رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اللحظة الراهنة في مصر تحتاج التعامل الواضح والمباشر مع طبيعة المرحلة التي تمثل فيها الإجراءات ومهام الفترة الانتقالية حجما ضخما على أداء واجب من الأمة وخلال مدة زمنية محددة ويحمل من المتغيرات ما لم ينجز وما يجب إنجازه.
إن أي حديث يجب أن يرتكن إلى منطق يتيح للعقل أن يستسيغ ما يتضمنه ويقبل به، وحالة الشعب الذي يسمع طنينا ولا يرى طحنا في مصر، تشبه إنسانا وقعت في يده جمرة من نار وهو واقف وسط أرض مغطاة بسائل قابل للاشتعال، لا هو يتحمل الجمرة وهي تصل بحريقها إلى عظام الجسد، ولا يملك خيار تركها تسقط فوق الأرض ليحترق الجميع.
خمسة عشر شهرا قادمة تحمل في طياتها جدول أعمال طويلا يبدو في مجموعه مؤديا وللمرة الثانية إلى خديعة ديمقراطية الصناديق، وهرول الجميع خلف الانتخابات ونسوا أن النظام السابق قائم بكل عناصره وهو يدير المرحلة بكاملها.
تمر بالثورات لحظات فارقة، تكشف التراكم المؤدي إليها والبيئة التي تحدث فيها وقائع الثورة. ولعلنا لا نتجاوز حقائق التراكم المؤدي لثورة يناير 2011 وتنوعه إن حددنا أن له سمتين رئيستين، طبيعة التراكم الحركي والمعتمد أساسا على رؤى ترفض الفساد وترفض التعذيب، وأنها تمت في بيئة أصابت العمل السياسي بالتصحر، وهو أمر أدى بالثورة أن تتحمل عبء الفراغ التنظيمي في مصر والمعبر عن جوهر الهوية المصرية، ورؤى المجتمع الاجتماعية والاقتصادية، ولا يحاول أن يسقط عنها مكوناتها الحضارية ويستبدلها بمكون واحد سواء كان هذا المكون دينيا أو علمانيا.
التصحر السياسي وغياب الرؤى، كشف عجزا لدى قطاع عريض من النخبة والتي تراوحت بين رفض الخروج من البداية لتعود بعد انكشاف النظام لتنضم إلى مسيرة الثورة، أو هي خلال 18 يوما من التظاهر أعلنت أن ما تحقق من تعيين لنائب للرئيس أو إقالة حكومة أو اتجاه النظام السابق لتعديلات دستورية، قد تجاوز ما كانت تتوقعه، وأنه يجب عند تلك اللحظة التوقف.
هذه كشافات ضوء تؤكد أن الثورة كانت على النظام بأكمله وهي لم تستثن طرفا، ولكن في وطننا يبدو أن جينات التحول والادعاء تفوق قدرة العقل البشري على التذكر واتخاذ المواقف.
أكدت الأيام أنه لا أحد يحمل مشروعا للثورة مكتمل الأركان، وتمثل ذلك في انبهار جرى بشخص لأنه انضم إلى مسيرة لأساتذة الجامعة سارت إلى التحرير يوم 8 فبراير ورشحوه رئيسا للوزراء ضمن آخرين، ولم يحاول أحد أن يراجع تاريخه السياسي، ولا أن يتساءل هل هو من الثورة أو مصنوع لها ضمن فكرة صناعة الرئيس. وها هي مصر تعاني من وجود وزارة انتقالية برئاسته يسقط عنها الوعي بمعنى التغيير ومهامه، ويؤخذ عليها أنها تزيد الوضع الانتقالي سوءا بتمكين عناصر وقوى ورؤى النظام المنهار من السيطرة على مصر وتوجيه الأداء فيها بذات الأشخاص والسياسات بعد ثمانية أشهر من الثورة.
تحولت الثورة لدى النخبة إلى بوابة الدخول ضمن الطبقة الحاكمة وغابت مهامها بلا صاحب.
لم يخسر الشعب الثورة، ولكنه يواجه تحدي ميلاد تنظيماتها التي تحمل إستراتيجية "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية"، ومن ثم إيجاد قيادة للثورة لا يكون كل هدفها نقد ما كان ولا مجرد الولاية على ما حدث، كما هو حاصل الآن، ولكن برسم طريق الخلاص وإعادة البناء لا يثنيهم عنه تهديد من هنا أو هناك، بأن ما تطالبون به هو هدم للدولة كما العراق، وكأننا يجب أن نكون مستنسخين ولا نستطيع أن نخلق مثالا جديدا لتحقيق الثورة ونجاحها.
