق أهدافها. بدأت الفوضى بلجنة البشري وما نجم عنها واستفتاء تقسيم الوطن، وحصار الثورة، وها هي الفوضى تنتهي بمشهد دام بماسبيرو في مواجهة مبنى الإذاعة والتلفزيون بينما المذيعة تعلن أنها مواجهات بين الجيش والأمن المركزي "والأقباط" المتظاهرين أمام المبنى مطالبين بإقالة محافظ أسوان على خلفية أحداث حول بناء كنيسة في إحدى قرى إدفو، ولا تتوقف عند هذا الحد بل يبلغ بها الأمر لمناشدة الأهالي للخروج لحماية الجيش من المتظاهرين لأنهم يقتلون الجنود! تلفزيون ما بعد الثورة يؤجج الفتنة الطائفية، ويخرج رئيس الوزراء ببيان هزيل وكذا وزيره للإعلام، ويتم إعلان حظر التجوال في منطقة وسط القاهرة من العباسية إلى الكورنيش، وتخرج مظاهرات تهاجم المنازل في حي شبرا المكتظ بالمسيحيين، وتنتشر الأقوال عن أتوبيسات تحمل شبابا تخرج من المحافظات إلى القاهرة وعن صدامات طائفية بالجيزة ولا تعلم أين هي الحقيقة، وتنشر المواقع الإلكترونية أنباء عن قناصة يقتلون في الطرفين من المتظاهرين والجيش!، أمام ماسبيرو، وصدامات في الإسكندرية بين متظاهرين ويحطمون سيارات دون هوية ولا سبب، وبلطجية فوق الموتوسيكلات تهاجم محلات وسط البلد بالقاهرة. هشيم أضرمت فيه النار، فوضى نائمة تنتظر من يوقظها، هي فوضى أكثر منها فتنة. وسبق أحداث ماسبيرو مؤتمر عقد في قنا بصعيد مصر لأعضاء سابقين بالحزب الوطني بقيادة عبد الرحيم الغول يحمونه بالسلاح الآلي، ويتوعدون "احذروا غضب الصعيد"، ويعلنون أنهم سيقطعون الطرق والسكك الحديدية إن تم تفعيل قرارات بالعزل السياسي لأعضاء الحزب الحاكم المنحل. هنا ووسط هذا الصخب والدماء تتأكد الحاجة إلى قيادة تستطيع أن تعبر الأزمة، وليس قيادة تثير الأزمة الرعب في نفسها، قيادة تملك تصورا واضحا، ولا تخشى في أمر الوطن إرهابا جاء من أحزاب بلا جذور أو جاء من أقزام حولوا الثورة إلى بوابة للعبور لكرسي الحكم. الفوضى تشمل الأحزاب، ولم تعد الأحزاب جزءا من الحل، ولكن حالة العناد والتبجح بلا أي مبرر من الواقع أو الوجود الشعبي، حولتها إلى مصدر للمشكلة. وأقزام التاريخ والفكر يطرحون أنفسهم كشخوص بديلة لنظام أسقطته الثورة، وحولوا "شوقهم" لكرسي الحكم دون مرجعية من تاريخ الوطن أو مستقبله، حولوا أنفسهم إلى مؤسسة تقبل وترفض ولا تطرح تصورا لوطن ثار شعبة من أجل "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية". وتتردد إشاعة عن تغيير الوزارة، ويبقى سؤال ما بعد الثورة الحائر، هل الوزارة هي القيادة؟ وهل تحتاج مصر تغييرا للوزارة أم تحتاج مصر قيادة تملك تصورا للوطن الذي يريده الشعب؟ الأيدي المرتعشة والنفوس الباحثة عن ذواتها دون وطنها هي السبب الرئيسي للفوضى. لقد وصلنا إلى أبواب الترشيحات للمجالس النيابية تحت سطوة المرتعشة أيديهم والغائبين عن حقيقة إرادة الشعب، وكان مقررا لها الأربعاء القادم ولمدة أسبوع ودون استكمال التطهير لعناصر النظام السابق وما يسمونه بالعزل السياسي، وأصبحنا نتحدث عن التوقيتات ولا نتحدث عن لماذا الانتخابات؟ ومن بين من ومن سنختار؟ المشهد يبدو وكأنهم يطالبون الشعب باختيار المستبد الجديد، فإذا ما اختار الشعب ملائكة من السماء في إطار ذات النظام الحاكم، فهو يختار جلاديه، ويقبل بالاستعباد ما دام لم يتغير النظام. إنها لحظة الجد، ولا تقبل بهزل الكلمات المغموسة في الجهل. إنها لحظة لا تقبل منافقة أحد، ولكنها لحظة يجب أن نواجه فيها أنفسنا قبل أن نقتلها. هي لحظة مراجعة النفس، فالبناء الحقيقي لمصر لن يأتي تحت شعارات لا تتجاوز مجرد بغبغة دون واقع معاش، ولا فوق حمام من الدم، ولكنه يمكن له أن يتحقق إذا استوعبنا حقيقة أن الشعب تجاوز بحركته خلال الأيام الثمانية عشرة الخالدة من بعد 25 يناير، تجاوز من اتهموه بقبوله للخنوع وتجرأوا عليه، وتجاوز من دعوه إلى التوقف دون أن تكتمل مطالبه لأن حلم هؤلاء كان دون رؤية الشعب وإرادته، وتجاوز الأحزاب العاجزة دائما عن التواصل معه أو التعبير عنه وتجاوز قياداتها المكتبية، وتجاوز النخبة وصراعاتها وتطلعاتها وأشواقها التي دفعتها إلى أن تكون حبيسة تداول السلطة دون أي تغيير للمجتمع. إن لحظة الجد ومراجعة النفس، تفرض عدم القبول بإرهاب تمارسه الأحزاب أو النخبة، ولا تقبل بإرهاب مضاد. إن كل حجر يلقيه متظاهر، أو طلقة رصاص تطلق، تكسر الواجهات السياسية الباحثة عن ذاتها دون الشعب صاحب الحق الأصيل في الحياة، والتغيير، والدولة الحديثة. لقد كتب ابني الشاب يوما نداء قال فيه : "لا تقل إنك ضد ولكن قل إنك مع"، الشباب يبحث عن البناء والأحزاب والنخبة تبحث عن وراثة السلطة وكل منهم يقول : "إن الحل هو أنا"! صراع الأضداد والمتناقضات هو درس الثورة المصرية، جامعة مفتوحة، دروس يومية... ما تدفع ثمنه ولا تجنيه... ينقلب عليك... درس الثورة الأول... الشعب لا يموت... وإذا أراد الحياة... يستجيب القدر... ودرس الثورة الثاني... عندما تختلط الأفكار ويتداعى الوعي... يقفز اللصوص على الثورة ولا يمنعهم دم ولا حاجة شعب... وعندما نلهو بالتاريخ وننسى دروس انتكاسة الثورات... تكون المأساة... لا تستبدلوا الخصومة... ولا تركبوا السيارات بدلا من الأحذية المثقوبة... على حساب مفتوح باسم الثورة. الثورة صراع إرادات... وليست أبدا أحلام سلطة زائلة.... الجوع شرف... واستبداله بأموال وحنايا السلطة الناعمة نهاية لكم... وستبقى الثورة... تولد من رحم الأحزان. إن تناول الأمور بجدية، يلزمنا بالعودة إلى ما يمكن تسميته "كود الثورة"، وهو ما اتفق على تسميته "بالشرعية الثورية" والشرعية الثورية ليست كبسولات دواء، ولكنها عملية جراحية، ولا يعني هذا أن نفتح بطن المريض ونقص عظام صدره ثم نتساءل ما الذي نريد؟، ولكن المطلوب أن نعلم ماذا نريد قبل ذلك، لابد أن نملك رؤية تجاه النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني، لا تحولوا الثورة إلى حركة مطلبية، ولا تهدروا فرصة تاريخية فتحت أبواب التغيير، ولا تحاصروا الشباب الذي ثار ضد الظلم والفساد والتعذيب، في لقمة عيشه وأرواحه، ولا تحاولوا إغواءه بعد الحصار بمواقع وأموال، ولن يجدي في مواجهة الشعب استعادة نظام أمن الدولة وغيره من الأجهزة وتوجيهها لضرب وحصار الإرادة الشعبية، حتى وإن ظللت أفعالكم شعارات يرفعها الشعب. إن لم يكن أمامنا سوى تجرع السم الزعاف، فليس أقل من أن نموت بكرامة وشرف. هذه لحظة القيادة الحقيقية لوطن تعم فيه فوضى الأقوال والأفعال وخرائط الطريق المذمومة، وطن يدرك هويته ولا يريد من يعلمها له أو يسرقها منه، ولكنه يفتقد القيادة والرؤية، فهل يجد الدور التائه فارسه؟
568
| 11 أكتوبر 2011
أحد شروط القيادة الناجحة أن تواكب قراراتها وحركتها وعي الجماهير لا تسبقه ولا تتخلف عنه، وهذا ضمانة عدم وجود فراغ وعي أو زمن بينهما، لأن أي فارق في الوعي أو التزامن يؤدي إلى اختلاف في اتجاه الحركة وقد ينجم عن هذا الانحراف عدم تحقيق الأهداف وخلل في إدراك كل منهما للآخر. هذا ما حدث في ثورة يناير، وأدى إلى حالة من استبدال الخصومة، وتصورات عن تربص متبادل، وسقط الحوار إلى مستوى اللغط غير المنتج، ووصل أحيانا إلى بذاءة في التعبير. تردد تعبير "التباطؤ إلى حد التواطؤ" توصيفا لحالة تخلف لدى متخذ القرار وإدارة الحكومة عن وعي الجماهير وإرادتها، وتزايد اتساع الفارق الزمني بين مطالبات الجماهير وتحرك القيادة. طوال الفترة الانتقالية كانت القرارات تتخذ على نحو من الاستجابة بالشكل لمطالب جماهيرية خلال زمن يوحي بأن أسلوب التعامل هو نفسه أسلوب النظام السابق في الاعتماد على الزمن كوسيلة للتخلص من المطالب ودون عزم تحقيقها، وفي المرة الوحيدة التي سبقت فيها إدارة المرحلة المطلب الجماهيري كان تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، ورأى قطاع عريض من الجماهير أنها التفاف على الثورة وتحويلها إلى حركة مطلبيه. والمرحلة التي تمر بها مصر يكاد ينطبق عليها تعبير "أوراق الورد الجافة". نعم هي أوراق ورد جرى تجفيفها، تبدو متماسكة، ولكنها هشة تستطيع أن تسحقها بين أصابعك بلا جهد، يملأون بها آنية بالمنازل ولا يتجاوز أثرها تحريض الخيال إلى توهم ما كان من صورة للورد، مجرد ذكرى لجمال الزهور اليانعة، زهور تجاوز نضجها إمكانية تجاهلها، ولكنها لم تجد من يرعاها ويجدد حياة اللون والرائحة فيها، فاستعاض عن فقدان القدرة على الرعاية، إلى إنهاء الحياة فيها بتجفيفها. سياسة "أوراق الورد الجافة" هي الحاكم للعلاقة بين الثوار ومصدر القرار السياسي بعد الثورة، حيث نهج التجاهل والتعامل بالعنف أحيانا وتشتيت الانتباه عن القضايا الأساسية للمرحلة الانتقالية، هي سمات التعامل رغم تكرار كلمة الثورة دون المضمون. تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن "التحالف العرفي" بين مصدر القرار والأحزاب والجماعات ورأسمالي النظام السابق، وهو تحالف تتباين نواياه وغاياته، ولكن أطرافه تدعي أن مرجعيتهم وهدفهم الثورة، ويحيا الشعب صراعاتهم ويدفع ثمنها إحباطا ومن أمنه. وفي ذات المقال تحدثنا عن "الهروب للأمام" بادعاء قضايا جانبية تشتت البصر، هروبا من تبعات ومسؤوليات الفترة الانتقالية. وحذرنا من استبدال الخصومة في كونها خصومة مع أعداء التغيير، إلى خصومة مع المجلس العسكري دون تجاهل مسؤولياته عن بلوغ هذه المرحلة. وحذرنا من احتمالات الانفجار. كشف الإعداد للانتخابات القادمة لمجلسي الشعب والشورى الفارق بين تحمل مسؤوليات المرحلة الانتقالية المباشرة والتي كان واجبا لها أن تشغل بال المجلس والوزارة والأحزاب، وبين إدعاء الولاية على الثورة والهروب من هذه المسؤوليات إلى تمكين للأحزاب من نتائج العملية الانتخابية قبل إتمامها. وقد أكون خارجا عن تغريدات الديمقراطية التي تصدح بها البلابل والغربان معا في مصر، ولكنه رأي أرى استمرار الحديث عنه ضرورة للامساك بحقيقة "أن تجفيف أوراق الورد" تجري بإسهام من كافة الأطراف خاصة هذه الأحزاب التي تشكلت قبل وبعد الثورة. وغير ذلك مشهد الهرولة المتتابع ممن أعلنوا نيتهم في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية. كل هذا كان بديلا عن مهام الثورة في المرحلة الانتقالية وكان واجبا أن تقوم بها سلطة الثورة، وليست تلك السلطة المدنية المصنوعة وفق أهواء طالبيها، وتحت إرهابهم أنهم إن لم يحصلوا على هذه المطالب فسيشعلون الأرض نارا، والاستجابات التي تصدر عن المجلس العسكري تعني أن هناك توافقا لمنح السلطة إلى طالبيها، دون مبرر من حقيقة على الأرض أو حق من ولاية على الثورة، وتجاهل كامل للشعب صانع الثورة وصاحب المصلحة الحقيقية للتغيير. هل تنكر الأحزاب أيا كان دورها قبل الثورة أو بعدها أنها لا تمثل كل الشعب وأن نسبة أعضائها لا تتجاوز 5% من تعداد الشعب؟ وهل تنكر الأحزاب التي عايشت النظام السابق سواء عارضته أو توافقت معه أن اتجاهها كان دائما للطلب من الحاكم دون خوض أغلبها معارك الشعب الحقيقية في مواجهته؟ كيف ترضي الأحزاب التي تدعي أنها تعبر عن الشعب إلى السيطرة على 100% من مقاعد مجالسه المنتخبة بالقائمة النسبية وهي لا تمثل أكثر من 5% من مجموع الشعب ولا تمثل أكثر من 8% من مجموع الناخبين؟ ولماذا تتغافل الأحزاب أن أعضاء من الحزب الوطني المنحل قاموا بتشكيل 7 أحزاب تضمهم على الأقل؟ ويعودون لربط المقعد الفردي بين مطلبين، الأول أن يكون لهم الحق في الترشح عليه لإعدام فرصة غيرهم في الترشح؟ وتحت مقولة إن المقعد الفردي باب خلفي تسلل أعضاء الحزب المنحل إلى المجالس النيابة تغاضيا عن قانون العزل السياسي وعن الأحزاب السبعة التي شكلها أعضاؤه، بل حضر بعضها الحوار الذي عقد مع رئيس الأركان. وتحشد الأحزاب والقوى مظاهرات تحت عناوين أخرى قد تكون محرضا ودافعا للاحتشاد، مثل قانون الطوارئ والمحاكمات العسكرية والمعتقلين وحق الشهداء والمصابين وتضيف مطالبا لم يعلن المجتمع أنه قبل بها باستفتاء، ولا يمكن الارتكان إلى صمت الشعب بأنه قبول، فصمت الشعب قد يكون تربصا بهم وكفرا بأنانية تحكمهم. أليس ذلك كله هروبا للأمام؟ ولماذا لا ترصد الأحزاب المطالب الفئوية وما ترتب عليها من إضرابات واعتصامات وحتى التجريم الذي نص عليه قانون يصمها بتهديد الوطن والإنتاج تركته الأحزاب دون إلغائه؟ هذا الرصد يدفعنا إلى سؤال جاد، لماذا نجرم المطالبات الفئوية والتي تعبر عن قصور في إدراك احتياجات الشعب، ونتحاور مع المهددين بالدم إن جرى إصدار إعلان المبادئ الدستورية أو تحديد لكيفية تكوين اللجنة التأسيسية لوضع الدستور؟ وينعمون على الوطن بوثيقة عرفية أن نيتهم أن يأخذوا هذه المبادئ والشروط في اعتبارهم! يقننون لأنفسهم وعلى هواهم ما يشاءون ويتعهدون شرفا بما لا يرغبون أن يكون محددا لإطلاق يدهم دون رادع في تقرير أمر المستقبل، ويحكمهم وهم أنهم وحدهم أصحاب الولاية. وتمثل حقيقة مريرة في واقعة ميناء السخنة وإضراب العمال (6000 عامل)عن العمل لأن شركة دبي للحاويات لم تنفذ اتفاقا بينها وبين العمال وبحضور الجيش تم في شهر مايو الماضي، والسؤال من تحرك لحماية حقوق العمال هل هي الأحزاب أم الجيش؟ والإجابة أن المنشغلين بالقفز على السلطة تركوا العمال والذي قام بحسم الأمر لصالح العمال هو الجيش. فأي شعب يمثلونه؟ أم أن قضية السخنة بعيده جغرافيا عن وعيهم وعبئا على تطلعاتهم؟ أشار تقرير للكونجرس الأمريكي عن عملية الانتقال في مصر بعنوان "وجوه جديدة ومشاكل قديمة" والحقيقة "وجوه أنانية بشعة ومشاكل لا تجد فارسها". دعا المجلس العسكري 13 حزبا فقط من جملة الأحزاب القائمة، وكانت الدعوة هذه بابا للانقسام بين الأحزاب. وخرجت الأحزاب باتفاق مع المجلس لتجد أعضاءها من الشباب رافضون لما جرى الاتفاق عليه، وتوالي انسحاب الأحزاب من التوقيعات على الاقتراح بوثيقة النوايا تلك، هزل في موضع الجد. وتتجاهل الأحزاب الحالة التي وصل إليها الشعب والشباب منه خاصة، من اعتقاد أن الثورة قد سرقتها الأنانية ومجرد التطلع للسلطة، ولم يحاول أحد منهم أن يتواصل مع الشعب بحوار يبني ولا يخصم، وكل همهم أن يمارسوا الدعوة لأنفسهم متجاهلين الكم الأكبر خارجهم من الشباب والشعب، فهل ستستمر "جريمة تجفيف أوراق الورد"، وإشاعة الكآبة من حول الشباب الذي خاض معركة الثورة بين 25 يناير وحتى 11 فبراير، ولماذا يجري إذكاء روح الخصومة بين المجلس العسكري وبين الشعب؟ وسط ذلك كله تلوح إضاءات يجب أن يدركها الشباب ويعي في دلالاتها أن تغييرا بطيئا يحدث لأن الحشد جزئي ولم يصل إلى المجتمع كله، وتتمثل في واقعة ميناء السخنة التي أشرنا إليها، وفي تكليف صدر إلى هيئة قضايا الحكومة بمراجعة عقود الشركات التي جرى تخصيصها، وتتمثل في ذلك الحوار الدائر بين العمال ووزير العمل أحمد البرعي والتداخل المستمر لكمال أبو عيطة في قضايا العمال واعتصاماتهم وتحقيق أغلب المطالب العمالية، وآخر هذه الاضاءات موقف وزير الري الدكتور هشام قنديل من قضية الحراسة على نقابة المهندسين لمدة 16 عاما وانضمامه لمطالب المهندسين وتشكيلة للجنة لاستلام وإدارة النقابة، هذه الاضاءات تقول إن الأمور تتحرك جزئيا وببطء، وهو ما يعني أن حركة الثورة تتم الآن بقاعدة كل في مكانه، وهو في حد ذاته جديد من بعد الثورة، ولا يستطيع أحد أن يقدر ماذا إن تصاعد؟ لا أعتقد أن عاقلا يرى أن نقد حالة الأحزاب ومطالبها وحركتها هو تحريض عليها، ولكنه بالأساس دعوة لها لأن تستعيد الرشد وتستعيد علاقة صحيحة مع الشعب وقضاياه، ولن أقول أليس فيكم رجل رشيد، ولكنني أقول أفلا تعقلون؟!
