رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مصر بعد 25 يناير غير ما كانت ولن تعود للخلف. والعرب بعد يناير 2011 غير ما كانوا عليه، ولكنها مسؤولية لم تتحدد معالم الطريق لأدائها.
يبدو المشهد العربي كما يصف الكثيرون حال محل للكريستال دخلة ثور هائج، وحول كل ما فيه من آنية كريستال إلى شظايا متناثرة.
وتبدو مسؤوليتنا الأولى في "ترويض النمرة" أو الثور في حالتنا العربية.
هناك اتجاه يمارس عقدة المفعول به، وينطلق من ثقافة الهزيمة كما يصفه البعض، وينسب كل ما يجري على الأرض العربية إلى أيد خارجية، تنفذ مخطط الفوضى الخلاقة بصور متعددة، وغاب عن وعيهم أن هناك شعوبا يمكنها أن تنتفض وتثور.
عقدة الغرب الذي يفعل ما يريد، والكفر بإمكانية الشعوب، وقدرتها على الثورة ودفع ثمن التغيير، تتحكم وتقود تيارا رئيسيا داخل العقل العربي، وتلهيه عن مسؤولياته الحقيقية تجاه إنجاز الشعوب العربية ودماء شهدائها.
بداية هل يقاتلنا الغرب وأمريكا وإسرائيل بهدف الاستيلاء على الثروات العربية؟ أم أنه الصراع الحقيقي بأبعاده الحضارية الكاملة بين الشرق والغرب كما قال روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكي السابق ومدير المخابرات المركزية الأمريكية مطلع التسعينيات عند انهيار الاتحاد السوفييتي: إن المواجهة مع الاتحاد السوفييتي كانت صراعا داخل الحضارة الغربية، وحدد يومها أن الصراع مع الشرق الحقيقي يبدأ الآن وفي القلب منه الإسلام. هذا قوله يومها وكان العرب قد صدموا وتلقوا مخططات التقسيم للوطن العربي إلى دويلات في خطط صهيونية نشرت مطلع الثمانينات ولكنهم يومها كانوا تحت براثن حكام يرون أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، وتملكهم الوهم أن دور التابع يحول بينهم وبين خطط التقسيم.
نجح الغرب والنظم التابعة له في تفريغ النضال الوطني العربي من مفهوم الاستقلال الوطني ومن مفهوم القومية العربية ومن مفهوم العدالة الاجتماعية وكانت معادلة السيطرة الرئيسية ضرب الأنظمة العربية التي رفعت رايات هذه المفاهيم وإحلالها بأنظمة تابعة، وعزلها عن شعوبها.
كان المتبقي لدى الحضارة العربية حائط الصد الأخير وهو الإسلام وحضارته، وكما جاء لورانس العرب إلى الجزيرة العربية في لباس عربي ليقيم دولا ويقضي على وجود عربي يمثل الإسلام فلب حضارته، ويحوله إلى حكم يمثل ظلا للغرب، كانت دعوة الجهاد ضد الإلحاد المتمثل في الوجود السوفييتي في أفغانستان بداية جديدة لدور جديد في استخدام الإسلام ومفاهيمه أداة لتفجير الوحدة الإسلامية وأخذ وعيها إلى أبعاد جديدة تفوق قدرتها المتاحة وتبعد بها عن الأخطار المباشرة على وجودها والمتمثلة في إسرائيل وخطط التفتيت للأقطار العربية.
لم يتوقف الغرب عند هذا بل دخل في مخطط أمريكي جديد تولاه ديك تشيني وزلماي خليل زادة واليوت ابرامز وبندر بن سلطان لتكريس الصراع المذهبي في الشرق الأوسط بين السنة والشيعة، تعامل آخر مع الإسلام يتمثل في تكريس الانقسام المذهبي وتحويله إلى صراع.
من إهدار للمفاهيم الوطنية والقومية والاجتماعية إلى إهدار للمضمون الحضاري للعرب بإهدار الإسلام كقلب للحضارة العربية واستدراجه إلى صراع أممي ومن ثم السعي إلى تفكيك مضامينه وتكريس الصراع المذهبي، كل ذلك كان غايته تفكيك وحدة الشعوب العربية، لأن الصراع لا يرتبط بزمن أنظمة موالية لهم، ولكنه صراع يرتبط بمدى الحياة ذاتها.
