رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبرز قيمة القيادة وقدرتها في وقت الفوضى، حين تتشابك الخيوط، وتختلط الأوراق، ويغشى الطريق دخان الحرائق، وتتعطل البوصلة، تبرز القيمة الحقيقية للقيادة، وتصبح "الفوضى ـ الأزمة" مجالا خصبا لتعمل القيادة "رؤيتها" وبالتالي "قدرتها" على إدارة الفوضى دون أن تصبح طرفا فيها أو يؤدي بها وبالوطن إلى تلاطم عناصر الفوضى.
وما يقول به التاريخ العسكري عن انفلات الرابط الرئيس للجيوش فيما يسمى بالانضباط العسكري، والذي يحدث في أعقاب النصر أو الهزيمة، هو دلالة على المهمة الأولى واستيعاب لرؤية واضحة، إنه دون نظام وانضباط ليست هناك إمكانية وجود للجيوش، وبدون رؤية ليست هناك عقيدة قتالية، ودون الانضباط والعقيدة تتحول حالة الفوضى إلى ما يشبه الانفجار الذري لا يبقي ولا يذر.
المشهد في مصر الآن يماثل حالة الفوضى التي تعقب النصر، أحاديث تتناثر حول بطولات كانت، وعن مغامرات تمت، وعن قرارات اتخذت وكانت سبب التحول من "الغضب" إلى حالة "الثورة"، ولكن يهيم في الجو العام سؤال: كيف وصلت الحالة الثورية إلى حالة الفوضى؟ ويمتد السؤال على استقامته إلى ما العمل؟ ولا يعني السؤال إجابة تكشف عن مهام مجهولة من السائل ولكنه في طياته نداء بأن تسمعه شيئا يبعث الطمأنينة في النفس ويريحها ويجلب النعاس الآمن، وهذا في حد ذاته يقضي بأن الحالة الثورية قد غابت لغياب في الوعي والرؤية المستقبلية.
أسئلة كثيرة قد تبدو هي أسئلة اللحظة تسمعها وتجدها من حولك في الفضاء المصري بامتداده الجغرافي والفضاء الذي يغلفه، ومجرد إعمال العقل يقضي بأنها أسئلة خاطئة في لحظة فاصلة.
مست الفوضى الواقع المادي المعاش وتضاريسه السياسية، ومست أيضا الفكر والشعارات المتداولة، وكما قال السادات يوما : "إن الديمقراطية لها أنياب" مبررا لحملات أمنية وضربات يوجهها إلى الحركة الوطنية، وكما ادعى الغرب أن الإسلام دين الإرهاب في محاولة لإجهاض أي حركة مقاومة للغرب ومخططاته، ولحصار أي فكرة ترتكز على المقاومة، فإن مصر تشهد اللحظة إرهابا من نوع آخر قد يصح أن نطلق عليه "الإرهاب بالديمقراطية"، فتحت شعار الديمقراطية والحرية تجري عملية التوريث الجديدة للسلطة في مصر، ولغياب الرؤية لمصر التي أرادها الشعب في شعاره الذي يعتبر إستراتيجية "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية"، صارت الفوضى تمس جذور الثورة وإمكانية تحقيق أهدافها.
بدأت الفوضى بلجنة البشري وما نجم عنها واستفتاء تقسيم الوطن، وحصار الثورة، وها هي الفوضى تنتهي بمشهد دام بماسبيرو في مواجهة مبنى الإذاعة والتلفزيون بينما المذيعة تعلن أنها مواجهات بين الجيش والأمن المركزي "والأقباط" المتظاهرين أمام المبنى مطالبين بإقالة محافظ أسوان على خلفية أحداث حول بناء كنيسة في إحدى قرى إدفو، ولا تتوقف عند هذا الحد بل يبلغ بها الأمر لمناشدة الأهالي للخروج لحماية الجيش من المتظاهرين لأنهم يقتلون الجنود! تلفزيون ما بعد الثورة يؤجج الفتنة الطائفية، ويخرج رئيس الوزراء ببيان هزيل وكذا وزيره للإعلام، ويتم إعلان حظر التجوال في منطقة وسط القاهرة من العباسية إلى الكورنيش، وتخرج مظاهرات تهاجم المنازل في حي شبرا المكتظ بالمسيحيين، وتنتشر الأقوال عن أتوبيسات تحمل شبابا تخرج من المحافظات إلى القاهرة وعن صدامات طائفية بالجيزة ولا تعلم أين هي الحقيقة، وتنشر المواقع الإلكترونية أنباء عن قناصة يقتلون في الطرفين من المتظاهرين والجيش!، أمام ماسبيرو، وصدامات في الإسكندرية بين متظاهرين ويحطمون سيارات دون هوية ولا سبب، وبلطجية فوق الموتوسيكلات تهاجم محلات وسط البلد بالقاهرة.