496
| 04 أكتوبر 2011
تعبيرات عديدة تعني حدوث مأساة ولكنها تغلف المأساة بالسلوفان، كتعبير "التقدم للخلف" ويعني الانسحاب من المواجهة أو المعركة، أو تعبير "الهروب للأمام" ويعني المزايدة علي متطلبات المهام هروبا من المسؤولية وما تفرضه من تضحيات. الهروب للأمام يكاد يكون أقرب وصف لحالة التيارات والأحزاب والمجموعات والنخب في مصر الآن بعد ثورة يناير وما ترتب عليها من علاقات "عرفية" بين كافة الأطراف أدت إلى أن يفعل كل منها ما يحلو له، في حدود وعيه وحاجته هو، دون الالتزام بما تفرضه الفترة الانتقالية من مهام. بلغت الأوضاع في مصر حالة الأزمة التي تشارف على الانفجار، وهو تداعٍ غير متسق مع وقائع 25 يناير وتضحيات الشعب خلالها. تبدو مواقف الأطراف خارجة على النص بالتعبير المسرحي، والأقنعة تتساقط واحدا تلو الآخر لتفضح حقيقة الأوجه، ولا أحد يفسح الفرصة لالتقاط الأنفاس ويسأل هل ما وصلنا إليه هو ما كان الشعب ينشده؟ أم أن انحرافا ألم بالطريق ؟ وهل الانحراف هو قصد مبيت أم أنه أخطاء وأعباء حالت دون الحفاظ علي المقاصد الشعبية وتحقيقها؟. بعد 12 فبراير تولد شك بأن هناك اتفاقا "عرفيا" بين الإخوان والمجلس العسكري نتج عنه عوار في تشكيل لجنة البشري وما أسفرت عنه من إجهاض لمهام الفترة الانتقالية وتجاوز وجوب وضع دستور جديد، وتحويل الثورة إلى حركة مطلبية لتعديل الدستور. وقال البشري في حديث "للجزيرة مباشر مصر" إن مهمته كانت التعديل الدستوري كما كانت مهمة لجنة سبقته شكلها الرئيس السابق، ولكنه زاد عليها تعديلين بإضافة الفترة الزمنية والانتخابات، ويستطرد قائلا وكأنه يضع مبررات إدانة ما فعله :"إنها ثورة شعبية وكان الجيش شريكا فيها، وإنها تسقط دستور 1971 سياسيا"!. أي أن الثورة في وعي هذا التحالف العرفي تحولت إلى حركة مطلبية لتعديل شروط تداول السلطة. وأن التعديلات التي رفضها الشعب من الرئيس السابق ولجنته أعاد البشري إنتاجها من جديد. خلال الأسبوعين الماضيين خرجت تهديدات من الأحزاب الدينية بالاعتصام والتظاهر ومواكب الشهداء، مما يشيرإلى أن الاتفاق الذي جمعهم والمجلس العسكري أصابه خلل ما. وصرح البشري "بأن أي إعلان دستوري جديد من المجلس العسكري غير شرعي ويستوجب الاستفتاء عليه"، ولعلنا نذكر بأن العالِم والمفكر لا يحده تنظيم ويسمو فوق الأنانية ... ولكن العالم والمفكرعندما تحده سلطة غير ضميره يخون علمه ويفقد قيمته، ويتحول إلى أداة، لا تقبل منه شهادة ولا يستساغ منه أن يحكم فيما يجري من أمور ومشاكل. هكذا استن هذا التحالف مبدأ "الهروب إلى الإمام" من التزامات التغيير الذي نادت به الثورة، الأمر الذي استدعى حالة من المقاومة بمظاهرات متتالية للحيلولة دون وأد مطلب التغيير. وشهد الأسبوع الماضي انضمام كافة الأحزاب غير الدينية إلى هذا التحالف بقاعدة الهروب للأمام، وجرى تحوير شعار الثورة "عيش حرية عدالة اجتماعية" إلى "أمن عيش حرية"، وبذلك أسقطوا هدف العدالة الاجتماعية، وتزايد الطنين حول الانتخابات بالقائمة النسبية فقط، والمطالبة بإلغاء نسبة العمال والفلاحين. صار واضحا أن الأحزاب الدينية وغير الدينية والتجمعات والنخبة توافقوا لأول مرة بعد الثورة علي أمرين: الأول "ضد" ... إن الخصومة صارت مع المجلس العسكري، مع تنوع الأسباب، سواء رفض أي إعلان دستوري جديد، ورفض تحديد معايير تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، أو رفض تمديد الطوارئ ورفض المحاكمات العسكرية. والسؤال الملح في هذه اللحظة هو :هل الصدام مع المجلس العسكري هو البديل الوحيد، وهل هو ضروري للثورة؟ أم هل هذا الصدام يحاول الفصل بين الجيش والشعب في لحظة من أدق لحظات المرحلة الانتقالية لحاجة في نفس يعقوب؟ ثم من هو يعقوب هذا في حالتنا هذه؟ ولكن أليس المجلس العسكري يساهم أيضا في هذا بما أطلقنا عليه "التباطؤ إلى حد التباطؤ"؟ الكل يسعى إلى الانفجار!. الثاني أنهم وحدهم لهم حق الولاية علي الانتخابات وغير مقبول الجمع بين القوائم والفردي، وليس لديهم أي مبرر لذلك، فالحياة الحزبية في مصر قبل الثورة وما لحق بها بعد الثورة لا تمثل واقعا يمكن حصر الممارسة السياسية داخله رغم وجاهة فكرة القوائم النسبية عندما تصح الحياه الحزبية، ورغم وجاهة أن تطهير الحياة السياسية من النظام السابق كان يجب أن يشمل الأحزاب جميعها وليس فقط الحزب الوطني، وتاريخ الأحزاب يؤكد حقيقة أن الشعب في ثورته كان متجاوزا الجميع. وهنا يفرض الواقع سؤالا ملحا ، ما معنى أن اللحظة تاريخية لفرض الشريعة الإسلامية كما أعلنت القيادات السلفية؟ وأي ديمقراطية يسعون إليها؟ وهل هناك خطأ في تمرير أحزابهم خاصة وأن هناك حديثا أن مصادر تمويلهم غير مبرأة من أهداف بعيدة عن طبيعة الشعب المصري؟ وهكذا اتسع التحالف ليشمل كل من يمارس الرطانة السياسية في مصر ومعهم المجلس العسكري، رغم مظاهر للاختلاف إلا أنه اختلاف في التفاصيل وليس حول مهام التغيير في الفترة الانتقالية. وصار الشعب الذي دفع ثمن الثورة وضريبة الانفلات الأمني، رهينة توافق التحالف العرفي. في أعقاب ادعاء مهاجمة مديرية أمن الجيزة ليلة 9/10 سبتمبر، ومقتل 5 مواطنين بالرصاص الحي وإصابة قرابة 1000 مواطن، لم نسمع عن تحقيق في أمر القتلى والمصابين، ولكن أعلن وزير الداخلية تصريحه الشهير "يحق للشرطة الدفاع عن نفسها"، أي أن هناك للشرطة "نفسها" وهناك المجتمع، حديث "ضد" آخر. والعيسوي هو ذات الشخص الذي أعلن على غير الحقيقة والواقع أن الداخلية ليس لديها قناصة، ولم يتحدث خلال الفترة الماضية عن "واجب الشرطة في حماية أمن المواطنين". ظلت الشرطة بعد 12 فبراير ترفض القيام بمهامها، وأظهرت حوارات معهم أن عقيدتهم "حماية النظام"، وعندما يكون هناك نظام، ستبدأ المهام الشرطية، وصارت الشرطة في حالة إضراب عن أداء وظيفتها، وتردد منهم قول "خلِّي الثورة تنفعكم" كلما توجه مواطن يطلب موقفا أو حماية، الأمر الذي أدى إلى انتشار الجريمة المسلحة والسرقة وقطع الطريق وسرقة السيارات وفرض اتاوات لإعادتها تحت سمعهم وبصرهم. تضمن شعار الثورة كلمتي "الخبز ـ والعدالة الاجتماعية" تأكيدا أن هناك ما هو عاجل وما هو مستقبلي ويحدد طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي البديل ويؤدي إلى استرداد الثروة الوطنية التي أهدرتها الخصخصة والفساد والنهب المنظم للثروات الطبيعية ويضع في الوقت نفسه نهجا للتنمية والعدالة الاجتماعية. وتصاعد الإضرابات الفئوية دلالة عجز عن تحقيق هدف "الخبز" والعجز عن مواجهة التوحش في الأسعار والغلاء الذي يقضي علي أي زيادة في الأجور تدعيها الحكومة التي تدير المرحلة الانتقالية، وتولى القضاء الإداري مهمة استرداد الشركات التي جرى بيعها. ولم تتحرك الحكومة والأحزاب والنخب في اتجاه بحث علمي حول حل مشاكل المجتمع الاقتصادية العاجل منها والمستقبلي. هذا العجز، واكبه علي جانب آخر يد مطلقة للرأسماليين الذين تكونت ثرواتهم في ظل النظام السابق، وصارت الأموال المكدسة لديهم هي وقود الحركة المضادة للثورة، يدهم مطلقة بينما تجري محاكماتهم في قضايا قتل الشعب وفق قانون الجنايات والذي يفرض وجود أدلة قطعية وكأن ما عاشه الشعب كان كابوس ليلة شتاء طويل. ويمارس الإعلام الذي تديره حكومة تسيير الأعمال مهمة "جوبلز" الشهيرة في الدعاية وفق حملة منظمة لتفريغ الثورة من دلالاتها، ويتولى أمر تشويه كل تصرفات الشعب، وتحميلها كل صور العجز الأمني والافقار المعيشي، وكأن جهاز الإعلام شأنه شأن جهاز الشرطة فوق المراجعة وإعادة البناء. التحالف العرفي وإضراب الشرطة والأموال المنهوبة هم أضلاع مثلث كان يواجه الثورة والشعب ويخدمه الإعلام أداة التشويه والدعاية المضادة للثورة، ويكاد يصل هذا الثالوث بالمجتمع إلى حافة الانفجار لتفاقم الصراع الداخلي فيما بينهم، فبينما كل أطرافه تتحدث عن الديمقراطية والانتخابات وتوقيتاتها ونظامها وأنواع المحاكمات المقبولة والمرفوضة وشرعية الطوارئ من عدمها، غير أنه ليس بالحوار المسئول ولكنها لغة تهديد ووعيد، حيث بلغ غرور القوة حد الانتحار، والابتزاز للوطن والمغامرة به حد المقامرة. المشهد الآن :هناك صراع علي السلطة يجري في العلن، اعتقادا من أطراف هذا الثالوث أن الثمار قد نضجت وحان قطافها، ويبقى سؤال أخير هل أسدلت ستارة النهاية علي ثورة الشعب المصري؟. لا ينكر أحد أن حالة الاكتئاب تتزايد بين الشباب والجموع الشعبية التي صنعت أيام الثورة، ولكن لا يملك أحد أن يقضي بأن ستارة المسرح قد أسدلت، وهو ما يفرض مراجعة أمينة لقوى الثورة الحقيقية، وللمهام المطلوبة منها. وقد يقتضي هذا البحث عن الخطوة بعد القادمة، وما هي أهدافها؟. فإذا كانت الخطوة القادمة هي حشد يوم 30 سبتمبر، فهذه المعادلة تفرض وضع بدائل لتصعيد العمل من حيث الحشد والأهداف. وإذا كانت الخطوة القادمة هي الانتخابات فكيف نرى أفق الحشد والأهداف بعدها؟. إن صخب اللحظة في الاقتتال الدائر على كافة الموضوعات الثانوية (بما فيها الانتخابات)، لا يجب أن يأخذنا بعيدا عن دراسة علمية لمعنى إعادة بناء جهاز الشرطة والتجارب السابقة في هذا الصدد، وهو عنوان لمؤتمر علمي يمكن عقده لنملك تصورا ماذا نعني بإعادة البناء. كما أن البحث عن النظام الاقتصادي البديل تحت عنوان التنمية والعدالة الاجتماعية يحتاج إلى حوار علمي لدلالاته وخططه، وهو موضوع لمؤتمر آخر لنملك رؤية وتصورا لما نعنيه بهذا. الثورة لم تكن إشاعة، وتأكد خلال الأشهر الماضية أن الشعب ليس كما صفريا، وتجاوز التيارات السياسية والأحزاب، وكسر حاجز التردد والخوف، وتأكد أن إرادة الشعب جزء من إرادة الله، وأن الشباب ليس عبئا على الوطن وأهله. لم يعد هناك شيء يمكن إخفاؤه في الظلام وتجاوز الشعب التخمين إلى الإمساك بالواقع وحقائقه، وتعدلت الأوزان النسبية داخل الوطن، وانكسرت كل التابوهات. انكشف كل المحيط بنا، وظهر للعيان أن الشعوب أكبر من الأموال ومن السلاح ومن الأجهزة السرية، وأن للتاريخ حركته التي لا ترتبط بنظام عالمي ولا بتشوهات في الجغرافيا، ولكنها ترتبط بحقائق التاريخ إن وجدت من يستطع الحركة لصالحها، وهروب السفير الإسرائيلي دلالة علي ذلك. هذه النتائج جعلت الوطن قضية كل الشعب، وأنباء المظاهرات الشعبية التي ترفع شعارات اجتماعية في مناطق مصر تدل أن هناك حراكا يتزايد ... الثورة بدأت ولكنها لم تكتمل نتائجها، ومحاولات الإجهاض لن تتوقف، وهروب الحلف العرفي إلى الأمام لن يضمن له البقاء، ومحاولة تفجير المجتمع ستطيح بهذا الحلف قبل أن تكتمل، ويبقى أن وحدة قوى الثورة والعمل والوعي واجب للحيلولة دون كسر الإرادة.
