رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سيؤرخ ليوم التاسع من سبتمبر أنه يوم تقلب الأوجه، فقد بدت بشائره من قبله واستمرت ردود الأفعال بعده، وهو يوم يجب إعادة قراءة وقائعه بعد أن تستقر العواصف الكلامية المحيطة بأحداثه.
شهدت الفترة السابقة للثورة وما تلاها استخدام تسجيلات الفيديو في الدعوة للحشد أو التعليق على الأحداث، وظهرت تسجيلات من ضباط سابقين بالشرطة والجيش وهم بالخارج كانت تحمل أحاديث توحي أنهم يملكون معلومات من مصادر تملك معلومات، وكانت هذه التسجيلات عبئا على الثورة، وإن توافق بعض ما تقول به مع وقائع تحدث على الأرض هو مجرد استنتاجات مسبقة وفقا لمنطق سير الأحداث، ويبدو أن هذه التسجيلات والتي نادت بالهجوم على مراكز الشرطة هي التي دعت إلى إصدار بيان من المجلس العسكري يحذر من ذلك ويؤكد على حق التظاهر السلمي، وترك تأمين اليوم للمتظاهرين، وأعلنت الداخلية سحب كل مظاهر الأمن من التحرير ومن الشوارع، وكأنهم جميعا يخلون بين المتظاهرين وبين أي احتمال للفوضى.
وحدث صدام بين قوات الأمن وألتراس النادي الأهلي بسبب هتافات للألتراس خلال مباراة جرت قبل يوم الجمعة ضد وزير الداخلية السابق والرئيس السابق، وبدت الأمور يومها وكأن هناك تربصا من الشرطة تجاه الجمهور.
وتبدو الصورة المكملة للأحداث ما بعد يوم 9 سبتمبر، فبعد منتصف ليلة 9/10 سبتمبر كانت الجزيرة مباشر مصر تنقل وقائع عنف شديدة تجاه المتظاهرين تحدث في شارع مراد وميدان نهضة مصر، وكان المبرر أن المتظاهرين هاجموا المديرية، وبدا أن الأمر ليس دفاعا عن المديرية ولكنه استهداف للمتظاهرين بعنف وكما يقولون "غير مبرر".
كان المشهد تكرارا ليوم 28 يناير، قوات الأمن المركزي تطلق قنابل الغاز بكثافة والرصاص الخرطوش وموجات من البلطجية تتقدم من خلف صفوف الأمن تهاجم وتعود ثانية لتفسح مكانا لمدرعات الشرطة لتهاجم المتظاهرين.
وتصل حصيلة المصابين إلى 1050 مصابا وثلاث حالات وفاة. ويصرح رئيس مصلحة الطب الشرعي أن الثلاثة قتلوا نتيجة إصابة كل منهم بطلقة واحدة من الرصاص الحي، إصابتان بالرأس وواحدة بالصدر، أي أنه فعل قنص مباشر ومتعمد، وأعمار المتوفين 23 سنة!
وأعلنت الداخلية حالة الطوارئ، فالداخلية لا تتحرك في مواجهة الانفلات الأمني والبلطجة التي أصابت كل مصر، وتعلن الطوارئ في مواجهة المتظاهرين. وحتى اللحظة لا يستطيع أحد أن يسرد وقائع ما جرى أمام مديرية أمن الجيزة، فالأمر لم ينقل بالفضائيات لأن العيون كانت موجهة إلى ما يجري أمام السفارة الإسرائيلية.
يبقى لاستكمال المشاهد ليوم 9 سبتمبر واقعتان حدثتا أولاهما صباحية وتكررت والأخرى مسائية بعد انتهاء الحشد في التحرير.
الواقعة الأولى هي مظاهرات تخرج من التحرير إلى مبنى وزارة الداخلية وهي على مسافة 500 متر من الميدان، وتردد أمام الوزارة هتافات ضد العادلي لتعود ثانية إلى التحرير ويتكرر المشهد عدة مرات، بينما عناصر من المتظاهرين تصنع درعا بشريا لحماية الوزارة وهو ما لم يمنع من إسقاط شعار الوزارة عن بوابتها الرئيسية.
والواقعة الثانية هي توجه مظاهرات متتالية إلى مبنى السفارة الإسرائيلية لهدم سور عازل خرساني أقامته محافظة الجيزة أمام السفارة لتأمينها، وتحقق هدفها وتهدم السور، ويتصاعد الموقف ليلا، ويتسابق الشباب للصعود إلى حيث العلم الإسرائيلي وينزلوه، غير أن الأمر يتطور ويجد الشباب طريقهم للدخول إلى إحدى شقق السفارة وبها مستندات يلقون بها إلى الشارع.
