رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رحيل الفارس النبيل خالد عبدالناصر عن دنيانا إلى رحاب ربه، استدعى ذكريات بدأت معه منذ 28 سبتمبر 1971 حين جاء مدعوا إلى "لقاء ناصر الفكري" الأول بجامعة عين شمس. كان بيننا حوار أحببت فيه ذلك المتواضع والذي لا يضع قدمه في غير مكان قرره هو. كانت كلماته ببساطتها تحمل يقين انحياز لوطن وأمة.
كان يمكنه أن يعيش على إرث أبيه، ولكنه لم يفعل رغم أن الكثيرين ممن مارسوا السياسة تحت اسم الناصرية كانوا يحيون على الإرث دون الإضافة الفكرية أو الحركية، وتجمدت العروق والشرايين في الأجساد،
قال يوما "أمام عيني انديرا غاندي ووليد جنبلاط... ولكنها مصر.."، أدرك أنه ليس كافيا أن تكون مجرد ابن لزعيم كي يكون لك دور منتج لقضية، ولن يخدم قضيتك أنك الابن ولكن يخدم قضيتك ما تستطيع فعله. ويوما كان المتحاورون معه، وعددهم لم يتجاوز الخمسة، قد أضفوا بالتحليل السياسي والجدل سواد العجز ويتساءلون ما العمل؟ وإذا به يجيب "في حلبة سباق السيارات عندما تجد حادثة إلى جوارك، اضغط على "دواسة" البنزين لتزيد السرعة فالآخرون رفعوا أقدامهم عن البنزين" وصمت، وصارت هذه المقولة التكتيكية حجتي أمام أي إدعاء بالعجز.
واقعة أخرى جرت قبل وقائع "ثورة مصر" تؤكد أنه لا يمنعه أي شيء حتى الفداء بالروح، وكانت الواقعة أيضا في أول شهر سبتمبر 1981، واستقر في اليقين أنه لم يعد هناك من سبيل لاستعادة مصر إلا بعمل غير نمطي، لم يرتعش ولم يتردد، شارك بالكثير، من حيث الأدوات والمعلومات، ولكن أُحبط الأمر لأسباب في البشر ولم يكد يمضي شهر حتى تمت واقعة المنصة واغتيال السادات تعبيرا عن إرادة أمة وليس جنوح فرد، وكأنه مكافأة من السماء لحلم فارس نبيل، أعد له ولم يتمكن منه.
يوم عاد من يوغسلافيا منفاه الاختياري بعد كشف تنظيم ثورة مصر، علمت مساء الخميس من الصحف، ومبكرا في اليوم التالي كنت أطرق باب منزل صديق مشترك، الذي عقب على ما رويته بقوله أمامنا طريق واحد، أن نذهب إلى بيته فورا، وهو ما فعلناه، وخرجنا لصلاة الجمعة معا وخلفه حرس عين لحمايته من مخاطر صهيونية متوقعه، وما أن انتهت الصلاة إذا به ينفرد بالحرس جانبا، وعاد إلينا ليقول: كنت أطمئن علي الرجالة جوه (أي عناصر تنظيم ثورة مصر) لنوفر لهم احتياجاتهم.
تجسد في شخص خالد عبدالناصر ميزة نسبيه أنه ابن جمال عبدالناصر، وهي تكسبه إمكانية أن يكون مركز ثقل، وتخدمه إن أراد تحقيق فرصة الظهور القيادي، ولكنه تجاوزها ليصنع بذاته ميزة تنافسيه تفردت بطبيعة مواقفه المتنامية وفي اتجاهات عديدة، بل كان يأبى أن يطرح نفسه قيادة لتيار سياسي يتخذ من صورة والده وشعاراته الفكرية من دون ترجمتها إلى مهام يلتزمون بها، مبررا للوجود. اتخذ خالد لنفسه موقعا في الظل، من غير تقاعس عن أي أداء يدعم هذا التيار، ودون أن يكون هذا جل موقفه، استكشف حدود القدرة وعندما وجد أن يقينه يفرض أدوارا أخرى بعيدة عن إمكانات من تعامل معهم، اختار من يملكون القدرة من خارج هذا التيار، وتجسد هذا الأمر في تنظيم "ثورة مصر".
وكأن السماء تكافئه ورفاقه في ثورة مصر، فتسحب إسرائيل سفيرها بعد أن استباح المصريون سفارتها، قبل رحيله إلى رحاب ربه بستة أيام.
