رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المخططات التي تستهدف سيناء جاهزة في أدراج الصهيونية العالمية
كانت الخشية من جمعة 29 يوليو أن تنقلب إلى مواجهات بين الأطراف المشاركة فيها دافعا للعديد من اللقاءات والحوارات للخروج بها آمنة دون أن تصيب الوطن بجروح يصعب مداواتها.
أطلقوا عليها جمعة "لم الشمل"، وتوافقوا على جملة مطالب لم يجري الالتزام بها، واحتشدت التيارات الإسلامية يومها لغرض في نفس يعقوب وهو ليس موضوعنا في اللحظة، ولم يلتزموا بما اتفقوا عليه، وهو أمر ليس موضوعنا أيضا، وكانت الهتافات تقول إن المجتمع يشهد يوما غريبا عليه، وربما يكون مقبولا من الناس في حالة الاحتشاد نوع من التجاوز في أي اتجاه كان وحتى تجاه العنف، ولكن الغريب أن التجاوز مارسه أشخاص يوصفون أن لديهم شيئا من العقل، ومن مختلف الفرق.
قد يستنكر أحد أنه كان هناك حصار على منصاتهم، وأجبروا على إخلائها (6أبريل)، وأن هناك حالات طرد من الميدان للمعتصمين ومنهم فتيات في زفة متصلة تتهمهم أنهم من صنف "علماني" وهي في بعض التفسيرات المتداولة تعني الكفر والشذوذ الجنسي!
خرج فريق لدية إحساس بالانتصار وعاب أحد مشايخ السلفيين على السلفيين أنهم بتجاوزاتهم جعلوها جمعة "الخسارة"، وفريق آخر أصابه الاكتئاب أن هناك تشققا في جدار الاصطفاف الشعبي والسياسي وأعلنت جماعات عديدة الانسحاب من الميدان وإصدار بيانات لإدانة تجاوز التوافق الذي تم في الساعات السابقة على الاحتشاد.
يبدو كل هذا حديث عن مظاهر المسألة التي تواجه الثورة، فالثورة اليوم تواجه التحدي الذي زرعه نظام السادات في مواجهة الحركة الوطنية التي رفضت مبكرا سياسات السادات، وكشفتها مبادرة فبراير 1971 عندما اقترح انسحاب متبادل بين مصر وإسرائيل لمسافة 15 كيلومترا على الجانبين على أن يبدأ بتطهير قناة السويس تمهيدا لفتحها لمرور السفن. كان انقلابا مبكرا في مفاهيم ومضمون الصراع وكيفية إدارته، وأدت إلى بدء الخصومة بين كل القوى السياسية الناصرية وجزء كبير من اليسار، وكذلك تيار واسع من المثقفين، ووجد السادات نفسه معزولا عن المجتمع واكتشف هشاشة أنصاره.
بدأ السادات الإفراج عن عناصر الإخوان الموجودين بالسجون، ولم تكن المشكلة الإفراج عن السجناء، ولكن كانت المشكلة هي لماذا تم الإفراج؟ هل كان الإفراج يهدف إلى رفع الغبن عن المعتقلين؟ أم كان دعوة لموقف لصالح دولة "العلم والإيمان" كما كان يطلق السادات على مصر حينها؟ وفي أعقاب 11 فبراير 2011 أطلق أيضا سراح بعض المساجين دون إيضاح بمدى الصلاحية السياسية لهم في مجتمع الثورة.
وتتطور المشكلة فيما بعد في محاولة التصدي للحركة الطلابية بإنشاء الجماعات الإسلامية بالجامعات المصرية، والتي قام على مسؤولية البناء والتنظيم محمد عثمان إسماعيل محافظ أسيوط السابق وأمين التنظيم للاتحاد الاشتراكي بعد مايو 1971، وتولى التمويل المقاول عثمان أحمد عثمان صاحب العلاقة الشهيرة بكمال أدهم صديق السادات، وأدخلت هذه الجماعات إلى الجامعة الأسلحة البيضاء والجنازير، فهم يواجهون الكفار والملحدين، والنظام يباركهم ويدفعهم إلى مزيد من الوجود والسيطرة.
لم تكن رحلة السادات مع التنظيم الذي أسسه شهر عسل متصل، فقد استحضر العفريت ولكنه لا يملك عليه سيطرة، وتسارع النمو السرطاني داخل الأوعية التنظيمية وخارجها، وحدثت مواجهة مع جماعة صالح سرية عام 74 بعد الهجوم على الكلية الفنية العسكرية، وانضم مؤخرا قيادات هذا التنظيم إلى حزب "السلام والتنمية" الذي يعبر عن الإسلاميين المستقلين. ويشهد عام 1977 قيام تنظيم التكفير والهجرة باغتيال الدكتور محمد الذهبي وزير الأوقاف السابق.
