رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعبيرات عديدة تعني حدوث مأساة ولكنها تغلف المأساة بالسلوفان، كتعبير "التقدم للخلف" ويعني الانسحاب من المواجهة أو المعركة، أو تعبير "الهروب للأمام" ويعني المزايدة علي متطلبات المهام هروبا من المسؤولية وما تفرضه من تضحيات.
الهروب للأمام يكاد يكون أقرب وصف لحالة التيارات والأحزاب والمجموعات والنخب في مصر الآن بعد ثورة يناير وما ترتب عليها من علاقات "عرفية" بين كافة الأطراف أدت إلى أن يفعل كل منها ما يحلو له، في حدود وعيه وحاجته هو، دون الالتزام بما تفرضه الفترة الانتقالية من مهام.
بلغت الأوضاع في مصر حالة الأزمة التي تشارف على الانفجار، وهو تداعٍ غير متسق مع وقائع 25 يناير وتضحيات الشعب خلالها.
تبدو مواقف الأطراف خارجة على النص بالتعبير المسرحي، والأقنعة تتساقط واحدا تلو الآخر لتفضح حقيقة الأوجه، ولا أحد يفسح الفرصة لالتقاط الأنفاس ويسأل هل ما وصلنا إليه هو ما كان الشعب ينشده؟ أم أن انحرافا ألم بالطريق ؟ وهل الانحراف هو قصد مبيت أم أنه أخطاء وأعباء حالت دون الحفاظ علي المقاصد الشعبية وتحقيقها؟.
بعد 12 فبراير تولد شك بأن هناك اتفاقا "عرفيا" بين الإخوان والمجلس العسكري نتج عنه عوار في تشكيل لجنة البشري وما أسفرت عنه من إجهاض لمهام الفترة الانتقالية وتجاوز وجوب وضع دستور جديد، وتحويل الثورة إلى حركة مطلبية لتعديل الدستور. وقال البشري في حديث "للجزيرة مباشر مصر" إن مهمته كانت التعديل الدستوري كما كانت مهمة لجنة سبقته شكلها الرئيس السابق، ولكنه زاد عليها تعديلين بإضافة الفترة الزمنية والانتخابات، ويستطرد قائلا وكأنه يضع مبررات إدانة ما فعله :"إنها ثورة شعبية وكان الجيش شريكا فيها، وإنها تسقط دستور 1971 سياسيا"!.
أي أن الثورة في وعي هذا التحالف العرفي تحولت إلى حركة مطلبية لتعديل شروط تداول السلطة. وأن التعديلات التي رفضها الشعب من الرئيس السابق ولجنته أعاد البشري إنتاجها من جديد.
خلال الأسبوعين الماضيين خرجت تهديدات من الأحزاب الدينية بالاعتصام والتظاهر ومواكب الشهداء، مما يشيرإلى أن الاتفاق الذي جمعهم والمجلس العسكري أصابه خلل ما.
وصرح البشري "بأن أي إعلان دستوري جديد من المجلس العسكري غير شرعي ويستوجب الاستفتاء عليه"، ولعلنا نذكر بأن العالِم والمفكر لا يحده تنظيم ويسمو فوق الأنانية ... ولكن العالم والمفكرعندما تحده سلطة غير ضميره يخون علمه ويفقد قيمته، ويتحول إلى أداة، لا تقبل منه شهادة ولا يستساغ منه أن يحكم فيما يجري من أمور ومشاكل.
هكذا استن هذا التحالف مبدأ "الهروب إلى الإمام" من التزامات التغيير الذي نادت به الثورة، الأمر الذي استدعى حالة من المقاومة بمظاهرات متتالية للحيلولة دون وأد مطلب التغيير.
وشهد الأسبوع الماضي انضمام كافة الأحزاب غير الدينية إلى هذا التحالف بقاعدة الهروب للأمام، وجرى تحوير شعار الثورة "عيش حرية عدالة اجتماعية" إلى "أمن عيش حرية"، وبذلك أسقطوا هدف العدالة الاجتماعية، وتزايد الطنين حول الانتخابات بالقائمة النسبية فقط، والمطالبة بإلغاء نسبة العمال والفلاحين.
صار واضحا أن الأحزاب الدينية وغير الدينية والتجمعات والنخبة توافقوا لأول مرة بعد الثورة علي أمرين:
الأول "ضد" ... إن الخصومة صارت مع المجلس العسكري، مع تنوع الأسباب، سواء رفض أي إعلان دستوري جديد، ورفض تحديد معايير تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، أو رفض تمديد الطوارئ ورفض المحاكمات العسكرية. والسؤال الملح في هذه اللحظة هو :هل الصدام مع المجلس العسكري هو البديل الوحيد، وهل هو ضروري للثورة؟ أم هل هذا الصدام يحاول الفصل بين الجيش والشعب في لحظة من أدق لحظات المرحلة الانتقالية لحاجة في نفس يعقوب؟ ثم من هو يعقوب هذا في حالتنا هذه؟ ولكن أليس المجلس العسكري يساهم أيضا في هذا بما أطلقنا عليه "التباطؤ إلى حد التباطؤ"؟ الكل يسعى إلى الانفجار!.