412
| 27 سبتمبر 2011
رحيل الفارس النبيل خالد عبدالناصر عن دنيانا إلى رحاب ربه، استدعى ذكريات بدأت معه منذ 28 سبتمبر 1971 حين جاء مدعوا إلى "لقاء ناصر الفكري" الأول بجامعة عين شمس. كان بيننا حوار أحببت فيه ذلك المتواضع والذي لا يضع قدمه في غير مكان قرره هو. كانت كلماته ببساطتها تحمل يقين انحياز لوطن وأمة. كان يمكنه أن يعيش على إرث أبيه، ولكنه لم يفعل رغم أن الكثيرين ممن مارسوا السياسة تحت اسم الناصرية كانوا يحيون على الإرث دون الإضافة الفكرية أو الحركية، وتجمدت العروق والشرايين في الأجساد، قال يوما "أمام عيني انديرا غاندي ووليد جنبلاط... ولكنها مصر.."، أدرك أنه ليس كافيا أن تكون مجرد ابن لزعيم كي يكون لك دور منتج لقضية، ولن يخدم قضيتك أنك الابن ولكن يخدم قضيتك ما تستطيع فعله. ويوما كان المتحاورون معه، وعددهم لم يتجاوز الخمسة، قد أضفوا بالتحليل السياسي والجدل سواد العجز ويتساءلون ما العمل؟ وإذا به يجيب "في حلبة سباق السيارات عندما تجد حادثة إلى جوارك، اضغط على "دواسة" البنزين لتزيد السرعة فالآخرون رفعوا أقدامهم عن البنزين" وصمت، وصارت هذه المقولة التكتيكية حجتي أمام أي إدعاء بالعجز. واقعة أخرى جرت قبل وقائع "ثورة مصر" تؤكد أنه لا يمنعه أي شيء حتى الفداء بالروح، وكانت الواقعة أيضا في أول شهر سبتمبر 1981، واستقر في اليقين أنه لم يعد هناك من سبيل لاستعادة مصر إلا بعمل غير نمطي، لم يرتعش ولم يتردد، شارك بالكثير، من حيث الأدوات والمعلومات، ولكن أُحبط الأمر لأسباب في البشر ولم يكد يمضي شهر حتى تمت واقعة المنصة واغتيال السادات تعبيرا عن إرادة أمة وليس جنوح فرد، وكأنه مكافأة من السماء لحلم فارس نبيل، أعد له ولم يتمكن منه. يوم عاد من يوغسلافيا منفاه الاختياري بعد كشف تنظيم ثورة مصر، علمت مساء الخميس من الصحف، ومبكرا في اليوم التالي كنت أطرق باب منزل صديق مشترك، الذي عقب على ما رويته بقوله أمامنا طريق واحد، أن نذهب إلى بيته فورا، وهو ما فعلناه، وخرجنا لصلاة الجمعة معا وخلفه حرس عين لحمايته من مخاطر صهيونية متوقعه، وما أن انتهت الصلاة إذا به ينفرد بالحرس جانبا، وعاد إلينا ليقول: كنت أطمئن علي الرجالة جوه (أي عناصر تنظيم ثورة مصر) لنوفر لهم احتياجاتهم. تجسد في شخص خالد عبدالناصر ميزة نسبيه أنه ابن جمال عبدالناصر، وهي تكسبه إمكانية أن يكون مركز ثقل، وتخدمه إن أراد تحقيق فرصة الظهور القيادي، ولكنه تجاوزها ليصنع بذاته ميزة تنافسيه تفردت بطبيعة مواقفه المتنامية وفي اتجاهات عديدة، بل كان يأبى أن يطرح نفسه قيادة لتيار سياسي يتخذ من صورة والده وشعاراته الفكرية من دون ترجمتها إلى مهام يلتزمون بها، مبررا للوجود. اتخذ خالد لنفسه موقعا في الظل، من غير تقاعس عن أي أداء يدعم هذا التيار، ودون أن يكون هذا جل موقفه، استكشف حدود القدرة وعندما وجد أن يقينه يفرض أدوارا أخرى بعيدة عن إمكانات من تعامل معهم، اختار من يملكون القدرة من خارج هذا التيار، وتجسد هذا الأمر في تنظيم "ثورة مصر". وكأن السماء تكافئه ورفاقه في ثورة مصر، فتسحب إسرائيل سفيرها بعد أن استباح المصريون سفارتها، قبل رحيله إلى رحاب ربه بستة أيام. وقائع كثيرة إن عددناها لن يتسع لها المقال، ولكنها جميعا تقول من كان هذا الرجل. وأن ما ورثه عن جمال عبدالناصر هو القدرة على قراءة احتياج الوطن رغم ضجيج بورصة الأوراق السياسية، وأن يلتزم بما يمليه الاحتياج الوطني أيا ما كان حتى حمل السلاح، ولكنه أيضاً كان محددا أن الرصاص يوجه في صدر العدو، وكشف سلوك راق لتنظيم "ثورة مصر" هذا الأمر عندما تزامن عام 1986 أن أطلقت رصاصات على سيارة رئيس تحرير مجلة "المصور" المصرية، وكان وقتها نشاط التنظيم عالي الأداء في مواجهة الصهاينة، أرسل التنظيم باقة ورد إلى رئيس التحرير وهنأه بسلامته، وكان تصرفا مختلفا وجديدا على مصر. مثل خالد عبدالناصر تبكيه عين الرفيق والصديق ويزداد الألم عندما تكون قد اكتشفت الصدق في العمل والإرادة. هو في دار الحق، ولا نملك غير أن ندعوا له بالرحمة، ولكني على ثقة مما مر به من مواقف وما اتخذه من أفعال أنه كان يملك جسارة وانتماء للوطن ويدرك من هو العدو، ويعي معنى الشعب وينتمي إلى فقراءه كما كان أبوه. كتب إلى الصديق المشترك بعد تبادل التعزية قائلا: هل يمكن مقارنة دور ووعي من أسهم لدعم حركة شعبية وقياداتها في الجامعات والمواقع الشعبية وكذلك ثورة مصر دون النظر لموقع أو مكسب سياسي، وبين هؤلاء الذين لم يستوعبوا درس الثورة الأبدي ومازالوا يتصارعون لتصفية من يخالفهم الرأي -على مستوى الوطن- أو على زعامة تكوينات سياسية يعتبرها الشعب الآن "تحت التاريخ"? وأجبته بالقطع الإجابة "لا". رحل خالد إلى رحاب ربه في لحظة يسود مصر الوطن هدوء مريب وحالة من الترقب تصل إلى حد التربص، بديلا عن وعي بالمرحلة ومسؤولياتها، تملأ الأفق بأسئلة حول إلى أين المسير؟، حتى أن هتافات انطلقت في موكب الجنازة بدت وكأنها خارج سياق قداسة الموت، وحالة الوطن، فالأوطان لا تتغير بالهتاف، ولكن الأوطان تتغير بتحقيق المهام أيا كان الثمن، وتتغير الأوطان بالوعي بحقائق القوة فوق الأرض والقدرة على تغيير ميزان القوى لصالح عملية التغيير. لم تكن قيمة خالد أنه ابن جمال عبدالناصر، ولا إدعاؤه أنه ناصري، ولكن قيمته كانت في أدائه وفي التزامه بممارسة مهام الاستقلال الوطني. والغريب أن البعض ممن اكتسبوا قيمتهم السياسية لأنهم أعلنوا الالتزام بالناصرية، تخلوا عنها على الباب المخملي للترشح للرئاسة بعد الثورة وتركوا مهام التغيير جانبا، واشتبكوا مع مهام الوجاهة السياسية دون إنجاز حقيقي لصالح القوى الاجتماعية وأولها السعي لتنظيمها في أطر تعبر عنها. الهدوء المريب الذي يحتوي مصر تلوح في أفقه أسئلة عديدة، تجهد الضمير المصري وهو يرى الفترة الانتقالية تنقضي دون أن يملك تفسيرا لغياب دلالات التغيير الاجتماعي، ولعله أصابته نشوة الإطاحة برأس النظام فأغرقته الرمال المتحركة لغياب التنظيم. هل تغير ميزان القوى داخل المجتمع لصالح الشعب؟ هل فتح طريق أمام القوى الاجتماعية في المجتمع لتعبر عن نفسها؟ هل نزعت أنياب النظام السابق داخل مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن؟ هل استردت ثروة الوطن التي حولها النظام السابق إلى ثروات فردية للموالين له؟ من الذي استبدل الشرعية الثورية بوجوب تسليم السلطة إلى حكومة مدنية (غير عسكرية) لا تمثل غير ذاتها وهي غايتها، سواء تشكلت أحزابها قبل الثورة أو بعدها؟، ومن استبدل الخصومة مع النظام السابق إلى خصومة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة؟ وكأننا أمام مغامرة بالوطن كله وبالثورة الشعبية، مغامرة "غير عسكرية" في حالة مصر، رغم أن كل المغامرات السابقة في التاريخ كانت "عسكرية"؟ ثم هل حياد المجلس الأعلى مكسبا أم أن عدم انحيازه هو الخسارة؟ ومن الذي يسعى لإحداث فجوة تصديق بين المجلس والثورة؟ ولمصلحة من؟ هل كل الطنين والجعجعة بلا طحن من الأحزاب والنخب وحتى المرشحون الحالمون بالرئاسة تحمل في طياتها التزاما موضوعيا ومسؤولا تجاه الثورة؟ هل هناك حزب أو فصيل أو أحد من النخبة قدم مصلحة الوطن، على مصلحة آنية لما ينتمي إليه؟ هل الغاية العليا للثورة تتمثل في مجرد تداول السلطة؟ أليس هذا مؤشرا على غياب الثورة بمفهومها العلمي في كونها علم تغيير المجتمع؟ ثم ما مشروعية مطالبتهم بانتخابات نيابيه بالقائمة النسبية فقط؟ وهل استقرت الحياة الحزبية وتكافأت الفرص، أم هو جشع من لا يستحق تحت إدعاء مقاومة تسلل عناصر النظام السابق وحزبه؟ أليس من الأجدى استكمال التطهير فبل الانتخابات؟ هل الهتاف الإخواني "مصر وتركيا عاوزنها خلافة إسلامية"، يعبر عن الوطنية المصرية؟ هل استبدلنا عجز الاتفاق على قيادة واحدة لمصر الثورة، بالانحياز إلى قيادة تركية تتحرك وفق مصالحها الوطنية والإقليمية؟ إن ذلك كله يضعنا أمام السؤال الأم إن جاز التعبير، وهو هل الثورة كائن مسؤول بذاته، أم أنها تعبير لفظي عن حالة ومجموعة من الشروط الموضوعية؟ الثورة هي ثلاثة أبعاد تجتمع معا، شعب وقيادة وبرنامج عمل. الشعب ليس تراكما مبنيا للمجهول، ولكنه كان تلك السبيكة الرائعة والعابرة لحالة العجز السياسي والحزبي التي كانت سائدة قبل يناير، وأكثر من هذا فإن هذه السبيكة الشعبية أوجدت حلمها وذهبت إليه رغم أنها لم تر المهام التي يفرضها نجاحها في إسقاط السلطة وأولها "تولي السلطة بديلا عما كان لصالح مهام المرحلة الانتقالية"، وكانت المهمة الأولى الواجبة في المرحلة الانتقالية هي إعادة تكوين السبيكة على أساس اجتماعي معبر عن القوى الاجتماعية، وهو أيضاً لم يتحقق لأن تلك القوى الاجتماعية كانت مفككة من أثر ممارسات الفترة السابقة وغياب المؤسسات المعبرة عنها والتي كان يمكنها أن تنتج قيادات لها. والقيادة ليست أفرادا دون مؤسسة تنظيمية، وبرنامج العمل ليس مجرد شعار "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" الذي أخذناه كغاية عليا للثورة، لأنه لم تتم ترجمته إلى مجموعة من المهام لبناء دولة الثورة. انقضت الفترة الانتقالية واصلة إلى انتخابات عزلت عنها القوى الشعبية التي خاضت معركة الإطاحة بالنظام، ورغم جهد بذله أهل القانون الدستوري ما كانت هناك فسحة للمبادئ الدستورية المؤسسة للدولة والتي يتوقع الإعلان عنها قبل الانتخابات، إلا أن أهل التحرير أخذتهم جل القضايا الثانوية التي واجهوها منفردين دون تنظيم ولا مشاركة من أحزاب اكتفت بحلم الوصول إلى البرلمان أو كرسي الرئاسة، فلم تصل حركتهم إلى إنجاز يقرب قوى المجتمع في كيانات معبرة عنها، وزادت الفجوة بين أهل التحرير وبين أصحاب المصلحة من الشعب. رحيل الفارس وسط الهدوء المملوء بعلامات الاستفهام كحبات عاصفة رملية تقتل الحياة يستدعي إدراك المهمة الملحة على قوى المجتمع الحقيقية أن تبحث عن "فدائي الثورة" الذين يرون العمل العام نوعا من التضحية في وطن مثل مصر يحتاج إلى رجال بأحجام الحوادث والوعي بحق كل الشعب، وليس البعض منه، فالقادم إن لم يحمل في طياته إجابة عن الأسئلة الحائرة، فهو يفتح الباب لعنف غير مسبوق حتى وإن طال بنا الزمن.
501
| 20 سبتمبر 2011
سيؤرخ ليوم التاسع من سبتمبر أنه يوم تقلب الأوجه، فقد بدت بشائره من قبله واستمرت ردود الأفعال بعده، وهو يوم يجب إعادة قراءة وقائعه بعد أن تستقر العواصف الكلامية المحيطة بأحداثه. شهدت الفترة السابقة للثورة وما تلاها استخدام تسجيلات الفيديو في الدعوة للحشد أو التعليق على الأحداث، وظهرت تسجيلات من ضباط سابقين بالشرطة والجيش وهم بالخارج كانت تحمل أحاديث توحي أنهم يملكون معلومات من مصادر تملك معلومات، وكانت هذه التسجيلات عبئا على الثورة، وإن توافق بعض ما تقول به مع وقائع تحدث على الأرض هو مجرد استنتاجات مسبقة وفقا لمنطق سير الأحداث، ويبدو أن هذه التسجيلات والتي نادت بالهجوم على مراكز الشرطة هي التي دعت إلى إصدار بيان من المجلس العسكري يحذر من ذلك ويؤكد على حق التظاهر السلمي، وترك تأمين اليوم للمتظاهرين، وأعلنت الداخلية سحب كل مظاهر الأمن من التحرير ومن الشوارع، وكأنهم جميعا يخلون بين المتظاهرين وبين أي احتمال للفوضى. وحدث صدام بين قوات الأمن وألتراس النادي الأهلي بسبب هتافات للألتراس خلال مباراة جرت قبل يوم الجمعة ضد وزير الداخلية السابق والرئيس السابق، وبدت الأمور يومها وكأن هناك تربصا من الشرطة تجاه الجمهور. وتبدو الصورة المكملة للأحداث ما بعد يوم 9 سبتمبر، فبعد منتصف ليلة 9/10 سبتمبر كانت الجزيرة مباشر مصر تنقل وقائع عنف شديدة تجاه المتظاهرين تحدث في شارع مراد وميدان نهضة مصر، وكان المبرر أن المتظاهرين هاجموا المديرية، وبدا أن الأمر ليس دفاعا عن المديرية ولكنه استهداف للمتظاهرين بعنف وكما يقولون "غير مبرر". كان المشهد تكرارا ليوم 28 يناير، قوات الأمن المركزي تطلق قنابل الغاز بكثافة والرصاص الخرطوش وموجات من البلطجية تتقدم من خلف صفوف الأمن تهاجم وتعود ثانية لتفسح مكانا لمدرعات الشرطة لتهاجم المتظاهرين. وتصل حصيلة المصابين إلى 1050 مصابا وثلاث حالات وفاة. ويصرح رئيس مصلحة الطب الشرعي أن الثلاثة قتلوا نتيجة إصابة كل منهم بطلقة واحدة من الرصاص الحي، إصابتان بالرأس وواحدة بالصدر، أي أنه فعل قنص مباشر ومتعمد، وأعمار المتوفين 23 سنة! وأعلنت الداخلية حالة الطوارئ، فالداخلية لا تتحرك في مواجهة الانفلات الأمني والبلطجة التي أصابت كل مصر، وتعلن الطوارئ في مواجهة المتظاهرين. وحتى اللحظة لا يستطيع أحد أن يسرد وقائع ما جرى أمام مديرية أمن الجيزة، فالأمر لم ينقل بالفضائيات لأن العيون كانت موجهة إلى ما يجري أمام السفارة الإسرائيلية. يبقى لاستكمال المشاهد ليوم 9 سبتمبر واقعتان حدثتا أولاهما صباحية وتكررت والأخرى مسائية بعد انتهاء الحشد في التحرير. الواقعة الأولى هي مظاهرات تخرج من التحرير إلى مبنى وزارة الداخلية وهي على مسافة 500 متر من الميدان، وتردد أمام الوزارة هتافات ضد العادلي لتعود ثانية إلى التحرير ويتكرر المشهد عدة مرات، بينما عناصر من المتظاهرين تصنع درعا بشريا لحماية الوزارة وهو ما لم يمنع من إسقاط شعار الوزارة عن بوابتها الرئيسية. والواقعة الثانية هي توجه مظاهرات متتالية إلى مبنى السفارة الإسرائيلية لهدم سور عازل خرساني أقامته محافظة الجيزة أمام السفارة لتأمينها، وتحقق هدفها وتهدم السور، ويتصاعد الموقف ليلا، ويتسابق الشباب للصعود إلى حيث العلم الإسرائيلي وينزلوه، غير أن الأمر يتطور ويجد الشباب طريقهم للدخول إلى إحدى شقق السفارة وبها مستندات يلقون بها إلى الشارع. هكذا كانت البدايات والنهايات ووقائع تخللت اليوم جميعها خارج الحشد الرئيسي لجمعة تصحيح المسار، والواضح أن هناك حقيقتين يجب رصدهما أيضا، أولاهما البيانات السابقة واللاحقة حول مواجهة أي خروج أو تعدي على المواقع الحكومية والمنشآت العامة، واستعادت الشرطة ذات السلوك الذي كان قبل 25 يناير وبذات الصورة الإجرامية وبتعمد وبتجاوز، ويصل الأمر بوزير الداخلية في وزارة "الثورة" أن يعلن أن منشآت الداخلية "خط أحمر"، وهو ذات الوزير الذي قال من قبل إن وزارة الداخلية ليس بها "قناصة"، وهو الوزير الذي أنيط به تطهير الوزارة وإعادة هيكلتها. كثرت الخطوط الحمراء بينما وزارة تسيير الأعمال تتوعد المتظاهرين، وتتخبط في مهام الفترة الانتقالية. والثانية تفعيل قانون الطوارئ الذي كان إلغاء العمل به مطلبا لكل حشود الثورة. هكذا تقلبت الأوجه واستعادت الوزارة الوجه القبيح للنظام السابق وعن تعمد، ويكون الإجراء الأول هو إغلاق مكتب الجزيرة مباشر مصر عقابا لها لنقلها تفاصيل الأحداث ليلة 9/10 سبتمبر كاملة دون غيرها من القنوات الرسمية والخاصة، حتى وصل الأمر بالأستاذ حازم أبو إسماعيل المرشح للرئاسة أن يقول معني إغلاق مكتب الجزيرة مباشر هو الإعداد لمواجهات قادمة والحيلولة دون نقلها. تقلب الأوجه تجاه وقائع تلك الليلة ينم عن فجوة واسعة بين الحركة الشعبية وما يكمن في صدرها من مخزون الغضب وما يمكنها أن تنتج من أفعال، لانعدام الشفافية والتواصل بين قيادة المرحلة الانتقالية والشعب، وعدم اتخاذ إجراءات لصالح الثورة حتى بدت قيادة تسعى لإعادة النظام السابق الذي يترنح تحت موجات الغضب الشعبي للحياة، وهدفها الأول إيقاف الموجات الشعبية وحصارها، وتتزايد الفجوة اتساعا، والسؤال من المسؤول عن هذه الفجوة؟ ولمصلحة من؟ وطال أمر تقلب الأوجه مجموعات وائتلافات، سارعت إلى رفض ما جري وكأنها تضع إصبعها في عينها، فتسير حركة 6 أبريل على نهج ما ادعته وزارة الداخلية أن وقائع ما جرى عند السفارة الإسرائيلية هو فعل من أيدي خارجية!، وهي الحركة ذاتها التي اتهمت بأنها صناعة خارجية وتمول من الخارج ووقف الجميع دفاعا عنها. ويعلن بعض من أعضاء ائتلافات تشكلت بعد الثورة أن من قاموا بالدخول إلى السفارة ليسوا من الثوار، وكأن الله لا يمهلهم ويخرج الدكتور تقادم الخطيب عضو الجمعية الوطنية للتغيير في حديث مع جريدة الجمهورية القاهرية يوم الأحد 11 سبتمبر أنه هو من قاد الدخول إلى السفارة، وأنهم لم يرغبوا في حرق السفارة لأنهم لا يسعون إلى تدمير، ويقول البعض الآخر إن هذا من فعل فلول الحزب الوطني، وكأن البلطجية التي كانوا مصاحبين للأمن المركزي كانوا من الثوار. وقال البعض بحقيقة الأمر، إن المفجر الحقيقي للموقف من السفارة الصهيونية، هو تباطؤ المجلس العسكري عن اتخاذ موقف بشأن طرد سفير العدو في أعقاب اختراق العدو بجنوده وطائرة أباتشي وقتلة لضابط وخمسة جنود مصريين، توفي آخرهم صباح السبت 10 سبتمبر في المستشفى متأثرا بجراحه، فالله أيضاً لا يمهلهم فرصة لنسيان الأمر ويعيد تذكرتهم بواقعة الوفاة الأخيرة بعد ساعات من وقائع السفارة. ومما زاد الاستفزاز هو بناء سور خرساني محيط بالسفارة. ويشرح الأستاذ الدكتور أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي أن اتفاقية فيينا 1961 تضمن سلامة السفارات وأنه خلال الخمسين عاما السابقة تم اقتحام خمس سفارات فقط، ويعود إلى خبر لم يعلن أن لجنة إسرائيلية كانت قد وصلت إلى مصر للاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة مصرية إسرائيلية للتحقيق في مقتل الجنود المصريين، وكانت الصحف الإسرائيلية قد أشارت أنها لجنة مشتركة للتحقيق في حادث الهجوم في جنوب إيلات ومقتل ثمانية جنود وإصابة 23 وما ترتب عليه، ولم تشر أي جهة مصرية إلى اللجنة أو ما جرى في مباحثاتها داخل مصر، ومن يتجاهل الشعب والرأي العام بعد يناير 2011 يتحمل ردود الفعل أيا كان مداها، فالشعب لم يسقط نظاما مستبدا وأسقط إرادته وكرامته ليستبدله، ولم يجف دم شهداء ثورته بعد، بنظام مماثل. وهكذا صار الشعب المصري ليس مجرد جماهير تطالب باستكمال الثورة، ولكن جرى "الاستعباط" أنه خالف معاهدة فيينا ووجب تطبيق البند السابع عليه وهو التعامل معه بالقوة المسلحة!، ولم يعد أحد إلى حقيقة أن الثورة تحاول تصحيح خيانة السياسة للسلاح والتي جرت في أعقاب حرب 1973، وأن الشعب يطالب باسترداد السيادة الوطنية على كل سيناء. وخرج وزير إعلام حكومة تسيير الأعمال كنذير شؤم مرات متتالية كل مرة يزيد الصورة سوادا، وكتلميذ لا يملك ملكة الإلقاء يزف المصيبة تلو الأخرى وبتعبيرات تتطابق تعبيرات من سبقوه في منصبة طوال 30 عاما. ولا يكتفي بهذا بل يتجاوز كل الأعراف ويصف اقتحام المتظاهرين لمقر السفارة الإسرائيلية في القاهرة بأنه عمل إجرامي تخريبي، ولا علاقة له بثورة 25 يناير، ولو كان هو وحكومته لهم أية علاقة بثورة يناير لما كانت تلك لغته. والتقط منه الخيط وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ليسب آلاف المصريين الذين تظاهروا، أمام مقر السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، ويصفهم بأنهم "رعاع"، زاعماً أن حراس أمن سفارة تل أبيب في مصر واجهوا الرعاع المصريين بكل شجاعة وقوة. هكذا كان تقلب الأوجه، ولو كانت جمعة تصحيح المسار لم تنجز سوى كشف هذه الأوجه المستعارة، لكان هذا كافيا. ولعل كل المتحدثين عن دور أمريكي لصالح الشعوب يدركون حقيقة تباين الموقف الأمريكي عندما وصف الاختراق الإسرائيلي للأراضي المصرية بحق إسرائيل في مواجهة الإرهاب، ومسارعته إلى مطالبة مصر بحماية السفارة، ليس الكيل بمكيالين، ولكنه حقيقة الوجود الإسرائيلي والدعم الأمريكي له دون اعتبار للسيادة المصرية على أراضيها. هكذا بات واضحا أن حماية الثورة هي مهمة الشعب، ولا يجب الارتكان إلى أحد غيره لحمايتها وتحقيق مطالبها، وما جرى وحجم العنف الذي استخدم، مؤشرا واضحا عن طبيعة المواجهة بين الثورة وإدارة المرحلة الانتقالية، وعلى كل من استأنستهم الأيام والأشهر الماضية، وأكلت مطامعهم ألسنتهم، أن يدخلوا في حساب الثورة أو سيسقطهم الشعب من حسابه. وهكذا تحولت جمعة تصحيح المسار إلى جمعة تقلب الأوجه، وصارت الحاجة إلى استرداد الثورة ثانية، واسترداد المبادأة. حقيقة أليس من الضروري أن تكون هناك نسبة بين أحجام الرجال وأحجام الحوادث؟ فلنفتش عن الرجال ونغير حكومة تزييف الأعمال القائمة.
366
| 13 سبتمبر 2011
اللحظة الراهنة في مصر تحتاج التعامل الواضح والمباشر مع طبيعة المرحلة التي تمثل فيها الإجراءات ومهام الفترة الانتقالية حجما ضخما على أداء واجب من الأمة وخلال مدة زمنية محددة ويحمل من المتغيرات ما لم ينجز وما يجب إنجازه. إن أي حديث يجب أن يرتكن إلى منطق يتيح للعقل أن يستسيغ ما يتضمنه ويقبل به، وحالة الشعب الذي يسمع طنينا ولا يرى طحنا في مصر، تشبه إنسانا وقعت في يده جمرة من نار وهو واقف وسط أرض مغطاة بسائل قابل للاشتعال، لا هو يتحمل الجمرة وهي تصل بحريقها إلى عظام الجسد، ولا يملك خيار تركها تسقط فوق الأرض ليحترق الجميع. خمسة عشر شهرا قادمة تحمل في طياتها جدول أعمال طويلا يبدو في مجموعه مؤديا وللمرة الثانية إلى خديعة ديمقراطية الصناديق، وهرول الجميع خلف الانتخابات ونسوا أن النظام السابق قائم بكل عناصره وهو يدير المرحلة بكاملها. تمر بالثورات لحظات فارقة، تكشف التراكم المؤدي إليها والبيئة التي تحدث فيها وقائع الثورة. ولعلنا لا نتجاوز حقائق التراكم المؤدي لثورة يناير 2011 وتنوعه إن حددنا أن له سمتين رئيستين، طبيعة التراكم الحركي والمعتمد أساسا على رؤى ترفض الفساد وترفض التعذيب، وأنها تمت في بيئة أصابت العمل السياسي بالتصحر، وهو أمر أدى بالثورة أن تتحمل عبء الفراغ التنظيمي في مصر والمعبر عن جوهر الهوية المصرية، ورؤى المجتمع الاجتماعية والاقتصادية، ولا يحاول أن يسقط عنها مكوناتها الحضارية ويستبدلها بمكون واحد سواء كان هذا المكون دينيا أو علمانيا. التصحر السياسي وغياب الرؤى، كشف عجزا لدى قطاع عريض من النخبة والتي تراوحت بين رفض الخروج من البداية لتعود بعد انكشاف النظام لتنضم إلى مسيرة الثورة، أو هي خلال 18 يوما من التظاهر أعلنت أن ما تحقق من تعيين لنائب للرئيس أو إقالة حكومة أو اتجاه النظام السابق لتعديلات دستورية، قد تجاوز ما كانت تتوقعه، وأنه يجب عند تلك اللحظة التوقف. هذه كشافات ضوء تؤكد أن الثورة كانت على النظام بأكمله وهي لم تستثن طرفا، ولكن في وطننا يبدو أن جينات التحول والادعاء تفوق قدرة العقل البشري على التذكر واتخاذ المواقف. أكدت الأيام أنه لا أحد يحمل مشروعا للثورة مكتمل الأركان، وتمثل ذلك في انبهار جرى بشخص لأنه انضم إلى مسيرة لأساتذة الجامعة سارت إلى التحرير يوم 8 فبراير ورشحوه رئيسا للوزراء ضمن آخرين، ولم يحاول أحد أن يراجع تاريخه السياسي، ولا أن يتساءل هل هو من الثورة أو مصنوع لها ضمن فكرة صناعة الرئيس. وها هي مصر تعاني من وجود وزارة انتقالية برئاسته يسقط عنها الوعي بمعنى التغيير ومهامه، ويؤخذ عليها أنها تزيد الوضع الانتقالي سوءا بتمكين عناصر وقوى ورؤى النظام المنهار من السيطرة على مصر وتوجيه الأداء فيها بذات الأشخاص والسياسات بعد ثمانية أشهر من الثورة. تحولت الثورة لدى النخبة إلى بوابة الدخول ضمن الطبقة الحاكمة وغابت مهامها بلا صاحب. لم يخسر الشعب الثورة، ولكنه يواجه تحدي ميلاد تنظيماتها التي تحمل إستراتيجية "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية"، ومن ثم إيجاد قيادة للثورة لا يكون كل هدفها نقد ما كان ولا مجرد الولاية على ما حدث، كما هو حاصل الآن، ولكن برسم طريق الخلاص وإعادة البناء لا يثنيهم عنه تهديد من هنا أو هناك، بأن ما تطالبون به هو هدم للدولة كما العراق، وكأننا يجب أن نكون مستنسخين ولا نستطيع أن نخلق مثالا جديدا لتحقيق الثورة ونجاحها. ولا تعتبر جمعيات حقوق الإنسان المدنية بديلا عن التنظيم السياسي رغم أنها استقطبت كوادر الحركة السياسية من اليسار واليمين وكانت بديلا لهم عن التنظيمات التي كانت عبئا سياسيا وأمنيا في مواجهة النظام البوليسي السابق، ولوجود مظلة خارجية تحول دون اقتناص النظام لهم، وهي تتحدث لغة يقبل بها الغرب بل ويقبل بها العدو، فهي لا تتحدث حديث الوطن في تحدي الوجود الصهيوني أو حديثا قوميا أو تبذل جهدا في تنظيم قوى الشعب الاجتماعية بمؤسسات يمكنها أن تقود عملية التغيير، ولكن حديثها عن حقوق إنسانية عامة وهي واجبة في إطار أي نظام ومهما كانت طبيعة هذا النظام. النظام لم يسقط بل تتزايد قبضته وانفراده بالقرار، ونجح أن يضيف جديدا إلى المعادلة السياسية في مصر وهو ما تمثل في التيارات والأحزاب الدينية الباحثة عن حق في الوجود دون أن تقدم للشعب تفسيرا لمواقفها لحظة بداية الثورة أو أثناءها بل إنها حولت الوطن وقضايا الشعب إلى مطية للوصول إلى السلطة وهو ما يمكن أن يكون أذان بانفجار شعبي داخلي عندما تذهب السكرة. ولعل نظرة أمينة على الاستفتاء الذي جرى حول تعديلات دستورية يرصد أن الشعب بعد 11 فبراير استبشر خيرا، وخرج إلى الإدلاء بأصواته، ولكن تزييف الوعي والإرادة والكذب كان وسيلة التيارات والتنظيمات الدينية، فكيف يمكن تقييمهم وهذا أداؤهم ضمن قوى الثورة، بمثل هذا المنهج وبغياب الرؤية الاجتماعية والاقتصادية التي تعني الحق في الحياة والفرص المتكافئة بين أبناء الوطن الواحد، بل هم استعاروا من نظام مبارك فكرة الإحسان بديلا للعدالة الاجتماعية، وجل همهم إقامة حكم إسلامي وشواطئ حلال أي شواطئ لا ترتدي فيها النساء "المايوه البكيني" كما قال وكيل مؤسسي حزب الإخوان "العدالة والحرية" ومرشح ديني لانتخابات الرئاسة. أسقطوا عن مصر هويتها "الإسلامية المدنية" من قبل أن يكون لهم وجود، وانحرفوا بالجهد الوطني إلى صراع بين إسلامي ومدني، وجميعهم بما يعلنون غرباء على المجتمع وقضاياه. ولعله يكون مفيدا لنا أن نعرض لجدول المهام والإجراءات خلال الفترة القادمة ولنبحث أين هو موقع الثورة والشعب فيه: 1. قانون انتخاب مجلسي الشعب والشورى وتقسيم الدوائر ومن ثم انتخاب المجلسين (بدأت مطالبات بتأجيل الانتخابات ثلاثة أشهر لتعديل القانون مما يعني أن المدة ستطول إلى 18 شهرا). 2. قانون الغدر... وما يمكن أن يترتب عليه من مواقف من أعضاء الحزب الحاكم المنحل وأعضاء مجلسي الشعب والشورى السابقين وأعضاء المجالس المحلية وقيادات الهياكل الإدارية في الدولة. 3. ثم "إعلان دستوري جديد" حسب ما أعلنه المجلس العسكري، ويرفضه الإخوان والسلفيون ويوعدون بموقف ضده (النظام يصارع النظام). 4. انتخابات مجلسي الشعب والشورى نهاية شهر نوفمبر. 5. حكومة جديدة تشكل بعد الانتخاب وتصبح مسؤولة أمام المجلس (وغير محدد هل هي حكومة الأغلبية أم ليس شرطا). 6. اختيار لجنة وضع الدستور (ورغم أن الإعلان الدستوري الحالي يحددها من مائة عضو من المنتخبين من المجلسين إلا أن الحديث الآن عن إعلان لقواعد جديدة قد يتضمنها الإعلان الدستوري المنتظر). 7. اللجنة تضع مشروع الدستور في ستة أشهر (وتحتاج مصر إلى رؤية اقتصادية واجتماعية ينتجها حوار يسبق الدستور ليتضمنها الدستور). 8. العدالة الاجتماعية وهي المطلب الغائب عن كافة الأحزاب رغم كونه هدفا أساسيا للثورة، ماذا نعني بها وكيف يمكن تحقيقها في إطار الرؤية الاقتصادية السابقة على مشروع الدستور. 9. الأمة تدرس مشروع الدستور الجديد وتناقشه في ستة أشهر. 10. الاستفتاء على الدستور. 11. انتخاب رئيس الجمهورية. 12. حل المجلسين وانتخاب مجلسين جديدين (أو واحد) طبقا للدستور الجديد. 13. نظام الحكم بوزارة تشكل طبقا للدستور الجديد. هذه هي إجراءات المرحلة القادمة، وتتم خلال خمسة عشر شهرا. وتبقى مهام تطهير النظام حائرة، وهي غير قابلة للانتظار: 1. تعديل كامب ديفيد، وهو ضرورة أمن وطن يمكن أن يتحقق داخله عملية البناء للنظام الجديد. 2. إعادة بناء وزارة الداخلية، وهي مهمة كان من الواجب أن تسبق عملية الانتخابات، (تم تعيين نفس اللواء الذي أشرف على تزوير انتخابات 2010 مشرفا على الانتخابات القادمة). 3. مواجهة حقيقة التنظيم السري داخل وزارة الداخلية ومخططاته وتصفيته. 4. مواجهة عمليات التمويل الخارجي وكشفها أمام الشعب. 5. إعادة هيكلة الإعلام المصري من حيث المضمون بالأساس. 6. تطهير القضاء. 7. تطهير جهاز الدولة. 8. حل إشكالية المحاكم العسكرية وما ترتب عليها من أحكام. التمعن في المهام والإجراءات يخرجها من يد الثورة إلى يد القائمين على القرار السياسي والحكومة. ولم يعد هناك من يرى أن الحكومة القائمة صالحة لمهام الثورة. والمجلس العسكري رغم موقفه يوم 28 يناير واصطفافه ببيانه الأول مع الثورة صار رهينة المشروع الأمريكي بضرورة تسليم الحكم إلى حكومة مدنية، ويقع تحت إرهاب أصوات داخلية يمثلها فلول النظام والتيار الديني إن هو أقدم على إعلان دستوري جديد، فكيف به يحمي الثورة وهو يقبل بإرهابهم، حماية الثورة ليست بمنع إطلاق الرصاص عليها، ولكن حماية الثورة بتحقيق أهدافها وتطهير أجهزة الدولة من عناصر الإفساد. المشهد يحتاج حلا غير نمطي، يحتاج فعلا زخم الثورة الشعبي، ولكن هذا ليس بكاف لتصحيح الموقف، واسترداد المبادأة. حجم المهام، والإجراءات والتسرع في أدائها، سيؤدي إلى عزل الشعب خارج الحياة السياسية وتسليمها إما إلى نخب عايشت النظام السابق إلا النذر القليل، أو أحزاب سيطر عليها النظام السابق أو ولدت في زمن الثورة دون الانتماء إليها فكرا أو إرادة، والدليل على هذا هو الانقلاب الذي يقوده الليبراليون والدينيون معا ضد الحق الذي حققته ثورة يوليو للعمال والفلاحين في التمثيل النيابي، وحديثهم المستمر على أن الحصص لفئات اجتماعية ضد الدستور، وهذه الأحزاب وتلك النخبة لم يمنعوا تسريح العمال من العمل أو الخصخصة أو استرداد أرض الإصلاح الزراعي من الفلاحين المنتفعين وتركوهم تحت طائلة الفقر والمرض. حجم المهام وتشعبها وعزل الشعب عنها، يزيد من تعقيد الموقف. السؤال الآن هل يمكن للمجلس العسكري أن يستعيد دور حماية الثورة، والانحياز إلى أهدافها والتي لا تتوقف عند تداول السلطة وتعديلاتها الدستورية؟ وهل يمكن للثورة أن تزيح وزارة شرف وتجد وزارة جديدة تعبر عنها؟ وثالثا هل يمكن للثورة أن تستدعي أصحاب المصلحة الحقيقة في الثورة، وأن تزيد من شعبيتها الفاعلة والمتحركة والمبادأة؟ وأخيرا هل يمكن أن ينتج الوقت المتاح جهدا لبناء آلية شعبية للثورة؟ صارت الوقفة الموضوعية مع النفس ضرورة حتى لا تضيع فرصة التغيير، وعندها سيكون القادم أسوأ، فمصر تبدو اليوم بين شقي رحى... وعي مفقود وتنظيم غائب.
