رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اللحظة الراهنة في مصر تحتاج التعامل الواضح والمباشر مع طبيعة المرحلة التي تمثل فيها الإجراءات ومهام الفترة الانتقالية حجما ضخما على أداء واجب من الأمة وخلال مدة زمنية محددة ويحمل من المتغيرات ما لم ينجز وما يجب إنجازه.
إن أي حديث يجب أن يرتكن إلى منطق يتيح للعقل أن يستسيغ ما يتضمنه ويقبل به، وحالة الشعب الذي يسمع طنينا ولا يرى طحنا في مصر، تشبه إنسانا وقعت في يده جمرة من نار وهو واقف وسط أرض مغطاة بسائل قابل للاشتعال، لا هو يتحمل الجمرة وهي تصل بحريقها إلى عظام الجسد، ولا يملك خيار تركها تسقط فوق الأرض ليحترق الجميع.
خمسة عشر شهرا قادمة تحمل في طياتها جدول أعمال طويلا يبدو في مجموعه مؤديا وللمرة الثانية إلى خديعة ديمقراطية الصناديق، وهرول الجميع خلف الانتخابات ونسوا أن النظام السابق قائم بكل عناصره وهو يدير المرحلة بكاملها.
تمر بالثورات لحظات فارقة، تكشف التراكم المؤدي إليها والبيئة التي تحدث فيها وقائع الثورة. ولعلنا لا نتجاوز حقائق التراكم المؤدي لثورة يناير 2011 وتنوعه إن حددنا أن له سمتين رئيستين، طبيعة التراكم الحركي والمعتمد أساسا على رؤى ترفض الفساد وترفض التعذيب، وأنها تمت في بيئة أصابت العمل السياسي بالتصحر، وهو أمر أدى بالثورة أن تتحمل عبء الفراغ التنظيمي في مصر والمعبر عن جوهر الهوية المصرية، ورؤى المجتمع الاجتماعية والاقتصادية، ولا يحاول أن يسقط عنها مكوناتها الحضارية ويستبدلها بمكون واحد سواء كان هذا المكون دينيا أو علمانيا.
التصحر السياسي وغياب الرؤى، كشف عجزا لدى قطاع عريض من النخبة والتي تراوحت بين رفض الخروج من البداية لتعود بعد انكشاف النظام لتنضم إلى مسيرة الثورة، أو هي خلال 18 يوما من التظاهر أعلنت أن ما تحقق من تعيين لنائب للرئيس أو إقالة حكومة أو اتجاه النظام السابق لتعديلات دستورية، قد تجاوز ما كانت تتوقعه، وأنه يجب عند تلك اللحظة التوقف.
هذه كشافات ضوء تؤكد أن الثورة كانت على النظام بأكمله وهي لم تستثن طرفا، ولكن في وطننا يبدو أن جينات التحول والادعاء تفوق قدرة العقل البشري على التذكر واتخاذ المواقف.
أكدت الأيام أنه لا أحد يحمل مشروعا للثورة مكتمل الأركان، وتمثل ذلك في انبهار جرى بشخص لأنه انضم إلى مسيرة لأساتذة الجامعة سارت إلى التحرير يوم 8 فبراير ورشحوه رئيسا للوزراء ضمن آخرين، ولم يحاول أحد أن يراجع تاريخه السياسي، ولا أن يتساءل هل هو من الثورة أو مصنوع لها ضمن فكرة صناعة الرئيس. وها هي مصر تعاني من وجود وزارة انتقالية برئاسته يسقط عنها الوعي بمعنى التغيير ومهامه، ويؤخذ عليها أنها تزيد الوضع الانتقالي سوءا بتمكين عناصر وقوى ورؤى النظام المنهار من السيطرة على مصر وتوجيه الأداء فيها بذات الأشخاص والسياسات بعد ثمانية أشهر من الثورة.
تحولت الثورة لدى النخبة إلى بوابة الدخول ضمن الطبقة الحاكمة وغابت مهامها بلا صاحب.
لم يخسر الشعب الثورة، ولكنه يواجه تحدي ميلاد تنظيماتها التي تحمل إستراتيجية "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية"، ومن ثم إيجاد قيادة للثورة لا يكون كل هدفها نقد ما كان ولا مجرد الولاية على ما حدث، كما هو حاصل الآن، ولكن برسم طريق الخلاص وإعادة البناء لا يثنيهم عنه تهديد من هنا أو هناك، بأن ما تطالبون به هو هدم للدولة كما العراق، وكأننا يجب أن نكون مستنسخين ولا نستطيع أن نخلق مثالا جديدا لتحقيق الثورة ونجاحها.