الثاني أنهم وحدهم لهم حق الولاية علي الانتخابات وغير مقبول الجمع بين القوائم والفردي، وليس لديهم أي مبرر لذلك، فالحياة الحزبية في مصر قبل الثورة وما لحق بها بعد الثورة لا تمثل واقعا يمكن حصر الممارسة السياسية داخله رغم وجاهة فكرة القوائم النسبية عندما تصح الحياه الحزبية، ورغم وجاهة أن تطهير الحياة السياسية من النظام السابق كان يجب أن يشمل الأحزاب جميعها وليس فقط الحزب الوطني، وتاريخ الأحزاب يؤكد حقيقة أن الشعب في ثورته كان متجاوزا الجميع. وهنا يفرض الواقع سؤالا ملحا ، ما معنى أن اللحظة تاريخية لفرض الشريعة الإسلامية كما أعلنت القيادات السلفية؟ وأي ديمقراطية يسعون إليها؟ وهل هناك خطأ في تمرير أحزابهم خاصة وأن هناك حديثا أن مصادر تمويلهم غير مبرأة من أهداف بعيدة عن طبيعة الشعب المصري؟
وهكذا اتسع التحالف ليشمل كل من يمارس الرطانة السياسية في مصر ومعهم المجلس العسكري، رغم مظاهر للاختلاف إلا أنه اختلاف في التفاصيل وليس حول مهام التغيير في الفترة الانتقالية.
وصار الشعب الذي دفع ثمن الثورة وضريبة الانفلات الأمني، رهينة توافق التحالف العرفي.
في أعقاب ادعاء مهاجمة مديرية أمن الجيزة ليلة 9/10 سبتمبر، ومقتل 5 مواطنين بالرصاص الحي وإصابة قرابة 1000 مواطن، لم نسمع عن تحقيق في أمر القتلى والمصابين، ولكن أعلن وزير الداخلية تصريحه الشهير "يحق للشرطة الدفاع عن نفسها"، أي أن هناك للشرطة "نفسها" وهناك المجتمع، حديث "ضد" آخر. والعيسوي هو ذات الشخص الذي أعلن على غير الحقيقة والواقع أن الداخلية ليس لديها قناصة، ولم يتحدث خلال الفترة الماضية عن "واجب الشرطة في حماية أمن المواطنين".
ظلت الشرطة بعد 12 فبراير ترفض القيام بمهامها، وأظهرت حوارات معهم أن عقيدتهم "حماية النظام"، وعندما يكون هناك نظام، ستبدأ المهام الشرطية، وصارت الشرطة في حالة إضراب عن أداء وظيفتها، وتردد منهم قول "خلِّي الثورة تنفعكم" كلما توجه مواطن يطلب موقفا أو حماية، الأمر الذي أدى إلى انتشار الجريمة المسلحة والسرقة وقطع الطريق وسرقة السيارات وفرض اتاوات لإعادتها تحت سمعهم وبصرهم.
تضمن شعار الثورة كلمتي "الخبز ـ والعدالة الاجتماعية" تأكيدا أن هناك ما هو عاجل وما هو مستقبلي ويحدد طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي البديل ويؤدي إلى استرداد الثروة الوطنية التي أهدرتها الخصخصة والفساد والنهب المنظم للثروات الطبيعية ويضع في الوقت نفسه نهجا للتنمية والعدالة الاجتماعية. وتصاعد الإضرابات الفئوية دلالة عجز عن تحقيق هدف "الخبز" والعجز عن مواجهة التوحش في الأسعار والغلاء الذي يقضي علي أي زيادة في الأجور تدعيها الحكومة التي تدير المرحلة الانتقالية، وتولى القضاء الإداري مهمة استرداد الشركات التي جرى بيعها. ولم تتحرك الحكومة والأحزاب والنخب في اتجاه بحث علمي حول حل مشاكل المجتمع الاقتصادية العاجل منها والمستقبلي.
هذا العجز، واكبه علي جانب آخر يد مطلقة للرأسماليين الذين تكونت ثرواتهم في ظل النظام السابق، وصارت الأموال المكدسة لديهم هي وقود الحركة المضادة للثورة، يدهم مطلقة بينما تجري محاكماتهم في قضايا قتل الشعب وفق قانون الجنايات والذي يفرض وجود أدلة قطعية وكأن ما عاشه الشعب كان كابوس ليلة شتاء طويل.