400
| 06 سبتمبر 2011
مصر بعد 25 يناير غير ما كانت ولن تعود للخلف. والعرب بعد يناير 2011 غير ما كانوا عليه، ولكنها مسؤولية لم تتحدد معالم الطريق لأدائها. يبدو المشهد العربي كما يصف الكثيرون حال محل للكريستال دخلة ثور هائج، وحول كل ما فيه من آنية كريستال إلى شظايا متناثرة. وتبدو مسؤوليتنا الأولى في "ترويض النمرة" أو الثور في حالتنا العربية. هناك اتجاه يمارس عقدة المفعول به، وينطلق من ثقافة الهزيمة كما يصفه البعض، وينسب كل ما يجري على الأرض العربية إلى أيد خارجية، تنفذ مخطط الفوضى الخلاقة بصور متعددة، وغاب عن وعيهم أن هناك شعوبا يمكنها أن تنتفض وتثور. عقدة الغرب الذي يفعل ما يريد، والكفر بإمكانية الشعوب، وقدرتها على الثورة ودفع ثمن التغيير، تتحكم وتقود تيارا رئيسيا داخل العقل العربي، وتلهيه عن مسؤولياته الحقيقية تجاه إنجاز الشعوب العربية ودماء شهدائها. بداية هل يقاتلنا الغرب وأمريكا وإسرائيل بهدف الاستيلاء على الثروات العربية؟ أم أنه الصراع الحقيقي بأبعاده الحضارية الكاملة بين الشرق والغرب كما قال روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكي السابق ومدير المخابرات المركزية الأمريكية مطلع التسعينيات عند انهيار الاتحاد السوفييتي: إن المواجهة مع الاتحاد السوفييتي كانت صراعا داخل الحضارة الغربية، وحدد يومها أن الصراع مع الشرق الحقيقي يبدأ الآن وفي القلب منه الإسلام. هذا قوله يومها وكان العرب قد صدموا وتلقوا مخططات التقسيم للوطن العربي إلى دويلات في خطط صهيونية نشرت مطلع الثمانينات ولكنهم يومها كانوا تحت براثن حكام يرون أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، وتملكهم الوهم أن دور التابع يحول بينهم وبين خطط التقسيم. نجح الغرب والنظم التابعة له في تفريغ النضال الوطني العربي من مفهوم الاستقلال الوطني ومن مفهوم القومية العربية ومن مفهوم العدالة الاجتماعية وكانت معادلة السيطرة الرئيسية ضرب الأنظمة العربية التي رفعت رايات هذه المفاهيم وإحلالها بأنظمة تابعة، وعزلها عن شعوبها. كان المتبقي لدى الحضارة العربية حائط الصد الأخير وهو الإسلام وحضارته، وكما جاء لورانس العرب إلى الجزيرة العربية في لباس عربي ليقيم دولا ويقضي على وجود عربي يمثل الإسلام فلب حضارته، ويحوله إلى حكم يمثل ظلا للغرب، كانت دعوة الجهاد ضد الإلحاد المتمثل في الوجود السوفييتي في أفغانستان بداية جديدة لدور جديد في استخدام الإسلام ومفاهيمه أداة لتفجير الوحدة الإسلامية وأخذ وعيها إلى أبعاد جديدة تفوق قدرتها المتاحة وتبعد بها عن الأخطار المباشرة على وجودها والمتمثلة في إسرائيل وخطط التفتيت للأقطار العربية. لم يتوقف الغرب عند هذا بل دخل في مخطط أمريكي جديد تولاه ديك تشيني وزلماي خليل زادة واليوت ابرامز وبندر بن سلطان لتكريس الصراع المذهبي في الشرق الأوسط بين السنة والشيعة، تعامل آخر مع الإسلام يتمثل في تكريس الانقسام المذهبي وتحويله إلى صراع. من إهدار للمفاهيم الوطنية والقومية والاجتماعية إلى إهدار للمضمون الحضاري للعرب بإهدار الإسلام كقلب للحضارة العربية واستدراجه إلى صراع أممي ومن ثم السعي إلى تفكيك مضامينه وتكريس الصراع المذهبي، كل ذلك كان غايته تفكيك وحدة الشعوب العربية، لأن الصراع لا يرتبط بزمن أنظمة موالية لهم، ولكنه صراع يرتبط بمدى الحياة ذاتها. وفقد العرب الوعي بطبيعة الصراع العربي الصهيوني في كونه مواجهة مع استعمار استيطاني لفلسطين لعب الغرب فيه الدور الرئيسي، إلى كونه مشكلة إزالة آثار عدوان 67، وضاعت القضية الفلسطينية في ردهات الدبلوماسية العرجاء، التي لا ترتكز على أي قوة بل أهدرت قيمة الانتفاضات المتوالية للشعب الفلسطيني، وصار الرجاء والتمني والصراعات الداخلية هي سبيل تحقيق إنجاز في المفاوضات تقبل بالمتاح والطرف الآخر ليس لديه ما يعطيه، وصار العرب في نهاية المشوار وعلى أعتاب ثورات تونس ومصر يفاوضون من أجل جندي إسرائيلي أسرته المقاومة الفلسطينية، بينما لا يحركون ساكنا سواء لآلة القتل الصهيوني أو لاطراد التطور العسكري الإسرائيلي الذي يفوق احتياج إسرائيل لما يسمى الأمن، ولعلي لا أتجاوز الحقيقة أن أقول إن إسرائيل هي القوة العسكرية العظمى في عالمنا المعاصر، فليس مقياس عظمة القوة العسكرية في حجم ما تملك من عتاد، ولكن قيمتها في تنوع العتاد وحرية القرار دون قيود من قانون دولي أو قيود دولية. هذا هو الفراغ العربي الذي جرت فيه ثورة الشعوب ضد نظم الاستبداد والتفريط الوطني في أقطارنا العربية. ونذكر هؤلاء الذين يدعون أن هذه الثورات صناعة غربيه بوقائع انفصال الجنوب عن الشمال في السودان والذي صارت خريطته الجديدة دلالة العجز والهزيمة للنظام العربي القائم. ولا يجب التغاضي عن أن مسؤولية انفصال الجنوب السوداني يتحملها أولئك الذين رفعوا رايات إسلامية وعجزوا عن حماية التراب الوطني، وكان العالم ينتظر إعلان قيام دولة الجنوب، وحاكم الشمال يعد الشعب العربي في الشمال أنهم يتحررون اليوم لإقامة الشريعة الغراء، ومازال العالم ينظر إلى السودان كبلد معد لتقسيم جديد بانفصال دارفور عن ما تبقى من سودان البشير. ولكن كما كان مشهد قتل محمد الدرة "رحمه الله" في فلسطين أداة لإسقاط عشرين عاما من استراتيجيات السلام، كان محمد بو عزيزي "رحمه الله" أداة لتفجير طاقة التغيير لدى الشعوب العربية. الفراغ السياسي العربي يفرض على مثقفي الأمة اليقظة تجاه مهام المرحلة التي نحياها. وهنا في مصر خرجت أقلام جادة مدافعة عن الهوية، وبلغ الأمر في الدعوة إلى البحث عن نخبة جديدة من حيث الشخصيات، وإلى ثورة ثقافية إسلامية وسياسية لتحديد المفاهيم وعدم خلطها. ورغم الزخم الشعبي في الفترة الأولى للثورة في مصر، إلا أن الانقسام تجسد في تعدد أدوات التعبير عن العناصر المشاركة في الثورة، وانتقلت من العمل على إنجاز مهام الثورة لتحقيق أهدافها إلى تشكيل جماعات وائتلافات وأحزاب تجاوزت المائتين في محاولة لإعلان الوجود الذاتي، ومن خرجوا من ثنايا النظام السابق من تنظيمات دينيه تعددت وتنوعت وجاءت معها بمسألة الهوية وكأن مصر كانت بلا هوية عبر تاريخها، واختلط تزييف المعاني والدلالات الفكرية للتيارات بمحاولات التشويه وسيلة جاهلة لوصمها بغير معانيها ومضمونها تزييفا للوعي الشعبي والسياسي داخل مصر. وانكشف المتصارعون من نخبة أو تيارات وأحزاب بعد الثورة وصار الكذب والخداع الفكري والسياسي وسيلة للوجود ونفي الآخر، وما هو مطروح من برامج يصلح لجمعيات مدنية ولا يصلح لحركات سياسية تعني بأهداف المجتمع وغاياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. وإذا كان مشهد فقدان الأمن داخل المجتمع يطغى على كل المشاهد، إلا أن مشهدا آخر يعرض لحقيقة مريرة لم تمسها مبادئ الثورة ومفاهيمها، وهو مشهد ما يسمى بالدروس الخصوصية لطلاب المدارس والتي بدأت قبل بدأ الدراسة، نزيف للأموال وللأدمغة ولنظام التعليم، يؤكد غياب التغيير داخل الأسر والجهاز التعليمي في مصر. وحول ليبيا تجري محاولة لوأد معاني خروج الشعب، إلى تحميله مسؤولية جلب الناتو إلى ليبيا، وكأن كان مطلوبا من المقتول أن يختار، والسؤال الجاد ماذا فعلتم انتم في مواجهة قتل النظام الليبي للشعب العربي في ليبيا؟ ولن ننتظر منكم عناء الإجابة، فأنتم كعهدنا بكم لا تفعلون غير النقد هنا وهناك وتتمترسون خلف دعاوي أن الغرب يريد، ولكن لم تعلنوا وتعملوا لما تريدون، وهاهي الساحة باتت مفتوحة على مصراعيها لكم لتقاوموا مشاريع الغرب والناتو، ولعلكم تدركون أنها تفتيت الشعب والأرض، قبل أن ترونها مجرد أموال النفط. الإنجاز الشعبي في تونس ومصر وليبيا، وما يواجهه الشعب العربي في سوريا واليمن يفرض مراجعة الفراغ العربي، وخواء الفكر السياسي والتنظيمي العربي والذي أحال أمره إلى مؤتمرات أخذت مسمى الحوار فهو مرة عربي عربي، أو عربي إسلامي، ولم يخرج لنا غير أسماء ومسميات، ولم ينهض بملء الفراغ السياسي العربي. قد يمكن للتداعي أن يعوض غياب الرؤى في بدايات حركة الثورة، ولكن التحديات التالية لإنجاز إزاحة النظم شديدة الجدية وتحتاج إلى الوعي وقيادة للثورة وشعب ينتج القيادة ويصطف في خدمة مهام الثورة ولتحقيق أهدافها. رفعت الثورة العربية الغطاء عن حالة التردي الفكري العربي، وكشفت الغطاء عن غياب العمل الجماعي داخل الأوطان، وكشفت النخب العربية وغيابها عن إرادة الشعوب، وكشفت أن هناك انقطاعا في التواصل بين الحاضر وبين التاريخ، حتى أن أحداث العراق التي مازالت جارية بين أيدينا غابت دروسها عن وعي النخب العربية. الثورة الشعبية في مصر كشفت الغطاء عن كل القضايا وبلا استثناء، الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاستبداد الأمني وقضية الأمن القومي ومواجهة العدو الصهيوني والمخاطر المحيطة بسيناء، حتى أن الأنفاق بين غزة ومصر انتقلت بالفعل غير المسؤول من أداة للأمن القومي المصري إلى خطر على الأمن القومي المصري شأنها في ذلك شأن إخلاء سيناء من الجيش المصري والذي تتحدث بشأنه إسرائيل بصلف وغرور وإنها تملك حق القرار بشأنه. وصار مطلوب من الإرادة المصرية ألا تقبل بواقع يؤدي إلى تفتيت الشعب والأرض المصرية بنفس القدر الذي ترفض فيه واقع الحصار لغزة. مراحل التحرر والمراحل الانتقالية من أنظمة فاسدة إلى أنظمة وطنية لا تكفيها الشعارات، وضجيج البورصة السياسية، بل يعوزها الوعي والثورة الثقافية حتى وإن طالت تلك الفترات وزادت فيها التضحيات. الإحباط ترف لا تستطيعه الشعوب الثائرة، ولكن التحديات تفتح الأفق للثورة الثقافية العربية الجديدة، وهي مهمة يجب أن تجد رجالها، والشعوب قادرة على إنجازها، ويجب أن تنجزها. ويبقي أن نكرر قول سبق وأن كتبناه هنا من قبل، عندما يطلق نظام الرصاص على شعبه هو أذان بسقوط النظام مهما كان ما ينطق به من أقوال وشعارات، رصاص النظم العربية في صدور الشعوب يسقط شرعيتها مهما كانت شعاراتها.