ولا تعتبر جمعيات حقوق الإنسان المدنية بديلا عن التنظيم السياسي رغم أنها استقطبت كوادر الحركة السياسية من اليسار واليمين وكانت بديلا لهم عن التنظيمات التي كانت عبئا سياسيا وأمنيا في مواجهة النظام البوليسي السابق، ولوجود مظلة خارجية تحول دون اقتناص النظام لهم، وهي تتحدث لغة يقبل بها الغرب بل ويقبل بها العدو، فهي لا تتحدث حديث الوطن في تحدي الوجود الصهيوني أو حديثا قوميا أو تبذل جهدا في تنظيم قوى الشعب الاجتماعية بمؤسسات يمكنها أن تقود عملية التغيير، ولكن حديثها عن حقوق إنسانية عامة وهي واجبة في إطار أي نظام ومهما كانت طبيعة هذا النظام.
النظام لم يسقط بل تتزايد قبضته وانفراده بالقرار، ونجح أن يضيف جديدا إلى المعادلة السياسية في مصر وهو ما تمثل في التيارات والأحزاب الدينية الباحثة عن حق في الوجود دون أن تقدم للشعب تفسيرا لمواقفها لحظة بداية الثورة أو أثناءها بل إنها حولت الوطن وقضايا الشعب إلى مطية للوصول إلى السلطة وهو ما يمكن أن يكون أذان بانفجار شعبي داخلي عندما تذهب السكرة.
ولعل نظرة أمينة على الاستفتاء الذي جرى حول تعديلات دستورية يرصد أن الشعب بعد 11 فبراير استبشر خيرا، وخرج إلى الإدلاء بأصواته، ولكن تزييف الوعي والإرادة والكذب كان وسيلة التيارات والتنظيمات الدينية، فكيف يمكن تقييمهم وهذا أداؤهم ضمن قوى الثورة، بمثل هذا المنهج وبغياب الرؤية الاجتماعية والاقتصادية التي تعني الحق في الحياة والفرص المتكافئة بين أبناء الوطن الواحد، بل هم استعاروا من نظام مبارك فكرة الإحسان بديلا للعدالة الاجتماعية، وجل همهم إقامة حكم إسلامي وشواطئ حلال أي شواطئ لا ترتدي فيها النساء "المايوه البكيني" كما قال وكيل مؤسسي حزب الإخوان "العدالة والحرية" ومرشح ديني لانتخابات الرئاسة.
أسقطوا عن مصر هويتها "الإسلامية المدنية" من قبل أن يكون لهم وجود، وانحرفوا بالجهد الوطني إلى صراع بين إسلامي ومدني، وجميعهم بما يعلنون غرباء على المجتمع وقضاياه.
ولعله يكون مفيدا لنا أن نعرض لجدول المهام والإجراءات خلال الفترة القادمة ولنبحث أين هو موقع الثورة والشعب فيه:
1. قانون انتخاب مجلسي الشعب والشورى وتقسيم الدوائر ومن ثم انتخاب المجلسين (بدأت مطالبات بتأجيل الانتخابات ثلاثة أشهر لتعديل القانون مما يعني أن المدة ستطول إلى 18 شهرا).
2. قانون الغدر... وما يمكن أن يترتب عليه من مواقف من أعضاء الحزب الحاكم المنحل وأعضاء مجلسي الشعب والشورى السابقين وأعضاء المجالس المحلية وقيادات الهياكل الإدارية في الدولة.
3. ثم "إعلان دستوري جديد" حسب ما أعلنه المجلس العسكري، ويرفضه الإخوان والسلفيون ويوعدون بموقف ضده (النظام يصارع النظام).
4. انتخابات مجلسي الشعب والشورى نهاية شهر نوفمبر.
5. حكومة جديدة تشكل بعد الانتخاب وتصبح مسؤولة أمام المجلس (وغير محدد هل هي حكومة الأغلبية أم ليس شرطا).
6. اختيار لجنة وضع الدستور (ورغم أن الإعلان الدستوري الحالي يحددها من مائة عضو من المنتخبين من المجلسين إلا أن الحديث الآن عن إعلان لقواعد جديدة قد يتضمنها الإعلان الدستوري المنتظر).
7. اللجنة تضع مشروع الدستور في ستة أشهر (وتحتاج مصر إلى رؤية اقتصادية واجتماعية ينتجها حوار يسبق الدستور ليتضمنها الدستور).
8. العدالة الاجتماعية وهي المطلب الغائب عن كافة الأحزاب رغم كونه هدفا أساسيا للثورة، ماذا نعني بها وكيف يمكن تحقيقها في إطار الرؤية الاقتصادية السابقة على مشروع الدستور.
9. الأمة تدرس مشروع الدستور الجديد وتناقشه في ستة أشهر.
10. الاستفتاء على الدستور.
11. انتخاب رئيس الجمهورية.
12. حل المجلسين وانتخاب مجلسين جديدين (أو واحد) طبقا للدستور الجديد.
13. نظام الحكم بوزارة تشكل طبقا للدستور الجديد.
هذه هي إجراءات المرحلة القادمة، وتتم خلال خمسة عشر شهرا.
