رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سيؤرخ ليوم التاسع من سبتمبر أنه يوم تقلب الأوجه، فقد بدت بشائره من قبله واستمرت ردود الأفعال بعده، وهو يوم يجب إعادة قراءة وقائعه بعد أن تستقر العواصف الكلامية المحيطة بأحداثه.
شهدت الفترة السابقة للثورة وما تلاها استخدام تسجيلات الفيديو في الدعوة للحشد أو التعليق على الأحداث، وظهرت تسجيلات من ضباط سابقين بالشرطة والجيش وهم بالخارج كانت تحمل أحاديث توحي أنهم يملكون معلومات من مصادر تملك معلومات، وكانت هذه التسجيلات عبئا على الثورة، وإن توافق بعض ما تقول به مع وقائع تحدث على الأرض هو مجرد استنتاجات مسبقة وفقا لمنطق سير الأحداث، ويبدو أن هذه التسجيلات والتي نادت بالهجوم على مراكز الشرطة هي التي دعت إلى إصدار بيان من المجلس العسكري يحذر من ذلك ويؤكد على حق التظاهر السلمي، وترك تأمين اليوم للمتظاهرين، وأعلنت الداخلية سحب كل مظاهر الأمن من التحرير ومن الشوارع، وكأنهم جميعا يخلون بين المتظاهرين وبين أي احتمال للفوضى.
وحدث صدام بين قوات الأمن وألتراس النادي الأهلي بسبب هتافات للألتراس خلال مباراة جرت قبل يوم الجمعة ضد وزير الداخلية السابق والرئيس السابق، وبدت الأمور يومها وكأن هناك تربصا من الشرطة تجاه الجمهور.
وتبدو الصورة المكملة للأحداث ما بعد يوم 9 سبتمبر، فبعد منتصف ليلة 9/10 سبتمبر كانت الجزيرة مباشر مصر تنقل وقائع عنف شديدة تجاه المتظاهرين تحدث في شارع مراد وميدان نهضة مصر، وكان المبرر أن المتظاهرين هاجموا المديرية، وبدا أن الأمر ليس دفاعا عن المديرية ولكنه استهداف للمتظاهرين بعنف وكما يقولون "غير مبرر".
كان المشهد تكرارا ليوم 28 يناير، قوات الأمن المركزي تطلق قنابل الغاز بكثافة والرصاص الخرطوش وموجات من البلطجية تتقدم من خلف صفوف الأمن تهاجم وتعود ثانية لتفسح مكانا لمدرعات الشرطة لتهاجم المتظاهرين.
وتصل حصيلة المصابين إلى 1050 مصابا وثلاث حالات وفاة. ويصرح رئيس مصلحة الطب الشرعي أن الثلاثة قتلوا نتيجة إصابة كل منهم بطلقة واحدة من الرصاص الحي، إصابتان بالرأس وواحدة بالصدر، أي أنه فعل قنص مباشر ومتعمد، وأعمار المتوفين 23 سنة!
وأعلنت الداخلية حالة الطوارئ، فالداخلية لا تتحرك في مواجهة الانفلات الأمني والبلطجة التي أصابت كل مصر، وتعلن الطوارئ في مواجهة المتظاهرين. وحتى اللحظة لا يستطيع أحد أن يسرد وقائع ما جرى أمام مديرية أمن الجيزة، فالأمر لم ينقل بالفضائيات لأن العيون كانت موجهة إلى ما يجري أمام السفارة الإسرائيلية.
يبقى لاستكمال المشاهد ليوم 9 سبتمبر واقعتان حدثتا أولاهما صباحية وتكررت والأخرى مسائية بعد انتهاء الحشد في التحرير.
الواقعة الأولى هي مظاهرات تخرج من التحرير إلى مبنى وزارة الداخلية وهي على مسافة 500 متر من الميدان، وتردد أمام الوزارة هتافات ضد العادلي لتعود ثانية إلى التحرير ويتكرر المشهد عدة مرات، بينما عناصر من المتظاهرين تصنع درعا بشريا لحماية الوزارة وهو ما لم يمنع من إسقاط شعار الوزارة عن بوابتها الرئيسية.
والواقعة الثانية هي توجه مظاهرات متتالية إلى مبنى السفارة الإسرائيلية لهدم سور عازل خرساني أقامته محافظة الجيزة أمام السفارة لتأمينها، وتحقق هدفها وتهدم السور، ويتصاعد الموقف ليلا، ويتسابق الشباب للصعود إلى حيث العلم الإسرائيلي وينزلوه، غير أن الأمر يتطور ويجد الشباب طريقهم للدخول إلى إحدى شقق السفارة وبها مستندات يلقون بها إلى الشارع.