هشيم أضرمت فيه النار، فوضى نائمة تنتظر من يوقظها، هي فوضى أكثر منها فتنة.
وسبق أحداث ماسبيرو مؤتمر عقد في قنا بصعيد مصر لأعضاء سابقين بالحزب الوطني بقيادة عبد الرحيم الغول يحمونه بالسلاح الآلي، ويتوعدون "احذروا غضب الصعيد"، ويعلنون أنهم سيقطعون الطرق والسكك الحديدية إن تم تفعيل قرارات بالعزل السياسي لأعضاء الحزب الحاكم المنحل.
هنا ووسط هذا الصخب والدماء تتأكد الحاجة إلى قيادة تستطيع أن تعبر الأزمة، وليس قيادة تثير الأزمة الرعب في نفسها، قيادة تملك تصورا واضحا، ولا تخشى في أمر الوطن إرهابا جاء من أحزاب بلا جذور أو جاء من أقزام حولوا الثورة إلى بوابة للعبور لكرسي الحكم.
الفوضى تشمل الأحزاب، ولم تعد الأحزاب جزءا من الحل، ولكن حالة العناد والتبجح بلا أي مبرر من الواقع أو الوجود الشعبي، حولتها إلى مصدر للمشكلة.
وأقزام التاريخ والفكر يطرحون أنفسهم كشخوص بديلة لنظام أسقطته الثورة، وحولوا "شوقهم" لكرسي الحكم دون مرجعية من تاريخ الوطن أو مستقبله، حولوا أنفسهم إلى مؤسسة تقبل وترفض ولا تطرح تصورا لوطن ثار شعبة من أجل "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية".
وتتردد إشاعة عن تغيير الوزارة، ويبقى سؤال ما بعد الثورة الحائر، هل الوزارة هي القيادة؟ وهل تحتاج مصر تغييرا للوزارة أم تحتاج مصر قيادة تملك تصورا للوطن الذي يريده الشعب؟
الأيدي المرتعشة والنفوس الباحثة عن ذواتها دون وطنها هي السبب الرئيسي للفوضى.
لقد وصلنا إلى أبواب الترشيحات للمجالس النيابية تحت سطوة المرتعشة أيديهم والغائبين عن حقيقة إرادة الشعب، وكان مقررا لها الأربعاء القادم ولمدة أسبوع ودون استكمال التطهير لعناصر النظام السابق وما يسمونه بالعزل السياسي، وأصبحنا نتحدث عن التوقيتات ولا نتحدث عن لماذا الانتخابات؟ ومن بين من ومن سنختار؟ المشهد يبدو وكأنهم يطالبون الشعب باختيار المستبد الجديد، فإذا ما اختار الشعب ملائكة من السماء في إطار ذات النظام الحاكم، فهو يختار جلاديه، ويقبل بالاستعباد ما دام لم يتغير النظام.
إنها لحظة الجد، ولا تقبل بهزل الكلمات المغموسة في الجهل.
إنها لحظة لا تقبل منافقة أحد، ولكنها لحظة يجب أن نواجه فيها أنفسنا قبل أن نقتلها.
