رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهد الأسبوع الماضي وقائع حملت دلالات على حالة الوضع السياسي في مصر، والذي يمكن وصفه بالصخرة المتدحرجة إلى نهايات مرسومة ومقدرة سلفاً. أعلنت النتيجة النهائية لانتخابات الجولة الأولى لرئيس الجمهورية وتقرر أن تكون انتخابات الإعادة بين كل من محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين (5.754.952 صوت) وأحمد شفيق آخر رئيس وزراء في النظام السابق (5.505.127 صوت). جدد هذا الإعلان موجة من الرفض لأحمد شفيق على أساس عدم جواز ترشحه طبقا لقانون ممارسة الحقوق السياسية والذي يمنع من تولى هذا المنصب بالإضافة لمناصب أخرى من الترشح، وتجددت بالتبعية الاحتجاجات على أداء اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية. ظهرت مطالبات بمقاطعة الانتخابات أو إبطال الأصوات، لأن موجة الرفض لكلا المرشحين عالية. انطلقت حملة مرشح الإخوان داعية لحماية الثورة وتحقيق أهدافها، في حين أن المأخذ الرئيسي على الإخوان أنهم تقاعسوا عن الانضمام للثورة في بدايتها وصرح عصام العريان على إحدى القنوات الفضائية يوم 25 يناير "الأمن يتهم الإخوان بأنهم وراء المظاهرات، والأمن يعرف من هم هناك"، وتتوالى بعد ذلك مواقف الإخوان طوال الفترة الانتقالية منذ اللقاء مع عمر سليمان، وكانت في مجموعها ذاتية لصالح مكاسب تنظيم الإخوان ولا تبني مواقف لتحقيق غايات الثورة. تعجل الإخوان المكاسب السياسية المحدودة لصالحهم على حساب اتساع أفق أهداف الثورة وحاجاتها. واتخذت موقفا بالصمت وبالإدانة تجاه المواجهات التي دارت خلال الفترة الانتقالية وكان صمتهم مأخذا آخر عليهم، الأمر الذي أدخلهم إلى جانب القوى المضادة للثورة، وأنهم يصنعون من أنفسهم نظاما استبداديا جديدا. وتعرضت المقار الانتخابية لأحمد شفيق إلى الهجوم والحرق من متظاهرين يرفضون وجوده كمرشح يمثل النظام السابق، ويجب تطبيق العزل السياسي عليه. وشن أحمد شفيق هجوما ضاريا على الإخوان معددا اتفاقاتهم مع النظام السابق ومستخدما نغمة أنهم انقضوا على الثورة لسرقتها ووعد باستعادة الثورة للشعب من سارقيها. وأعلن انتهاء العمل بقانون الطوارئ يوم الخميس 31 مايو. وصدرت الأحكام في قضية محاكمة مبارك ونجليه ووزير داخليته ومساعديه الست يوم السبت 2 يونيو، وقضت المحكمة بالسجن المؤبد لكل من مبارك والعادلي وتبرئة نجلي مبارك لانقضاء أكثر من عشر سنوات على واقعة قبول هدية من حسين سالم (خمس فيلات)، وتبرئة مساعدي العادلي لعدم كفاية الأدلة. ودفعت الأحكام التي لم تشفِ صدور المواطنين وأهالي الشهداء للتظاهر اعتراضا عليها وأيضا المطالبة بتطبيق قانون العزل على أحمد شفيق لتتطور المطالب إلى تشكيل مجلس رئاسي يدير البلاد والعودة إلى مطلب إقرار الدستور قبل إجراء انتخابات الرئاسة. وانتشر بين المتظاهرين أن الثورة عادت إلى يوم 11 فبراير 2011 وأنه وجب استرداد الثورة ورفعوا هتاف "المرة دي بجد... ومش حنسيبها لحد"، بما يعني جدية الخروج على ما يجري. وحدد العديد من التيارات والمستقلين تشكيل المجلس الرئاسي من محمد البرادعي ومحمد مرسي وحمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح وخالد علي كأسماء مقترحة وبدا الأمر أنهم يحاولون الإمساك بقبضة من الماء. ووافق الإخوان على تشكيل مجلس رئاسي، ولكن بعد انتهاء مرحلة الإعادة، وبالتالي أصبح القبول مشروطا بنجاح مرشحهم. إعلان الرفض لكل من أحمد شفيق ومحمد مرسي لا يغير من واقع نتائج التصويت في المرحلة الأولى. في السياسة ليس هناك رغبات وتنازلات تتم وتتحقق بعيدا عن ميزان القوى بين الأطراف في الواقع، وتوافر آليات التعبير عن ميزان القوى. ومجرد الأخذ بنتائج الصناديق ليس دلالة على وجود آلية للتعبير عنها لتغيير الواقع الذي نتج عن هذه النتائج. تغيير هذا الواقع يعني الانقلاب على قواعد لعبة اشترك الجميع في الموافقة عليها، رغم أنها مثلت التفافا على الشرعية الثورية قبل أن تستكمل الثورة تغيير النظام بإزالة أركان الفساد، ووضع دستور هو عقد اجتماعي جديد لمصر بعد الثورة. فاجأت الأرقام كافة الأطراف، ولكن الأرقام المجردة لا تعني بالضرورة أوزانا نسبية في الواقع، فلا نملك مؤشرات تؤكد أن التصويت كان على إطلاقه ترجيحا لموقف أو قبولا لبرنامج بقدر ما أنه كان تصويتا إقصائيا وهو عامل رئيس في تلك النتائج، والخطأ الذي يمكن الوقوع فيه هو الركون إلى الأرقام دون ربطها بالواقع وجودا وعدما. والوجود في الواقع يجب فرضه ولا يتحقق بالنوايا ولا يمنحه طرف لآخر لمجرد الطلب. وفرض الوجود السياسي يتحقق بزخم الاحتشاد الجماهيري المنظم والمستمر وتكون قيمته بمدى القدرة على التأثير والاستجابة للاستدعاء. والسؤال المعبر عن الأزمة هو كيف تريدون أن ينبت العشب على صخرة متدحرجة؟، هذا وهم، لأن طبيعة الأشياء تقضي بأن الصخرة المتدحرجة تقتل أي نبت يجد لنفسه سبيلا للوجود على سطح تلك الصخرة فضلا عن مدى إمكانية أن ينبت العشب على الصخر، أو أن يلتصق بها نبات منزوع من تربته ولا جذور، ليسقط عن سطح الصخرة جراء حركتها. الواقع الذي نواجهه صنعه تحالف المجلس العسكري والإخوان طوال الفترة الانتقالية ولن يتراجع عنه أي منهما طواعية. أغفلت باقي الموجودات السياسية، أحزاب أو أشخاص أو ائتلافات، ثلاثة أمور، عن عمد أو عن غياب للقدر ورغبة للأخذ بالأسهل في حدود قدرتها دون محاولة الاجتهاد لزياد مقدار القدرة كما ونوعا. أغفلوا مقترح الأستاذ هيكل والذي عرضه في أكتوبر 2009 بتشكيل مجلس أمناء الدستور، ثلاثون شهرا مضت منذ ذلك التاريخ دون أن تصدر إشارة أو تعليق بالاستيعاب والقبول أو ببديل آخر أكثر موضوعية. وأسس هيكل لاقتراحه بأن "الحقيقة أننا في حاجة إلى بناء دولة ــ وليس مجرد حكومة أو سلطة". "ونحن في حاجة إلى دستور يكون عقدا اجتماعيا قادرا على أن يصون كل ما هو أصيل في هذا البلد، ويفتح الطريق إلى كل ما هو مطلوب لمستقبله". "أن يكون دوره انتقاليا لثلاث سنوات، يقوم بعدة مهام ضرورية لإعادة قاطرة الوطن إلى قضبانها السليمة بعد قضبان تؤدي إلى لا مكان، كما هو الحال الآن". حدد هدف البناء السياسي، والمهام المترتبة عليه والفترة الزمنية والآلية التي تنفذه. أليس هذا تصورا متكاملا دار الجميع من حوله وأغفلوه، أليس صالحا إلى اللحظة بعد ثلاثين شهرا؟. وأغفلوا دورا ورؤى تصدى لها الدكتور محمد البرادعي، ورغم أن مواكب الحجيج إلى منزله من النخب المرصودة على شاشات الإعلام لم تنقطع، إلا أنها لم تنجح في التوافق مع الرجل. اتخذ الرجل مواقف متوالية في مواجهة النظام وداعية إلى التحرك الشعبي ومتوائمة مع ما يدعو إليه من رؤية ترتكن بالأساس على العدالة الاجتماعية. وأعلن البرادعي انسحابه المبكر من الترشح لمنصب الرئيس، لأن المقدمات لا تنبئ بنتائج يمكن أن تحقق انتخابات حرة. وأظن ـ والإثم في بعض الظن فقط وليس كله ــ أنهم لم يروا في إعلان البرادعي الانسحاب ما كان يعنيه الرجل، ولكنهم رأوا أن عقبة في الطريق إلى كرسي الرئاسة قد زالت، والآن يتحدثون عن استيعاب للدروس، وهم أبعد عن هذا. أغفلوا رؤية وأغفلوا رجلا شريكا وله مواقف يمكن الاقتداء بها، فاكتفوا بذاتهم دون أن يروا الموضوع. وسقطتهم الأكبر هي إغفالهم لعلاقة موضوعية مع الشباب، لا تكتفي بمجرد الشكل والقول، ولكنها عجزت عن تجاوز الشكل إلى التفاعل والالتقاء التنظيمي، فهذه مهام تحتاج لعرق لا يتناسب وما يرونه لأنفسهم الآن، وهو موقف يعتبر استطرادا لعزلة هذه الموجودات السياسية عن القوى الاجتماعية في المجتمع. انعدام التراكم للأفكار والمقترحات والتفاعل معها، والاغتيال المعنوي للأشخاص وإزاحتها، والانفصال عن حركة الشباب ومطالب القوى الاجتماعية، أفضى إلى فوضى سياسية عارمة شملت الرؤى والمهام والآليات، وأحالت الحركة السياسية إلى ردود أفعال يتولاها رجال القانون، الذين ملأوا الدنيا صياحا، ونسي الجميع أن حديث القانون يتلون حديث السياسة، والاتفاق على الرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع تسبق الدستور، واعتبروا أن كل الأشياء مؤجلة حتى يحتلوا عرش الرئيس، اختزلوا الثورة، فساوى الشعب بينهم جميعا ولم يغلب أحدهم على الآخر. العلاقة بين كافة الأطراف تتسم الآن بالتنافر وانعدام الثقة. وليس أدل على ذلك أنه ليلة السبت في ميدان التحرير كان عبور أي من عناصر الإخوان المعروفين يستدعي فورا مظاهرة من حوله صاخبة تهتف "بيع.. بيع.. بيع يا بديع"، وهو ما استدعي حشدا إخوانيا قارب الخمسمائة فرد بعد ظهر الأحد ليحملوا واحدا من عناصرهم ذا العلاقة الوطيدة بالمجلس العسكري والداخلية وأمين صندوق العمرة وأموال المصابين الواردة من الخارج، يحملوه على الأكتاف ليهتف "يسقط حكم العسكر" والحقيقة أن الضمير العام للمتظاهرين يهتف "لا لحكم النظام السابق والإخوان" شريكا المرحلة الانتقالية. الأرض المصرية تضربها ريح سوداء، والأفعال المتبادلة تزيد احتمال تحول الريح إلى إعصار مدمر. الطريق ملئ بألغام قابلة للانفجار ولا يحاول أحد أن ينزع فتيل الانفجار بالعودة إلى صواب العقل والفعل، هناك مواجهة حول اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، وعناد الأطراف مع الحقيقة والأعراف بلغ مداه، وصارت ورقة للمناورات السياسية. وهناك حكم المحكمة الدستورية بشأن قانون انتخابات مجلس الشعب، والذي يمكن أن يؤدي إلى حل المجلس، هو ورقة ضغط بين أطراف الصراع على السلطة، يلوحون به ولا يستخدمونه. وهناك حكم المحكمة الدستورية بشأن قانون ممارسة الحقوق السياسية، وهو يهدد نتائج انتخابات الرئاسة، ويهدد شرعية الرئيس القادم، وهناك بلاغات أمام النيابة بوقائع منسوبة إلى أحمد شفيق، مازالت دون التحقيق، والتعامل معها ببطء يوحي أن التباطؤ موقف من جهة التحقيق. أيا كان الرئيس القادم، وسط هذه الأجواء والمعطيات ستكون شرعيته محل طعن قانوني أو سياسي، وستكون هذه الطعون مبررا للخروج عليه وفي مواجهته. هناك ضرورات موضوعية لاستكمال الثورة، وما زالت هذه الضرورات قائمة، فلا خشية على مستقبل حركة التغيير في مصر، لكن الطريق لن يكون سهلا أو آمنا، ولا تبدو البدائل فيه واضحة، أو مجدية. كل شيء غائم، والأطراف لم توفر ذاتيا قدرة تدفع بها لقيادة المهام، وتتزايد الأطراف تباعدا فيما بينها وتنافرا وتربصا، فهل تستطيع كافة الموجودات السياسية في مصر أن تحل أزماتها الذاتية وإلا تصر على تصديرها إلى الوطن، فهم جميعهم لن تسفك لهم دماء، ولكن ستسيل دماء الشباب أصحاب المصلحة في المستقبل. صخرة الموجودات السياسية المتاحة في مصر الآن متدحرجة ولن ينبت عليها عشب، بل ستصطدم بسلسلة جبال العجز المتراكمة، وعندما تتحطم هل ستكون مصر قد انبتت للثورة قيادة حقيقية؟.