394
| 30 أغسطس 2011
المواجهة مع العدو الرئيسي لمصر تتطلب جبهة داخلية متماسكة الخط الواصل في القاهرة من قلعة صلاح الدين ومسجد محمد على شرقا إلى جامعة القاهرة مرورا بالنيل وتمثال نهضة مصر، يلوثه علم الكيان الصهيوني فوق عمارة تعلو عشرين دورا فوق الأرض بتحد صارخ لكل الحضارة والثقافة والتاريخ. تحول هذا المكان إلى ثكنة عسكرية للأمن في محاولة لحماية مقر سفارة العدو من الرفض الشعبي لها. يوم الجمعة 19 أغسطس حاصر المتظاهرون العمارة التي بها السفارة مطالبين بطرد السفير، بعد اعتداء على حدود سيناء أدى إلى استشهاد ضابط شرطة وثلاثة جنود برصاص العدو، وترنحت حكومة شرف وأصدرت بيانا باهتا ألقاه وزيرها للإعلام بصوت لا يحمل شموخ أمة ولا إرادة شعب، ثم أعلنت على صفحتها على الفيس بوك أنها اتخذت قرارا بسحب السفير المصري، لتعود بعد ساعات قليلة لرفع البيان وكأنها تترنح من انعدام الوعي والموقف. لم تنقض ساعات أخرى ليتسلق مساء يوم السبت الشاب المصري أحمد الشحات العمارة ويصل إلى العلم الإسرائيلي ويحرقه ويعلق مكانه العلم المصري. تصرف يبدو خارجا على كافة الأعراف، شعب يأخذ بيده موقفه حتى وإن كان بإجراء انتحاري لعجز حكومة جاءت بعد ثورة الشعب ضد كل صور الفساد والخنوع والتفريط الوطني. لم يعد الأمر بعد ثورة يناير في مصر قابلا لأنصاف الحلول، وصار مطلوبا مواجهة الحقيقة مهما كان الثمن، وهو درس لا يمكن التغاضي عنه، والغريب أن بعض الأقلام لم تلبث أن انهالت بكلمات وجمل أقل ما توصف به أنها بلادة سياسية مدعية الحكمة التي أدت إلى نزع سلاح سيناء وتمكين العدو أن يجد فيها مرتعا. سيناء ليست قطعة من الأرض والجبال والسهول، وليست مكانا كلم فيه موسي نبي الله عليه السلام ربه، ولكنها الآن يحيط بها ثلاثة أخطار مباشرة: 1. كامب ديفيد 2. مخطط تبادل الأراضي 3. ما يطلق عليه الإرهاب أو الانفلات الأمني وهذه المخاطر الثلاثة تصب لصالح مصدر الخطر الاستراتيجي على مصر، إسرائيل، وتخصم من قدرات مصر وتعيق قدرتها على مواجهة أي عدوان من إسرائيل أو توتر أمني في سيناء وتهدد مستقبل سيناء، هي تنزع السيادة الوطنية الفعلية عن سيناء. سيناء لها خصوصية لكونها الحدود المتاخمة للكيان الصهيوني، ولطبيعة أهلها القبلية، استوعبهما الجيش المصري كما استوعبهما العدو الصهيوني، ولكل منهما سياسته في التعامل مع المنطقة والأهل، وقد أكدت فترة الاحتلال بعد 1967 طبيعة الانتماء الوطني لأهل سيناء ونجاح الجيش المصري في استيعاب السلوكيات والعادات هناك، مما جعل أبناء سيناء قوة أصيلة للعسكرية المصرية سواء في اختراق وجود العدو وجمع المعلومات وأيضا سلوك دروب خاصة داخل الأرض أفادت في كل عمليات الاستطلاع والعمليات خلف الخطوط أثناء الاحتلال أو أثناء العمليات العسكرية عام 1973. اخترقت كامب ديفيد هذه الخصوصية عندما أبدلت التواجد العسكري بالتواجد الشرطي، والفارق بينهما جوهري، وأدى إلى تصدعات في العلاقة مع الأهل في سيناء، وهذه النتيجة أدت إلى اختراق للأمن القومي المصري في سيناء، حتى أن مصر واجهت الانفلات عام 2008 عندما تدافع أهل غزة عبر المعبر المصري وطلبت مصر زيادة عدد جنودها، وكان الموقف المهين أن يناقش الكنيست الإسرائيلي زيادة عدد القوات المصرية، بل ويحدد نوعية السلاح وعدده. ولم تمنع كامب ديفيد من اختراق الصهاينة الحدود الأسبوع الماضي ودخول الأراضي المصرية وقتل الضابط المصري والجنود الثلاثة حسب تقرير القوات المتعددة الجنسية (بقيادة أمريكية) في سيناء، ولكنها تفرض أن أي تحرك لقوات مصرية داخل أرض سيناء في المنطقة (ج) يكون بموافقة وقبول إسرائيلي. وزاد هذا من القيود على سيادة مصر على أرضها، وزاد العبء على الجيش المصري حال أي مواجهة مع العدو، وهو ما وجب مواجهته وبوضوح، إن كامب ديفيد لم تعد كافية لحاجة مصر، وأن هناك ضرورة لإلغاء تقسيم سيناء إلى مسموح ومحظور على الجيش المصري، لأن الأمر ليس استراتيجية المواجهة وحدها، ولكنها ضرورات بقاء للأرض والبشر والأمن فوق أرض سيناء، وليس الأمر امن الكيان الصهيوني الاستيطاني على أرض فلسطين. من تواتر الأنباء نرصد أن التحركات الإسرائيلية تعد نفسها لتصعيد، بينما التصريحات الأمريكية تكاد تدعم حق إسرائيل في مواجهة الخطر الإرهابي كما يسمونه، داخل سيناء، وتطالب إسرائيل حرية التحرك لمسافة 7 كيلو مترات داخل الأراضي المصرية. ويبقى أن التصعيد بالقطع ليس مفاجئا بعد 25 يناير والتي أثبتت أن ما أعلنه يوسي ادلين مدير المخابرات الحربية الإسرائيلية أن إسرائيل اخترقت المجتمع المصري، وكان يتوعد بالفوضى عند غياب مبارك، وأثبتت الفترة الماضية أن مصر تجاوزت العديد من صور الفوضى المصنوعة ويبقى أمامها أن تستعيد اللحمة بين الشعب المصري وقواته المسلحة، وهو ما تؤكده الحشود الإسرائيلية واستبدال حرس الحدود في مواجهة مصر بوحدات قتالية. وعندما تدعو إسرائيل إلى لجنة مشتركة للتحقيق في وقائع نتوقع أن تكون هيئة الأركان الإسرائيلية تدرس خطط عمليات عسكرية، قبلت مصر بها أم لم تقبل. إيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي، أن مصر بعد الإطاحة بنظام مبارك، لا تمر بفترة "المجد المتوقع لها"، وأن الوضع لا يزال يمثل تهديداً على إسرائيل التي تعمل جاهدة على حماية أمنها القومي من أي مخاطر خارجية. وعقب عمليات الخميس 18 أغسطس، بالقرب من مدينة إيلات، قال إن هذا الاعتداء الخطير يعكس انخفاض السيطرة المصرية على شبه جزيرة سيناء واتساع نشاط العناصر الإرهابية فيها بشكل كبير. وشنت تسيبي ليفني زعيمة المعارضة في إسرائيل هجوما حادا على الأوضاع الأمنية في سيناء، وقالت إن مصر التي تعيش الآن حالة من التدهور الأمني ليست مصر التي وقعنا معها معاهدة السلام. هذه رؤية إسرائيل، وهي ما تؤكده أمريكا، الهدف حماية أمن إسرائيل من مخاطر خارجية مصدرها سيناء. وإذا كانت كامب ديفيد هي ما ورثناه، فإن المستقبل يتضمن خطرا جديدا تحت عنوان "تبادل الأراضي"، واستدعت الوقائع رؤية البروفيسور الإسرائيلي "يهوشوا بن أريه" (Yehoshua Ben-Arie) حول التبادل الثلاثي للأراضي بين مصر وغزه وإسرائيل والتي عرضها على شارون فعلق عليها إن الوقت مبكر لها، فالقضاء على الإرهاب أولا، لم يرفضها وقال "ربما يأتي يوم تكون هي الفكرة". وترتكز الرؤية على أن عدد سكان قطاع غزة في 2005 وصل إلى 1،25 مليون فلسطيني وبمعدل الزيادة المتوقع من 4 - 5 % سيبلغ التعداد إلى 2.5 مليون مواطن بينما مساحة القطاع تبلغ 350 كيلومتر مربع. وهذه الرؤية تعرض: 1. قطاع غزه مساحته 350 كيلومترا مربعا ويحيا فيه مليون ونصف فلسطيني، وليس له مقومات اقتصادية! 2. تعطي مصر للفلسطينيين: 30 كيلومترا على ساحل المتوسط (200 كم مربع)، ويصبح طول ساحل غزة الجديدة 75 كم. ومساحة 300 كم مربع على الحدود مع إسرائيل (تقريبا بطول 35 كم). 3. تعطي إسرائيل مساحة 150 كم مربع على الجانب الآخر من الحدود. وتصبح مساحة القطاع 1000 كم مربع. 4. تعطي إسرائيل لمصر مساحة 250 إلى 500 كم مربع في منطقة باران، وممرا بريا إلى الأردن. 5. يعطي الفلسطينيون 500 إلى 1000 كم مربع لإسرائيل في الضفة الغربية مقابل المساحة التي حصلوا عليها من مصر. من أمن إسرائيل إلى تبادل الأراضي في مخطط مطلوب تنفيذه حتى عام 2020 أي مخطط الخطر المستقبلي على سيناء. وتبدو سيناء ساحة مفتوحة أمام رعونة تكرر أفعال جرت في السودان والصومال، وترفع أعلام الجهاد السوداء، كما تكشف بعد ثورة يناير أن سيناء كانت ساحة الصراع بين أطراف النظام السابق إلى حد نكتشف أن تفجيرات في نويبع وفي شرم الشيخ قام بها العادلي وجمال مبارك ضد حسين سالم لاختلافهم حول عمولات الغاز، وهو ما يدلل أن مصر كانت تراها إسرائيل زمن مبارك. الانفلات في سيناء من الكيانات المدعية للجهاد، أو الناجم عن تصرفات أمنية لا تستوعب حقيقة المكان والأهل هناك، كلاهما خطر على الأمن القومي المصري، وهو ما يتطلب مراجعة جذرية لاتفاقات وجود القوات في سيناء. الوقائع والحقائق تتطلب إدراكا ووعيا ولا تتطلب انفعالا أو تغاضيا، تتطلب إعمال العقل والإرادة وبكافة الأساليب، والدبلوماسية في حالتنا بديل المدافع والرصاص. تعديلات في الوجود العسكري المصري في المنطقة (ج)، وحق مصر في حرية تحريك قواتها. ومواجهة الحقيقة تتطلب تعاملا جادا مع تصور البعض أن ثورة يناير قد فتحت الباب أمام كل من سفك دما أو شارك في محاولات دموية، كي يضع على كاهل مصر أعباء جديدة. المواجهة مع العدو الرئيسي لمصر تتطلب جبهة داخلية متماسكة. والديمقراطية هي سبيل بناء جبهة داخلية قوية، وشرط البناء الديمقراطي أن تدرك كافة الأطراف أن أحدا منها لا يمثل الشعب المصري منفردا، ولن يتمكن من سرقة ثورة الشعب، كافة الأطراف تتحرك خلف الشعب، فالشعب منذ 25 يناير تجاوز الكيانات السياسية، ويجب عليها جميعها أن تدرك الدرس وتعيه. عندما دخل الشعب معادلة القوة في مواجهة العدو الصهيوني، تجاوزت مصر الخلل في ميزان القوى الذي أوقعها فيه النظام السابق. إعلان رئيس الأركان المصري أن مدنية الدولة هي قضية أمن قومي، قد تعيد الوعي إلى من حاول المغامرة بمصر، وإسقاط التهم عن بعض النشطاء وإعلان عدم محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري عودة إلى حق الشعب في المحاكمة أمام القضاء الطبيعي، وينقصه مراجعة لكافة ما عرض على القضاء العسكري، وهذا مقدمة ضرورية لعودة تماسك الجبهة الداخلية. ومراجعة قدرة وزارة تسيير الأعمال ضرورة كشفتها وقائع، غير عجزها عن استيعاب أهداف الثورة طوال قترة إدارتها للأمور. السيف أصدق أنباء من الكتب، ما إن هدأ هدير الثورة، حتى بدأت الغربان تنعق في سماء مصر بقضايا مصطنعة، شدوا الشعب إلى الفتن على كافة أشكالها، ونسوا أن مصر تعلم هويتها وتريد مستقبلها وبإرادة أبنائها ولأبنائها، اليوم ماذا أنتم فاعلون عندما تبدو آثار الفتن المتتالية في سيناء، هل أدركتم دم المصريين حرام في كل أرض مصر.
445
| 23 أغسطس 2011
رصد الحياة والتعليقات والتصرفات في مصر الآن، يكتشف بنك القلق الذي أصبح لكل المصريين أرصدة لا نهائية فيه، وتعلوا الهمسات إلى صراخ... من سرق الحلم؟ قد يبدو السؤال متشائما، ولكنه واقعي، فكل ما يجري لا يكشف عن أن الثورة على طريقها، ولكنه يدرك وببساطة أن محاولات الالتفاف عليها وطمسها تبدو في اللحظة في ذروتها. وللإنصاف دعونا نعرض لمحددات أساسية قد تعيننا على تفهم ما هو قائم، لعلنا ندرك مسؤوليات الجميع بعد الأشهر الستة الخالدة في تاريخ مصر: 1. أن مصر كانت تموج بحراك ودعوات طوال السنوات الثمانية السابقة على 25 يناير، ولعل البعض من السياسيين اكتشفوا في حينها ضرورة تكوين جبهة وطنية واحدة، وتجلى هذا في انتخابات 2005 النيابية، ويومها كان الفاعل الرئيس هو الشعب الذي لم يحل التزوير والحصار الأمني عن خروجه ليقول للحزب الحاكم حينها "كفى" لقد سئمناكم، وتجلى مشهد لامرأة تصعد على سلم "نقالي" مما يستخدمه العمال، لتدخل من شباك علوي وخلف لجنة التصويت لتدخل إلى داخلها، ولتقول رأيها، مشهد عبر عن إرادة بلغت حدا من النضج والإصرار تجلى فيما تلى هذا من مواقف. 2. ظهرت حركات وجماعات متعددة، "كفاية" و "تيار استقلال القضاء" و "جماعة 6 أبريل" و "الجمعية الوطنية للتغيير" وجماعات عديدة كلها تنادي "بالإصلاح" وترفض التوريث، وكان نداء التغيير يأتي على استحياء، بل كان لفظ "الثورة"، غريبا حتى على التيارات اليسارية. 3. كان وصول الدكتور البرادعي إلى مصر يمثل منعطفا لدلالات الدعوة من جديد قادم، ويجب للإنصاف القول إن الرجل حال وصوله كان يمتلك رؤية مفاجئة للكثيرين، خاصة أولئك الذين وصل بهم الإرهاق الذهني ومعاندة الواقع لتصوراتهم، وتجمد هذه التصورات عند حد "المطالب" دون الدخول إلى منهج عملي لإعمالها، اللهم تلك المظاهرات التي استمرت طوال تلك السنين دون أن تصل إلى منسوب حشود يناير وفبراير 2011، ولكن هذه المظاهرات كانت إعلانا بفشل الأساليب القديمة غير التظاهر سواء كانت كتابات إعلامية أو مؤتمرات موسميه. وكان قول البرادعي:" أنا لست المخلص" ولكن "يمكن أن يتحقق التغيير عندما يخرج الشعب بالملايين إلى الشارع" غير غريب ولكن بساطة القول والوضوح كانا يؤكدان أنها المعادلة الأساسية لمواجهة النظام القائم. 4. كافة التشكيلات التي ظهرت كانت تعلن وبوضوح سقوط التجربة الحزبية المعارضة القائمة، بل وتجاوز الأوضاع للنخبة التي تملأ الأفق جلبة بلا طحن. 5. وسط ذلك كله طرح الأستاذ محمد حسنين هيكل تصورا في أكتوبر 2009 حول مجلس أمناء الدستور، وكان التصور الأسبق والأعمق لعملية التغيير، فهو لم يبحث في مجرد تعديلات دستورية أو إصلاح يطول العملية الانتخابية، ولكن التصور طال رؤية جديدة للدولة المصرية، وكانت تتجاوز أيضا مواجهة التوريث، وكانت ترى المؤسسة العسكرية وقبل ثورة يناير بأربعة عشر شهرا ضامنا لعملية إعادة البناء، بل يومها طالب أن يكون هذا عمل مبارك الأخير لصالح مصر الوطن. 6. وسط ذلك كله كان النظام السياسي بمضمونه الاقتصادي والاجتماعي يضرب بكل ذلك عرض الحائط، وكانت واقعة مقتل خالد سعيد، والتي نقلت أداء الشباب إلى مشهد شمل كل مصر، على شواطئ النيل والبحر والقناة، الكل بلا قيادة ولكنه في اتجاه واحد وبأسلوب سلمي وبشباب في عمر الزهور أحس كل منهم أنه يمكن أن يلقى نفس المصير، وكان عاملا ترتبت عليه الدعوة إلى مظاهرة 25 يناير ضد انفلات الداخلية ومطالبون بإقالة وزير الداخلية وهو ما طوره الشعب بانضمامه إلى ثورة شعبية فاجأت الجميع. 