رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مصر بعد 25 يناير غير ما كانت ولن تعود للخلف. والعرب بعد يناير 2011 غير ما كانوا عليه، ولكنها مسؤولية لم تتحدد معالم الطريق لأدائها.
يبدو المشهد العربي كما يصف الكثيرون حال محل للكريستال دخلة ثور هائج، وحول كل ما فيه من آنية كريستال إلى شظايا متناثرة.
وتبدو مسؤوليتنا الأولى في "ترويض النمرة" أو الثور في حالتنا العربية.
هناك اتجاه يمارس عقدة المفعول به، وينطلق من ثقافة الهزيمة كما يصفه البعض، وينسب كل ما يجري على الأرض العربية إلى أيد خارجية، تنفذ مخطط الفوضى الخلاقة بصور متعددة، وغاب عن وعيهم أن هناك شعوبا يمكنها أن تنتفض وتثور.
عقدة الغرب الذي يفعل ما يريد، والكفر بإمكانية الشعوب، وقدرتها على الثورة ودفع ثمن التغيير، تتحكم وتقود تيارا رئيسيا داخل العقل العربي، وتلهيه عن مسؤولياته الحقيقية تجاه إنجاز الشعوب العربية ودماء شهدائها.
بداية هل يقاتلنا الغرب وأمريكا وإسرائيل بهدف الاستيلاء على الثروات العربية؟ أم أنه الصراع الحقيقي بأبعاده الحضارية الكاملة بين الشرق والغرب كما قال روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكي السابق ومدير المخابرات المركزية الأمريكية مطلع التسعينيات عند انهيار الاتحاد السوفييتي: إن المواجهة مع الاتحاد السوفييتي كانت صراعا داخل الحضارة الغربية، وحدد يومها أن الصراع مع الشرق الحقيقي يبدأ الآن وفي القلب منه الإسلام. هذا قوله يومها وكان العرب قد صدموا وتلقوا مخططات التقسيم للوطن العربي إلى دويلات في خطط صهيونية نشرت مطلع الثمانينات ولكنهم يومها كانوا تحت براثن حكام يرون أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، وتملكهم الوهم أن دور التابع يحول بينهم وبين خطط التقسيم.
نجح الغرب والنظم التابعة له في تفريغ النضال الوطني العربي من مفهوم الاستقلال الوطني ومن مفهوم القومية العربية ومن مفهوم العدالة الاجتماعية وكانت معادلة السيطرة الرئيسية ضرب الأنظمة العربية التي رفعت رايات هذه المفاهيم وإحلالها بأنظمة تابعة، وعزلها عن شعوبها.
كان المتبقي لدى الحضارة العربية حائط الصد الأخير وهو الإسلام وحضارته، وكما جاء لورانس العرب إلى الجزيرة العربية في لباس عربي ليقيم دولا ويقضي على وجود عربي يمثل الإسلام فلب حضارته، ويحوله إلى حكم يمثل ظلا للغرب، كانت دعوة الجهاد ضد الإلحاد المتمثل في الوجود السوفييتي في أفغانستان بداية جديدة لدور جديد في استخدام الإسلام ومفاهيمه أداة لتفجير الوحدة الإسلامية وأخذ وعيها إلى أبعاد جديدة تفوق قدرتها المتاحة وتبعد بها عن الأخطار المباشرة على وجودها والمتمثلة في إسرائيل وخطط التفتيت للأقطار العربية.
لم يتوقف الغرب عند هذا بل دخل في مخطط أمريكي جديد تولاه ديك تشيني وزلماي خليل زادة واليوت ابرامز وبندر بن سلطان لتكريس الصراع المذهبي في الشرق الأوسط بين السنة والشيعة، تعامل آخر مع الإسلام يتمثل في تكريس الانقسام المذهبي وتحويله إلى صراع.
من إهدار للمفاهيم الوطنية والقومية والاجتماعية إلى إهدار للمضمون الحضاري للعرب بإهدار الإسلام كقلب للحضارة العربية واستدراجه إلى صراع أممي ومن ثم السعي إلى تفكيك مضامينه وتكريس الصراع المذهبي، كل ذلك كان غايته تفكيك وحدة الشعوب العربية، لأن الصراع لا يرتبط بزمن أنظمة موالية لهم، ولكنه صراع يرتبط بمدى الحياة ذاتها.