وقائع كثيرة إن عددناها لن يتسع لها المقال، ولكنها جميعا تقول من كان هذا الرجل. وأن ما ورثه عن جمال عبدالناصر هو القدرة على قراءة احتياج الوطن رغم ضجيج بورصة الأوراق السياسية، وأن يلتزم بما يمليه الاحتياج الوطني أيا ما كان حتى حمل السلاح، ولكنه أيضاً كان محددا أن الرصاص يوجه في صدر العدو، وكشف سلوك راق لتنظيم "ثورة مصر" هذا الأمر عندما تزامن عام 1986 أن أطلقت رصاصات على سيارة رئيس تحرير مجلة "المصور" المصرية، وكان وقتها نشاط التنظيم عالي الأداء في مواجهة الصهاينة، أرسل التنظيم باقة ورد إلى رئيس التحرير وهنأه بسلامته، وكان تصرفا مختلفا وجديدا على مصر.
مثل خالد عبدالناصر تبكيه عين الرفيق والصديق ويزداد الألم عندما تكون قد اكتشفت الصدق في العمل والإرادة. هو في دار الحق، ولا نملك غير أن ندعوا له بالرحمة، ولكني على ثقة مما مر به من مواقف وما اتخذه من أفعال أنه كان يملك جسارة وانتماء للوطن ويدرك من هو العدو، ويعي معنى الشعب وينتمي إلى فقراءه كما كان أبوه.
كتب إلى الصديق المشترك بعد تبادل التعزية قائلا: هل يمكن مقارنة دور ووعي من أسهم لدعم حركة شعبية وقياداتها في الجامعات والمواقع الشعبية وكذلك ثورة مصر دون النظر لموقع أو مكسب سياسي، وبين هؤلاء الذين لم يستوعبوا درس الثورة الأبدي ومازالوا يتصارعون لتصفية من يخالفهم الرأي -على مستوى الوطن- أو على زعامة تكوينات سياسية يعتبرها الشعب الآن "تحت التاريخ"? وأجبته بالقطع الإجابة "لا".
رحل خالد إلى رحاب ربه في لحظة يسود مصر الوطن هدوء مريب وحالة من الترقب تصل إلى حد التربص، بديلا عن وعي بالمرحلة ومسؤولياتها، تملأ الأفق بأسئلة حول إلى أين المسير؟، حتى أن هتافات انطلقت في موكب الجنازة بدت وكأنها خارج سياق قداسة الموت، وحالة الوطن، فالأوطان لا تتغير بالهتاف، ولكن الأوطان تتغير بتحقيق المهام أيا كان الثمن، وتتغير الأوطان بالوعي بحقائق القوة فوق الأرض والقدرة على تغيير ميزان القوى لصالح عملية التغيير.
لم تكن قيمة خالد أنه ابن جمال عبدالناصر، ولا إدعاؤه أنه ناصري، ولكن قيمته كانت في أدائه وفي التزامه بممارسة مهام الاستقلال الوطني. والغريب أن البعض ممن اكتسبوا قيمتهم السياسية لأنهم أعلنوا الالتزام بالناصرية، تخلوا عنها على الباب المخملي للترشح للرئاسة بعد الثورة وتركوا مهام التغيير جانبا، واشتبكوا مع مهام الوجاهة السياسية دون إنجاز حقيقي لصالح القوى الاجتماعية وأولها السعي لتنظيمها في أطر تعبر عنها.
الهدوء المريب الذي يحتوي مصر تلوح في أفقه أسئلة عديدة، تجهد الضمير المصري وهو يرى الفترة الانتقالية تنقضي دون أن يملك تفسيرا لغياب دلالات التغيير الاجتماعي، ولعله أصابته نشوة الإطاحة برأس النظام فأغرقته الرمال المتحركة لغياب التنظيم.