وفقد العرب الوعي بطبيعة الصراع العربي الصهيوني في كونه مواجهة مع استعمار استيطاني لفلسطين لعب الغرب فيه الدور الرئيسي، إلى كونه مشكلة إزالة آثار عدوان 67، وضاعت القضية الفلسطينية في ردهات الدبلوماسية العرجاء، التي لا ترتكز على أي قوة بل أهدرت قيمة الانتفاضات المتوالية للشعب الفلسطيني، وصار الرجاء والتمني والصراعات الداخلية هي سبيل تحقيق إنجاز في المفاوضات تقبل بالمتاح والطرف الآخر ليس لديه ما يعطيه، وصار العرب في نهاية المشوار وعلى أعتاب ثورات تونس ومصر يفاوضون من أجل جندي إسرائيلي أسرته المقاومة الفلسطينية، بينما لا يحركون ساكنا سواء لآلة القتل الصهيوني أو لاطراد التطور العسكري الإسرائيلي الذي يفوق احتياج إسرائيل لما يسمى الأمن، ولعلي لا أتجاوز الحقيقة أن أقول إن إسرائيل هي القوة العسكرية العظمى في عالمنا المعاصر، فليس مقياس عظمة القوة العسكرية في حجم ما تملك من عتاد، ولكن قيمتها في تنوع العتاد وحرية القرار دون قيود من قانون دولي أو قيود دولية.
هذا هو الفراغ العربي الذي جرت فيه ثورة الشعوب ضد نظم الاستبداد والتفريط الوطني في أقطارنا العربية. ونذكر هؤلاء الذين يدعون أن هذه الثورات صناعة غربيه بوقائع انفصال الجنوب عن الشمال في السودان والذي صارت خريطته الجديدة دلالة العجز والهزيمة للنظام العربي القائم. ولا يجب التغاضي عن أن مسؤولية انفصال الجنوب السوداني يتحملها أولئك الذين رفعوا رايات إسلامية وعجزوا عن حماية التراب الوطني، وكان العالم ينتظر إعلان قيام دولة الجنوب، وحاكم الشمال يعد الشعب العربي في الشمال أنهم يتحررون اليوم لإقامة الشريعة الغراء، ومازال العالم ينظر إلى السودان كبلد معد لتقسيم جديد بانفصال دارفور عن ما تبقى من سودان البشير.
ولكن كما كان مشهد قتل محمد الدرة "رحمه الله" في فلسطين أداة لإسقاط عشرين عاما من استراتيجيات السلام، كان محمد بو عزيزي "رحمه الله" أداة لتفجير طاقة التغيير لدى الشعوب العربية.
الفراغ السياسي العربي يفرض على مثقفي الأمة اليقظة تجاه مهام المرحلة التي نحياها. وهنا في مصر خرجت أقلام جادة مدافعة عن الهوية، وبلغ الأمر في الدعوة إلى البحث عن نخبة جديدة من حيث الشخصيات، وإلى ثورة ثقافية إسلامية وسياسية لتحديد المفاهيم وعدم خلطها.
ورغم الزخم الشعبي في الفترة الأولى للثورة في مصر، إلا أن الانقسام تجسد في تعدد أدوات التعبير عن العناصر المشاركة في الثورة، وانتقلت من العمل على إنجاز مهام الثورة لتحقيق أهدافها إلى تشكيل جماعات وائتلافات وأحزاب تجاوزت المائتين في محاولة لإعلان الوجود الذاتي، ومن خرجوا من ثنايا النظام السابق من تنظيمات دينيه تعددت وتنوعت وجاءت معها بمسألة الهوية وكأن مصر كانت بلا هوية عبر تاريخها، واختلط تزييف المعاني والدلالات الفكرية للتيارات بمحاولات التشويه وسيلة جاهلة لوصمها بغير معانيها ومضمونها تزييفا للوعي الشعبي والسياسي داخل مصر. وانكشف المتصارعون من نخبة أو تيارات وأحزاب بعد الثورة وصار الكذب والخداع الفكري والسياسي وسيلة للوجود ونفي الآخر، وما هو مطروح من برامج يصلح لجمعيات مدنية ولا يصلح لحركات سياسية تعني بأهداف المجتمع وغاياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
وإذا كان مشهد فقدان الأمن داخل المجتمع يطغى على كل المشاهد، إلا أن مشهدا آخر يعرض لحقيقة مريرة لم تمسها مبادئ الثورة ومفاهيمها، وهو مشهد ما يسمى بالدروس الخصوصية لطلاب المدارس والتي بدأت قبل بدأ الدراسة، نزيف للأموال وللأدمغة ولنظام التعليم، يؤكد غياب التغيير داخل الأسر والجهاز التعليمي في مصر.