وفقد العرب الوعي بطبيعة الصراع العربي الصهيوني في كونه مواجهة مع استعمار استيطاني لفلسطين لعب الغرب فيه الدور الرئيسي، إلى كونه مشكلة إزالة آثار عدوان 67، وضاعت القضية الفلسطينية في ردهات الدبلوماسية العرجاء، التي لا ترتكز على أي قوة بل أهدرت قيمة الانتفاضات المتوالية للشعب الفلسطيني، وصار الرجاء والتمني والصراعات الداخلية هي سبيل تحقيق إنجاز في المفاوضات تقبل بالمتاح والطرف الآخر ليس لديه ما يعطيه، وصار العرب في نهاية المشوار وعلى أعتاب ثورات تونس ومصر يفاوضون من أجل جندي إسرائيلي أسرته المقاومة الفلسطينية، بينما لا يحركون ساكنا سواء لآلة القتل الصهيوني أو لاطراد التطور العسكري الإسرائيلي الذي يفوق احتياج إسرائيل لما يسمى الأمن، ولعلي لا أتجاوز الحقيقة أن أقول إن إسرائيل هي القوة العسكرية العظمى في عالمنا المعاصر، فليس مقياس عظمة القوة العسكرية في حجم ما تملك من عتاد، ولكن قيمتها في تنوع العتاد وحرية القرار دون قيود من قانون دولي أو قيود دولية.
هذا هو الفراغ العربي الذي جرت فيه ثورة الشعوب ضد نظم الاستبداد والتفريط الوطني في أقطارنا العربية. ونذكر هؤلاء الذين يدعون أن هذه الثورات صناعة غربيه بوقائع انفصال الجنوب عن الشمال في السودان والذي صارت خريطته الجديدة دلالة العجز والهزيمة للنظام العربي القائم. ولا يجب التغاضي عن أن مسؤولية انفصال الجنوب السوداني يتحملها أولئك الذين رفعوا رايات إسلامية وعجزوا عن حماية التراب الوطني، وكان العالم ينتظر إعلان قيام دولة الجنوب، وحاكم الشمال يعد الشعب العربي في الشمال أنهم يتحررون اليوم لإقامة الشريعة الغراء، ومازال العالم ينظر إلى السودان كبلد معد لتقسيم جديد بانفصال دارفور عن ما تبقى من سودان البشير.
ولكن كما كان مشهد قتل محمد الدرة "رحمه الله" في فلسطين أداة لإسقاط عشرين عاما من استراتيجيات السلام، كان محمد بو عزيزي "رحمه الله" أداة لتفجير طاقة التغيير لدى الشعوب العربية.
الفراغ السياسي العربي يفرض على مثقفي الأمة اليقظة تجاه مهام المرحلة التي نحياها. وهنا في مصر خرجت أقلام جادة مدافعة عن الهوية، وبلغ الأمر في الدعوة إلى البحث عن نخبة جديدة من حيث الشخصيات، وإلى ثورة ثقافية إسلامية وسياسية لتحديد المفاهيم وعدم خلطها.
ورغم الزخم الشعبي في الفترة الأولى للثورة في مصر، إلا أن الانقسام تجسد في تعدد أدوات التعبير عن العناصر المشاركة في الثورة، وانتقلت من العمل على إنجاز مهام الثورة لتحقيق أهدافها إلى تشكيل جماعات وائتلافات وأحزاب تجاوزت المائتين في محاولة لإعلان الوجود الذاتي، ومن خرجوا من ثنايا النظام السابق من تنظيمات دينيه تعددت وتنوعت وجاءت معها بمسألة الهوية وكأن مصر كانت بلا هوية عبر تاريخها، واختلط تزييف المعاني والدلالات الفكرية للتيارات بمحاولات التشويه وسيلة جاهلة لوصمها بغير معانيها ومضمونها تزييفا للوعي الشعبي والسياسي داخل مصر. وانكشف المتصارعون من نخبة أو تيارات وأحزاب بعد الثورة وصار الكذب والخداع الفكري والسياسي وسيلة للوجود ونفي الآخر، وما هو مطروح من برامج يصلح لجمعيات مدنية ولا يصلح لحركات سياسية تعني بأهداف المجتمع وغاياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
وإذا كان مشهد فقدان الأمن داخل المجتمع يطغى على كل المشاهد، إلا أن مشهدا آخر يعرض لحقيقة مريرة لم تمسها مبادئ الثورة ومفاهيمها، وهو مشهد ما يسمى بالدروس الخصوصية لطلاب المدارس والتي بدأت قبل بدأ الدراسة، نزيف للأموال وللأدمغة ولنظام التعليم، يؤكد غياب التغيير داخل الأسر والجهاز التعليمي في مصر.