هكذا كانت البدايات والنهايات ووقائع تخللت اليوم جميعها خارج الحشد الرئيسي لجمعة تصحيح المسار، والواضح أن هناك حقيقتين يجب رصدهما أيضا، أولاهما البيانات السابقة واللاحقة حول مواجهة أي خروج أو تعدي على المواقع الحكومية والمنشآت العامة، واستعادت الشرطة ذات السلوك الذي كان قبل 25 يناير وبذات الصورة الإجرامية وبتعمد وبتجاوز، ويصل الأمر بوزير الداخلية في وزارة "الثورة" أن يعلن أن منشآت الداخلية "خط أحمر"، وهو ذات الوزير الذي قال من قبل إن وزارة الداخلية ليس بها "قناصة"، وهو الوزير الذي أنيط به تطهير الوزارة وإعادة هيكلتها. كثرت الخطوط الحمراء بينما وزارة تسيير الأعمال تتوعد المتظاهرين، وتتخبط في مهام الفترة الانتقالية. والثانية تفعيل قانون الطوارئ الذي كان إلغاء العمل به مطلبا لكل حشود الثورة. هكذا تقلبت الأوجه واستعادت الوزارة الوجه القبيح للنظام السابق وعن تعمد، ويكون الإجراء الأول هو إغلاق مكتب الجزيرة مباشر مصر عقابا لها لنقلها تفاصيل الأحداث ليلة 9/10 سبتمبر كاملة دون غيرها من القنوات الرسمية والخاصة، حتى وصل الأمر بالأستاذ حازم أبو إسماعيل المرشح للرئاسة أن يقول معني إغلاق مكتب الجزيرة مباشر هو الإعداد لمواجهات قادمة والحيلولة دون نقلها.
تقلب الأوجه تجاه وقائع تلك الليلة ينم عن فجوة واسعة بين الحركة الشعبية وما يكمن في صدرها من مخزون الغضب وما يمكنها أن تنتج من أفعال، لانعدام الشفافية والتواصل بين قيادة المرحلة الانتقالية والشعب، وعدم اتخاذ إجراءات لصالح الثورة حتى بدت قيادة تسعى لإعادة النظام السابق الذي يترنح تحت موجات الغضب الشعبي للحياة، وهدفها الأول إيقاف الموجات الشعبية وحصارها، وتتزايد الفجوة اتساعا، والسؤال من المسؤول عن هذه الفجوة؟ ولمصلحة من؟
وطال أمر تقلب الأوجه مجموعات وائتلافات، سارعت إلى رفض ما جري وكأنها تضع إصبعها في عينها، فتسير حركة 6 أبريل على نهج ما ادعته وزارة الداخلية أن وقائع ما جرى عند السفارة الإسرائيلية هو فعل من أيدي خارجية!، وهي الحركة ذاتها التي اتهمت بأنها صناعة خارجية وتمول من الخارج ووقف الجميع دفاعا عنها. ويعلن بعض من أعضاء ائتلافات تشكلت بعد الثورة أن من قاموا بالدخول إلى السفارة ليسوا من الثوار، وكأن الله لا يمهلهم ويخرج الدكتور تقادم الخطيب عضو الجمعية الوطنية للتغيير في حديث مع جريدة الجمهورية القاهرية يوم الأحد 11 سبتمبر أنه هو من قاد الدخول إلى السفارة، وأنهم لم يرغبوا في حرق السفارة لأنهم لا يسعون إلى تدمير، ويقول البعض الآخر إن هذا من فعل فلول الحزب الوطني، وكأن البلطجية التي كانوا مصاحبين للأمن المركزي كانوا من الثوار.
وقال البعض بحقيقة الأمر، إن المفجر الحقيقي للموقف من السفارة الصهيونية، هو تباطؤ المجلس العسكري عن اتخاذ موقف بشأن طرد سفير العدو في أعقاب اختراق العدو بجنوده وطائرة أباتشي وقتلة لضابط وخمسة جنود مصريين، توفي آخرهم صباح السبت 10 سبتمبر في المستشفى متأثرا بجراحه، فالله أيضاً لا يمهلهم فرصة لنسيان الأمر ويعيد تذكرتهم بواقعة الوفاة الأخيرة بعد ساعات من وقائع السفارة. ومما زاد الاستفزاز هو بناء سور خرساني محيط بالسفارة.