أضيف إلى ذلك كله الدعوة إلى التطوع للجهاد في مواجهة الجيش السوفييتي الملحد في أفغانستان تحت رعاية السعودية ومصر والمخابرات الأمريكية، وهو ما أنتج فيما بعد تنظيم القاعدة.
ومن ناحية أخرى يتولى الشيخ عمر عبدالرحمن مسؤولية الفتوى لتنظيم الجهاد عام 1981 ويصدر فتوى بتشجيع سرقة وقتل المسيحيين لتقوية التنظيم. ولا يمضي عام 1981 إلا ويكون السادات نفسه مقتولا على يد أعضاء لهم علاقة بتنظيم الجهاد، ويخرج التنظيم إلى معارك دموية في أنحاء مصر، أعقبها مواجهات واعتقالات وسنوات طويلة في السجون بلغت بالبعض 30 عاما هي مدة حكم مبارك نفسه.
كل ذلك واكبته حملة تشويه لثورة 23 يوليو ولإنجازاتها، وتواكب معها تحويل الصراع العربي الصهيوني إلى عقدة نفسية وتفريغه من مضمونه في حقيقة أن إسرائيل استعمار استيطاني ترعاه أمريكا والغرب في مواجهة حركة القومية العربية، ورغم الخلافات بين العرب والسادات إلا أن ما يطلق عليه الأنظمة الرجعية كانت تجد في خروج مصر من الصراع العربي الصهيوني متنفسا لها ولأهدافها.
وهذه الحملات أدت إلى الهروب إلى الدين كملاذ أخير في مواجهة محاولة طمس العقل العربي وتغييبه.
شهدت فترة مبارك مواجهات عديدة وبلغ الأمر كما كشف مؤخرا أن نظام مبارك استخدم منهج التنظيمات الدينية في إثارة القلاقل الداخلية سواء في كنيسة القديسين والتي ألصقوها بأحد الشبان السلفيين وتوفي نتيجة التعذيب، وكذلك التفجيرات التي جرت في طابا ونويبع وشرم الشيخ واتضح أنها من الأعمال القذرة لجمال مبارك والعدلي في صراعهما مع حسين سالم رجل المال ومدير أعمال مبارك المالية وتصدير الغاز إلى إسرائيل.
كان الصراع في فترة مبارك يتراوح بين الحوار والاعتقال، والاستخدام والاستتابة، وفتحت الفضائيات مجالا جديدا للتأثير.
كل ذلك كان بناء لمواجهة الحركة الوطنية والتي كان آخر عهدها بالتحرك الشامل حول قضايا وطنية واجتماعية في عام 1977، والتي أعقبها إجهاض حاد للحياة السياسية وهو ما أطلق عليه بعد قرابة 30 عاما أن الحياة السياسية في مصر "تصحرت".
من الإنصاف القول إن كل جهود المقاومة لنظام مبارك التي سبقت 25 يناير كانت تراكما أدي إلى انفجار الثورة التي مثلت مفاجأة للجميع حتى للشباب الذي خرج يومها ضد أداء الشرطة وتجاوزاتها، ولكن الشعب المعلم حول يوم الغضب إلى ثورة، وخرجت استراتيجية الثورة من نداء عظيم أوجز الإرادة الشعبية في شعار "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وكسرت الثورة في الوقت ذاته قضبان السجون، وقطعت الروابط بين جهاز أمن الدولة وبعض التنظيمات التي تعاونت معه، وفتحت الثورة الباب على مصراعيه أمام الجميع ليعلن عن نفسه.
وإذا كان البعض رفض الانضمام إلى يوم الغضب تحت دعاوى أنه لن يملي علينا أحد المشاركة فيما لم نستشار فيه (الإخوان والحزب الناصري)، والبعض الآخر رفض التظاهر وأعلن عدم شرعية الخروج على الحاكم (السلفيين ـ الشيخ حسان)، ورأى البعض في الطريق أن مجرد تعيين نائب يعني تحقيق ما لم نتوقعه (الكرامة)، وقبل البعض الحوار على مائدة نائب الرئيس بينما الشعب في الشوارع، كل ذلك يؤكد أن فعل الثورة كان خارجا عن الجميع ولا أستثنى منهم أحدا.
تأكد أن الثورة فعلا شعبيا طليعته شباب قدم التضحية بالروح والدم، ومن بين هؤلاء الشباب من ينتمون إلى تيارات وتنظيمات، ولكن أداءهم كان وليد قراراتهم الذاتية وليس التزاما بقرارات تنظيماتهم وأحزابهم.