هكذا كانت البدايات والنهايات ووقائع تخللت اليوم جميعها خارج الحشد الرئيسي لجمعة تصحيح المسار، والواضح أن هناك حقيقتين يجب رصدهما أيضا، أولاهما البيانات السابقة واللاحقة حول مواجهة أي خروج أو تعدي على المواقع الحكومية والمنشآت العامة، واستعادت الشرطة ذات السلوك الذي كان قبل 25 يناير وبذات الصورة الإجرامية وبتعمد وبتجاوز، ويصل الأمر بوزير الداخلية في وزارة "الثورة" أن يعلن أن منشآت الداخلية "خط أحمر"، وهو ذات الوزير الذي قال من قبل إن وزارة الداخلية ليس بها "قناصة"، وهو الوزير الذي أنيط به تطهير الوزارة وإعادة هيكلتها. كثرت الخطوط الحمراء بينما وزارة تسيير الأعمال تتوعد المتظاهرين، وتتخبط في مهام الفترة الانتقالية. والثانية تفعيل قانون الطوارئ الذي كان إلغاء العمل به مطلبا لكل حشود الثورة. هكذا تقلبت الأوجه واستعادت الوزارة الوجه القبيح للنظام السابق وعن تعمد، ويكون الإجراء الأول هو إغلاق مكتب الجزيرة مباشر مصر عقابا لها لنقلها تفاصيل الأحداث ليلة 9/10 سبتمبر كاملة دون غيرها من القنوات الرسمية والخاصة، حتى وصل الأمر بالأستاذ حازم أبو إسماعيل المرشح للرئاسة أن يقول معني إغلاق مكتب الجزيرة مباشر هو الإعداد لمواجهات قادمة والحيلولة دون نقلها.
تقلب الأوجه تجاه وقائع تلك الليلة ينم عن فجوة واسعة بين الحركة الشعبية وما يكمن في صدرها من مخزون الغضب وما يمكنها أن تنتج من أفعال، لانعدام الشفافية والتواصل بين قيادة المرحلة الانتقالية والشعب، وعدم اتخاذ إجراءات لصالح الثورة حتى بدت قيادة تسعى لإعادة النظام السابق الذي يترنح تحت موجات الغضب الشعبي للحياة، وهدفها الأول إيقاف الموجات الشعبية وحصارها، وتتزايد الفجوة اتساعا، والسؤال من المسؤول عن هذه الفجوة؟ ولمصلحة من؟
وطال أمر تقلب الأوجه مجموعات وائتلافات، سارعت إلى رفض ما جري وكأنها تضع إصبعها في عينها، فتسير حركة 6 أبريل على نهج ما ادعته وزارة الداخلية أن وقائع ما جرى عند السفارة الإسرائيلية هو فعل من أيدي خارجية!، وهي الحركة ذاتها التي اتهمت بأنها صناعة خارجية وتمول من الخارج ووقف الجميع دفاعا عنها. ويعلن بعض من أعضاء ائتلافات تشكلت بعد الثورة أن من قاموا بالدخول إلى السفارة ليسوا من الثوار، وكأن الله لا يمهلهم ويخرج الدكتور تقادم الخطيب عضو الجمعية الوطنية للتغيير في حديث مع جريدة الجمهورية القاهرية يوم الأحد 11 سبتمبر أنه هو من قاد الدخول إلى السفارة، وأنهم لم يرغبوا في حرق السفارة لأنهم لا يسعون إلى تدمير، ويقول البعض الآخر إن هذا من فعل فلول الحزب الوطني، وكأن البلطجية التي كانوا مصاحبين للأمن المركزي كانوا من الثوار.
وقال البعض بحقيقة الأمر، إن المفجر الحقيقي للموقف من السفارة الصهيونية، هو تباطؤ المجلس العسكري عن اتخاذ موقف بشأن طرد سفير العدو في أعقاب اختراق العدو بجنوده وطائرة أباتشي وقتلة لضابط وخمسة جنود مصريين، توفي آخرهم صباح السبت 10 سبتمبر في المستشفى متأثرا بجراحه، فالله أيضاً لا يمهلهم فرصة لنسيان الأمر ويعيد تذكرتهم بواقعة الوفاة الأخيرة بعد ساعات من وقائع السفارة. ومما زاد الاستفزاز هو بناء سور خرساني محيط بالسفارة.