وحول ليبيا تجري محاولة لوأد معاني خروج الشعب، إلى تحميله مسؤولية جلب الناتو إلى ليبيا، وكأن كان مطلوبا من المقتول أن يختار، والسؤال الجاد ماذا فعلتم انتم في مواجهة قتل النظام الليبي للشعب العربي في ليبيا؟ ولن ننتظر منكم عناء الإجابة، فأنتم كعهدنا بكم لا تفعلون غير النقد هنا وهناك وتتمترسون خلف دعاوي أن الغرب يريد، ولكن لم تعلنوا وتعملوا لما تريدون، وهاهي الساحة باتت مفتوحة على مصراعيها لكم لتقاوموا مشاريع الغرب والناتو، ولعلكم تدركون أنها تفتيت الشعب والأرض، قبل أن ترونها مجرد أموال النفط.
الإنجاز الشعبي في تونس ومصر وليبيا، وما يواجهه الشعب العربي في سوريا واليمن يفرض مراجعة الفراغ العربي، وخواء الفكر السياسي والتنظيمي العربي والذي أحال أمره إلى مؤتمرات أخذت مسمى الحوار فهو مرة عربي عربي، أو عربي إسلامي، ولم يخرج لنا غير أسماء ومسميات، ولم ينهض بملء الفراغ السياسي العربي.
قد يمكن للتداعي أن يعوض غياب الرؤى في بدايات حركة الثورة، ولكن التحديات التالية لإنجاز إزاحة النظم شديدة الجدية وتحتاج إلى الوعي وقيادة للثورة وشعب ينتج القيادة ويصطف في خدمة مهام الثورة ولتحقيق أهدافها.
رفعت الثورة العربية الغطاء عن حالة التردي الفكري العربي، وكشفت الغطاء عن غياب العمل الجماعي داخل الأوطان، وكشفت النخب العربية وغيابها عن إرادة الشعوب، وكشفت أن هناك انقطاعا في التواصل بين الحاضر وبين التاريخ، حتى أن أحداث العراق التي مازالت جارية بين أيدينا غابت دروسها عن وعي النخب العربية.
الثورة الشعبية في مصر كشفت الغطاء عن كل القضايا وبلا استثناء، الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاستبداد الأمني وقضية الأمن القومي ومواجهة العدو الصهيوني والمخاطر المحيطة بسيناء، حتى أن الأنفاق بين غزة ومصر انتقلت بالفعل غير المسؤول من أداة للأمن القومي المصري إلى خطر على الأمن القومي المصري شأنها في ذلك شأن إخلاء سيناء من الجيش المصري والذي تتحدث بشأنه إسرائيل بصلف وغرور وإنها تملك حق القرار بشأنه. وصار مطلوب من الإرادة المصرية ألا تقبل بواقع يؤدي إلى تفتيت الشعب والأرض المصرية بنفس القدر الذي ترفض فيه واقع الحصار لغزة.
مراحل التحرر والمراحل الانتقالية من أنظمة فاسدة إلى أنظمة وطنية لا تكفيها الشعارات، وضجيج البورصة السياسية، بل يعوزها الوعي والثورة الثقافية حتى وإن طالت تلك الفترات وزادت فيها التضحيات.
الإحباط ترف لا تستطيعه الشعوب الثائرة، ولكن التحديات تفتح الأفق للثورة الثقافية العربية الجديدة، وهي مهمة يجب أن تجد رجالها، والشعوب قادرة على إنجازها، ويجب أن تنجزها.
ويبقي أن نكرر قول سبق وأن كتبناه هنا من قبل، عندما يطلق نظام الرصاص على شعبه هو أذان بسقوط النظام مهما كان ما ينطق به من أقوال وشعارات، رصاص النظم العربية في صدور الشعوب يسقط شرعيتها مهما كانت شعاراتها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4326
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4254
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1476
| 13 مايو 2026