7. غير ذلك كله كان الوضع الاقتصادي في مصر يؤول إلى حالة من الإفقار مست رغيف الخبز، وصارت قضية مصر في بداية القرن الواحد والعشرين توفير رغيف خبز صالح للاستخدام الآدمي، وشهدت مصر فارقا رهيبا بين الأسعار والدخول فضلا عن تباين رهيب بين مستويات الدخول، وكانت وقائع القرصنة على شركات القطاع العام والتي تمت تحت اسم الخصخصة تفوق الخيال، وتدنى التعليم الذي أنتج كل المصريين الذين كانوا لحظتها يحكمون مصر إلى أدنى مستوياته، وصار التعليم منتجا لعناصر لا ترقى إلى مستوى الاحتياج الوطني والتنمية. هذه الفوارق الاقتصادية والتعليمية فككت الوجود الاجتماعي في مصر، بل وأدت إلى وأد الطبقات الرئيسة في مصر من عمال وفلاحين. تلك المحددات تبين البيئة التي جرت في إطارها وقائع ثورة يناير. وهي ذاتها التي جعلت استقبال الحدث ونموه من مظاهرة غضب إلى ثورة شعب متباينا، وصارت المرحلة الانتقالية مرحلة بلورة التباين وتحويله إلى عائق لإنجاز أهداف الثورة. كانت القوة الرئيسة في الثورة قوة شعبية تتسم بالسيولة والفطرة والوطنية المجردة، بلا تنظيم يقودها والبيئة المحيطة تتسم بالتهالك، الكتلة الشعبية تعلم ماذا تريد أن تهدم، ولا تملك رؤية واضحة لما تريد أن تبني، غير شعار خرج من الجماهير يقول "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وإن عبر عن رغبة شعبية ورؤية إجمالية، إلا أنه لم ينتج قيادة تسعى إلى تطبيقه وترجمته إلى مهام. لم تنتج ثورة يناير قيادة تتولى السلطة ولكنها أوكلت ضمنيا إلى المجلس العسكري إدارة دفة الحكم، ولكنه أيضا كان في رؤيته مختلفا مع رؤية النداء الشعبي بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية. ومن غير العدل أن يتحول الآن المجلس العسكري إلى أحد نقيضين، إما أنه متهم بالانقلاب على الثورة، أو أن ذاته مصونة لا تمس! ليس من حق المجلس العسكري أن يئد الثورة ويمنع أحدا من مناقشته، التناقض في رؤية المجلس العسكري من قبل الشعب من ناحية وأدائه السياسي الذي لا يتحرك فيه عن رؤية الثورة ولكن عن رؤية لمستشاريه أو آخر ما وصل إلية النظام السابق أن الأمر قضاء على التوريث وتعديل للدستور ومن ثم استمرار لواقع النظام بمكونه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي مع إطلاق القوى الممنوعة من الممارسة، كالإخوان والتيارات الدينية، وهو الإطلاق الذي جلب النصف الخفي من النظام المنهار إلى العلن على حساب الثورة والمجتمع المصري وبدعم كامل من الأموال والقبول الأمريكي والسعودي، وهما الجهتان اللتان وجدتا الساحة أمامهما مفتوحة بعد مفاجأة وقائع الأيام الثمانية عشر الأولى للثورة والإطاحة بالرئيس المخلوع. ويأخذ كثيرون أن ما وصلت إليه الأمور يعود إلى أن المتظاهرين تركوا الميادين يوم 12 فبراير وعادوا إلى منازلهم، ولكننا عرضنا من قبل أن الثورة تعرضت للعديد من موجات الالتفاف والمناورة والفتن المتنوعة، وهو ما كان جديدا على الشعب وكانت الفترة حتى 8 يوليو فترة مقاومة باسلة من الشعب الذي تحمل مسؤولية الأمن والوعي والوحدة الوطنية وحتى انحراف النخبة وفتنة الاستفتاء التي جلبت معها غير الانقسام، شرعية أن ينقلب المجلس العسكري على الاستفتاء ويوظفه فيما يشاء وفي أي اتجاه يرى، وتبعه من شاء من قوى، وظلت المقاومة تؤتي نتائجها حتى مثل الرئيس المخلوع في واحدة من القضايا بقفص الاتهام أمام محكمة تحاكمه في شأن قتل المتظاهرين، وهو أمر يختزل كل الجرائم السياسية والأمنية والاقتصادية في وقائع محدده تتم فيها المحاكمة بناء على عريضة اتهام ناقصة ولا تدعم وقائع ما جرى حتى أنها أسقطت بعض عمليات القتل للمتظاهرين من دعواها. ولكن دعونا هنا نأخذ بسبب مضاف دون تجاوز هذه الرؤية، وهو انقسام الشباب الذي توحد يوم وقفة الدعاء والتأبين لخالد سعيد على ضفاف الشواطئ المصرية رمز الخلود والنماء، انقسامه إلى تجمعات متعددة بلا رابط بينها، وجل ما تعمل عليه، الكلام والاحتشاد دون أن تبني قواعدها التنظيمية والشعبية. الكل يدرك ما يفعل وبلا استثناء. عدا قوى الشباب والشعب معها. الأمر الذي جعل الانقلاب على الثورة يجري تحت مباركة من شعب تم خداعه بمقولات تشوه الثورة والثوار وتمنح بلا أي مبرر الشرعية للمجلس العسكري ووزارته المنقلبة على الثورة، الحق في مواجهة الثورة بالقوة المسلحة والتي لم تطلق الرصاص بعد. الثورة في تاريخ الشعوب ليست لحظات عابرة تمضي دون أثر لها، ولكنها حين لا تكتمل أهدافها تفتح الباب على مصراعيه للاستفادة من دروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، والاستهانة بهذا سيفتح الباب إلى ثورة أكثر دموية رغم طبيعة الشعب الذي يرفض الدم ولكنه يرى الدماء والقتل يقتحم حياته كل لحظة بل وعلى يد المسؤولين عن حمايته، فبدلا من أن يكون الاستشهاد كسرا لحاجز الخوف، يصبح القتل وسيلة لتحقيق الإرادة. وتكاد الصورة السوداء تكتمل أركانها بمشاهد جرت الأسبوع الماضي: المشهد الأول جرت وقائعه عند زيارة رئيس الوزراء إلى مدينة العاشر من رمضان الصناعية، حيث حاول أحد سائقي الأجرة مقابلة الوزير فصفعه رجل الأعمال محمد فريد خميس على وجهه، وسبه، وقرر الرجل الإضراب عن الطعام، ولم ينبس رئيس الوزراء ببنت شفة عن الواقعة. وكانت زيارته السابقة للسويس قد شهدت مظاهرات ضد رئيس الوزراء وتهجما على موكبه، مشهد من الشعب الصامت والمنتظر يوضح مكانة الوزارة عنده. والمشهد الثاني تمثل في استدعاء للناشطة السياسية أسماء محفوظ أمام النيابة العسكرية لإهانتها للمجلس العسكري والإفراج عنها بكفالة 20 ألف جنيه، أي أنها تنتظر المحاكمة، والموقف يحمل عنصرين، الأول الاستدعاء لناشطة سياسية أمام النيابة العسكرية وهو أمر يجوز حال أن تكون هذه الناشطة من العسكريين أو تكون هناك أحكام عرفية ولا نعلم عنها شيئا، بينما الجميع ينادي بوقف المحاكمات العسكرية، والأمر الثاني أن اللواء الرويني مازال دون التحقيق فيما ادعاه على حركتي كفاية و6 أبريل بتلقي أموال خارجية وأن هناك علاقات تربطهم بالخارج. المشهد الثالث يقرع أجراس الإنذار بشأن المستقبل وليس الحاضر فقط، فقد أعلنت التيارات الدينية تهديدا بتوعد المجلس العسكري والحكومة بالنزول إلى الشارع ضد أي إعلان دستوري يتضمن مبادئ دستورية، وهو الإعلان الذي رأى البعض أنه حل لمشكلة أيهما يسبق الآخر، الدستور أم الانتخابات، ولكن هناك من يتأبط بمصر شرا ويراه البعض أنه صدمة الضوء للتيارات الدينية بعد زمن حياة الظلام وبديلا عن الانقلاب على نظام استبد بالشعب هاهم يخرجون ليفرضوا وصايتهم على الشعب وهو الأمر الذي مكنهم منه المجلس العسكري تحت ادعاء الحياد وعدم الانحياز، فصار الآن محاصرا بهم بعد أن استخدمهم في حصار الثورة. ذلك كله يعود بنا إلى البيئة التي تمت فيها وقائع ثورة يناير الشعبية، خاصة أن اقتراح الأستاذ هيكل أعقبه بتفسير الحياة السياسية المصرية أنها كحوض للسباحة بلا ماء، وأن القفز فيه للسباحة قاتل، وليس من سبيل غير أن تكون الفترة الانتقالية سبيلا لإعادة الحيوية إلى الحياة السياسية، وهو ما تجاوز عنه الجميع، ويدعون الشعب للقفز إلى ذات الحوض بلا مياه، دعوة للقتل استجابة لإرادة غير إرادة الشعب. الاستهانة بدروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، وقد تكون ثورة أكثر دموية. فهل نستطيع تجاوز الأزمة بأفعال وليس نوايا؟
377
| 16 أغسطس 2011
الثورة في مرحلة استرداد المبادأة وهي ترتبط بوحدة القوى ووضوح الوعي تبدو مصر في بيئة حائرة، الثورة صارت كلاما، وصارت حكمة الاستكانة حديثا مدويا، والنصح يسبق الدعوة إلى التغيير وكأن التغيير ليس رحلة صراع، ويحولونه إلى كابوس ليلة شتاء يجهضه شهر رمضان الكريم، ورجاء السيولة المرورية. شهدت الأيام الثلاثة الأولى من رمضان (يوليو) وقائع متناقضة، ولكنها معا تصنع حالة الحيرة في مصر. الأول من رمضان هاجمت قوات من الجيش والشرطة المعتصمين في ميدان التحرير، لفض الاعتصام، وتدمير الخيام، والوسيلة هي "العنف".. والمطاردات والاعتقالات، والمبرر أن هؤلاء ليسوا الثوار، وباركت العديد من القوى السياسية والإسلامية عملية الأول من رمضان، الجيش والشرطة يستخدمون العنف سبيلا لطرد الشعب من الميدان، وهم فاقدو الوعي أن شخصا واحدا بإرادته المنفردة يعتصم في ميدان التحرير لواحد من مطالب الثورة، هو بمثابة طليعة كل الشعب، وكشفوا عن وجه الجهالة بأسلوب التعامل.. العنف! الثالث من رمضان تحبس مصر أنفاسها، الكل ينتظر لحظة الحقيقة، هل سيمثل الرئيس المخلوع في قفص الاتهام؟، وكيف ستتعامل معه هيئة المحكمة؟، الثقة تدنت إلى أدنى درجاتها بين المجلس العسكري والحكومة وبين عموم الشعب وفي مقدمتهم عناصر الثورة. ويأتي يوم الحقيقة، والرئيس المخلوع مسجى على فراش لا تطول هامته أي ممن في القاعة، لا أراه تمارضا ولكنها إرادة الله عز وجل، أن من أراد بمصر وشعبها سوءا، يحاكم وهو مسجي في مستوى الأقدام، وتعاملت هيئة المحكمة برصانة مع الجميع وأعلت قيمة أن من بالقفص متهمون أمام العدالة ولا وصف لهم غير هذا. ولا يمضي اليوم دون أن يضفي مشهدا يزيد من السخرية، عندما يجرى التعامل مع المتهمين عند ترحيلهم بحالة من الحفاوة من ضباط الشرطة المدنية والعسكرية، حتى إن وزير الداخلية أصدر تحذيرا لضباطه، وهددهم بالإحالة إلى التحقيق إن تكرر ذلك، ولكن عميدا من الشرطة العسكرية كان يؤدي وظيفة "البلاسير" في ظلام السينما ليدل المتهمين على الطريق ونزع عن نفسه شرف انتمائه وكرامة الزي العسكري الذي يرتدي، وهو ذاته الشخص الذي يقف خلف جنود الشرطة المهاجمة للمتظاهرين، تناقض مثل انفصام الشخصية مثل دكتور جيكل ومستر هايد، بين الشرير والطيب، بين العدواني والشماشرجي، وعبر ببساطة ومباشرة عن "البيئة المناقضة للثورة" التي تلف خيوطها من حول مصر. نعم يوم الثالث من رمضان سوف يبقى علامة فارقة في تاريخ مصر، علامة تقول هذه نهاية كل من طغى وتكبر، وتعلن أن الثورة نجحت في أول مطالبها وهو محاكمة من قتل أبناءها والحياة فوق أرضها. دم الشهداء فوق الأسفلت أنبت حنظلا، ومازالت أزهار الثورة تحتاج لمزيد من الارتواء. وتصاعدت الأقوال أن مشهد الرئيس المخلوع ونجليه ووزير الداخلية ومساعديه في قفص الاتهام لم يكن كل أهداف الثورة، ولكن هدف الثورة بناء مجتمع جديد. كشفت الثورة عن فداحة الفساد وأن حجمه وطبيعته وغروره تجاوز خيال أشد المتشائمين بأداء النظام السابق، ولكن الأيام التالية كشفت أيضا عن حجم أعداء الثورة، وانتشارهم وجذورهم الضاربة في المجتمع. يملكون المال المنهوب، ويملكون شبكة علاقات تمتد بعمق الجهاز الإداري في الدولة، ودعم قدرتهم تباطؤ قرارات المجلس العسكري والحكومة، وأيضا بطء إجراءات التحقيق والتي استلزمت أن يخرج المتظاهرون في موجات متتالية وأن يلتزموا بالاعتصام أسلوبا لتحريك موجات الثورة، لفرض محاكمة الرئيس المخلوع وإحضاره من شرم الشيخ ومحاكمته بالقاهرة. ورغم حل الحزب الوطني بعد جهد من الثورة في مواجهة محاولات عديدة من الالتفاف والمناورة وحل المجالس المحلية، إلا أن منظومة النظام السابق في المقاومة والمناورة مازالت تعمل دون كلل أو ضعف. والأخطر من منظومة النظام القديم، هو أداء متردد ومشتت للقوى السياسية وقعت فيه لعيوب ذاتية، فهي لم تكن مؤهلة لاستيعاب أن الشعب قادر على الثورة وإسقاط النظام، ولم تملك رؤية لهذا اليوم، ووقعت فريسة لجنة التواطؤ على الثورة التي أطلقوا عليها لجنة التعديلات الدستورية والتي أحالت الثورة إلى حركة مطلبية لا تتجاوز إحلال نظام من ركام النظام السابق، وخادعت الشعب بمقولة سرعة نقل السلطة من العسكر إلى حكم مدني، توافقت اللجنة مع مطلب أمريكا، وتوافقت مع رؤية أعلنها المجلس العسكري أنه لا يريد البقاء أكثر من ستة أشهر وهو تجاوزها الآن ومازال أمامه 15 شهرا على الأقل حتى يمكنه العودة إلى ثكناته. رقصوا على الدفوف الأميركية التي استوعبت قبل الجميع دلالات الثورة ونتائجها إن استمرت في مسارها الطبيعي، وامتلكت القرار طبقا للشرعية الثورية، ولم يكن غائبا عن تلك الأجهزة الأميركية طبيعة النظام القادم المصنوع من ركام نظام سابق دون قوى الشعب الحقيقية، وتلك القوى التي يطلقون عليها الليبرالية وتفقد البعد الاجتماعي من برامجها ولا تملك غير صيحات تداول السلطة، وهي بأدائها هذا تنقلب على الثورة وتضعها فريسة سهلة أمام تيارات إسلامية أيضا لا تملك برنامجا اجتماعيا وجل ما تملكه صيحات دينية تتيه العقل ولا تأخذ من الدين إلا القشور. بات واضحا الآن غياب سؤال جوهري في مهمة التطهير للتخلص من النظام السابق وقواه، وهو سؤال من أين لك هذا؟. جوهر سؤال من أين لك هذا؟ عندما تطلقه ثورة غيره عندما توجهه النيابة العامة. عندما تعلن الثورة من أين لك هذا؟ فالسؤال يشمل أبعادا سياسية واجتماعية واقتصادية، وتشمل ما كان وما هو جار، وتضع شرعية الثورة هي مصدر الإدانة والتبرئة. من أين لك هذا؟، سؤال يتجاوز تحقيقات الكسب غير المشروع، إلى حقيقة شرعية الثروات المملوكة للأفراد، وطبيعة النظام الذي تكونت خلاله هذه الثروات، وهنا لا يكون البحث في الأداء للأفراد إلى البحث في النظام الذي أدى إلى هذا. ومن أين لك هذا؟، يتجاوز محاكمات القتل من كونها "فعل القتل ذاته"، إلى طبيعة نظام وأدائه، فإن كان الشعب هو مصدر السلطات، فأي مصدر للسلطة خوَّل لهم قرار قتل الشعب؟، ليس الأمر جريمة قتل، ولكنه نظام قتل أبناء الشعب، فهل هناك داخل القوانين الوضعية توصيفا لهذه الجريمة؟ فقط الشرعية الثورية تضع قانون هذه المحاسبة. من أين لك هذا؟، سؤال يعبر النظام المنهار إلى عقيدة القاضي في محاكمات جرائم قتل الشعب، فالقاضي الذي يبحث عن اليقين من خلال أوراق التحقيقات يتغاضى عن الواقع الذي رآه الشعب، فالمحكمة لا تحقق إدانة أو براءة أفراد، ولكنها من الوقائع تبحث عن جريمة نظام لم تتوقف في يوم 11 فبراير ولكنها استمرت ومستمرة حتى اليوم. من أين لك هذا؟ بالنسبة لقضية القتل يجب أن تمتد لتتجاوز المسؤولية في القتل إلى محورين آخرين، هل هناك تنظيم داخل الداخلية يتجاوز هياكلها المعروفة واستمر في عمله حتى الآن ويدير عمليات الإرهاب والخطف وتدمير الأدلة بل وإدارة الداخلية ذاتها، وأيضا مطالب بالكشف عن خطط الداخلية بشأن التوريث، في حالة رفض الجيش الموافقة على التوريث، وخطة الفوضى، ومن أعملها. الثورة تحتاج الكشف عن تنظيم العادلي السري وخطة الفوضى، عند تحقيق هذا يمكن أن نكشف حقيقة ما جرى، ومن المسؤول عن جرائم القتل والفوضى. من أين لك هذا؟، يتجاوز خديعة الصناديق الانتخابية والاستفتاءات، فهو يعني المراجعة لكل التكوينات السياسية والأفراد، ومدى جواز السماح لهم، وحدود إسهامهم في النظام السابق ضد الحاجة الوطنية، ولعل ما خرج يوما عن مؤتمر الوفاق الذي أداره د.يحيى الجمل بضرورة عزل العناصر التي كانت تنتمي لغير الحزب الحاكم وقبلت التعيين في المجالس النيابية، أي أن العزل السياسي ليس لأعضاء الحزب الحاكم وحده، ولكن لكل من أسهم في أداء ضد الشعب، وهذا ليس قرارا إداريا ولكن الشرعية الثورية تحدد أبعاده وضرورته. من أين لك هذا؟، سؤال يحقق مبرر الوجود السياسي وهو أمر غير العزل السياسي، فالوجود السياسي بعد الثورة يجب أن يستمد شرعيته من الاستجابة لاستراتيجية الثورة "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، ويبقى سؤال منطقي من يحكم بهذا؟، وهو ذات السؤال الذي يطرح المعادلة المقلوبة التي شرعت للانتخابات النيابية قبل وضع عقد اجتماعي يلتزم بالشرعية الثورية، الهروب الدائم من معادلة وجوب الدستور قبل أي تصرف سياسي يعني التفافا على مبررات الوجود السياسي، بل يعود إلى المعادلة الأميركية للنظام القادم بعد الثورة. من أين لك هذا؟ سؤال جائز تطبيقه على سلطة المجلس العسكري، فوضوح مصدر الشرعية، يفرض اتجاه القرار والانحياز الواجب للقرار. وهو سؤال يكشف شرعية الوزارة، وشرعية من تضم، فلا فضل لأحدهم على الثورة، ولكن الثورة هي من جلبتهم من كراسي "الشوق" للسلطة إلى كراسي الوزارة، أمامهم مبرر واحد للوجود هو الالتزام باستراتيجية الثورة. والالتزام بهذا السؤال يكشف وجوب موقف من وزير الزراعة بعد اتهامه بعلاقة مع العدو الصهيوني، وسلوك مشين مع إحدى زميلاته وجرى التحقيق معه ووجه إليه اللوم نتيجة تحقيق الواقعة. ومن أين لك هذا؟، يقضي بشرعية وعدم شرعية مواجهة التظاهرات والاعتصامات الجماهيرية بالعنف، بل هو سؤال يقضي بضرورة أن يعي الجميع أن الشعب في حالة تظاهر واعتصام دائم، وأن الاستقرار سيصنعه الشعب، وفق وعيه هو وليس وفق تصورات أحد غيره، ويسقط الشرعية عن أي من كان خاصة نائب رئيس الوزراء الذي احتج على المعتصمين والأولى به أن يقبل أياديهم أنه أتى إلى كرسي الوزارة دون مناقشة استحقاقه له أو عدم جواز ذلك، بل ويسقط الشرعية عن أي تجمع أمني يواجه الشعب. يبدو أن هناك محاولات مترددة لتطهير الجهاز الإداري من عناصر النظام السابق، وأعلى نقطة تطور تمثلت في قرار حل مجلس إدارة الاتحاد العام لعمال مصر وهو خطوة نحو إعادة عمال مصر وتنظيماتهم إلى الصورة السياسية في مصر، فهل يجوز إجهاض هذا القرار بخديعة صناديق انتخابات عاجلة تخرجهم من ميزان القوى بالمجتمع. الثورة في مرحلة استرداد المبادأة، وهي مرحلة ترتبط بوحدة قوى الثورة ووضوح الوعي. ويبقي أن "من أين لك هذا؟" سؤال مرحلة التطهير وبدء بناء مجتمع الثورة، أصبح ملحا على جنود الثورة ويفرض ضرورة الوعي بمتطلباته.