ولا تعتبر جمعيات حقوق الإنسان المدنية بديلا عن التنظيم السياسي رغم أنها استقطبت كوادر الحركة السياسية من اليسار واليمين وكانت بديلا لهم عن التنظيمات التي كانت عبئا سياسيا وأمنيا في مواجهة النظام البوليسي السابق، ولوجود مظلة خارجية تحول دون اقتناص النظام لهم، وهي تتحدث لغة يقبل بها الغرب بل ويقبل بها العدو، فهي لا تتحدث حديث الوطن في تحدي الوجود الصهيوني أو حديثا قوميا أو تبذل جهدا في تنظيم قوى الشعب الاجتماعية بمؤسسات يمكنها أن تقود عملية التغيير، ولكن حديثها عن حقوق إنسانية عامة وهي واجبة في إطار أي نظام ومهما كانت طبيعة هذا النظام.
النظام لم يسقط بل تتزايد قبضته وانفراده بالقرار، ونجح أن يضيف جديدا إلى المعادلة السياسية في مصر وهو ما تمثل في التيارات والأحزاب الدينية الباحثة عن حق في الوجود دون أن تقدم للشعب تفسيرا لمواقفها لحظة بداية الثورة أو أثناءها بل إنها حولت الوطن وقضايا الشعب إلى مطية للوصول إلى السلطة وهو ما يمكن أن يكون أذان بانفجار شعبي داخلي عندما تذهب السكرة.
ولعل نظرة أمينة على الاستفتاء الذي جرى حول تعديلات دستورية يرصد أن الشعب بعد 11 فبراير استبشر خيرا، وخرج إلى الإدلاء بأصواته، ولكن تزييف الوعي والإرادة والكذب كان وسيلة التيارات والتنظيمات الدينية، فكيف يمكن تقييمهم وهذا أداؤهم ضمن قوى الثورة، بمثل هذا المنهج وبغياب الرؤية الاجتماعية والاقتصادية التي تعني الحق في الحياة والفرص المتكافئة بين أبناء الوطن الواحد، بل هم استعاروا من نظام مبارك فكرة الإحسان بديلا للعدالة الاجتماعية، وجل همهم إقامة حكم إسلامي وشواطئ حلال أي شواطئ لا ترتدي فيها النساء "المايوه البكيني" كما قال وكيل مؤسسي حزب الإخوان "العدالة والحرية" ومرشح ديني لانتخابات الرئاسة.
أسقطوا عن مصر هويتها "الإسلامية المدنية" من قبل أن يكون لهم وجود، وانحرفوا بالجهد الوطني إلى صراع بين إسلامي ومدني، وجميعهم بما يعلنون غرباء على المجتمع وقضاياه.
ولعله يكون مفيدا لنا أن نعرض لجدول المهام والإجراءات خلال الفترة القادمة ولنبحث أين هو موقع الثورة والشعب فيه:
1. قانون انتخاب مجلسي الشعب والشورى وتقسيم الدوائر ومن ثم انتخاب المجلسين (بدأت مطالبات بتأجيل الانتخابات ثلاثة أشهر لتعديل القانون مما يعني أن المدة ستطول إلى 18 شهرا).
2. قانون الغدر... وما يمكن أن يترتب عليه من مواقف من أعضاء الحزب الحاكم المنحل وأعضاء مجلسي الشعب والشورى السابقين وأعضاء المجالس المحلية وقيادات الهياكل الإدارية في الدولة.
3. ثم "إعلان دستوري جديد" حسب ما أعلنه المجلس العسكري، ويرفضه الإخوان والسلفيون ويوعدون بموقف ضده (النظام يصارع النظام).
4. انتخابات مجلسي الشعب والشورى نهاية شهر نوفمبر.
5. حكومة جديدة تشكل بعد الانتخاب وتصبح مسؤولة أمام المجلس (وغير محدد هل هي حكومة الأغلبية أم ليس شرطا).
6. اختيار لجنة وضع الدستور (ورغم أن الإعلان الدستوري الحالي يحددها من مائة عضو من المنتخبين من المجلسين إلا أن الحديث الآن عن إعلان لقواعد جديدة قد يتضمنها الإعلان الدستوري المنتظر).
7. اللجنة تضع مشروع الدستور في ستة أشهر (وتحتاج مصر إلى رؤية اقتصادية واجتماعية ينتجها حوار يسبق الدستور ليتضمنها الدستور).