1024
| 05 يونيو 2012
نتائج انتخابات رئاسة الجمهورية في مصر تبعد كثيرا عما يدعيه المتألمون والمتعجلون ورجال الثورة بالحركة العشوائية بعيدا عن أهداف الثورة ومهامها دون الوعي بحقائق التاريخ واحتياجات الشعب. أكدت نتائج الانتخابات المعلنة أن الشعب، رغم كل الادعاءات بقصور وعيه، وإمكانية استغلال فقره، وقصر نفسه، أعاد الكرة إلى الأساتذة في الأحزاب والنخبة المتكلمة والمحللين والإعلام، أعادها إليهم ولسان حاله يقول: ليس بينكم من أريده، أنتم فرقاء وقلوبكم شتى، أهدرتم الفترة الانتقالية بالمناورات والهرولة لاقتسام فطيرة الشيطان بدم الشهداء وتحويل أهداف الثورة إلى ورقة توت تسترون بها عوار حقيقتكم بعد سقوط أقنعة الزيف. ألقى الشعب القفاز في وجه الجميع، لينظر ماذا هم فاعلون؟ هو ذاته الشعب الذي خرج في ثورة يناير بالملايين، وأخذ يطور بإرادته مطالب الشباب الذي فتح الباب للتغيير، وكسر حاجز الخوف بإصرار سلمي أدهش العالم، وأسقط رأس النظام، وحدد مقاصده العليا في "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية"، ودخل معادلة التوازن السياسي داخل وطنه، وأمسك بها ولم يفرط فيها حتى الآن. وهو ذاته الشعب الذي أعطى الجميع فرصة أن يعرضوا بضاعتهم، وخياراتهم، ولكن ما غاب عنهم أنه بذكائه الطبيعي أمسك بيده القرار، وقبل بصندوق التصويت بديلا عن الشرعية الثورية، ولكن مقاصده لم تغب عن إدراكه، وفتح دفتر حساب للأقوال والأفعال وحتى الأشخاص. هو ذات الشعب، الحقيقة فوق الأرض، الواقع، وليس الوهم الذي يحياه المتكلمة باسم الثورة وعنها ونصبوا أنفسهم من شاشات التليفزيون وصفحات الجرائد وسيل الكتب، حكما على صواب وخطأ الشعب، وعندما يتجسد عجزهم عن إدراك الأولويات، يتحولون إلى اتهام الشعب أنه أهدر الثورة، وهو الذي صنعها بصبره، ولم يتعايش مع نظام الفساد. لم يصنع الشعب لنفسه تنظيما أو جماعة غايتها أن تصعد على الأمة إلى سدة الحكم. هذا الشعب المعلم أعاد الثورة إلى المربع الأول، كشف كل المستور، مكونات النظام الذي سعى إلى إسقاطه، السلطة، والأحزاب الكرتونية، والنخبة المتهالكة، وجماعة الإخوان، بل أظهر ما كان خافيا في الأنفس والضمائر، وتعايش البعض مع نظام الفساد قبل الثورة وبعدها، وراح يسأل كافة المتكلمة ما هي خياراتكم وماذا تعلمتم؟ ليكشف عجزهم وقصورهم عن إدارة الأزمة وإهدار الفرص المتتالية. الشعارات المعلبة، واستأذن المرحوم محمود السعدني، "الحنجورية"، تثير من الأتربة ما يحجب الطريق وحقيقة الصراع، وها هي الحركة السياسية تقف حائرة مصدومة بين شقي الرحى، بقايا نظام الفساد، وسعي التنظيمات المتأسلمة للاستحواذ على الوطن ومقدراته، في مشهد وكأن الثورة تقيم ديكتاتورية دينية بديلا عن ديكتاتورية واستبداد النظام السابق. أسقط المستشارون والنخبة والأحزاب حقيقة معاناة الشعب الاقتصادية والاجتماعية من اعتبارهم، واستبدلوها منذ لقاءاتهم خلال الأيام الثمانية عشرة الأولى للثورة مع ممثلي النظام، برغبة تبادل السلطة، والشعب لا يعدو مجرد الوسيلة وفقط. خلال السعي للسيطرة على السلطة، جرت محاولة لتغيير هوية الوطن، بادعاء إعادته للإسلام، فانحرفوا بالثورة عن غاياتها وبديلا عن المراهقة الثورية واليسار الطفولي، ظهرت المراهقة الدينية والتأسلم الطفولي، ليزيدوا غربة الشعب في وطنه بغربة عن الدين، الذي كان ملاذه الأخير. كشفوا عن أنفسهم بفجاجة وبأسرع مما يتوقع أحد، فرد لهم الشعب الصاع، وصفعهم لعلهم يفيقون ويعودون عن غيهم. خاض الشعب أربع غزوات للصناديق كما أطلق عليها شيوخ الفضائيات، وكانت البداية استفتاء التعديلات الدستورية، وأخذ بما قالوا وقال نعم على التعديلات الدستورية ولم يساوره شك في مستشاري السوء، ولم يظن فيمن يدّعون التدين احتمال الكذب والنزوع إلى الهوى. وصبر الشعب على الانفلات الأمني والمعاناة الاقتصادية، وتحمل التسويف والتباطؤ والتواطؤ، وقدم القرابين من دم وأرواح أبنائه، وعاش مؤامرة الصمت الكبرى وتشويه ثورته من الإخوان، بل إن اتهامات تتسرب من أعلى سلم السلطة بأن أعمال القتل في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء يتحمل أفراد ينتمون إليها المسؤولية عنها، أنباء تقال خلف الأبواب ولا تخرج للنور، وتثير من علامات الاستفهام أكثر مما تكشف من حقيقة. شارك الشعب في انتخابات مجلس الشعب، وأسقط عناصر النظام السابق، وتجمعت أصوات الرفض في "حصالة" الإخوان والسلفيين، خاصة أن هذه الحصالة الفارغة كانت ترتدي مسوح التقوى والدين، وعندما كشفت ممارساتهم حقيقة النزوع إلى الاستحواذ، امتنع عن المشاركة في انتخابات الشورى وتركهم لأنفسهم، ولم يفهموا الرسالة. عاش الشعب درس النكسة والكذب، وأدرك أن الوطن بلا دستور هو وطن في فراغ تتنازعه الأهواء الذاتية، لغياب العقد الاجتماعي الجامع بين أبنائه. وتتكشف حقائق الاستحواذ في أمر تشكيل الجمعية الوطنية للدستور، ورغم حكم المحكمة الذي يقضي بأن أعضاء الجمعية من خارج المجالس النيابية، واتفاقهم مع باقي الأحزاب بما لها وما عليها، إلا أنهم نكصوا عما اتفقوا عليه، وعاندوا الحقيقة وحكم المحكمة، وأشهروا سلاح الأغلبية في وجه المنطق والأعراف. زاغ بصر الأحزاب الكرتونية والنخبة المترهلة والجماعات المستحوذة، وتجاوزوا ضرورة صياغة الدستور التوافقي بين الشعب قبل انتخابات الرئاسة، الجميع مسؤول، ولا يستثنى أحد، أخذت ببصيرتهم وبصرهم شعارات لا دلالة لها في مسار الثورة غير الانقلاب عليها، وصارت الثورة تبتعد عن الفعل والمضمون، وانشغل جزء كبير ممن شاركوا فيها في سباق حصاد في غير موعده، على حساب مسؤولية إنجاز المهام، ويدفع الشعب الثمن أيضا، ويصبر حتى على الإحباط والاكتئاب الذي أحاط بالوطن وأبنائه. وهللوا لصورة الرئيس المخلوع في قفص الاتهام، وانحسرت المحاكمة جنائيا في أمر قتل المتظاهرين، واختفت الأدلة، ولتصدر أحكام البراءة على المتهمين بمباشرة عملية القتل، فهل محاكمة الرئيس ستدينه هو بينما أدواته بريئة؟، وتنتظر مصر حكم المحكمة في الثاني من يونيو، فكيف سيكون تأثير هذه الأحكام على كافة الأطراف إن حصل الرئيس على البراءة لعدم كفاية الأدلة؟. ووصل الركاب فوق دواب عرجاء إلى انتخابات الرئاسة، وتذكروا قانون العزل السياسي، وطغيان المادة 28 التي تحصن قرارات لجنة الانتخابات ضد أي طعن والتي وافقوا عليها ودافعوا عنها، وتصاعدت نغمة فساد النظام وفساد من عملوا فيه، وازدوجت المعايير طبقا للأهواء، فجاء القانون متأخرا، ويكاد يكون قانونا يتضمن الأسماء أكثر من كونه قانون مجرد. استهدف القانون حرمان عمر سليمان رئيس المخابرات السابق وأحمد شفيق آخر رئيس لوزراء المخلوع، من الترشح لمنصب الرئيس. وخرج عمر سليمان من القائمة لخطأ لا يقع فيه صبية صغار وليس حملة الرئاسة لمدير المخابرات السابق، وذلك لأنه فقد 31 توكيلا في إحدى المحافظات، وكأنه خلال أربعة أيام بين ترشحه واستبعاده، كانت مهمته إزاحة خيرت الشاطر مرشح الإخوان وحازم أبوإسماعيل مرشح السلفيين، وفوق ذلك كشف حقائق الاتصالات والاتفاقات بينه وبين الإخوان وقت أن كانت الثورة بالميدان، وليكشف أن مصر لن تقبل بدولة دينية، ويشير إلى علاقات خارجية وكيانات سرية، مهمة محدودة نقلت الصراع من خلف الأبواب المغلقة إلى العلن. ولم يستطيعوا بقانون العزل إقصاء أحمد شفيق، ولم يركن شفيق إلى الدفاع في مواجهة الاتهامات التي يتعرض لها، بل بادر بهجوم على من يتهمه أنه كان يعمل بين الثوار لحساب أمن الدولة، لتأكل القطة السنة الادعاءات، وتذهب إلى ثلاجة النائب العام. وسط ذلك كله خرج الشعب ليدلي بصوته في انتخابات الرئاسة، وليعلن أن الإرادة إرادته، وأن ما هو معروض عليه، ليس فيهم من يريده، وحملت الأرقام الأولية إشارات ورسائل بالغة الذكاء والوضوح. خسر الإخوان ثلثي المتعاطفين معهم، وخسروا معاقل كانت محسوبة لهم في الإسكندرية والشرقية ووسط الدلتا. ومقارنة أولية بين ما حصل عليه مرشحهم في انتخابات مجلس الشعب بالإسماعيلية (قرابة 235 ألف صوت) وما حصل عليه مرشحهم للرئاسة (92 ألف صوت) تؤكد هذه الحقيقة، وتحدد حجم تنظيم الثمانين عاما وقدرة المال والدين على الخداع واستمرار التأثير على الشعب الفقير والأمي. احتل مرسي مرشح الإخوان وشفيق مرشح النظام السابق، موقعي الصدارة بفارق لا يتجاوز نصف في المائة، وكشف حجم الأصوات التي ذهبت إلى حمدين صباحي والذي جاء ثالثهم، أن هناك كتلة من الشعب لا يمكن تغافلها لا تريدهما، وأن ادعاء الغلبة والقدرة هي أوهام لديهم عراها تصويت في الإسكندرية معقل الإخوان لينال حمدين المركز الأول وينال مرشح الإخوان نصف أصواته، ويتفوق عليه بأربعة أمثال في كفر الشيخ، ويحصد شفيق الأصوات في الشرقية، وليبين للإخوان قبل غيرهم، حجم الوهن الذي نالهم بأفعالهم، ويتكرر المشهد في القاهرة فيحصد حمدين قرابة المليون صوت وكذلك شفيق، وينال مرسي نصف المليون. هذه الأرقام وتوزيع الموقف الشعبي بطول الوطن وعرضه يؤكد أن دخول الشعب معادلة التصويت، وأيضا رغم الفقر والأمية، كان إعلانا بأنه قادر على تجاوز النخبة والأحزاب الكرتونية والجماعات، وأنه مصدر القرار، حتى وإن كان القرار العودة بالثورة للمربع الأول لاستكمال مواجهة تحدي تغيير النظام لتحقيق مقاصد الشعب العليا وحاجاته المعيشية، ولكنه هذه المرة يملك خبرة الثمانية عشر شهرا الماضية، وحدد من معه ومن عليه بوضوح قاطع. جورج الخامس يفاوض جورج الخامس، وحسب المقولة الشعبية أحمد يواجه الحاج أحمد، وفرضت النتائج الاختيار بين أحمد شفيق المجهول الهوية والمنتمي للنظام السابق، ومحمد مرسي المنتمي للإخوان بكل تجربة التعامل معهم طوال الفترة الانتقالية والتي لم تترك لهم أي هامش للثقة فيما يقولون أو يعدون، بالإضافة لحالة الاستعلاء التي يتمتع بها كلا المرشحين. تحيط بشفيق مسؤولية حدوث معركة الجمل، وقضايا أمام قاضي التحقيقات، ويحيط بمرشح الإخوان المسؤولية عن الدم في كافة المواجهات التي استمرت طوال الفترة الانتقالية، والتي لم يصمت عليها الإخوان فحسب بل شاركوا في تشويه من شارك فيها ولم تسلم منهم سيدات جري سحلهن على الأسفلت أمام عدسات المصورين. وخرج علينا نواب منهم ليطالبوا بقانون يجرم المظاهرات، وكأنهم لم يستوعبوا درس يناير ان الشعب عندما يريد لا يحول بينه وبين إرادته قانون أو قوة أيا كان مداها فهو صاحب الحق الأصيل في وطنه. ويحيط بالإخوان وصمة اتفاقاتهم مع عمر سليمان بالانسحاب من الميدان مقابل الإفراج عن المقبوض عليهم منهم والسماح لهم بالعمل العلني. قد يرى البعض تساوي كفتي الميزان، ولكن هل قضايا فساد النظام السابق وخياراته أقل وطأة من قضايا الانقلاب على الثورة وخيانة دم الشهداء وحاجات الشعب؟. تتوالى الأسئلة أمام من يدعون أنهم يملكون الاختيار. هل ستضعون البيض كله في سلة واحدة؟ ويملك الإخوان كافة مراكز القرار، وبديلا عن تنظيم عنكبوتي، ننتقل إلى مرحلة السيطرة العنكبوتية على الدولة؟. إذا كان أحمد شفيق يتمتع بالخواء السياسي والاجتماعي وانعدام الرؤية الاقتصادية البديلة، فما الذي يختلف فيه محمد مرسي وله ذات المواصفات حتى أن برنامج النهضة الذي يتحدث عنه يصفه الخبراء أنه أكثر يمينية من برامج الحزب الوطني. وإذا كنتم ترفضون أحمد شفيق وتضعون شروطا لمنح محمد مرسي أصواتكم، فهل سيستجيب لكم الشعب أم أنه سيسحب منكم الثقة؟ الشعب أدرك أنه امتلك قدرة التعامل مع نظام أنتج شفيق، ولكنه لا يثق في إمكانية التعامل مع جماعة (غير قانونية) أنتجت مرسي. كتبت سيدة على تويتر تقول لو تحدث مرسي مرة أخرى سيخسر أصوات الإخوان أنفسهم!! الشعب أكثر نضجا ووعيا وذكاء، ووضعكم أمام الاختيار الصعب، ولكنه حاسم لأمره، إنه لن يفوض أحدا على بياض. القادم هو استمرار للثورة، ولكن استمرار الثورة حتى بالدم أقل خطرا من حرب أهلية بين أدعياء الثورة وبين الشعب.