573
| 09 أغسطس 2011
المخططات التي تستهدف سيناء جاهزة في أدراج الصهيونية العالمية كانت الخشية من جمعة 29 يوليو أن تنقلب إلى مواجهات بين الأطراف المشاركة فيها دافعا للعديد من اللقاءات والحوارات للخروج بها آمنة دون أن تصيب الوطن بجروح يصعب مداواتها. أطلقوا عليها جمعة "لم الشمل"، وتوافقوا على جملة مطالب لم يجري الالتزام بها، واحتشدت التيارات الإسلامية يومها لغرض في نفس يعقوب وهو ليس موضوعنا في اللحظة، ولم يلتزموا بما اتفقوا عليه، وهو أمر ليس موضوعنا أيضا، وكانت الهتافات تقول إن المجتمع يشهد يوما غريبا عليه، وربما يكون مقبولا من الناس في حالة الاحتشاد نوع من التجاوز في أي اتجاه كان وحتى تجاه العنف، ولكن الغريب أن التجاوز مارسه أشخاص يوصفون أن لديهم شيئا من العقل، ومن مختلف الفرق. قد يستنكر أحد أنه كان هناك حصار على منصاتهم، وأجبروا على إخلائها (6أبريل)، وأن هناك حالات طرد من الميدان للمعتصمين ومنهم فتيات في زفة متصلة تتهمهم أنهم من صنف "علماني" وهي في بعض التفسيرات المتداولة تعني الكفر والشذوذ الجنسي! خرج فريق لدية إحساس بالانتصار وعاب أحد مشايخ السلفيين على السلفيين أنهم بتجاوزاتهم جعلوها جمعة "الخسارة"، وفريق آخر أصابه الاكتئاب أن هناك تشققا في جدار الاصطفاف الشعبي والسياسي وأعلنت جماعات عديدة الانسحاب من الميدان وإصدار بيانات لإدانة تجاوز التوافق الذي تم في الساعات السابقة على الاحتشاد. يبدو كل هذا حديث عن مظاهر المسألة التي تواجه الثورة، فالثورة اليوم تواجه التحدي الذي زرعه نظام السادات في مواجهة الحركة الوطنية التي رفضت مبكرا سياسات السادات، وكشفتها مبادرة فبراير 1971 عندما اقترح انسحاب متبادل بين مصر وإسرائيل لمسافة 15 كيلومترا على الجانبين على أن يبدأ بتطهير قناة السويس تمهيدا لفتحها لمرور السفن. كان انقلابا مبكرا في مفاهيم ومضمون الصراع وكيفية إدارته، وأدت إلى بدء الخصومة بين كل القوى السياسية الناصرية وجزء كبير من اليسار، وكذلك تيار واسع من المثقفين، ووجد السادات نفسه معزولا عن المجتمع واكتشف هشاشة أنصاره. بدأ السادات الإفراج عن عناصر الإخوان الموجودين بالسجون، ولم تكن المشكلة الإفراج عن السجناء، ولكن كانت المشكلة هي لماذا تم الإفراج؟ هل كان الإفراج يهدف إلى رفع الغبن عن المعتقلين؟ أم كان دعوة لموقف لصالح دولة "العلم والإيمان" كما كان يطلق السادات على مصر حينها؟ وفي أعقاب 11 فبراير 2011 أطلق أيضا سراح بعض المساجين دون إيضاح بمدى الصلاحية السياسية لهم في مجتمع الثورة. وتتطور المشكلة فيما بعد في محاولة التصدي للحركة الطلابية بإنشاء الجماعات الإسلامية بالجامعات المصرية، والتي قام على مسؤولية البناء والتنظيم محمد عثمان إسماعيل محافظ أسيوط السابق وأمين التنظيم للاتحاد الاشتراكي بعد مايو 1971، وتولى التمويل المقاول عثمان أحمد عثمان صاحب العلاقة الشهيرة بكمال أدهم صديق السادات، وأدخلت هذه الجماعات إلى الجامعة الأسلحة البيضاء والجنازير، فهم يواجهون الكفار والملحدين، والنظام يباركهم ويدفعهم إلى مزيد من الوجود والسيطرة. لم تكن رحلة السادات مع التنظيم الذي أسسه شهر عسل متصل، فقد استحضر العفريت ولكنه لا يملك عليه سيطرة، وتسارع النمو السرطاني داخل الأوعية التنظيمية وخارجها، وحدثت مواجهة مع جماعة صالح سرية عام 74 بعد الهجوم على الكلية الفنية العسكرية، وانضم مؤخرا قيادات هذا التنظيم إلى حزب "السلام والتنمية" الذي يعبر عن الإسلاميين المستقلين. ويشهد عام 1977 قيام تنظيم التكفير والهجرة باغتيال الدكتور محمد الذهبي وزير الأوقاف السابق. أضيف إلى ذلك كله الدعوة إلى التطوع للجهاد في مواجهة الجيش السوفييتي الملحد في أفغانستان تحت رعاية السعودية ومصر والمخابرات الأمريكية، وهو ما أنتج فيما بعد تنظيم القاعدة. ومن ناحية أخرى يتولى الشيخ عمر عبدالرحمن مسؤولية الفتوى لتنظيم الجهاد عام 1981 ويصدر فتوى بتشجيع سرقة وقتل المسيحيين لتقوية التنظيم. ولا يمضي عام 1981 إلا ويكون السادات نفسه مقتولا على يد أعضاء لهم علاقة بتنظيم الجهاد، ويخرج التنظيم إلى معارك دموية في أنحاء مصر، أعقبها مواجهات واعتقالات وسنوات طويلة في السجون بلغت بالبعض 30 عاما هي مدة حكم مبارك نفسه. كل ذلك واكبته حملة تشويه لثورة 23 يوليو ولإنجازاتها، وتواكب معها تحويل الصراع العربي الصهيوني إلى عقدة نفسية وتفريغه من مضمونه في حقيقة أن إسرائيل استعمار استيطاني ترعاه أمريكا والغرب في مواجهة حركة القومية العربية، ورغم الخلافات بين العرب والسادات إلا أن ما يطلق عليه الأنظمة الرجعية كانت تجد في خروج مصر من الصراع العربي الصهيوني متنفسا لها ولأهدافها. وهذه الحملات أدت إلى الهروب إلى الدين كملاذ أخير في مواجهة محاولة طمس العقل العربي وتغييبه. شهدت فترة مبارك مواجهات عديدة وبلغ الأمر كما كشف مؤخرا أن نظام مبارك استخدم منهج التنظيمات الدينية في إثارة القلاقل الداخلية سواء في كنيسة القديسين والتي ألصقوها بأحد الشبان السلفيين وتوفي نتيجة التعذيب، وكذلك التفجيرات التي جرت في طابا ونويبع وشرم الشيخ واتضح أنها من الأعمال القذرة لجمال مبارك والعدلي في صراعهما مع حسين سالم رجل المال ومدير أعمال مبارك المالية وتصدير الغاز إلى إسرائيل. كان الصراع في فترة مبارك يتراوح بين الحوار والاعتقال، والاستخدام والاستتابة، وفتحت الفضائيات مجالا جديدا للتأثير. كل ذلك كان بناء لمواجهة الحركة الوطنية والتي كان آخر عهدها بالتحرك الشامل حول قضايا وطنية واجتماعية في عام 1977، والتي أعقبها إجهاض حاد للحياة السياسية وهو ما أطلق عليه بعد قرابة 30 عاما أن الحياة السياسية في مصر "تصحرت". من الإنصاف القول إن كل جهود المقاومة لنظام مبارك التي سبقت 25 يناير كانت تراكما أدي إلى انفجار الثورة التي مثلت مفاجأة للجميع حتى للشباب الذي خرج يومها ضد أداء الشرطة وتجاوزاتها، ولكن الشعب المعلم حول يوم الغضب إلى ثورة، وخرجت استراتيجية الثورة من نداء عظيم أوجز الإرادة الشعبية في شعار "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وكسرت الثورة في الوقت ذاته قضبان السجون، وقطعت الروابط بين جهاز أمن الدولة وبعض التنظيمات التي تعاونت معه، وفتحت الثورة الباب على مصراعيه أمام الجميع ليعلن عن نفسه. وإذا كان البعض رفض الانضمام إلى يوم الغضب تحت دعاوى أنه لن يملي علينا أحد المشاركة فيما لم نستشار فيه (الإخوان والحزب الناصري)، والبعض الآخر رفض التظاهر وأعلن عدم شرعية الخروج على الحاكم (السلفيين ـ الشيخ حسان)، ورأى البعض في الطريق أن مجرد تعيين نائب يعني تحقيق ما لم نتوقعه (الكرامة)، وقبل البعض الحوار على مائدة نائب الرئيس بينما الشعب في الشوارع، كل ذلك يؤكد أن فعل الثورة كان خارجا عن الجميع ولا أستثنى منهم أحدا. تأكد أن الثورة فعلا شعبيا طليعته شباب قدم التضحية بالروح والدم، ومن بين هؤلاء الشباب من ينتمون إلى تيارات وتنظيمات، ولكن أداءهم كان وليد قراراتهم الذاتية وليس التزاما بقرارات تنظيماتهم وأحزابهم. كانت الثورة بلا قيادة، وإذا كتبنا عن دور للدكتور محمد البرادعي، في وقائع ما جرى ووضوح أقواله وتحركاته، لسمعنا أصوات تردد أقوال إعلام النظام السابق في توجيه الاتهام إليه أنه واجهة مخطط أمريكي، بينما أمريكا بكل أجهزتها، وإسرائيل أيا كان مدى اختراقها للمجتمع المصري أصابتهم المفاجأة بوقائع نمو الحركة الشعبية خلال 18 يوما وأدت إلى تحويل يوم الغضب إلى ثورة شعبية. عدم وجود قيادة للثورة، والرغبة في تحقيق الأهداف، ومحاولة وجود أوعية تضم الشباب الذي خرج أفراد لتحويله إلى حالة جماعية، شغل الشباب ومن تبقي من النخبة الملتزمة بالثورة وضوحا ووعيا بدلالة الشرعية الثورية، شغلهم بعيدا عن تحليل للواقع بجذوره التاريخية، ذلك التحليل يؤكد أن جمعة 29 يوليو لم تكن جمعة الانقسام ولكنها في الحقيقة كانت جمعة كشف الأوراق. سقطت يوم الجمعة 29 يوليو خديعة أن الكل ينتمي إلى الثورة موضوعيا وليس كمدخل لمكاسب ذاتية. الإسلاميون ليسوا قوة تقاس بالحجم ولكنهم قوة تدرك بالاتجاه، فهم بالأساس قوى الانقلاب على الثورة التي استخدمها السادات، ويعودون لنفس المهمة. القادمون من السجون يعتقدون أنهم استردوا حقهم في الحياة السياسية دون مراجعة، ألم يكن من الواجب أن يراجع المجتمع والثورة مدى إمكانية عودت من شاركوا في عمليات القتل لأفراد من الشعب إلى الحياة السياسية، هؤلاء الذين استحلوا الدماء والأموال وأعلنوا مناطق في المحافظات إمارات محررة من سلطة الدولة. المراجعات السياسية والمجتمعية والدينية لا تنفي أن في المجتمع طرفين، الأول يسقط الوطن ويسعى إلى أممية إسلامية ولا يرى المجتمع غير جماعته الدينية، وطرف قام بالثورة لأهداف اجتماعية بالأساس وأضاف إليها مطلب الديمقراطية، يرفع علم وطنه ولا يرفع راية سوداء أو علم السعودية. الطرف المنتمي للثورة يتعرض لحملة تشويه وإجهاض تقودها كتلة النظام الباقية في أجهزة الدولة والرأسماليون وأصحاب المصالح الذين حقق لهم النظام السابق مكاسب غير شرعية ومازالوا دون مراجعة ويسيطرون على الغرف التجارية واتحاد الصناعات المصري، وغير هذا كله تدخلات خارجية يسهل لنا فيها ذكر أمريكا وإسرائيل بينما نتناسى مجموعة الاعتدال العربي، والتي تمول الكيانات الدينية وتدعو أفرادا لإنشاء كيانات حزبية مقابل تمويلا ابتدائيا يبلغ 10 ملايين دولار شريطة تبني التيار السلفي. كل هذا التحدي تواجهه الثورة وطلائعها الشابة، فهل هناك فرصة لمراجعة الجميع لمواقفهم؟ الوقفة الموضوعية مع الذات ومراجعة الوعي بحق الشعب تحتاج ذات جسارة الثوار عندما خاضوا غمار التحدي. أصبح الثوار مطالبون الآن بفرز القوى المحيطة بهم دون مراهقة سياسية أو شطط ثوري. فمصر ليست أفغانستان ولا هي باكستان، مصر الثورة لا يمكن أن تكون عائدة لعصور ظلام لم تمر بها من قبل ولكنها مستوردة من المحيط بها. ليس أمام الثوار فسحة الوقت بلا حدود للوصول إلى الوعي بحتمية الفرز، والاعتماد على القوى المنتمية إلى مطلب "الخبز ـ الكرامة ـ العدالة الاجتماعية". الوعي بحقائق القوى مطلب عاجل، إن امتلكته الثورة امتلكت الزمن القادم من بعده. ونظرة أولية على الوقائع على الحدود الشرقية لمصر، تجسد تكرارا أليما لأداء الترابي والبشير في السودان والذي أدى إلى ضياع جنوب السودان مقابل تطبيق الشريعة في شماله، وما زال السودان مهددا بمزيد من التقسيم لترابه الوطني. المخططات التي تستهدف سيناء جاهزة في أدراج الصهيونية العالمية، وجنون الأعلام السوداء وعليها الشهادتان لا يجب أن يمنعنا عن قراءة حقيقة نجمة داوود التي تظلل الأفعال والعقول. فهل نحن قادرون على استيعاب الحقائق التي كشفت عنها جمعة كشف الأوراق؟
366
| 02 أغسطس 2011
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
3063
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
2901
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1374
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1020
| 11 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
738
| 08 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
723
| 13 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
666
| 13 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
648
| 12 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
633
| 09 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
612
| 13 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
579
| 11 مايو 2026
نُقل عن الصحابي عبد الله بن مسعود رضي...
549
| 09 مايو 2026
مساحة إعلانية