كانت الثورة بلا قيادة، وإذا كتبنا عن دور للدكتور محمد البرادعي، في وقائع ما جرى ووضوح أقواله وتحركاته، لسمعنا أصوات تردد أقوال إعلام النظام السابق في توجيه الاتهام إليه أنه واجهة مخطط أمريكي، بينما أمريكا بكل أجهزتها، وإسرائيل أيا كان مدى اختراقها للمجتمع المصري أصابتهم المفاجأة بوقائع نمو الحركة الشعبية خلال 18 يوما وأدت إلى تحويل يوم الغضب إلى ثورة شعبية.
عدم وجود قيادة للثورة، والرغبة في تحقيق الأهداف، ومحاولة وجود أوعية تضم الشباب الذي خرج أفراد لتحويله إلى حالة جماعية، شغل الشباب ومن تبقي من النخبة الملتزمة بالثورة وضوحا ووعيا بدلالة الشرعية الثورية، شغلهم بعيدا عن تحليل للواقع بجذوره التاريخية، ذلك التحليل يؤكد أن جمعة 29 يوليو لم تكن جمعة الانقسام ولكنها في الحقيقة كانت جمعة كشف الأوراق.
سقطت يوم الجمعة 29 يوليو خديعة أن الكل ينتمي إلى الثورة موضوعيا وليس كمدخل لمكاسب ذاتية.
الإسلاميون ليسوا قوة تقاس بالحجم ولكنهم قوة تدرك بالاتجاه، فهم بالأساس قوى الانقلاب على الثورة التي استخدمها السادات، ويعودون لنفس المهمة.
القادمون من السجون يعتقدون أنهم استردوا حقهم في الحياة السياسية دون مراجعة، ألم يكن من الواجب أن يراجع المجتمع والثورة مدى إمكانية عودت من شاركوا في عمليات القتل لأفراد من الشعب إلى الحياة السياسية، هؤلاء الذين استحلوا الدماء والأموال وأعلنوا مناطق في المحافظات إمارات محررة من سلطة الدولة.
المراجعات السياسية والمجتمعية والدينية لا تنفي أن في المجتمع طرفين، الأول يسقط الوطن ويسعى إلى أممية إسلامية ولا يرى المجتمع غير جماعته الدينية، وطرف قام بالثورة لأهداف اجتماعية بالأساس وأضاف إليها مطلب الديمقراطية، يرفع علم وطنه ولا يرفع راية سوداء أو علم السعودية.
الطرف المنتمي للثورة يتعرض لحملة تشويه وإجهاض تقودها كتلة النظام الباقية في أجهزة الدولة والرأسماليون وأصحاب المصالح الذين حقق لهم النظام السابق مكاسب غير شرعية ومازالوا دون مراجعة ويسيطرون على الغرف التجارية واتحاد الصناعات المصري، وغير هذا كله تدخلات خارجية يسهل لنا فيها ذكر أمريكا وإسرائيل بينما نتناسى مجموعة الاعتدال العربي، والتي تمول الكيانات الدينية وتدعو أفرادا لإنشاء كيانات حزبية مقابل تمويلا ابتدائيا يبلغ 10 ملايين دولار شريطة تبني التيار السلفي.
كل هذا التحدي تواجهه الثورة وطلائعها الشابة، فهل هناك فرصة لمراجعة الجميع لمواقفهم؟
الوقفة الموضوعية مع الذات ومراجعة الوعي بحق الشعب تحتاج ذات جسارة الثوار عندما خاضوا غمار التحدي.
أصبح الثوار مطالبون الآن بفرز القوى المحيطة بهم دون مراهقة سياسية أو شطط ثوري. فمصر ليست أفغانستان ولا هي باكستان، مصر الثورة لا يمكن أن تكون عائدة لعصور ظلام لم تمر بها من قبل ولكنها مستوردة من المحيط بها.
ليس أمام الثوار فسحة الوقت بلا حدود للوصول إلى الوعي بحتمية الفرز، والاعتماد على القوى المنتمية إلى مطلب "الخبز ـ الكرامة ـ العدالة الاجتماعية".
الوعي بحقائق القوى مطلب عاجل، إن امتلكته الثورة امتلكت الزمن القادم من بعده.
ونظرة أولية على الوقائع على الحدود الشرقية لمصر، تجسد تكرارا أليما لأداء الترابي والبشير في السودان والذي أدى إلى ضياع جنوب السودان مقابل تطبيق الشريعة في شماله، وما زال السودان مهددا بمزيد من التقسيم لترابه الوطني.
المخططات التي تستهدف سيناء جاهزة في أدراج الصهيونية العالمية، وجنون الأعلام السوداء وعليها الشهادتان لا يجب أن يمنعنا عن قراءة حقيقة نجمة داوود التي تظلل الأفعال والعقول.
فهل نحن قادرون على استيعاب الحقائق التي كشفت عنها جمعة كشف الأوراق؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
6009
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1794
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1269
| 18 مايو 2026