482
| 28 مايو 2012
يتجه الناخبون المصريون يوم غد الأربعاء 23 مايو 2012، لانتخاب أول رئيس للجمهورية بعد ثورة يناير 2011، ورغم محاولات صبغ الأمر بأن القادم رئيس للجمهورية بالانتخاب الحر المباشر، إلا أن حالة من الحيرة تتزايد ولا تنقص تنتاب قطاعا واسعا بلغ في تقديرات استطلاعات للرأي 37% من العينات التي جرى استطلاع رأيها ولم تحدد بعد من تختار!، والأكثر وضوحا في موقف عدم الاختيار، فئة تبلور في يقينها مفردات الثورة وأهدافها، فاختلفت أسباب الموقف وتنوعت، وأثار أمر وجوب الاختيار علامات استفهام عديدة، أثارت من الحيرة أكثر مما أجابت على الأسئلة. التقسيم المباشر للمرشحين إلى عناصر من النظام السابق، وعناصر من التيار الديني، وعناصر من اليسار، وآخرون لم يثيروا انتباها، لم يعد وحده معامل المفاضلة، والبرامج كانت تحمل كلمات أكثر منها خططا، وتداخلت السير الذاتية للأشخاص في تقديرات المواقف ومن المتابعة لها، فإن أغلبها يحمل من الحقائق والوقائع التي تحجب الثقة، ما لا يمكن وصفه بالشائعة أو التشهير، ولكن أي منصف ومتابع للحركة السياسية يدرك حقيقتها، وهي تظهر ببطء، رغم الالتزام بالإحجام عن تأكيد أي منها أو نفيه، ممن عاشوا وقائعها ونتائجها في حينها. ظاهرتان واضحتان، أنه رغم رفض عناصر النظام السابق، إلا أن الزخم من حول أحمد شفيق يمثله عناصر الحزب الوطني المنحل من ناحية، والرفض المتزايد لعناصر التيار الإسلامي جراء تقلص الثقة فيه بعد انتخابات المجالس النيابية ووقائع ما دار بالجلسات والاشتباكات على غير قضايا الثورة والتأرجح بين مواجهة المجلس العسكري والحكومة، ومأخذ آخر على موقفهم من استفتاء مارس 2011 بالتعديلات الدستورية ثم الانقلاب عليه ومحاولة البعض منهم الاعتذار عن سابق الموقف، مما يوحي بأن المواقف تبنى على أهواء خاصة وليس على خيارات ومرجعية سياسية ورؤية واضحة للطريق. ورغم ذلك فإن مواجهات مع شفيق تصاعدت بحصار مسجد عبدالرحيم القناوي وهو موجود بداخله، وإلقاء الحذاء في مواجهته أثناء كلمة له بمؤتمر بأسوان ثم إلغاؤه للقاء كان قد أعلن عنه في أسيوط "لدواع أمنية"، وأخيرا مواجهة معه في قاعة المؤتمرات بالقاهرة والهتاف ضده، ويزيد على ذلك أن تحركاته تحاط بترتيبات أمنية مشددة، مما يؤكد وجود تخوفات من اعتداء عليه من المواطنين، وهو أمر لا يحتسب لصالحه. والظاهرة الثانية يمكن وصفها بمقولة "قلوبنا معك وأصواتنا عليك" وتتمثل هذه الظاهرة في أصغر المرشحين سنا، خالد علي المرشح اليساري، فمصداقية خالد علي كان لها صداها لدى الناس، ولكن مقولة أنه لن يجني الأصوات هي مبرر يسوقه البعض لنفسه لعدم التصويت له، وكأنه بهذا المنطق يتخلص من أزمة الضمير، وهي تأكيد أيضا عن أن التصويت لا يتسق وما يستقر باليقين، وجرى الفصل بين التصويت "الفعل"، وبين القناعة "الفكرة"، مما يعني عدم تحرر الإرادة في الاختيار. خفت بريق عمرو موسى، وتحدث عن شفيق أنه من النظام القديم، وخفت بريق عبدالمنعم أبو الفتوح نتيجة احتسابه على التيار الإسلامي. وتصاعدت أرصدة حمدين صباحي ومحمد مرسي، ولكنهما ما زالا خارج المنافسة، حسب استطلاعات الرأي. وانتقلت احتمالات الإعادة من (موسى ـ أبو الفتوح) إلى (موسى ـ شفيق) أي من (قديم ـ جديد) إلى (قديم ـ قديم)، وكل ذلك يدخل في إطار التخمينات حتى لحظة إعلان نتائج الانتخاب. أعادت هذه الملامح المطموسة والشكوك والاتجاهات المرتدة للخلف، إلى استدعاء حقيقة أن الانتخابات الرئاسية ليست على الإطلاق هي الحل، سواء لاستمرار الثورة، أو لتوقف المواجهة، بل تؤكد أن احتمالات تصاعد المواجهات بين أطراف متعددة بعد إعلان النتائج، هي الأقرب إلى الحدوث. وتحدث الأستاذ هيكل ليزيد من هوة المفارقات، وليزيد من مبررات الفئة التي تقول إنها لا تجد اختيارا تقبل به، ويقول بصراحة: "هناك انتخابات لرئاسة الدولة بعد يومين. وربما سمحت لنفسي أن أقول إنها لن تحل المشكلة. فلقد كان خطاب الانتخابات ذاتيا وشخصيا وإعلانيا في معظمه إذا جاز التعبير. حتى المناظرة الشهيرة بين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح كان ترتيبها وإخراجها إعلانيا. رغم أنها سابقة مهمة في أساليب الخطاب السياسي المصري. وبصرف النظر عن المخاطرة. فإنه لا يبدو لي أن أحدا من المرشحين يملك صورة كافية للحقائق تمكنه من مهام المرحلة. أو يملك رؤية مباشرة. أو قريبة لإمكانية فعل أكيد وتنفيذ كفء.أو يملك طاقما جاهزا لإدارة الدولة فور تسلمه للمسؤولية. ثم إن الجهاز الإداري للدولة على حاله. ولوائحها الإدارية والتنفيذية هي هي. ومجموعات القيم السائدة في العلاقة بين السلطة والمواطن لم تلحق بعد بهيبة الثورة. وفي الوقت نفسه فإن مشاكل الأمن مزعجة، وقضاياه معقدة. ولست أعرف كيف يمكن أن يتصرف أي مرشح إزاء المؤسسات، أو إزاء الأجهزة، أو بالمسؤولية أمام الناس". " لأكون صريحا معكم، هناك انتخابات لرئيس جديد تجري بعد يومين. وهناك مرشحون عدة تقدموا. وقلبي معهم جميعا. لكن خشيتي عليهم وعلى البلد أكبر من تقديري لهم. ولا أعرف ما يدور في رأس كل واحد منهم. لكني أظن أن من يفوز في انتخابات الرئاسة منهم يحتاج إلى معجزة لكي ينجح في مهمته. ولقد سمعناهم جميعا فيما قدموا أنفسهم به إلا أن كل ما سمعناه لم يشف غليلا. فمعظمه أقرب إلى الإعلان والترويج. وربما التعريف بالنفس وتزكية الذات. مع عروض لصور أريد لها أن توحي بالثقة في أصحابها. ولكن الصور لا تكفي لصنع حقائق. هناك من يتصور أنه قادر. وهناك من يتصور أنه يعرف. وهناك من يتصور أن لديه ما يؤهله. وللأمانة فإن كلا منهم قد يكون صادقا فيما يتصور. لكني أظن من مجمل ما سمعت أنه ليس لدى واحد منهم تمثل كامل للحقيقة. أو معرفة كافية بالظروف. أو رؤية واضحة لتحقيق ما يتصوره ويعلنه. ومع ذلك فهؤلاء الرجال جميعا لهم فضل التقدم والإقدام. والجسارة والتجاسر. خشيتي الحقيقية أنهم جميعا في حاجة إلى معجزة!! إضافة إلى طلب المعجزة فإن كلا منهم له مشاكل حقيقية تخصه على الطريق. وإذا حدث واختاره الناس للرئاسة بأصواتهم". ويستطرد: "سوف أقول شيئا قد لا يصح أن يُقال علنا، قد أقول إنني حتى هذه اللحظة ما زلت مترددا في المشاركة في عملية التصويت، لا أعرف لمن أُعطي صوتي". القاعدة العامة والشائعة في مثل هذه الأمور أن يشارك الكل، وأن يختار كل واحد ما يراه الأقرب إلى اقتناعه، لكن المأزق يتأتى من أن يشعر أحد ــ خطأ أم صوابا ــ أن خريطة الطريق.. كل الخرائط لا تؤدي إلى المأمول، أو حتى إلى المأمون، وهنا عليه أن يوازي بين ما يقول به الضمير، وما تقول به واجبات ممارسة المسؤولية السياسية العامة، وكذلك أجدني في حيرة لم أخلص فيها حتى الآن إلى رأي أستقر عليه. أريد أن أشارك بدعوى ممارسة الحق والواجب، وفي الوقت نفسه لا أراني مستريحا للمشاركة. ففي الممارسة الديمقراطية لا يصح لفرد أن يعاند، لكنه أيضاً وبحق الضمير لا يصح لفرد أن ينساق، خصوصا في قضايا مصير!!". تخلص الشواهد وموقف من بلغت الثورة يقينهم، وحديث الأستاذ هيكل ودقة توصيفه للمشهد، أن إشارات الإنذار تتوالى، ولعلها تشي بأن الرئيس القادم لن يكمل ولايته، سواء لعجز في القدرة، أو لعدم استيعاب الحقائق التي أنتجتها ثورة يناير، وأن شبح الصدام يلوح في الأفق، وأن مداه غير آمن، ووعيد أحمد شفيق لمن يتظاهر بأن تجربة تصرف الجيش في العباسية، قابلة للتكرار، يؤكد أن هناك سيناريو جديدا للتعامل مع آليات باتت ملكا للشعب ولن يتنازل عنها، وهي ما بقي، من دروس الثورة، أن اخرج لتُعمل إرادتك بالفعل، وأيا كان الثمن. إن الشباب الذي تحمل عبء كسر حاجز الخوف، ومقاومة الانحراف بأهداف الثورة وتفريغها من مضمونها مطالب بأن يدرك أن القادم فعل بالوعي، يجب أن تكون له قيادته وتنظيمه، وهو بالضرورة مطالب أن يعيد ميدان التحرير ميدانا للثورة وأن يزيل عنه التشوهات التي كان القصد منها تشويه الثورة وحرمانها من قيمتها التي تجلت في الأيام الأولى، أنها فعل للشعب وبالشعب لتحرير الإرادة وبناء نظام جديد يحقق العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. إن الشباب مطالب بأن يغتسل من مهام فرضت عليه في الحملات الانتخابية، وأخذت بناصيته أضواء الكاميرات، لتحول سلوكه من الفعل إلى الكلام. إن مهمة الدستور بين أيدينا، والتفريط فيها وفي خطواتها الواجبة ستؤدي إلى طعنة قاتلة للوطن. إننا مطالبون بعدم ترك الجمعية التأسيسية للدستور عرضة لصراعات ضيقة، وقوى الثورة، صاحبة الحق، وصاحبة المصلحة، مكتوفة الأيدي أو فاقدة الرؤية. إننا مطالبون بأن يكون التعبير الحقيقي داخل الجمعية التأسيسية متضمنا تمثيلا حقيقيا للقوى الاجتماعية، ولكل مكونات المجتمع، حتى وإن تطلب هذا تغييرا في طبيعة تكوين الجمعية والنصوص الحاكمة لها. إن الحوار المجتمعي حول مسودة الدستور يجب أن يأخذ مداه، من حيث الوصول به لجميع مكونات المجتمع، واحترام رؤاهم، وإتاحة الزمن الكافي لهذه المهمة. إننا مطالبون بإدراك حقيقة العديد من التشكيلات، خاصة أنها ما زالت وليدة، وبدون تجربة تشحذ قدرتها، والمثال على ذلك نقابة الفلاحين، والتي عقدت لقاء احتفاليا يوم الأحد 20 مايو لمرور عام على تكوينها، والذي تحول إلى واقعة كاشفة، بأنه ليس مجرد إطلاق الاسم يعني تحرير إرادة الفلاح في التعبير عن ذاته واحتياجاته، إلى حد أن مجرد محاولة من أحد الحضور للتعبير عما يعانون من مشاكل، استدعى التعامل الجسدي معه، ممن يكونون شريحة الانحراف الجديد، بسلوكيات أمنية استدعت من بعضنا التدخل لإثبات أن هذا الفلاح الشاب هو صاحب النقابة وليس غيره ممن يرتدون مسوح الولاء لسلطة توهموها، فاستعدوا أصحاب الحق الأصيل. هذا ما وصلنا إليه، استمرار لفترة انتقالية جديدة، مع إضافة تعبير "رئيس منتخب" ودستور غائب. أيا كان القادم، فلا شرعية له ينتجها صندوق الانتخاب، ولكن مصدرها معامل المتابعة له والمراجعة لأفعاله، ودون فترة سماح أياً كانت تحت دعوى أن يستوعب ويدرك، ليتمكن من اتخاذ قرار. قرارات مواجهة الثورة سهلة عليهم، ومارسوها طوال 18 شهرا، ومهام الثورة غائبة عن الوعي بها، وليس أمامنا إلا أن نفرضها، وأيا كان الثمن، فهذا قدرنا، وثمن واجب لتحرير الشعب وتحقيق غاياته في العيش والحرية بمعناهما الشامل، وتحقيق العدل الاجتماعي.