8. العدالة الاجتماعية وهي المطلب الغائب عن كافة الأحزاب رغم كونه هدفا أساسيا للثورة، ماذا نعني بها وكيف يمكن تحقيقها في إطار الرؤية الاقتصادية السابقة على مشروع الدستور.
9. الأمة تدرس مشروع الدستور الجديد وتناقشه في ستة أشهر.
10. الاستفتاء على الدستور.
11. انتخاب رئيس الجمهورية.
12. حل المجلسين وانتخاب مجلسين جديدين (أو واحد) طبقا للدستور الجديد.
13. نظام الحكم بوزارة تشكل طبقا للدستور الجديد.
هذه هي إجراءات المرحلة القادمة، وتتم خلال خمسة عشر شهرا.
وتبقى مهام تطهير النظام حائرة، وهي غير قابلة للانتظار:
1. تعديل كامب ديفيد، وهو ضرورة أمن وطن يمكن أن يتحقق داخله عملية البناء للنظام الجديد.
2. إعادة بناء وزارة الداخلية، وهي مهمة كان من الواجب أن تسبق عملية الانتخابات، (تم تعيين نفس اللواء الذي أشرف على تزوير انتخابات 2010 مشرفا على الانتخابات القادمة).
3. مواجهة حقيقة التنظيم السري داخل وزارة الداخلية ومخططاته وتصفيته.
4. مواجهة عمليات التمويل الخارجي وكشفها أمام الشعب.
5. إعادة هيكلة الإعلام المصري من حيث المضمون بالأساس.
6. تطهير القضاء.
7. تطهير جهاز الدولة.
8. حل إشكالية المحاكم العسكرية وما ترتب عليها من أحكام.
التمعن في المهام والإجراءات يخرجها من يد الثورة إلى يد القائمين على القرار السياسي والحكومة.
ولم يعد هناك من يرى أن الحكومة القائمة صالحة لمهام الثورة. والمجلس العسكري رغم موقفه يوم 28 يناير واصطفافه ببيانه الأول مع الثورة صار رهينة المشروع الأمريكي بضرورة تسليم الحكم إلى حكومة مدنية، ويقع تحت إرهاب أصوات داخلية يمثلها فلول النظام والتيار الديني إن هو أقدم على إعلان دستوري جديد، فكيف به يحمي الثورة وهو يقبل بإرهابهم، حماية الثورة ليست بمنع إطلاق الرصاص عليها، ولكن حماية الثورة بتحقيق أهدافها وتطهير أجهزة الدولة من عناصر الإفساد.
المشهد يحتاج حلا غير نمطي، يحتاج فعلا زخم الثورة الشعبي، ولكن هذا ليس بكاف لتصحيح الموقف، واسترداد المبادأة.
حجم المهام، والإجراءات والتسرع في أدائها، سيؤدي إلى عزل الشعب خارج الحياة السياسية وتسليمها إما إلى نخب عايشت النظام السابق إلا النذر القليل، أو أحزاب سيطر عليها النظام السابق أو ولدت في زمن الثورة دون الانتماء إليها فكرا أو إرادة، والدليل على هذا هو الانقلاب الذي يقوده الليبراليون والدينيون معا ضد الحق الذي حققته ثورة يوليو للعمال والفلاحين في التمثيل النيابي، وحديثهم المستمر على أن الحصص لفئات اجتماعية ضد الدستور، وهذه الأحزاب وتلك النخبة لم يمنعوا تسريح العمال من العمل أو الخصخصة أو استرداد أرض الإصلاح الزراعي من الفلاحين المنتفعين وتركوهم تحت طائلة الفقر والمرض.
حجم المهام وتشعبها وعزل الشعب عنها، يزيد من تعقيد الموقف.
السؤال الآن هل يمكن للمجلس العسكري أن يستعيد دور حماية الثورة، والانحياز إلى أهدافها والتي لا تتوقف عند تداول السلطة وتعديلاتها الدستورية؟
وهل يمكن للثورة أن تزيح وزارة شرف وتجد وزارة جديدة تعبر عنها؟
وثالثا هل يمكن للثورة أن تستدعي أصحاب المصلحة الحقيقة في الثورة، وأن تزيد من شعبيتها الفاعلة والمتحركة والمبادأة؟
وأخيرا هل يمكن أن ينتج الوقت المتاح جهدا لبناء آلية شعبية للثورة؟
صارت الوقفة الموضوعية مع النفس ضرورة حتى لا تضيع فرصة التغيير، وعندها سيكون القادم أسوأ، فمصر تبدو اليوم بين شقي رحى... وعي مفقود وتنظيم غائب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
5829
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1674
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
1044
| 09 أغسطس 2026