وحول ليبيا تجري محاولة لوأد معاني خروج الشعب، إلى تحميله مسؤولية جلب الناتو إلى ليبيا، وكأن كان مطلوبا من المقتول أن يختار، والسؤال الجاد ماذا فعلتم انتم في مواجهة قتل النظام الليبي للشعب العربي في ليبيا؟ ولن ننتظر منكم عناء الإجابة، فأنتم كعهدنا بكم لا تفعلون غير النقد هنا وهناك وتتمترسون خلف دعاوي أن الغرب يريد، ولكن لم تعلنوا وتعملوا لما تريدون، وهاهي الساحة باتت مفتوحة على مصراعيها لكم لتقاوموا مشاريع الغرب والناتو، ولعلكم تدركون أنها تفتيت الشعب والأرض، قبل أن ترونها مجرد أموال النفط.
الإنجاز الشعبي في تونس ومصر وليبيا، وما يواجهه الشعب العربي في سوريا واليمن يفرض مراجعة الفراغ العربي، وخواء الفكر السياسي والتنظيمي العربي والذي أحال أمره إلى مؤتمرات أخذت مسمى الحوار فهو مرة عربي عربي، أو عربي إسلامي، ولم يخرج لنا غير أسماء ومسميات، ولم ينهض بملء الفراغ السياسي العربي.
قد يمكن للتداعي أن يعوض غياب الرؤى في بدايات حركة الثورة، ولكن التحديات التالية لإنجاز إزاحة النظم شديدة الجدية وتحتاج إلى الوعي وقيادة للثورة وشعب ينتج القيادة ويصطف في خدمة مهام الثورة ولتحقيق أهدافها.
رفعت الثورة العربية الغطاء عن حالة التردي الفكري العربي، وكشفت الغطاء عن غياب العمل الجماعي داخل الأوطان، وكشفت النخب العربية وغيابها عن إرادة الشعوب، وكشفت أن هناك انقطاعا في التواصل بين الحاضر وبين التاريخ، حتى أن أحداث العراق التي مازالت جارية بين أيدينا غابت دروسها عن وعي النخب العربية.
الثورة الشعبية في مصر كشفت الغطاء عن كل القضايا وبلا استثناء، الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاستبداد الأمني وقضية الأمن القومي ومواجهة العدو الصهيوني والمخاطر المحيطة بسيناء، حتى أن الأنفاق بين غزة ومصر انتقلت بالفعل غير المسؤول من أداة للأمن القومي المصري إلى خطر على الأمن القومي المصري شأنها في ذلك شأن إخلاء سيناء من الجيش المصري والذي تتحدث بشأنه إسرائيل بصلف وغرور وإنها تملك حق القرار بشأنه. وصار مطلوب من الإرادة المصرية ألا تقبل بواقع يؤدي إلى تفتيت الشعب والأرض المصرية بنفس القدر الذي ترفض فيه واقع الحصار لغزة.
مراحل التحرر والمراحل الانتقالية من أنظمة فاسدة إلى أنظمة وطنية لا تكفيها الشعارات، وضجيج البورصة السياسية، بل يعوزها الوعي والثورة الثقافية حتى وإن طالت تلك الفترات وزادت فيها التضحيات.
الإحباط ترف لا تستطيعه الشعوب الثائرة، ولكن التحديات تفتح الأفق للثورة الثقافية العربية الجديدة، وهي مهمة يجب أن تجد رجالها، والشعوب قادرة على إنجازها، ويجب أن تنجزها.
ويبقي أن نكرر قول سبق وأن كتبناه هنا من قبل، عندما يطلق نظام الرصاص على شعبه هو أذان بسقوط النظام مهما كان ما ينطق به من أقوال وشعارات، رصاص النظم العربية في صدور الشعوب يسقط شرعيتها مهما كانت شعاراتها.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6222
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5295
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026