369
| 21 مايو 2012
يموج فضاء مصر بكلمات وشعارات ومراهقة ثورية وانكشاف للسحر الأسود، جعجعة بلا طحن، والثمن يدفع من رصيد الزمن والشعب والثورة، ويزيد من جرعة الألم والتضحية الواجبة لتحقيق مقاصد الشعب وحاجاته. أطلق اسم "جمعة النهاية" و"جمعة الزحف" على يوم 4 مايو، وجرى استدعاء المتظاهرين إلى ميدان العباسية بالقاهرة لحصار مبنى وزارة الدفاع. شهد الميدان قبل يومين هجوما دمويا على المعتصمين، قتل بدم بارد، وذبح من الرقبة، وتشويه جثث القتلى، وكان الأمر إيذانا بضرورات الثأر، واحتمالات اتساع المواجهة. ذات السيناريوهات التي جرت من قبل. طالب أحد مشايخ السلفيين "حسن أبو الأشبال"، المتظاهرين باقتحام مبنى الوزارة والقبض على أعضاء المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة "وإعدامهم"!! وذهب إلى مقر الاعتصام محمد الظواهري في ثلة من الملثمين. انضمت إلى المظاهرة جماعات غير دينية تحكمها رومانسية ثورية وصلت إلى حد المراهقة الثورية، ليصبح المشهد أكثر هزلية، وكأن حالة من الغيبوبة أصابت الثورة والثوار. توقع الانفجار كان قائما، وكانت الخشية أن يؤدي، وعلى غير طبيعة الشعب المصري، إلى حرب أهلية في واقع هش، وكان مرد ذلك هو حرب الاستنزاف التي دارت رحاها في مواجهة ثورة الشعب المصري طوال الفترة الانتقالية، أدارها المجلس العسكري، وكانت الجماعات الدينية أدواتها، إلى أن ظهرت صراعات السلطة داخل المعسكر المضاد للثورة، نتيجة المحاولات المستمرة من الإخوان للاستحواذ الكامل على مقدرات مصر، وانطبقت مقولة غاندي "كثيرون حول السلطة وقلةٌ حول الوطن". ويمكن وصف هذا اليوم بأنه "جمعة تراكم الفشل". الابتعاد عن الثورة وأهدافها: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وانكشاف الغطاء عن فراغ وتصحر الواقع السياسي في مصر، وواقع التنظيمات القادمة من الظلام بلا مشروعات أو قيادات سياسية، دفع بالحالة المصرية إلى "الخيار شمشون"، تهدم المعبد "الدولة"، على كافة الرؤوس، وتلقي بالوطن إلى المجهول الذي لا يقل ظلاما عن النظام السابق. ذهبت كافة التيارات والجماعات إلى الخيار شمشون عندما استبدلت مسؤوليات تلزمها بوجود رؤية سياسية كأساس للوجود في معسكر الثورة، إلى تحديد خصومات جديدة جسدت في مجموعها حالة انقلابية أكثر منها حالة ثورية. واستبدلت وضع إستراتيجية وطنية للثورة، تجمع قواها الاجتماعية وتحشدها، بحالة إقصاء وإدانة بين أشباه القوى السياسية التي ابتليت بها مصر، وبين النخبة المهزومة، وجرى التعامل مع الشعب على أنه مجرد صوت في صندوق، يجري استخدامه لصعود سلم السلطة، وصارت "الديمقراطية" والسلطة "المدنية" هي قمة أدوات الخداع. تراكم الفشل في إدارة المرحلة الانتقالية كانت بداياته فشل المجلس العسكري في إدارتها قياسا على المهام المطروحة، وأقام تحالفات لا تعبر عن حقيقة المجتمع المصري، وفتح الباب على مصراعيه أمام جماعة الإخوان وتمكينها من مشاركته في القرار، وتوصلا إلى صفقة "الوجود للجماعة" مقابل تفريغ الحالة الثورية التي كانت في ذروتها. وتنازع هذا الخيار مع القيمة الوطنية التي يمثلها الجيش المصري، كنواة صلبة للدولة المصرية، في واقع تحيط التهديدات ومصادر الخطر الخارجي كل الحدود المصرية، وأصبح المجلس العسكري طرفا في خصومة مع الثورة، وجرى حساب تحالفه مع الإخوان والسلفيين منذ تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، ثم أداءاته في مواجهة المظاهرات والاعتصامات، وجرى حسابه ضمن المعسكر المضاد للثورة. لم يكن متوقعا أن تصل العلاقة بين المجلس والتنظيمات الدينية داخل معسكر الثورة المضادة إلى المواجهة المسلحة بهذه السرعة، وبهذا القدر من المغامرة إلى حد المقامرة بنزوع التيارات الدينية بطبيعة التكوين إلى تلك المواجهة، وكانت ليلة الخميس/ الجمعة أشبة بليلة إعلان الحرب. ويحاول البعض قراءة المشهد بأن المجلس العسكري أدار مناورة واسعة، هدفها كشف الواقع بكافة مكوناته من جماعات وأحزاب وأفراد أمام الشعب، وأنه راهن على أن كشف الواقع هو السبيل السلمي لتحديد الأحجام والقيمة، ولكن هذه الرؤية يعيبها أنها محاولة لإضفاء الحكمة بأثر رجعي على أداء متردد للمجلس العسكري، حيث استبدلت إرادة الشعب في التغيير وتحقيق أهدافه، بإجراءات غير مكتملة الأركان ما أدي إلى الفوضى السياسية والقانونية والفراغ الدستوري القائم الآن، وفتح المجال لأي مدع للحكم على كيف يكون لمصر دستورها بعد الثورة. ورغم أن تراكم الفشل وتعاظم الأطماع أديا إلى شرخ في معسكر الثورة المضادة، إلا أن رومانسية عناصر شباب الثورة وعدم اكتمال النضج السياسي لرؤية تحدد ما تريده الثورة وتفرضه من مهام، أعطى قبلة الحياة لعناصر الثورة المضادة، ففقد مطلب تسليم السلطة إلى سلطة مدنية النصف الثاني من المعادلة، وهو الإجابة على سؤال أي سلطة مدنية؟ وهل الإجابة على كيف؟ تكون بانتخاب لرئيس؟ ومن هو الرئيس وما معايير الاختيار ومن أين أتى المعروضون على الشعب للاختيار من بينهم؟ وجرى انحراف بمعنى السلطة المدنية بأنها ليست سلطة عسكرية أو دينية، بديلا عن المفهوم الأساسي لها بأنها دولة يحكمها الدستور والقانون، ويتساوى الجميع أمامه، ولم يسع أحد إلى إقرار دستور للدولة، وصار التعامل مع التشريع تعامل تتحكم فيه الأهواء، كما تتحكم في تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور وفي مضمون الدستور والتشريعات، وجملة هذا إهدار لمعنى الثورة بل قتل للدولة أشد وطأة من الدم المسال فوق الإسفلت. استبدلت المسؤوليات السياسية والدستورية الواجبة لتحديد ماهية الدولة المدنية، إلى إجراءات وتوقيتات فارغة المضمون تحمل الشكل أكثر من المعنى، وصار المطلوب ملأ الفراغات، وأي حديث غير هذا يجد آذانا صماء، ولا يجد عقلا يستوعبه. وبديلا عن وضع الأطراف عند مسؤولياتها، جرى الانحراف بالمطالب الوطنية إلى مجرد لغو القول، ويمارسه الجميع بلا استثناء. وعجزت الأطراف المشتبكة مع الواقع والأحداث عن تحديد الحل لما تواجهه الأمة. الكل بلا استثناء يصنع المشاكل برعونة، ولا يطرح حلولا لها، وكأنهم فقدوا القدرة على التعلم، وبدلا من أن يكونوا "حلا" صاروا في حد ذاتهم "مشكلة". ويعلن المتحدثون باسم الإخوان يوم السبت أن الجمعة القادمة مظاهرة واعتصام إلى حين إعادة تشكيل المحكمة الدستورية، ومن ثم تغيير رئيسها، وتبعا لذلك تغيير رئيس لجنة الانتخابات الرئاسية، دعوة جديدة للانقلاب واستنزاف جهد الثورة في تصحيح ما صنعته أيديهم طوال الفترة الانتقالية، وحقيقة الأمر أنها محاولة لتحسين الوضع التفاوضي مع المجلس العسكري بشأن القادم من مواجهات. كشفت جمعة تراكم الفشل قدرة الجيش على الحسم السلمي لحالة التظاهر والاعتصام، نعم له ضحاياه، ولكن الحدث لم يعد مفتاحا إلى حرب أهلية، ولم يتحقق ذلك بمجرد أسلوب تحريك التشكيلات، ولكن أيضاً بالاستخدام الأمثل للمناخ المتاح. فالتوجه إلى وزارة الدفاع جاء في سياق تصاعد عناد مرشح تحمل والدته الجنسية الأمريكية ولا يحق له الترشح وفقا للقانون، ولكنه يعاند ويرفض الاعتراف بذلك، فينقلب وأتباعه على القانون ولجنة الانتخابات وعلى المجلس العسكري، أخرجوا الثورة من المعادلة، وصار خليفة المسلمين المنتظر ــ كما يطلق عليه أتباعه ــ وموجات الانحراف بالكذب، والذي يطلقون عليه أحيانا "المناورة السياسية" أو القرار حسب "مقتضيات الموقف"، جسدت سمة موقف جماعة الإخوان ــ غير القانونية ولا مسوغ لوجودها ــ وحزب "الحرية والعدالة" ذراعها السياسي، مما زاد الشكوك في نواياهم، وبالتالي صلاحيتهم السياسية، وتصاعد الحديث عن وجود تنظيم سري مسلح للجماعة، وتحول من مجرد الإشاعة إلى مهمة تلح بضرورة الاستقصاء والمتابعة، خاصة وأن مصدر المعلومة هو الحليف الذي فتح لهم أبواب الوجود وأخرج عناصرهم من السجن بالإعفاء الصحي، واليوم يربط بينهم وبين جماعات من "حماس"تشاركهم العمل وتقوم بالتوريد العكسي للسلاح!! ويستكمل المناخ المحيط بوقائع جمعة الفشل مكوناته بحالة العناصر والجماعات داخل معسكر الثورة، فقدت الرؤية السياسية والاقتصادية لمجتمع الثورة كما تريده، فلجأت إلى مهمة التحريض، والتحريض يستلزم خصما وعدوا يجري الحشد في مواجهته، ولم يكن لديهم سوى المجلس العسكري وأداءات الفترة الانتقالية التي يتحمل أوزارها، ولم يحاول أحد أن يوقف التردي ويعيد توجيه الطاقة لإنتاج موقف إيجابي لصالح الثورة. كشفت جمعة الفشل بالإضافة إلى ذلك، أن مجرد الاحتشاد والتظاهر ليس هو آلية الثورة الوحيدة، فضلا عن كونها غير كافية لمواجهة متطلبات المرحلة، وكشفت عن الحاجة لأن تنتج الثورة كوادرها السياسية، وأن تلتزم هذه الكوادر بأهداف الثورة وبأن الشعب هو مالكها وألا تعود إلى زمن اتهام الشعب بالتقصير بديلا عن نقد الذات الواجب الآن، وأن تدرك أن هذا الطريق طويل، ويتطلب الإبداع في كيفية اختصار الزمن، وليس إهلاكه على غير هدى وفقدان قيمته وإهدار طاقة الفعل في مهام تحريضية وحسب. ما كان يصلح من أساليب وأدوات في مرحلة هدم النظام السابق والذي اعتمد على حالة الرفض الشعبي لهذا النظام، لم يعد يصلح لبناء نظام جديد خاصة أن الحالة الشعبية الآن هي حالة "الالتباس". مرد حالة الالتباس الشعبية أن الخصومة مع "الجيش الوطني" ودوره، وعدم القبول بأي تفسير يفصل بين أداء المجلس العسكري بصفته السياسية في إدارة الدولة وبين الجيش، أدى إلى انحياز لصالح البدلة العسكرية دون مناقشة لمضمون الأداء. وإطلاق البعض لكلمة العسكرتارية وجمعهم للتاريخ من ثورة 1952 إلى اليوم في توصيف واحد هو تعسف مع التاريخ، والذين يفعلون هذا يصطدمون بالشعب الذي جسد له عبدالناصر معاني الاستقلال الوطني والانحياز للفقراء والسعي إلى العدل، وحديث أولئك عن العسكرتارية لا يقترن به حديث عن أداءات كانت مضادة لثورة 1952 سواء عن قصور في المعرفة أو عن هوى. ومما يثير حالة الالتباس الشعبي هو ما اتسم به أداء الإخوان وحزبهم والتيارات السلفية، فالحالة الشعبية لم تضعهم بالأساس في المعسكر المضاد للثورة، ولكنها رأت فيهم جماعة "التقوى"، واستبدلوا "الفرعون الأب الإله"، "بالدينيين" الرحماء الذين يخشون الله في أمر الشعب. وحل هذا المعني لغياب البديل، فسلم الشعب أمره إلى اعتقاد يعتمد على الفطرة أكثر من اعتماده على العقل. إن جملة مكونات المناخ المصري الآن تفرض البحث عن بديل يملك الرؤية، وقادرا على الحشد، ويحفر لنفسه مكانا في المجتمع، وإن لم تجده، تصنعه مهما كان الثمن والجهد اللازمين لإتمام ذلك. بديل يوقف حالة السيولة في الكلام ويحولها إلى فعل. بديل يتحرك في الواقع وليس الميادين والشوارع وفقط. بديل يدرك أن الشعب مصدر القوة، وأن دخول القوى الاجتماعية في المعادلة هو السبيل لإعادة التوازن. بديل يفصل بين الحساب على الأخطاء والخطايا ووضعها في حجمها، وبين إهدار عناصر القوة في المجتمع. معركة الدستور القادمة ستكشف حقيقة المضمون للتيارات السياسية، ولكنها ستكون وبالا على الشعب إن هي تغاضت عن المكونات الاجتماعية والثقافية والحضارية للمجتمع. ومعركة انتخاب الرئيس هي استطراد لمسيرة الإجراءات الكاذبة، فانتخاب الرئيس لا يعني الدولة المدنية، بل سيجري استبدال جديد للخصومة. وتأجيل المحكمة الدستورية للفصل في دستورية قانون انتخابات المجالس النيابية، هو مقامرة حيث تجب الجدية والحسم. تتزاحم الأقدام على الطريق، وتغير الأهواء من اتجاهاتها، تتصارع ولا تضع الشعب في الحساب، متناسية درس التاريخ بأن من يسقط الشعب من الحساب يسقط من كل حساب.