هل تغير ميزان القوى داخل المجتمع لصالح الشعب؟ هل فتح طريق أمام القوى الاجتماعية في المجتمع لتعبر عن نفسها؟ هل نزعت أنياب النظام السابق داخل مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن؟ هل استردت ثروة الوطن التي حولها النظام السابق إلى ثروات فردية للموالين له؟
من الذي استبدل الشرعية الثورية بوجوب تسليم السلطة إلى حكومة مدنية (غير عسكرية) لا تمثل غير ذاتها وهي غايتها، سواء تشكلت أحزابها قبل الثورة أو بعدها؟، ومن استبدل الخصومة مع النظام السابق إلى خصومة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة؟ وكأننا أمام مغامرة بالوطن كله وبالثورة الشعبية، مغامرة "غير عسكرية" في حالة مصر، رغم أن كل المغامرات السابقة في التاريخ كانت "عسكرية"؟ ثم هل حياد المجلس الأعلى مكسبا أم أن عدم انحيازه هو الخسارة؟ ومن الذي يسعى لإحداث فجوة تصديق بين المجلس والثورة؟ ولمصلحة من؟
هل كل الطنين والجعجعة بلا طحن من الأحزاب والنخب وحتى المرشحون الحالمون بالرئاسة تحمل في طياتها التزاما موضوعيا ومسؤولا تجاه الثورة؟
هل هناك حزب أو فصيل أو أحد من النخبة قدم مصلحة الوطن، على مصلحة آنية لما ينتمي إليه؟ هل الغاية العليا للثورة تتمثل في مجرد تداول السلطة؟ أليس هذا مؤشرا على غياب الثورة بمفهومها العلمي في كونها علم تغيير المجتمع؟ ثم ما مشروعية مطالبتهم بانتخابات نيابيه بالقائمة النسبية فقط؟ وهل استقرت الحياة الحزبية وتكافأت الفرص، أم هو جشع من لا يستحق تحت إدعاء مقاومة تسلل عناصر النظام السابق وحزبه؟ أليس من الأجدى استكمال التطهير فبل الانتخابات؟
هل الهتاف الإخواني "مصر وتركيا عاوزنها خلافة إسلامية"، يعبر عن الوطنية المصرية؟
هل استبدلنا عجز الاتفاق على قيادة واحدة لمصر الثورة، بالانحياز إلى قيادة تركية تتحرك وفق مصالحها الوطنية والإقليمية؟
إن ذلك كله يضعنا أمام السؤال الأم إن جاز التعبير، وهو هل الثورة كائن مسؤول بذاته، أم أنها تعبير لفظي عن حالة ومجموعة من الشروط الموضوعية؟
الثورة هي ثلاثة أبعاد تجتمع معا، شعب وقيادة وبرنامج عمل.
الشعب ليس تراكما مبنيا للمجهول، ولكنه كان تلك السبيكة الرائعة والعابرة لحالة العجز السياسي والحزبي التي كانت سائدة قبل يناير، وأكثر من هذا فإن هذه السبيكة الشعبية أوجدت حلمها وذهبت إليه رغم أنها لم تر المهام التي يفرضها نجاحها في إسقاط السلطة وأولها "تولي السلطة بديلا عما كان لصالح مهام المرحلة الانتقالية"، وكانت المهمة الأولى الواجبة في المرحلة الانتقالية هي إعادة تكوين السبيكة على أساس اجتماعي معبر عن القوى الاجتماعية، وهو أيضاً لم يتحقق لأن تلك القوى الاجتماعية كانت مفككة من أثر ممارسات الفترة السابقة وغياب المؤسسات المعبرة عنها والتي كان يمكنها أن تنتج قيادات لها.
والقيادة ليست أفرادا دون مؤسسة تنظيمية، وبرنامج العمل ليس مجرد شعار "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" الذي أخذناه كغاية عليا للثورة، لأنه لم تتم ترجمته إلى مجموعة من المهام لبناء دولة الثورة.
انقضت الفترة الانتقالية واصلة إلى انتخابات عزلت عنها القوى الشعبية التي خاضت معركة الإطاحة بالنظام، ورغم جهد بذله أهل القانون الدستوري ما كانت هناك فسحة للمبادئ الدستورية المؤسسة للدولة والتي يتوقع الإعلان عنها قبل الانتخابات، إلا أن أهل التحرير أخذتهم جل القضايا الثانوية التي واجهوها منفردين دون تنظيم ولا مشاركة من أحزاب اكتفت بحلم الوصول إلى البرلمان أو كرسي الرئاسة، فلم تصل حركتهم إلى إنجاز يقرب قوى المجتمع في كيانات معبرة عنها، وزادت الفجوة بين أهل التحرير وبين أصحاب المصلحة من الشعب.
رحيل الفارس وسط الهدوء المملوء بعلامات الاستفهام كحبات عاصفة رملية تقتل الحياة يستدعي إدراك المهمة الملحة على قوى المجتمع الحقيقية أن تبحث عن "فدائي الثورة" الذين يرون العمل العام نوعا من التضحية في وطن مثل مصر يحتاج إلى رجال بأحجام الحوادث والوعي بحق كل الشعب، وليس البعض منه، فالقادم إن لم يحمل في طياته إجابة عن الأسئلة الحائرة، فهو يفتح الباب لعنف غير مسبوق حتى وإن طال بنا الزمن.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
886
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
649
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
552
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1443
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1128
| 11 أكتوبر 2026