ويشرح الأستاذ الدكتور أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي أن اتفاقية فيينا 1961 تضمن سلامة السفارات وأنه خلال الخمسين عاما السابقة تم اقتحام خمس سفارات فقط، ويعود إلى خبر لم يعلن أن لجنة إسرائيلية كانت قد وصلت إلى مصر للاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة مصرية إسرائيلية للتحقيق في مقتل الجنود المصريين، وكانت الصحف الإسرائيلية قد أشارت أنها لجنة مشتركة للتحقيق في حادث الهجوم في جنوب إيلات ومقتل ثمانية جنود وإصابة 23 وما ترتب عليه، ولم تشر أي جهة مصرية إلى اللجنة أو ما جرى في مباحثاتها داخل مصر، ومن يتجاهل الشعب والرأي العام بعد يناير 2011 يتحمل ردود الفعل أيا كان مداها، فالشعب لم يسقط نظاما مستبدا وأسقط إرادته وكرامته ليستبدله، ولم يجف دم شهداء ثورته بعد، بنظام مماثل.
وهكذا صار الشعب المصري ليس مجرد جماهير تطالب باستكمال الثورة، ولكن جرى "الاستعباط" أنه خالف معاهدة فيينا ووجب تطبيق البند السابع عليه وهو التعامل معه بالقوة المسلحة!، ولم يعد أحد إلى حقيقة أن الثورة تحاول تصحيح خيانة السياسة للسلاح والتي جرت في أعقاب حرب 1973، وأن الشعب يطالب باسترداد السيادة الوطنية على كل سيناء.
وخرج وزير إعلام حكومة تسيير الأعمال كنذير شؤم مرات متتالية كل مرة يزيد الصورة سوادا، وكتلميذ لا يملك ملكة الإلقاء يزف المصيبة تلو الأخرى وبتعبيرات تتطابق تعبيرات من سبقوه في منصبة طوال 30 عاما. ولا يكتفي بهذا بل يتجاوز كل الأعراف ويصف اقتحام المتظاهرين لمقر السفارة الإسرائيلية في القاهرة بأنه عمل إجرامي تخريبي، ولا علاقة له بثورة 25 يناير، ولو كان هو وحكومته لهم أية علاقة بثورة يناير لما كانت تلك لغته. والتقط منه الخيط وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ليسب آلاف المصريين الذين تظاهروا، أمام مقر السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، ويصفهم بأنهم "رعاع"، زاعماً أن حراس أمن سفارة تل أبيب في مصر واجهوا الرعاع المصريين بكل شجاعة وقوة.
هكذا كان تقلب الأوجه، ولو كانت جمعة تصحيح المسار لم تنجز سوى كشف هذه الأوجه المستعارة، لكان هذا كافيا.
ولعل كل المتحدثين عن دور أمريكي لصالح الشعوب يدركون حقيقة تباين الموقف الأمريكي عندما وصف الاختراق الإسرائيلي للأراضي المصرية بحق إسرائيل في مواجهة الإرهاب، ومسارعته إلى مطالبة مصر بحماية السفارة، ليس الكيل بمكيالين، ولكنه حقيقة الوجود الإسرائيلي والدعم الأمريكي له دون اعتبار للسيادة المصرية على أراضيها.
هكذا بات واضحا أن حماية الثورة هي مهمة الشعب، ولا يجب الارتكان إلى أحد غيره لحمايتها وتحقيق مطالبها، وما جرى وحجم العنف الذي استخدم، مؤشرا واضحا عن طبيعة المواجهة بين الثورة وإدارة المرحلة الانتقالية، وعلى كل من استأنستهم الأيام والأشهر الماضية، وأكلت مطامعهم ألسنتهم، أن يدخلوا في حساب الثورة أو سيسقطهم الشعب من حسابه.
وهكذا تحولت جمعة تصحيح المسار إلى جمعة تقلب الأوجه، وصارت الحاجة إلى استرداد الثورة ثانية، واسترداد المبادأة.
حقيقة أليس من الضروري أن تكون هناك نسبة بين أحجام الرجال وأحجام الحوادث؟ فلنفتش عن الرجال ونغير حكومة تزييف الأعمال القائمة.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
537
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34626
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10203
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8265
| 03 سبتمبر 2026