وتبقى مهام تطهير النظام حائرة، وهي غير قابلة للانتظار:
1. تعديل كامب ديفيد، وهو ضرورة أمن وطن يمكن أن يتحقق داخله عملية البناء للنظام الجديد.
2. إعادة بناء وزارة الداخلية، وهي مهمة كان من الواجب أن تسبق عملية الانتخابات، (تم تعيين نفس اللواء الذي أشرف على تزوير انتخابات 2010 مشرفا على الانتخابات القادمة).
3. مواجهة حقيقة التنظيم السري داخل وزارة الداخلية ومخططاته وتصفيته.
4. مواجهة عمليات التمويل الخارجي وكشفها أمام الشعب.
5. إعادة هيكلة الإعلام المصري من حيث المضمون بالأساس.
6. تطهير القضاء.
7. تطهير جهاز الدولة.
8. حل إشكالية المحاكم العسكرية وما ترتب عليها من أحكام.
التمعن في المهام والإجراءات يخرجها من يد الثورة إلى يد القائمين على القرار السياسي والحكومة.
ولم يعد هناك من يرى أن الحكومة القائمة صالحة لمهام الثورة. والمجلس العسكري رغم موقفه يوم 28 يناير واصطفافه ببيانه الأول مع الثورة صار رهينة المشروع الأمريكي بضرورة تسليم الحكم إلى حكومة مدنية، ويقع تحت إرهاب أصوات داخلية يمثلها فلول النظام والتيار الديني إن هو أقدم على إعلان دستوري جديد، فكيف به يحمي الثورة وهو يقبل بإرهابهم، حماية الثورة ليست بمنع إطلاق الرصاص عليها، ولكن حماية الثورة بتحقيق أهدافها وتطهير أجهزة الدولة من عناصر الإفساد.
المشهد يحتاج حلا غير نمطي، يحتاج فعلا زخم الثورة الشعبي، ولكن هذا ليس بكاف لتصحيح الموقف، واسترداد المبادأة.
حجم المهام، والإجراءات والتسرع في أدائها، سيؤدي إلى عزل الشعب خارج الحياة السياسية وتسليمها إما إلى نخب عايشت النظام السابق إلا النذر القليل، أو أحزاب سيطر عليها النظام السابق أو ولدت في زمن الثورة دون الانتماء إليها فكرا أو إرادة، والدليل على هذا هو الانقلاب الذي يقوده الليبراليون والدينيون معا ضد الحق الذي حققته ثورة يوليو للعمال والفلاحين في التمثيل النيابي، وحديثهم المستمر على أن الحصص لفئات اجتماعية ضد الدستور، وهذه الأحزاب وتلك النخبة لم يمنعوا تسريح العمال من العمل أو الخصخصة أو استرداد أرض الإصلاح الزراعي من الفلاحين المنتفعين وتركوهم تحت طائلة الفقر والمرض.
حجم المهام وتشعبها وعزل الشعب عنها، يزيد من تعقيد الموقف.
السؤال الآن هل يمكن للمجلس العسكري أن يستعيد دور حماية الثورة، والانحياز إلى أهدافها والتي لا تتوقف عند تداول السلطة وتعديلاتها الدستورية؟
وهل يمكن للثورة أن تزيح وزارة شرف وتجد وزارة جديدة تعبر عنها؟
وثالثا هل يمكن للثورة أن تستدعي أصحاب المصلحة الحقيقة في الثورة، وأن تزيد من شعبيتها الفاعلة والمتحركة والمبادأة؟
وأخيرا هل يمكن أن ينتج الوقت المتاح جهدا لبناء آلية شعبية للثورة؟
صارت الوقفة الموضوعية مع النفس ضرورة حتى لا تضيع فرصة التغيير، وعندها سيكون القادم أسوأ، فمصر تبدو اليوم بين شقي رحى... وعي مفقود وتنظيم غائب.
السودان الذي سقط من الذاكرة
عام 2026 يوشك أن ينتصف وأزمة السودان التي تفجرت منذ 15 إبريل 2023 وحتى الآن تتفاقم ولم تجد... اقرأ المزيد
9
| 16 مايو 2026
السلوكيات اليابانية وواقعنا الخليجي
تجربة اليابان في النظافة والانضباط ليست مجرد صورة جذابة يتداولها الناس في وسائل التواصل، بل هي نموذج حضاري... اقرأ المزيد
6
| 16 مايو 2026
دول مجلس التعاون الخليجي.. ونجاح تجنب فخ الحرب!!
رغم تقاطع المواجهات الأمريكية-الإسرائيلية-على إيران، والضغوط الهائلة، والاستفزازات الأمنية، والتصعيد الإعلامي والعسكري المتكرر نجحت دولنا الخليجية بموقف استراتيجي... اقرأ المزيد
12
| 16 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4716
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4632
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1539
| 13 مايو 2026