458
| 07 مايو 2012
اكتشف اللاعبون في "لعبة الأمم" فوق أرض مصر أن حركة الشعب المصري في ثورة يناير قد قضت بوجوب مراجعة خططهم تجاه مصر، وأنها لم تعد كافية لأنها قامت بالأساس على اعتقاد أن شعب مصر تمت السيطرة المطلقة عليه، وصار لزاما عليهم تعديل تلك الخطط لإعادة السيطرة، فمصر الشعب والموقع والدور، هي الجائزة الكبرى التي يجب عدم التفريط فيها، واستمرار السيطرة على إرادتها هدف تزايد أهميته بعد يناير 2011. اللاعبون على أرض مصر من الداخل أو من الخارج، لم يتركوا فرصة دون استخدامها لتحقيق هدف استرداد السيطرة على الإرادة الوطنية المصرية. وتؤكد وقائع الفترة الانتقالية تناغم الأداء بين الداخل والخارج مما أدى إلى صعوبة تحديد من يدير الحركة المضادة للثورة، وأدى إلى عجز عناصر معسكر الثورة عن الإمساك بالبوصلة المحددة لاتجاه الحركة، رغم ضجيج بورصة الشعارات السياسية. ويبدو من الأجدر بنا في هذه المرحلة عدم اللجوء إلى تقسيم متعسف للمجتمع إلى قوى ثورة وقوى مضادة للثورة، ونستبدله بتقسيم المجتمع إلى قوى تملك القدرة على الفعل المؤثر وقوى بعيدة عن هذه القدرة لأنها لا تملك الآليات التي يملكها الطرف الآخر، ولم يعد بيدها سوى الاحتشاد والتظاهر والاعتصام، وهو سلاح أتى بنتائجه وكان صالحا لفترة المقاومة طوال المرحلة الانتقالية ودفع الشعب ثمنا له دم أبنائه، ولكنه سلاح بعيد عن التأثير في مرحلة البناء السياسي والدستوري لنظام ما بعد الثورة. تتعدد القضايا المكونة لوقائع ما يجري في مصر الآن وتتباين وتحتاج إلى إعادة التقييم المستمر لاتجاهات الحركة والتبدل في مواقف كافة أطراف التأثير في المشهد. وتتمثل القضايا في لجنة انتخابات الرئاسة، الجمعية التأسيسية للدستور، إنهاء تصدير الغاز إلى إسرائيل، الحدود المصرية المشتعلة وتصريحات المشير، العجز عن تحديد الطرف الثالث "اللهو الخفي"، تصاعد الصراع بين مجلس الشعب والحكومة، تجدد المواجهات الدامية فجر الأحد أمام وزارة الدفاع، ثم ما أطلق عليه معركة كرامة المصريين في الخارج. تبدو لجنة انتخابات الرئاسة كالشخصية الشهيرة "دكتور جيكل ومستر هايد"، وهي تعبير عن انفصام الشخصية. اتخذت اللجنة قرارا باستبعاد الفريق أحمد شفيق، آخر من تولى رئاسة الوزارة مع مبارك، والذي وقعت معركة الجمل أثناء توليه المسؤولية وادعى في حينها أنه لا يعلم! تم استبعاده من قائمة المرشحين تأسيسا على تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية، ثم قبلت اللجنة تظلمه وأعادته إلى قائمة المرشحين، وأحالت القانون إلى المحكمة الدستورية لبحث مدى دستورية القانون. وتشرح اللجنة هذا التناقض بأنها اتخذت قرار الاستبعاد كلجنة إدارية وقبلت التظلم وألغت قرارها السابق كلجنة قضائية، وهو أمر يبعث على الشك في قرارات اللجنة وكأن مصر تحتاج إلى فتنة جديدة تحمل عنوان "الفتنة الإدارية والقضائية"، وهو ما أدى إلى تصاعد التظاهرات ضد اللجنة وقراراتها والمادة 28 من الإعلان الدستوري التي تضفي الحصانة على قرارات اللجنة من الطعن عليها أمام القضاء. ومن الخطأ التعامل مع انتخابات الرئاسة القادمة على أنها مجرد عملية سياسية، ولكن من الواجب النظر إليها في إطار لعبة الأمم الجارية على أرض مصر، وأن محاولات التأثير على نتائجها لا تتوقف على القوى داخل المجتمع، ولكنها تتعداها إلى الخارج، سواء بالمواقف الدبلوماسية والاقتصادية والتصريحات والتهديدات العسكرية ومسألة تمويل المرشحين. أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسية القائمة النهائية للمرشحين، وجرت تفاعلات متسارعة وقسمت المرشحين إلى مجموعات أربع، الأولى تضم أحمد شفيق وعمرو موسى وتنسبهم إلى النظام السابق، رغم محاولات عمرو موسى التنصل من ذلك، والمجموعة الثانية تضم مرشحي التيار الديني عبدالمنعم أبو الفتوح ومحمد مرسي ومحمد سليم العوا، ورغم محاولات فصل عبدالمنعم أبو الفتوح عن هذه المجموعة إلا أن تصريحات المرشح الشخصية والمواقف التي ينتجها التيار الديني تؤكد أن الثلاثة من وعاء واحد وبالتزام واحد، وإن فصل أبو الفتوح عن هذه المجموعة هو خطأ في القياس وهروب من مواجهة الواقع، وتردد أن اتصالا من شخصيات عسكرية جرى مع السلفيين لدفعهم إلى تدعيم أبو الفتوح في مواجهة محمد مرسي، وهو ما تم بالفعل! المجموعة الثالثة تضم أبو العز الحريري وحمدين صباحي وخالد علي وهشام البسطويسي، ويطلق عليها مجموعة اليسار، وحتى الآن يبدو أن حظها في الجماهيرية محدود وتنقسم الأصوات بينها مما يضعف مواقف عناصرها وحظها في التصويت. والمجموعة الرابعة تشمل باقي الأسماء ولم يرصد أنها داخل المنافسة حتى اللحظة. تحضرني هنا قصة "العملية هيبرون" التي كتبها إريك جوردان رجل المخابرات المركزية الأمريكية والذي تولى مهاما لمدة 30عاما في شأن الشرق الأوسط وفوق أرضه، وهي تدور حول محاولة إسرائيل بواسطة جهاز الموساد السعي إلى اختيار رئيس للولايات المتحدة الأمريكية وهو سيناتور أمريكي سبق تجنيده كعميل لها ويتقاضى راتبا مقابل خدماته، وأهمية هذه العملية تأتي من معاناة إسرائيل أمام تعنت الرئيس الذي تنتهي ولايته ويقف خلف أحد المرشحين من حزبه وله نفس مواقفه. وتدور أحداث الرواية في الجانب المظلم من عالم العلاقات الدولية والذي تديره أجهزة المخابرات، وتنتهي الرواية بمقتل مدير مكتب الموساد في واشنطن والرئيس العميل الذي فاز وهو ذات السيناتور الذي كان يدعمه الرئيس المنتهية ولايته! هكذا هي مفارقة الرواية، والمأساة أنهما قتلا لخطأ سابق لرئيس مكتب الموساد في واشنطن عندما لم يدفع مستحقات قاتل مأجور محترف لجريمة تمت من قبل وقرر هذا القاتل الانتقام، فقتلهما معا أثناء لقاء عاجل بينهما عشية فوز العميل بمنصبه المرتقب!؟ لعبة الأمم في انتخابات الرئاسة لا تنكشف، ولكن إدراك الاحتمالات الكبيرة لوجودها تستدعي يقظة كاملة، وليس التعامل مع قشور المعلومات المتاحة. وتستمر أزمة الجمعية التأسيسية للدستور، فبعد اجتماع يوم السبت بين المجلس العسكري والأحزاب السياسية والمستقلين وبحضور ممثلي الإخوان والاتفاق بينهم على معايير اختيار أعضاء الجمعية، رفضت اللجنة التشريعية بمجلس الشعب الاتفاق، لتعود الأزمة إلى نقطة الصفر، وينكشف موقف الإخوان بأنها لا تلتزم بأي اتفاق تعقده. والغريب أن مجلس الشعب نفسه معرض للحل إن حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستورية القانون الذي جرت على أساسه الانتخابات النيابية. وحينها تعود الأمور إلى رئيس والمجلس العسكري، ويغيب المجلس النيابي بطبيعة تكوينه الحالية. وهذا الصراع والدعوة إلى إقرار جمعية تأسيسية لوضع دستور خلال 35 يوما قبل الرئاسة، يعيد إلى الأذهان دور لجنة البشري وما ترتب على خياراتها بالانتخابات قبل الدستور، ولن يغفر التاريخ للبشري ولجنته هذه الخطيئة في حق مصر والثورة. والموضوع الثالث هو قرار الشركة القابضة للغازات الطبيعية بإنهاء تعاقدها مع شركة غاز شرق البحر المتوسط، والذي يعني وقف تصدير الغاز إلى إسرائيل. وكشف هذا القرار أن مصر الدولة تملك بيدها أوراقا يمكن استخدامها لإعادة التوازن مع العدو الإسرائيلي. ووجه المهندس محمد شعيب رئيس الشركة القابضة نداء أن يتم تناول الأمر على أنه قرار بشأن اتفاق تجاري بين شركتين مصريتين، وهو ما يخرج بالقرار بعيدا عن التحكيم الدولي. صورة أخرى للعبة الأمم الجارية فوق الأرض المصرية. واكب قرار وقف توريد الغاز، تهديدات ووعيد انطلق من الجانب الإسرائيلي، وأخذ منحى تأمين حدود إسرائيل مع مصر بادعاء أن سيناء هي مصدر الخطر القادم. ووجه المشير طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة والقائد العام للقوات المسلحة أثناء مناورة للجيش الثاني في سيناء تصريحا قال فيه: "إن حدودنا ملتهبة ومن يقترب منها سنكسر قدمه". وهنا يجب إدراك الفارق بين التعامل مع المجلس العسكري كحاكم له ما له وعليه ما عليه، وبين تصريح يخرج للمرة الأولى من القائد العام للقوات المسلحة ويتضمن كسر رجل من يقترب من الحدود المصرية، فالعسكريون ربما لا يجيدون لعبة السياسة ـ وإن كنت اختلف على هذا، فوقائع الفترة الانتقالية تؤكد أنهم لعبوها وباحترافٍ عالٍ، ولكن وفق رؤيتهم الخاصة والتي ليست بالضرورة قناعاتنا ورؤيتنا ـ ولكنهم عندما يتحدثون في أمر يخص السلاح والقتال فلا يملكون ترف الحديث بغير ما يستطيعون، وليس مقبولا بعد حرب 73 وبعد ثورة يناير أن يكون مثل هذا الحديث للاستهلاك المحلي. يستدعي هذا التصريح ما أطلق عليه الطرف الثالث "اللهو الخفي"، والذي جرى تصنيفه بأنه فلول النظام تارة كما كان مشهد موقعة الجمل، وتارة أخرى جرى توصيفه بأنه بلطجية وعناصر بلباس مدني من الأجهزة الأمنية وعناصر من البلطجية وذلك كله لفض التظاهرات والاعتصامات، ولكن الجديد الذي يثير علامات استفهام بغير حدود، ويجب استقصاء حقيقته هو القول بأنه تنظيم سري مسلح يمثل الجناح العسكري لأحد التنظيمات الدينية وهو وراء العديد من المواجهات المسلحة وإطلاق الرصاص والقتل، وقد يكون مثل هذا القول محل شك عندما يكون حديثا مرسلا بين أفراد، ولكنه يصبح علامة خطر يجب التوقف عندها عندما يخرج الحديث من أحد الأجهزة السيادية وتستشهد عليه بوقائع القتل في أحداث ماسبيرو وغيرها من الأحداث الدامية، وكذلك عند رصد عمليات الحرائق المتتالية في المواقع الإنتاجية والاقتصادية والبنكية والدينية، بتتابع يتجاوز مجرد الصدفة إلى كونه مخططاً. هكذا يتجاوز الأمر مجرد التأثيرات السياسية في لعبة الأمم إلى استخدام السلاح والحرائق في توجيه الصراع السياسي، وهو ما يعيد إلى الأذهان انفجارات عام 1954 التي قام بها عملاء إسرائيليون في العملية "سوزانا" والتي عرفت بفضيحة "لافون". تعدد احتمالات الطرف الثالث بين عناصر البلطجة المأجورة والتنظيم السري المسلح والأجهزة المخابراتية، يتطلب أيضاً أعلى حالات اليقظة داخل الوطن، ومن قوى الثورة التي يجب عليها الانتقال من حالة الرومانسية الثورية، إلى حالة الإمساك بحقائق الأمور ومواجهتها، فالاختلاف السياسي والتنوع والتعدد مقبول، ولكن دخول السلاح هو إرهاب يستعيد عافيته بعد الثورة يحاول أن يلوي ذراع المجتمع لأهداف خارج إرادة الشعب في التغيير لنظام "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية"، ويعيد تشكيل السلوك المجتمعي والعلاقة بين الأطراف على غير الآليات المشتركة والمتاحة أمام الجميع. ويطرأ تطور جديد في الصراع بين جماعة الإخوان والمجلس العسكري بإعلان رئيس المجلس تعليق الجلسات لمدة أسبوع لحين اتخاذ موقف من المجلس بشأن الحكومة الحالية، وهنا يرد تساؤل حول هل هذا الموقف لصالح مصر واحتياجاتها؟ وكيف طرأ هذا الموقف الآن؟ وعندما كانت المواجهة مع وزارة الداخلية في هذه الحكومة في أعقاب أحداث مذبحة بورسعيد والتي راح ضحيتها 73 شهيدا، انبرى ذات المجلس يدافع عن وزارة الداخلية ويرفع عنها الحرج؟ أم أن المطلوب اختبار إمكانية تشكيل الإخوان لحكومة الستين يوما في محاولة لفرض ما لم ينص عليه الإعلان الدستور أو لم يرد في الصفقة (Deal) التي جرت بين المجلس العسكري والإخوان كما يقول عنها محمد مرسي؟ أم هي لعبة "عض الأصابع" بين الحليفين القديمين الإخوان والمجلس العسكري؟ وشهدت الساعات أخيرة عاملين جديدين يدخلان على المشهد، كان يكفي مصر أن تواجه أيا منهما. الأول اعتصام أمام وزارة الدفاع بدأه السلفيون، وانضمت إليهم عناصر أخرى من مجموعات الثورة، ويطالب برحيل العسكر وإلغاء لجنة انتخابات الرئاسة، لينتهي إلى مواجهة بالعنف بين الطرف الثالث والمعتصمين ليسقط شهداء جدد ومصابون، في وقت تتشتت فيه السبل بعناصر الثورة وكادوا أن يهلكوا داخل الحملات الانتخابية التي تستغرقهم. والثاني القبض على محام عند دخوله للسعودية في رحلة عمرة، ليتصاعد التوتر بين الدولتين تحت عنوان "كرامة المصريين" في الخارج، وكأنها قابلة للتحقق هناك وهي مهدرة في داخل الوطن، وتسحب السعودية سفيرها بعد مظاهرات نالت من سفارتها بالقاهرة. تصعيد كان يمكن تداركه لولا غياب دور الدولة، وصار كل موقف يعيد قصة الخلق منذ آدم عليه السلام. هذا كله يؤكد أن مصر ساحة مفتوحة "للعبة الأمم" بكافة مكوناتها السياسية والاقتصادية والمادية والسرية، ولم يعد متبقيا لإقامة التوازن في مواجهتها غير إرادة الشعب وتنظيمها، ليتحول بالوعي من أداة "غزوات الصناديق" المتتالية إلى حارس لثورته بإرادة حرة، وحتى لا تتم صناعة الحدث والقرار والرئيس وتشكيل الواقع بعيدا عنه، وخلف أبواب مغلقة في عالم الظلام.