هي لحظة مراجعة النفس، فالبناء الحقيقي لمصر لن يأتي تحت شعارات لا تتجاوز مجرد بغبغة دون واقع معاش، ولا فوق حمام من الدم، ولكنه يمكن له أن يتحقق إذا استوعبنا حقيقة أن الشعب تجاوز بحركته خلال الأيام الثمانية عشرة الخالدة من بعد 25 يناير، تجاوز من اتهموه بقبوله للخنوع وتجرأوا عليه، وتجاوز من دعوه إلى التوقف دون أن تكتمل مطالبه لأن حلم هؤلاء كان دون رؤية الشعب وإرادته، وتجاوز الأحزاب العاجزة دائما عن التواصل معه أو التعبير عنه وتجاوز قياداتها المكتبية، وتجاوز النخبة وصراعاتها وتطلعاتها وأشواقها التي دفعتها إلى أن تكون حبيسة تداول السلطة دون أي تغيير للمجتمع.
إن لحظة الجد ومراجعة النفس، تفرض عدم القبول بإرهاب تمارسه الأحزاب أو النخبة، ولا تقبل بإرهاب مضاد.
إن كل حجر يلقيه متظاهر، أو طلقة رصاص تطلق، تكسر الواجهات السياسية الباحثة عن ذاتها دون الشعب صاحب الحق الأصيل في الحياة، والتغيير، والدولة الحديثة.
لقد كتب ابني الشاب يوما نداء قال فيه : "لا تقل إنك ضد ولكن قل إنك مع"، الشباب يبحث عن البناء والأحزاب والنخبة تبحث عن وراثة السلطة وكل منهم يقول : "إن الحل هو أنا"!
صراع الأضداد والمتناقضات هو درس الثورة المصرية، جامعة مفتوحة، دروس يومية... ما تدفع ثمنه ولا تجنيه... ينقلب عليك...
درس الثورة الأول... الشعب لا يموت... وإذا أراد الحياة... يستجيب القدر...
ودرس الثورة الثاني... عندما تختلط الأفكار ويتداعى الوعي... يقفز اللصوص على الثورة ولا يمنعهم دم ولا حاجة شعب...
وعندما نلهو بالتاريخ وننسى دروس انتكاسة الثورات... تكون المأساة...
لا تستبدلوا الخصومة...
ولا تركبوا السيارات بدلا من الأحذية المثقوبة... على حساب مفتوح باسم الثورة.
الثورة صراع إرادات... وليست أبدا أحلام سلطة زائلة....
الجوع شرف... واستبداله بأموال وحنايا السلطة الناعمة نهاية لكم... وستبقى الثورة... تولد من رحم الأحزان.
إن تناول الأمور بجدية، يلزمنا بالعودة إلى ما يمكن تسميته "كود الثورة"، وهو ما اتفق على تسميته "بالشرعية الثورية" والشرعية الثورية ليست كبسولات دواء، ولكنها عملية جراحية، ولا يعني هذا أن نفتح بطن المريض ونقص عظام صدره ثم نتساءل ما الذي نريد؟، ولكن المطلوب أن نعلم ماذا نريد قبل ذلك، لابد أن نملك رؤية تجاه النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني، لا تحولوا الثورة إلى حركة مطلبية، ولا تهدروا فرصة تاريخية فتحت أبواب التغيير، ولا تحاصروا الشباب الذي ثار ضد الظلم والفساد والتعذيب، في لقمة عيشه وأرواحه، ولا تحاولوا إغواءه بعد الحصار بمواقع وأموال، ولن يجدي في مواجهة الشعب استعادة نظام أمن الدولة وغيره من الأجهزة وتوجيهها لضرب وحصار الإرادة الشعبية، حتى وإن ظللت أفعالكم شعارات يرفعها الشعب.
إن لم يكن أمامنا سوى تجرع السم الزعاف، فليس أقل من أن نموت بكرامة وشرف.
هذه لحظة القيادة الحقيقية لوطن تعم فيه فوضى الأقوال والأفعال وخرائط الطريق المذمومة، وطن يدرك هويته ولا يريد من يعلمها له أو يسرقها منه، ولكنه يفتقد القيادة والرؤية، فهل يجد الدور التائه فارسه؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5223
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4989
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1710
| 13 مايو 2026