ويمارس الإعلام الذي تديره حكومة تسيير الأعمال مهمة "جوبلز" الشهيرة في الدعاية وفق حملة منظمة لتفريغ الثورة من دلالاتها، ويتولى أمر تشويه كل تصرفات الشعب، وتحميلها كل صور العجز الأمني والافقار المعيشي، وكأن جهاز الإعلام شأنه شأن جهاز الشرطة فوق المراجعة وإعادة البناء.
التحالف العرفي وإضراب الشرطة والأموال المنهوبة هم أضلاع مثلث كان يواجه الثورة والشعب ويخدمه الإعلام أداة التشويه والدعاية المضادة للثورة، ويكاد يصل هذا الثالوث بالمجتمع إلى حافة الانفجار لتفاقم الصراع الداخلي فيما بينهم، فبينما كل أطرافه تتحدث عن الديمقراطية والانتخابات وتوقيتاتها ونظامها وأنواع المحاكمات المقبولة والمرفوضة وشرعية الطوارئ من عدمها، غير أنه ليس بالحوار المسئول ولكنها لغة تهديد ووعيد، حيث بلغ غرور القوة حد الانتحار، والابتزاز للوطن والمغامرة به حد المقامرة.
المشهد الآن :هناك صراع علي السلطة يجري في العلن، اعتقادا من أطراف هذا الثالوث أن الثمار قد نضجت وحان قطافها، ويبقى سؤال أخير هل أسدلت ستارة النهاية علي ثورة الشعب المصري؟.
لا ينكر أحد أن حالة الاكتئاب تتزايد بين الشباب والجموع الشعبية التي صنعت أيام الثورة، ولكن لا يملك أحد أن يقضي بأن ستارة المسرح قد أسدلت، وهو ما يفرض مراجعة أمينة لقوى الثورة الحقيقية، وللمهام المطلوبة منها. وقد يقتضي هذا البحث عن الخطوة بعد القادمة، وما هي أهدافها؟.
فإذا كانت الخطوة القادمة هي حشد يوم 30 سبتمبر، فهذه المعادلة تفرض وضع بدائل لتصعيد العمل من حيث الحشد والأهداف. وإذا كانت الخطوة القادمة هي الانتخابات فكيف نرى أفق الحشد والأهداف بعدها؟.
إن صخب اللحظة في الاقتتال الدائر على كافة الموضوعات الثانوية (بما فيها الانتخابات)، لا يجب أن يأخذنا بعيدا عن دراسة علمية لمعنى إعادة بناء جهاز الشرطة والتجارب السابقة في هذا الصدد، وهو عنوان لمؤتمر علمي يمكن عقده لنملك تصورا ماذا نعني بإعادة البناء. كما أن البحث عن النظام الاقتصادي البديل تحت عنوان التنمية والعدالة الاجتماعية يحتاج إلى حوار علمي لدلالاته وخططه، وهو موضوع لمؤتمر آخر لنملك رؤية وتصورا لما نعنيه بهذا.
الثورة لم تكن إشاعة، وتأكد خلال الأشهر الماضية أن الشعب ليس كما صفريا، وتجاوز التيارات السياسية والأحزاب، وكسر حاجز التردد والخوف، وتأكد أن إرادة الشعب جزء من إرادة الله، وأن الشباب ليس عبئا على الوطن وأهله.
لم يعد هناك شيء يمكن إخفاؤه في الظلام وتجاوز الشعب التخمين إلى الإمساك بالواقع وحقائقه، وتعدلت الأوزان النسبية داخل الوطن، وانكسرت كل التابوهات.
انكشف كل المحيط بنا، وظهر للعيان أن الشعوب أكبر من الأموال ومن السلاح ومن الأجهزة السرية، وأن للتاريخ حركته التي لا ترتبط بنظام عالمي ولا بتشوهات في الجغرافيا، ولكنها ترتبط بحقائق التاريخ إن وجدت من يستطع الحركة لصالحها، وهروب السفير الإسرائيلي دلالة علي ذلك.
هذه النتائج جعلت الوطن قضية كل الشعب، وأنباء المظاهرات الشعبية التي ترفع شعارات اجتماعية في مناطق مصر تدل أن هناك حراكا يتزايد ...
الثورة بدأت ولكنها لم تكتمل نتائجها، ومحاولات الإجهاض لن تتوقف، وهروب الحلف العرفي إلى الأمام لن يضمن له البقاء، ومحاولة تفجير المجتمع ستطيح بهذا الحلف قبل أن تكتمل، ويبقى أن وحدة قوى الثورة والعمل والوعي واجب للحيلولة دون كسر الإرادة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1122
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
633
| 12 أكتوبر 2026