269
| 01 مايو 2012
اتسمت مليونيات التحرير بروح الثورة، ويعترف من عاشها بأثرها المعنوي وقدرتها على تجديد العزم، والتأثير في القرار، بل إن كثيرا من المواقف والقرارات لم تتم أو تتغير من دون هذه المليونيات. مليونية 20 أبريل لم تكن مثل المليونيات السابقة عليها، لم تحمل روح الثورة، ولكنها كانت كاشفة لما ألم بالثورة من تعدد وتنوع لقواها، وهو من طبيعة الأشياء، ومن انقسام هو نتيجة وقائع الفترة الانتقالية وما جرى خلالها. بدا المشهد يومها في ميدان التحرير، وكأن جسد الثورة في قدر ماء يغلي وتحته نار مستعرة، ومَن حولها يرقصون ويطلقون صيحاتهم ويلوحون بحرابهم كإنسان الغابة، ويتحدثون باسم الثورة وأنهم حماتها، ومبررهم في هذا أنهم جاءوا من ظلمات السجون ودفعوا الثمن، ولا يدركون ما ألم بدعواتهم من تغييب للعقل وابتعاد عن العصر. يحاولون أن يطفئوا الثورة ويأبى الله ويزيدها اشتعالا بأخطائهم وخطاياهم وكذبهم وتخليهم عما كانت تستدعيه الثورة من مهام وواجبات، تركوها لمكاسب ومقاصد خاصة، فانكشفوا، وسقطت أقنعة الزيف عن وجوههم. نتحدث كثيرا عن الوحدة، والانقسام يكاد يكون طبيعة وثقافة نشأت من قصور التجربة الجماعية وزمنها المحدود والتي تجلت في الأيام الثمانية عشرة الأولى للثورة. وتكريس الذات يواجه مفهوم العمل الجماعي. وتفاوت إدراك التاريخ وحاجات الأمة وتكوين الشعب الاجتماعي وإمكانات الوطن، يفتح الباب أمام محصلة "صفرية" لوعي متناحر لا يسلم بحقائق التاريخ والعصر وأدواته. نتحدث عن الاعتذار والتسامح، وكل يخفي خنجرا في عباءته. علاقات بعيدة عن مقتضيات المهام التي يلح عليها الشعب ويحتاجها، ولكن هي طبيعة سيطرة الأنا الحزبية والشللية في مواجهة الثورة. الشعب لم يناد بالتغيير عن هوى أو ملل مما كان يعيشه، ولكن الشعب خرج إلى الشارع رافضا الظلم الاجتماعي ومناديا بالعدل، الشعب خرج لأنه يعاني من البطالة والأجور والأسعار، ولقمة العيش صارت آلة طحن، والتعليم أصبح عبئا اقتصادياً رغم شعار مجانية التعليم، والرعاية الصحية صارت رابعة المستحيلات، خرج الشعب ليهدم نظام الظلم وليس ليستبدله بظلم جديد حتى وإن ارتدى عباءة الدين. يتجاهلون حقيقة التاريخ أن دولة الظلم ساعة، وأن دولة الكفر إلى قيام الساعة، ففقدوا مبرر الوجود. وكما اتخذ البعض من الدين بعض السمات ومجرد الشكل دون إدراك إن الدين الإسلامي في حد ذاته ثورة اجتماعية في المعاملات، فقد اتخذت مليونية 20 أبريل شكل مليونيات الثورة، ولكن تشتت بها السبل، واختلطت الأهداف، وتبدلت الخصومات، وانتهت بأمنيات تقارب أحلام اليقظة. وبدت أحاديث النخبة المعدلة بعد الثورة أنها كالكلمات وكالأفكار وحقيقتها أنها "جعجعة بلا طحن". خرجت نداءات الاعتذار من بعض عناصر الإخوان عن المواقف السابقة والتي أدت إلى حصار الثورة وقتل أبناء الشعب وفقدان الفترة الانتقالية بأكملها حتى اليوم، وكأن الأسف سيعيد الأرواح التي استشهدت وسيعيد الزمن الضائع. وهذا الاعتذار، وهو لم يعرض كيف نعوض ما فاتنا، لم يكن خالصا أو كاملا، بل لم تكد كلماته تصل سامعيها، إلا وواكبته صور من العناد في تفسير مواقف الارتماء في حضن الثورة المضادة، وأعيد ترتيب الأهداف وكشفت النوايا عن تحويل الأهداف إلى غايات لحظية، وليست أساسا لالتقاء مزعوم لتمكين الثورة من الاستمرار. موضوعات اللحظة في مصر متعددة، منها المادة 28 في الإعلان الدستوري، والتي تحصن قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية ضد الطعن عليها، وفتحت باب الشك بين مكونات سلطة الانقلاب على الثورة بعضها البعض، بأنها تحصين لعمليات تزوير مرتقبة للانتخابات الرئاسية، والمعتذرون من جماعة الإخوان يعلنون أسفهم عن موافقتهم عليها، وكأنهم لم يدركوا معناها إلا عندما تم رفض مرشح لهم، فأي وعي كان مفقودا؟ وما جدوى الاعتذار الآن؟ ومن الموضوعات طبيعة تشكيل لجنة الدستور ومواصفات عضويتها، وكأننا نعيد تعريف الماء، واكتشفنا أن في مصر رجال يملكون القدرة ويمكن الاحتكام إليهم في شأن الدستور، وكأننا كنا في حاجة إلى القضاء المصري ليقف في مواجهة رعونة الأغلبية المتأسلمة بمجلسي الشعب والشورى. ويتحدثون عن الالتزام ببرنامج عمل سبق تحديده حيث كان إقرار الدستور والاستفتاء عليه سابقا علي الانتخابات الرئاسية، ويطالبون بالوفاء به، وهم بذلك يسقطون حق المجتمع في الحوار حول الدستور أو تعديله قبل الاستفتاء عليه، محاولات تتسم بالنزق وعدم الروية، ولا أقول الجهل بالحقائق والإجراءات وحق الشعب، ولكنها استمراء لعمليات القرصنة والاختطاف. وكأن مشهد استفتاء 19 مارس 2011 تجري استعادته غير معتبرين لاعتذاراتهم التي لم يجف حبرها، يتعاملون في شأن الدستور أنه أمر تكميلي، وأضفوا القداسة على تاريخ تسليم السلطة إلى رئيس مدني. وتجري مطالبة الإخوان بسحب مرشحها "البديل" عن مرشحها "المشطوب" طواعية حتى تنفي عن نفسها الرغبة في الاستحواذ، وكأن سحب المرشح والذي لقبته الجماعة "بلقمان الحكيم" هو عربون قبول الاعتذار، وليس الاتفاق على خطوات إجرائية والتعهد بتنفيذها بين الفرقاء لاستكمال الثورة هو معنى الاعتذار عمليا وإجرائيا. لعبة الكراسي الموسيقية يمارسها الجميع، فوق أرض رواها الشهداء بدمائهم. الأحاديث والموضوعات تجري تحت عناوين حماية الثورة والدفاع عنها، وهي في حقيقتها استطراد لحصار الثورة واغتيال شبابها. فأين هي روح الثورة في كل هذه الأقوال والأفعال والحشود والاعتذارات والتواريخ المقدسة، وأين كل هذا من طريق تحقيق العدالة الاجتماعية، الحقيقة في كل ما يجري الآن هو صراع على ملء الفراغات في هيكل السلطة وتغييب لمضمون الثورة وأهدافها. وفي ذات الوقت الذي يعتذرون فيه عما فعلوا، ومن أفعالهم قانون انتخابات مجلس الشعب، والذي ضمنوه بنصيب الثلثين للقوائم الحزبية، وعندما خرج القانون بمنع الأحزاب، التي تقدمت بقوائم، من الترشح للمقاعد الفردية والتي تمثل ثلث المقاعد، أعلنوا التمرد وهددوا بالنزول إلى الشارع، وعند تسرب أنباء عن تقرير مفوضي المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون الانتخابات النيابية، يهدد المعتذرون بمليونية جديدة في الشارع دفاعا عن مجلس تكون على أساس غير دستوري؟ فما الذي يعتذرون عنه؟ وكيف نصف تهديداتهم الأخيرة في إطار الاعتذار؟ وأيضا عم يعتذرون، أقاموا حزب الحرية والعدالة كذراع سياسي لجماعة الإخوان، وخالفوا بهذا قانون الأحزاب تحت سمع وبصر لجنة الأحزاب والمجلس العسكري والشعب، ويعاندون الحقيقة، وتتصرف لجنة الأحزاب كأنها لا ترى ولا تسمع، ولن تتكلم، فعن أي شيء يعتذرون؟، ومرشحهم للرئاسة يعلن أنه مرشح مؤسسي للجماعة والحزب (وما معنى أن ترشح جماعة الإخوان اللا سياسية مرشحا للرئاسة؟ ما تفسير هذا أيها المعتذرون؟)، فعن أي شيء يعتذرون؟ ويتصاعد الحديث عن الفلول، بقايا النظام السابق، ولا يتحدث أحد عن الذين انضموا إلى معسكر الثورة المضادة، وتخلوا عن الثورة والشباب بعد أن تلقوا الوعد بالإفراج عن سجناء الجماعة والوعد بالتصريح لحزب لهم. إن ميكيافلية تنظيم الإخوان وحزبه أشد خطرا على الثورة. بقايا النظام السابق معروفون، ولكن عناصر الإخوان غير معروفين، وكما قال مرشحهم المشطوب خيرت الشاطر في معرض اتهامه للجنة الإشراف على انتخابات الرئاسة "رصدنا اتصالا بين المجلس العسكري واللجنة بشأن قرارهم"، وتعبير "رصدنا" لا يصدر إلا عن من يستخدم أسلوبا أمنيا أو مخابراتيا للرصد، فهو رصد وليس معلومات وصلتهم، ويستطرد قائلا "إن عناصر الإخوان في كل مكان!"، فهل هذا أيضا معرض تفسير أو اعتذار؟ ذلك كله ليس بالأمر السيئ، فإدراك الحقيقة وتشخيص الحالة، هو الخطوة الأولى على طريق العلاج، بشرط أن يكون العلاج علميا وعقليا ويتصدى له من يقدر على إتمامه، وليس أولئك الذين يجنحون إلى الدعة والسكون ولغو القول والمشاركون في سباق الكراسي الموسيقية على كافة السلطات في مصر بعد الثورة. تبدو جماعة الإخوان في أمر ترشيح خيرت الشاطر وفي شأن لجنة الدستور قد خاضت "معركة خاسرة في حرب أكبر"، فإذا كانت العواطف تتمنى وفاقا بين جملة التيارات السياسية لصالح الثورة، إلا أن هذا لا يعني أن الأهداف التي تسعى إليها الجماعة منذ قيام الثورة قد تبدلت، بل هي تحاول إعادة التوازن إلى موقف المجتمع منها، بعد انحسار التعاطف معها. إن تمني الوفاق وإن تراجع الجماعة نفسها هو من أحلام اليقظة التي لا وجود لها في الواقع وليس هناك أي مبرر لهذه المراجعة. والمجلس العسكري الذي احتضن جماعة الإخوان وحقق لها كل ما طلبته حتى نشوب الخلاف بينهما عند محاولة الجماعة الاستيلاء على الحكومة، لن يتمادى في مواجهة معها، فهو يستخدمها وسيلة لشق صف حركة الثورة، وبينهما تجربة مشتركة نجحت إلى حد كبير، ويملكان الآن خبرة التعامل المشترك، ولعل هذا يجنب المجلس العسكري مواجهات من نوع آخر لعناصر من الجماعة في مواقع غير مرصودة حتى الآن. ويحظى هذا التحالف مباركة قوى خارجية، لأنه يعني لها إخراج الشعب بمطالب التغيير وما تستدعيه على كافة الأصعدة، من معادلة الحكم في مصر. لقد نجح المجلس العسكري باستخدامه للإخوان والسلفيين في مواجهة الثورة إلى تحويل الصراع إلى صراع ديني بدلا من كونه صراعا سياسيا وطنيا، لينقسم المجتمع إلى مؤمن وكافر بدلا من انقسامه على قضايا الثورة، بين مناصر لها أو معاد للثورة. إن توازن القوى داخل المجتمع سيظل مختلا لصالح التحالف المضاد للثورة حتى تتبلور قدرة تنظيمية لقوى الثورة قادرة على تحويل الحشود إلى مهام موضوعية لا تنجذب إلى شعارات تستنزف الوقت والجهد ولا تساعد على تجسيد الإرادة الشعبية من أجل التغيير في فعل منظم قادر على الإنجاز. لم يعد باقيا إلا ساعات قليلة وتعلن القائمة النهائية للمرشحين، وقانون العزل السياسي أعادته المحكمة الدستورية إلى المجلس العسكري الذي طلب منها الرأي الدستوري وقضت أنه قانون لا مراجعة دستورية سابقة عليه، وصار أمر أحمد شفيق معلقا بقرار المجلس العسكري، وهو ما يضعنا في احتمالات لنتائج الانتخابات على النحو التالي: أن يبقى أحمد شفيق، ويفوز بالرئاسة، وهي حالة التحريض المثلى لاستمرار الثورة. أو أن يفوز واحد أو يتشكل مجلس رئاسي من العناصر الخمسة "خالد علي، عبدالمنعم أبوالفتوح، أبوالعز الحريري، حمدين صباحي، وهشام البسطويسي"، وهي حالة أقرب إلى حقن حركة الثورة بمخدر قد يؤدي إلى تعطل أدائها الشعبي تحت دعاوى كثيرة. والحالة الثالثة أن يفوز عمرو موسى ويأخذ واحدا أو أكثر من العناصر الخمس السابق الإشارة إليها، نائبا له، وهي حالة أقرب إلى حقن حركة الثورة بسم قاتل. والرابعة أن يفوز محمد مرسي المرشح البديل للإخوان، وهي تتساوى في ردة الفعل مع الحالة الأولى ولكنها ستكون أكثر عنفا وتقسيما للمجتمع. حالة الصراع وعدم الاستقرار ستظل رهينة بمدى توازن القوى بين الثورة والثورة المضادة، ومرتبطة بوعي عناصر الثورة وقدرتها على الثبات فوق الأرض وبين القوى الاجتماعية. المهمة جادة وشاقة وطويلة المدى وتحتاج إلى إرادة وجهد وصبر القابض على الجمر، فالأمر لم ينته بعد.