ويشرح الأستاذ الدكتور أيمن سلامة أستاذ القانون الدولي أن اتفاقية فيينا 1961 تضمن سلامة السفارات وأنه خلال الخمسين عاما السابقة تم اقتحام خمس سفارات فقط، ويعود إلى خبر لم يعلن أن لجنة إسرائيلية كانت قد وصلت إلى مصر للاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة مصرية إسرائيلية للتحقيق في مقتل الجنود المصريين، وكانت الصحف الإسرائيلية قد أشارت أنها لجنة مشتركة للتحقيق في حادث الهجوم في جنوب إيلات ومقتل ثمانية جنود وإصابة 23 وما ترتب عليه، ولم تشر أي جهة مصرية إلى اللجنة أو ما جرى في مباحثاتها داخل مصر، ومن يتجاهل الشعب والرأي العام بعد يناير 2011 يتحمل ردود الفعل أيا كان مداها، فالشعب لم يسقط نظاما مستبدا وأسقط إرادته وكرامته ليستبدله، ولم يجف دم شهداء ثورته بعد، بنظام مماثل.
وهكذا صار الشعب المصري ليس مجرد جماهير تطالب باستكمال الثورة، ولكن جرى "الاستعباط" أنه خالف معاهدة فيينا ووجب تطبيق البند السابع عليه وهو التعامل معه بالقوة المسلحة!، ولم يعد أحد إلى حقيقة أن الثورة تحاول تصحيح خيانة السياسة للسلاح والتي جرت في أعقاب حرب 1973، وأن الشعب يطالب باسترداد السيادة الوطنية على كل سيناء.
وخرج وزير إعلام حكومة تسيير الأعمال كنذير شؤم مرات متتالية كل مرة يزيد الصورة سوادا، وكتلميذ لا يملك ملكة الإلقاء يزف المصيبة تلو الأخرى وبتعبيرات تتطابق تعبيرات من سبقوه في منصبة طوال 30 عاما. ولا يكتفي بهذا بل يتجاوز كل الأعراف ويصف اقتحام المتظاهرين لمقر السفارة الإسرائيلية في القاهرة بأنه عمل إجرامي تخريبي، ولا علاقة له بثورة 25 يناير، ولو كان هو وحكومته لهم أية علاقة بثورة يناير لما كانت تلك لغته. والتقط منه الخيط وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ليسب آلاف المصريين الذين تظاهروا، أمام مقر السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، ويصفهم بأنهم "رعاع"، زاعماً أن حراس أمن سفارة تل أبيب في مصر واجهوا الرعاع المصريين بكل شجاعة وقوة.
هكذا كان تقلب الأوجه، ولو كانت جمعة تصحيح المسار لم تنجز سوى كشف هذه الأوجه المستعارة، لكان هذا كافيا.
ولعل كل المتحدثين عن دور أمريكي لصالح الشعوب يدركون حقيقة تباين الموقف الأمريكي عندما وصف الاختراق الإسرائيلي للأراضي المصرية بحق إسرائيل في مواجهة الإرهاب، ومسارعته إلى مطالبة مصر بحماية السفارة، ليس الكيل بمكيالين، ولكنه حقيقة الوجود الإسرائيلي والدعم الأمريكي له دون اعتبار للسيادة المصرية على أراضيها.
هكذا بات واضحا أن حماية الثورة هي مهمة الشعب، ولا يجب الارتكان إلى أحد غيره لحمايتها وتحقيق مطالبها، وما جرى وحجم العنف الذي استخدم، مؤشرا واضحا عن طبيعة المواجهة بين الثورة وإدارة المرحلة الانتقالية، وعلى كل من استأنستهم الأيام والأشهر الماضية، وأكلت مطامعهم ألسنتهم، أن يدخلوا في حساب الثورة أو سيسقطهم الشعب من حسابه.
وهكذا تحولت جمعة تصحيح المسار إلى جمعة تقلب الأوجه، وصارت الحاجة إلى استرداد الثورة ثانية، واسترداد المبادأة.
حقيقة أليس من الضروري أن تكون هناك نسبة بين أحجام الرجال وأحجام الحوادث؟ فلنفتش عن الرجال ونغير حكومة تزييف الأعمال القائمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4698
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4338
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1518
| 13 مايو 2026