560
| 24 أبريل 2012
تكاد الأرض في مصر أن تُخرج أثقالها، فكل لحظة تمر يحدث انقلاب جديد لباطن الأرض إلى سطحها حتى أن أوراق التوت التي سترت عورات الاتفاقات على حساب الثورة تتساقط كاشفة عجزا كليا لدى كافة الأطراف عن استكمال الثورة، من دون بدايات جديدة. أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها بشأن إلغاء تشكيل لجنة المائة لوضع الدستور وكشف الحكم أن الكثير ممن يشاركون في التفسير والاستئثار "حافظ وليس بفاهم". وقرار المجلس النيابي بتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية لعزل بقايا نظام مبارك، كشف أن الجميع كان في غفلة، حافظ أيضا ما يريده لذاته وغافل عن وطن وثورة وبناء النظام الجديد. وانتهت لجنة انتخابات رئيس الجمهورية إلى رفض طلبات ترشح 10 شخصيات، كان ثلاثة منهم كحمم بركان تفجر خلال الأيام الماضية في وجه المجتمع، تطلق تهديداتها ووعيدها، وكأن ثورة يناير فتحت الباب على مصراعيه لتكشف حقيقة الصورة المشوهة للأشخاص والجماعات والأحزاب والحياة السياسية القائمة. لو أن أطفالا من ذوي الاحتياجات الخاصة مصابون "بالتوحد"، أو الأطفال "المنغوليون" أداروا الفترة الانتقالية بعد الثورة لما وقعوا في متوالية الأخطاء التي تصل إلى حد الخطايا، وكشفت عنها وقائع الأيام الماضية. وفي الوقت ذاته يتحدث المتناقضون والمتصارعون عن الثورة وهم كأطراف المكون الحقيقي للحركة المضادة للثورة خلال الفترة الانتقالية. تقول الحكمة إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ولكنها تغيب عن الساسة المصريين، وكأنهم استعذبوا السقوط، وأرادوه سقوطا جماعيا. كشف ترشح عمر سليمان نائب الرئيس السابق ومدير المخابرات في نظامه، وجه المناورة لدى الإخوان، فبعد غياب عن الالتحام مع عناصر الثورة وحركتهم طوال الفترة التالية ليوم لقائهم الأول مع عمر سليمان أثناء أحداث الثورة واتفاقهم على الخروج من الميدان مقابل الإفراج عن الشاطر، واندماجهم مع المجلس العسكري ضد الثورة، والتفافهم على تشكيل لجنة الدستور والسعي إلى الاستحواذ الكامل على مقدرات الوطن، عادوا من جديد للاعتذار. باعوا دم الشهداء بإفراج صحي عن الشاطر، وعادوا ليعتذروا عن خيارهم قي استفتاء 19 مارس 2011 والذي مثل أولى خطوات الانقسام العلني داخل المجتمع، وكانوا هم صانعوه. لم يعتذروا عن تقدم أحد نوابهم بقانون لتجريم المظاهرات، ولكن عندما وجدوا في عمر سليمان خصما شرسا في انتخابات الرئاسة، خرجوا إلى ميدان التحرير في مظاهرة الجمعة 13 أبريل ويهتفون بسقوط حكم العسكر (وكانوا شركاءهم)، ويهتفون ضد عمر سليمان (وكانوا يحاورونه وباعوا له دم الشهداء بالإفراج عن الشاطر)، ثم وسط ذلك كله يتحدثون عن حماية الثورة، فمن ذو عقل وذاكرة يمكن أن يصدقهم. ومن يمكنه أن يصدق دعوتهم إلى وحدة فصائل الثورة لحمايتها، وممن نحميها؟ ومن نأتمن رفقة الموقف؟، وحتى مع التسليم بأنهم يحملون نفس أهداف الثورة، فما معنى أنهم يدعون إلى مشروع للنهضة الوطنية، ويطالبون بخصخصة المياه، مياه الري والشرب، وبخصخصة الكهرباء، أي أنهم يطبقون بأيديهم على رقاب الفقراء بدلا عن العدالة الاجتماعية. الأدعى للتأمل ليس موقف "المرجيحة" أو "البندول" الإخواني، ولكن غياب وحدة القياس لدى من عداهم، فإذا اتهموا الإخوان بأنهم من أصحاب مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، فالاتهام أو الملاحظة تعود على من يتهمهم، أنهم بلا رؤية أو مرجعية، وأنهم أصحاب بندول آخر، وهو ما عرض شباب الثورة للوقوع بين شقي رحى الانتهازية، تطحن عظامهم بعد أن تقتلهم رصاصات النظام الذي يدير المرحلة الانتقالية. مساء يوم الجمعة 13 أبريل عرضت شاشات التلفزيون لحوارين مع كل من د.عبد الحليم قنديل ود.علاء الأسواني. ويمكن إيجاز حوار الدكتور عبدالحليم قنديل في قوله "أفلحوا إن صدقوا"، وأوضح في حديثة الفارق بين قيادة الإخوان وخياراتها، وبين شباب في هذا التنظيم يسعى إلى التغيير، وهو أمر ينذر بانقسام قد يضعف التنظيم، خاصة أن جملة خياراته يمينية ولا تتسق ومطالب التغيير وما تفرضه من خيارات جديدة. بينما كان حديث د. علاء الأسواني مفعم بالأمل، وأن الإخوان قد وعوا الدرس، وأن يوم 13 أبريل هو بداية جديدة لوحدة كافة الفصائل في مواجهة التحديات التي تواجه الثورة. الرجلان صادقان مع أنفسهم، ولكن الواقع يميل إلى الرؤية الأولى ولا يستسيغ رؤية الأمل في أن الإخوان يمكن أن يستوعبوا أي درس مر بهم، لأنهم يعتبرون أن لكل حالة مقتضاها، وربما يحمل الغد نتائج حوار لهم مع المجلس العسكري جار الآن ولا يعلم أحد جدول أعماله. وتتزايد المفارقة عندما يتساءل أحد الكتاب وهو محسوب على التيار الديني: لماذا يستغرب الناس أن يفوز حزب إسلامي في مجتمع إسلامي!!، وكأن وصف الحزب بالإسلامي هو رخصة وجود وحقيقة مضمون، ولم يطرح علينا لماذا كان يكذب ويتخذ موقفا مع المجلس العسكري وضد حركة شباب الثورة في الشارع، ولم يكشف لنا عن ماهية الإسلام الذي يعنيه، حيث صارت الكلمة حمالة أوجه، ومجرد محاولة للهروب من المسؤوليات المجتمعية والوطنية، وكأن الإسلام بديل الثورة، أو هي تتناقض معه. تؤكد المفارقة بين الآراء الثلاثة أن المرجعية تتباين، فالثورة ليست معيار قياس ولا تحدد الهوية الوطنية طبيعة الالتقاء أو المفارقة، فالأمر إما إسلام أو ثورة، وأنه في الأغلب تحاول الصفوة الركون إلى أمل أقرب للوهم لأن الواقع لا يؤكده والتجربة تنفيه، أما قبول عناصر الإخوان كجزء من الخريطة الوطنية المصرية فهذا ما ندعيه نحن ولكن لا يراه الإخوان حقيقة تعادل خياراتهم الذاتية. الحديث الأكثر إيلاما هو الحديث عن مرشحي الرئاسة، كلما سألني أحدهم عمن سأنتخب للرئاسة، أصابني صمت الرفض، وعندما يلحون لأخرج عن صمتي أقول سأنتخب محمد البرادعي، فينبهونني أنه سحب ترشيحه، فأرد ولكني أعطيته صوتي ولا أملك تغيير موقفي. الأمر ليس لمن ستدلي بصوتك، ولكن ما هو المعروض عليك. وليعذرني كافة المرشحين، من كان منهم في الميدان أو من تعايش عليه، من له تاريخ ومن من دون تاريخ، ومن يستحق منهم ومن لا يستحق، فكلهم مصريون ولهم حق الترشح وإبداء الرغبة في خدمة الوطن إن صدقت، ولكن السؤال لهم جميعا: من منكم يستطيع، وبالتالي يستحق؟ كلمات ضخمة تخرج من الأفواه، ولكن لا تداخلني قناعة بأنهم يستطيعون، أو يملكون تصورا، فلسنا في حاجة إلى تجارب أو فتح فصل تعليمي، كيف تكون رئيسا؟ ومن غرائب الساعات الماضية تصريح لرئيس المجلس العسكري أثناء اجتماع تبويس اللحى بين الأحزاب والمستقلين والمجلس العسكري للتوفيق بين الفرقاء بشأن الجمعية التأسيسية لوضع الدستور بعد حكم المحكمة الذي رفض التشكيل الذي أنتجته الأغلبية في مجلسي الشعب والشورى، وقوله إن إقرار الدستور يجب أن يسبق انتخابات الرئيس؟!، أي أنهم يصنعون الانقلاب على الثورة خلال 14 شهرا ويطالبون بالدستور خلال ما يقل عن 30 يوما؟!، فأي إحساس هذا بالزمن والمسؤولية تجاه وطن ومستقبل شعب؟ الجمعة القادمة 20 أبريل خروج تال ضد عودة بقايا نظام حسني مبارك إلى موقع الرئيس، وينضم من خرجوا في 13 أبريل إليهم كما أعلنوا، والهدف المعلن تطبيق العزل السياسي على عمر سليمان وأحمد شفيق، فهل إزاحتهما من الانتخابات الرئاسية ضمان بأن الثورة استردت عافيتها، أم أنها مجرد محاولة لتجاوز حفرة على الطريق بينما الطريق في غير اتجاهه الرئيسي الذي اختارته الثورة. وعلى جانب آخر تكفلت لجنة انتخابات الرئاسة بمرشحين من التيار الديني، خيرت الشاطر (أو سيدنا يوسف المعاصر كما شبهته جماعة الإخوان، وقال عنه مرشدها إن دعاءه مستجاب فاحذروه، حتى الدعاء المستجاب استخدموه للتهديد والوعيد!) والثاني هو حازم أبو إسماعيل (ويراه أنصاره أنه خليفة المسلمين المعاصر، وهو القائل: إن المرحومة والدته تحمل جواز سفر أمريكي ولكن ليس بالضرورة أنها تحمل جنسية أمريكية؟!)، وقد يخرج علينا أحد ليتساءل كيف يزيحون مرشحين إسلاميين في مجتمع إسلامي؟ ولا أدري لماذا أتذكر تصرفا قام به أردوغان عندما أمسك بياقة بدلته قائلا: "لقد سئمناكم"، موجها حديثه إلى الإسرائيليين وصلفهم وتعنتهم وكذبهم. هذه الإزاحات من بين مرشحي الرئاسة ليست دلالة استرداد الثورة ولكنها في إطار الصراع على كرسي الرئاسة وخارج مهام الثورة الرئيسية. فلتأت أصوات الناخبين بمن تختار لكرسي الرئاسة، فالأمر سواء أن تختار "أحمد" أو "الحاج أحمد"، وليختار من يشاء ما شاء من أسماء، ولكن تبقى الحقيقة المريرة: من سيبقى على طريق الآلام فوق الأشواك وقدماه حافيتان داميتان؟ التغيير ليس استبدال أشخاص فوق كراسي الحكم، وليس مجرد قواعد تبادل السلطة، وليس صناديق الانتخاب، التغيير هو إرادة بناء، والبناء اقتصاد واجتماع وسياسة، وإذا كانت السياسة علاقة بين أفراد وجماعات وقواعد دستورية وقانونية تحكمها، فإن الاقتصاد هو مضمون الوجود ذاته الذي يتطلب السياسة لتدير هذا الوجود وعلاقاته، الاقتصاد هو البناء الذي على أساسة تقوم السياسة والعلاقات داخل المجتمع، وهو العنصر المسكوت عنه حتى الآن في الثورة المصرية. لا أحد طرح كيف السبيل إلى التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتجري مفاوضات بين الحكومة المصرية والبنك الدولي للحصول على قرض جديد لسد عجز الموازنة، على أن تقدم مصر خططها في هذا الشأن، وجدت الحكومة سبيلها للحوار مع البنك الدولي ولا تعلن ماذا تفعل على الشعب الذي سيتحمل خياراتها واتفاقاتها. هروب الجميع، ولا أستثني منهم أحدا، من مسؤولية وضع رؤية اقتصادية يتضمنها الدستور الجديد هو دلالة عجز وليست دلالة وضوح واتفاق. إن أي دستور جديد، حتى وإن استدعى من الصياغات ما يشاؤه الكافة حول الشريعة وتبادل السلطة وحقوق الإنسان والمرأة والمعاقين، دون أن يشمل رؤية اقتصادية، وتعظيم موارد العلاج والضمان الاجتماعي والسكن والتعليم، والعدالة الاجتماعية غير رؤية اقتصادية متفق عليها، ويقننها الدستور ويلتزم بها الجميع لن يساوي للثورة قيمة الحبر الذي كتب به. إننا لا نملك خريطة اجتماعية واضحة، هي مجرد أحاديث حول العشوائيات وأطفال الشوارع والأيتام والمعاقين، وخريطة توزيع الثروة غائبة، وغير مطروحة على بساط البحث، وخريطة الفقر غائبة، وليس حلها أن يجلس أحد المرشحين على "طبلية" فران فقير ليأكل ومساعده من طبق واحد مع الرجل وزوجته إفطار رمضان، هذا نفاق، وليس حلا. الحل الاقتصادي تحليل لإمكانات المجتمع ووضع رؤية لاستثمارها والحد من نزيف الثروات والعقول، والخطط الاقتصادية لا تؤتي نتائجها مباشرة، ولكن الحل الاقتصادي يحتاج مجتمعا متماسكا وآمنا، أي أن اقتناع القوى الاجتماعية بقبول السير في طريق الآلام والقبول بدهس الأشواك حتى وإن كانت حافية القدمين، ولن يتوفر هذا بغير رؤية تقتنع بها القوى الاجتماعية وتسهم في الحوار حولها. إن شعار الثورة "عيش - حرية - عدالة اجتماعية" ظل هائما طوال الفترة الانتقالية وضاعت من مصر فترة تمكين المواطن المصري من مواجهة الغلاء ليستطيع المشاركة في بناء مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية بكرامة. تملك مصر عقولا اقتصادية يمكنها أن تضع لوطنها رؤية وإستراتيجية اقتصادية وخطة عمل وسط عالم متغير. يستطيع الشعب أن يواجه رئيس ووزارة ومجالس نيابية ومخاطر أمنية بالاحتشاد بالأجساد والتضحية بالأرواح، ولكن الشعب يحتاج إلى قدراته الكامنة عقلا وإرادة لإعادة بناء المجتمع، وهو دور هائم يحتاج من يتصدى له، دور يسبق الدستور ولا يتلوه، يسبق خطة فرد يعد بالنهضة، أيا من كان الفرد، وأيا كان مفهوم النهضة في عقيدته ويقينه.
410
| 17 أبريل 2012
يتزايد ضيق صدر المواطن المصري بما يرصده من وقائع وما يتكشف أمامه من حقائق، فقد كشفت وقائع الترشح لمنصب رئيس الجمهورية من استهانة كل الأطراف بالشعب وبعقله واحتياجاته وتضحياته، وكشفت المدى الذي وصل إليه تحالف الأطراف المضادة للثورة من تخطيط يتكامل، ويظنه المشاهد تناحر بين أطراف مختلفة. إن عملية انتخاب رئيس هي حلقة في مسلسل مستمر يهدف إلى حصار الثورة وقتلها والتصفية الجسدية لعناصرها، وإخماد إرادة التغيير لدى ما بقي من شبابها. حتى أن مجموعات من الشباب بدأت في تلقي تدريبات نفسيه لتجنب آلام التعذيب، وهذا مؤشر على توقعات الشباب لما تحمله الأيام القادمة، وإعدادهم لأنفسهم لمواجهة هذا التحدي. ساد اعتقاد في مصر أن كلا من وزارة الخارجية، "أصحاب الياقات البيضاء"، وجهاز المخابرات العامة المصرية، أصحاب القمصان الزرقاء"، مؤسستان غير مرشحتان للانحراف في مواجهة العدو، وأن طبيعة عملهما والمهام المترتبة عليها يفرضان الأداء الاحترافي، وغير القابل للتردد، وتفرض بالأساس وضوح الهدف والإستراتيجية، وأن المؤسستين تمثلان أعمدة أساسية للأمن القومي المصري والعربي، ويمتد نطاق عملهما للعالم كله وليس مكاتبهم أو سراديب مظلمة ومقابر تحوي جثثا لأشخاص مازال أهلهم يبحثون عنهم ويأملون بانتظار الصابرين عودتهم إليهم. ليس يسيرا أن ننفي عن وزارة الخارجية الانحراف عن متطلبات الأمن القومي المصري في السياسة الخارجية، فبقدر انحسار الدور المصري عربيا وإفريقيا وعالميا، وإهدار مفهوم "الاستقلال الوطني"، والانخراط في إستراتيجيات وتحالفات خارجة عن تحديد واضح لماهية العدو، والاحتياجات الوطنية، بقدر كل هذا، يتبين أن دور مؤسسة وزارة الخارجية صار مجرد التسويق للسيد الرئيس المخلوع وخيارات الهزيمة التي حكمته، وخدمة مصالحه ومشروع التوريث. كانت أقصى مشاهد الإدانة للسياسة الخارجية المصرية مشهد إلقاء الأحذية على وزير الخارجية المصري أحمد ماهر عند دخوله المسجد الأقصى، ومشهد وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني وهي تكاد تعلن بدء العدوان على غزة من القاهرة وإلى جوارها وزير الخارجية المصري، الذي راح فيما بعد يأخذ بيدها لتهبط درجات سلم الوزارة في مشهد "حنون وعاطفي" يتجاوز الأعراف الدبلوماسية، ولتنتهي المشاهد بوصول طائرة عسكرية أمريكية إلى مطار القاهرة لتقل 16 متهما أمريكيا وأوروبيا في قضية تمويل أجنبي وعمل دون ترخيص في مصر، طال الصمت عليه لينفجر فجأة مطالبا بإلغاء المعونة الأمريكية، وكأن قضايا الدول تسوى على شاشات التلفزيون وبدغدغة النزعة الوطنية لدى الشعوب، ويتولى مشايخ الفضائيات مناقشة أمر المعونة وليست مؤسسة الخارجية العريقة في التاريخ المصري. وفقدت مؤسسة الخارجية المصرية القدرة على إنتاج قيادات من رجال تتناسب أحجامهم وعلمهم وإراداتهم مع حجم التحديات التي تواجهها مصر. والمؤسسة الثانية "جهاز المخابرات العامة المصرية"، والذي مثل أحد الركائز الرئيسية للأمن القومي المصري منذ نشأته بعد ثورة يوليو 1952، وكانت العمليات التي حققها في مواجهة العدو، وقدرته على توجيه ضربات لمخططاته، وكان أشهرها عملية "الحاج"، والتي استهدفت تدمير حفار للتنقيب عن البترول في خليج السويس وتم تدميره قبل وصوله، وهناك فارق بين أن تدمر هدفا للعدو بهذا الحجم وبذلك التخطيط والجهد، وبين أن تأكل ثلاثة أصابع "سجق" على مائدة رئيس وزراء العدو. وتولت المخابرات المصرية إجهاض عمليات التجسس التي أدارتها المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي في موجات متعاقبة طوال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. ورغم توجيه ضربة شديدة من جهاز الموساد باغتيال الدكتور المشد في باريس وضربة اغتيال الدكتور سعيد بدير في الإسكندرية والشكوك حول مقتل الدكتور جمال حمدان في بيته بالقاهرة، إلا أن هذه العمليات بقيت دون تفسير أو رد كما هي الأعراف التي استقرت لدى جهاز المخابرات المصري. وعلق بالجهاز عمليتان سلبيتان هما عمليتا اغتيال الممثلة سعاد حسني واغتيال أشرف مروان بنفس أسلوب اغتيال الليثي ناصف الذي كان قائدا للحرس الجمهوري فترة أحداث مايو 1971، بالإلقاء من شرفة منازلهم في لندن، والعمليات الثلاث مازالت أيضاً دون تفسير. وفي الداخل تولى فرع مقاومة التجسس والذي عرف باسم "الأمن القومي"، مهام أخرى داخل المجتمع، وكان المنقول عنه وصفه للمعارضين للنظام السابق "بالمناهضين"، غير أن هذا الفرع كان في الوقت ذاته أداة تحجيم في بعض الأحوال لتمادي جهاز أمن الدولة التابع لوزارة الداخلية في غلوائه ضد الأنشطة المضادة لسياسات النظام السابق. ومع كل هذا كان تصريح "يوسي أدلين" رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية "أمان" في نوفمبر 2010 عند مغادرته منصبه، بأنهم تمكنوا من اختراق مصر على كافة الأصعدة بحيث يصعب على أي نظام يعقب نظام مبارك إدارة البلاد، وبمعنى آخر يصعب ذلك دون الموافقة والمباركة الإسرائيلية، ولم يتصد أي مصدر مصري لنفي ذلك أو يكشف عن الاستعداد لمواجهة احتمالات الفوضى والتخريب إن أرادتها إسرائيل لمصر، وهو ذات ما توعد به الرئيس المخلوع الشعب قبل تخليه عن منصبه. وأضيف إلى ذلك تصريحات صدرت عن مسؤولين إسرائيليين بعد تخلي مبارك عن منصبه بأن عمر سليمان وهو رئيس الجهاز "صديق لإسرائيل"، وهو ذات الموقف الذي أعلنه بن أليعازر بشأن مبارك عندما وصفه بأنه صديق إستراتيجي لإسرائيل، وكشف بعد الثورة أن بن أليعازر كان يتلقى مرتبا من مصر. من الواضح أن مفهوم صداقة الرئيس المخلوع ونائبه لإسرائيل يختلف كثيرا عن مفهوم الأمن القومي المصري. ولعل مصدر الصداقة هو دورهما مع حسين سالم في صفقة إمداد الغاز المصري لإسرائيل، ودورهم في تراجع دور مصر العربي والإقليمي، وفي مواجهة خيار المقاومة وشرعيته ضد الاحتلال الإسرائيلي الممتد من 1967 للأراضي العربية. وبلغ الأمر أن الرجل الذي يدير الجهاز الآن والذي عينه المخلوع يوم عين سابقه نائبا للرئيس، صدرت عنه تصريحات عندما كان محافظا لشمال سيناء تتهم أهل سيناء بأنهم عملاء لإسرائيل وأنها عندما تغضب عليهم تضربهم "بالجزم". وهكذا فقدت مصر مصدرا آخر للقيادات التي يمكن أن تتحمل المسؤولية. وهنا تجب وقفة صريحة مع النفس، أن الفوضى الداخلية في مصر والأزمات المتعددة وتخلي الأجهزة الأمنية عن مهامها تجاه أمن الوطن والمواطن، وانهيار أدائها في مواجهة الإرهاب والبلطجة بعد 25 يناير، ومن ثم أداؤها المتطرف من اعتقال وسحل وتعذيب وقتل للمتظاهرين، وتخليها عن حساب القتلة وترددها في كشف أمر القناصة وإدارتها للحرب النفسية في مواجهة إرادة الشعب، كل هذا لا يمكن تناوله كأمر داخلي فقط، بل إن مراجعته على الموقف من العدو الإسرائيلي يرقى إلى اتهام بالخيانة العظمى، لأن الأداء الأمني على النحو الذي جرى خلال الفترة من 25 يناير حتى الآن يُقَوِّض الأمن القومي المصري، ويجري خلخلة لتماسك المجتمع المصري، وأكثر من هذا فقد أدى إلى استقطاب حاد داخل المجتمع. إن اختلال مفهوم الأمن القومي المصري فتح بابا جديدا لرحلات الحج إلى واشنطن، وهي رحلات لا تدخل من باب السياسة، ولكن من باب الاسترضاء، ومعايير كسب الرضا تبدأ من بوابة المخابرات المركزية الأمريكية، بل إن الحجيج لكسب الرضا الأمريكي بدأوا "الإحرام" بإنشاء جمعية تجمع بين رءوس الأموال الإسلامية ورءوس الأموال الصهيونية متمثلة في رجال الكويز واتحاد الصناعات المصري الذي تسيطر عليه عناصر علاقتها مع إسرائيل تمثل خطرا على الأمن القومي المصري كما يمكن تقديره علميا، إلا إذا كان هناك مفهوم جديد للأمن القومي المصري لم ندركه بعد، وهو المفهوم الذي عدَّل من العقيدة القتالية للمؤسسة العسكرية المصرية لتستبيح توجيه رصاصها لصدور الشباب المصري وتقتله دون خشية من حساب على جرائم القتل وتفكيك المجتمع. لم يعد كافيا رصد موقف التحالف المضاد للثورة على أنه مجرد صراع داخلي، ولكنه أيضاً في الوقت ذاته انحياز واضح ضد الأمن القومي المصري ولصالح العدو الإسرائيلي. فالحلف بين المجلس العسكري والتنظيمات الدينية ضد إرادة الثورة، هو في صالح الفوضى داخل المجتمع ودفع بالمجتمع قسراً إلى صراع داخلي، وهو خدمة في الوقت ذاته للعدو الإسرائيلي. وامتناع الداخلية عن أداء دورها في الأمن الداخلي، تحت دعاوى الانهيار النفسي لعناصرها، واستمرار نهجها السابق في التنصت والاعتقال والقتل، هو خدمة للفوضى التي يستهدفها العدو الإسرائيلي. ومحاولات الانقضاض على الثورة ونتائجها من التنظيمات الإسلامية، وسعيها إلى الرضا الأمريكي والتحالف الاقتصادي مع ممثلي إسرائيل، هو خدمة للعدو الإسرائيلي. إن تحويل كل فعل إيجابي نشأ عن الثورة سواء كان وضع الدستور الجديد، أو الجمعية التأسيسية لوضع الدستور،إلى صراع خارج التوافق الوطني العام، ليس مجرد فرض إرادة فئة داخل المجتمع بل هو إجهاض لتوافق وطني عام يبلور إرادة الشعب في صنع المستقبل، وهو في الوقت ذاته خدمة للعدو الإسرائيلي وإشاعة للفوضى، وقتل للروح المعنوية للأمة التي استعادتها بعد 25 يناير. إن الالتباس في وصف الخيانة تأسيسا على المواجهات الداخلية، ينقشع عند مراجعة الأداءات وتوافقها مع غايات العدو الإسرائيلي. ومتابعة وقائع انتخابات رئيس الجمهورية لا تفتح الباب على مصراعيه لإعادة إنتاج نظام مبارك الفاسد، بل الخطر الحقيقي أنها تؤكد اصطفاف النظام القادم في خندق الاستسلام للإرادة الأمريكية والمصالح الإسرائيلية. إن مراجعة المرشحين تكشف أن التحالف المضاد للثورة أخرج كل ما عنده لاصطياد كرسي الرئاسة لصالح معسكر التفاهمات الأمريكية والإسرائيلية، وبوسيلة صناديق الانتخاب، وبحسب الرقم القومي، وبالناخبين بالخارج، وكل ذلك عرضة للتزوير وفقا للمادة 28 من الإعلان الدستوري والتي تعطي الحق المطلق للجنة الإشراف على الانتخابات وتحصن قراراتها ضد أي طعن قضائي، بينما يشوب اللجنة ذاتها عوار لوجود عناصر بها ممن تطلهم شبهة التزوير في انتخابات 2010 أو أولئك الذين كان لهم دور في محاولة التأثير على الدائرة التي حاكمت من اتهموا في قضية التمويل لجمعيات مدنية. إن مراجعة مع النفس ضرورية، ومطالبة بأن تكون مرجعيتها الثورة ومواجهة العدو الإسرائيلي والمخططات الأمريكية. لقد صار مطلب "بناء جيش وطني قوي" ملحا كما مطلب الحرية والعدالة الاجتماعية، وفرض حادثة السيطرة الإلكترونية على الدبابات المصرية في سيناء ضرورة تعدد مصادر السلاح، وزاد من اليقين خبر الاستعداد لإطلاق قمر تجسس مصري من روسيا، رغم أن إسرائيل أطلقت قمر تجسس وبصواريخ إسرائيلية. إن مطلب بناء جيش وطني قوي يؤكد الحاجة إلى وحدة المجتمع وليس تفككه، وأهمية مواجهة أي اختراق تنظيمي من الجماعات الإسلامية للجيش المصري، هذا الاختراق الذي يواكب مطلب جماعة الإخوان بتخصيص حصة لأعضائها في كلية الشرطة! بدأت عناصر الثورة محاولة لتوحيد الصف في مواجهة تحالف التفاهمات الأمريكية والإسرائيلية والمضاد للثورة، قد تجدي المحاولة نفعا مع انتخابات الرئاسة، ولكنها بالأساس تؤكد ضرورة وحدة الأداء على المهام بين الكيانات المتفرقة. لن تنقضي المواجهة برئيس أو دستور، ولكنها ممتدة لحين القضاء على الفساد وإهدار الاستقلال الوطني ومواجهة الانهيار الاقتصادي، وستمتد المهام حتى تحقق التوازن بين قوى الثورة والقوى المضادة لها لصالح الثورة. المشهد في اللحظة يزداد تعقيدا، فيحضر نائب الرئيس المخلوع لتقديم أوراقه من مكتبه في المخابرات العامة سواء في فيلا داخلها أو في أحد أروقتها، وتحرسه قوة من الحرس الجمهوري والشرطة العسكرية، بينما شاشات التلفزيون تبث له حديثا يقول فيه "إن الشعب المصري لا يملك ثقافة تؤهله لممارسة الديمقراطية"، وترحب به الجرائد الإسرائيلية كصديق لها في حلبة انتخابات الرئاسة. صدر المصريين يضيق، وعلامات الاستفهام تتزايد، والريبة والشك تشمل كل التصرفات والأشخاص، والعدو على الجانب الآخر لا تفلت من يده لحظة دون أن يدعم موقفه بأنه القوة العظمى الوحيدة في المنطقة.
435
| 10 أبريل 2012
الحالة المصرية الآن تبدو "جعجعة بلا طحن"، أصوات عالية دون إنجاز يمكن الإمساك به والقول إن الثورة مستمرة. جيل الشباب الذي تصدى يوم 25 يناير 2011 للخطوة الأولى واخترق حاجز الخوف وأسقطه، تحمل صبر الساعات الأليمة ودفع ثمنها شهداء ومصابون، حتى انضم الشعب إلى حركة الثورة في الشوارع والميادين ليسقط رأس النظام، واستمر في بذل الروح والدم طوال الفترة الانتقالية، والآن يطرح أسئلة لا يجد لها إجابات: ما هي العلاقة بين المجلس العسكري والإخوان؟ لماذا سقط من حساباتهم وجود الشعب وحاجاته؟ هل يدركون أن هناك شعبا؟ هل يدركون حاجاته ويقدرون غضبته؟ هل يستوعبون أن في مصر ثورة؟ لماذا تلاسن المجلس والإخوان فيما بينهم لينتهي التلاسن كزوبعة في فنجان؟ يتساءل الشباب ولكن في داخله آمل، ويتساءل الشغب ولكن لديه احتياج، والأمل يضيء المستقبل ويفتح أبواب الثقة بالنفس، والاحتياج، نتيجة الفقر وانصراف الدولة عن مهامها، يفتح أبواب الإحباط، والتمرد، وثورة الجياع. ذهبت أصوات الناخبين في استفتاء 19 مارس 2011، والمجالس النيابية في اتجاه "التنظيمات الدينية" واختياراتها، تحت دعاوى تجربة أصحاب الأخلاق المتدينين الذين سيتقون الله في أمر الشعب، ولكن الناخبون، أو بعضا منهم، اكتشفوا أنهم وقعوا فريسة عملية خداع جعلت من الدين شعارا لتصورات ذاتية تسعى للسلطة المطلقة علي حساب الثورة. وإنصافا للناخبين الذين هم الشعب صاحب المصلحة الحقيقة في التغيير ويحتاج إليه ليعيد مقومات الحياة في مصر إلي طبيعتها بعيدا عن الفساد والاستغلال والسلطة المطلقة، إنصافا لهم يجب أن نسأل سؤالا واجبا: ما هو البديل الذي كان مطروحا على الشعب حني يختاره؟ وما هي لغة الخطاب معه؟ وهل وصل إليه هذا البديل حتى وان عصت عليه لغة الخطاب؟. ثورة يناير كانت عابرة "للأيديولوجيات" وعابرة لعجز الأحزاب وتصحر الحياة السياسية في مصر،ولكن حركة الشعب وإنجازه في مواجهة النظام وترسانته الأمنية وكل أجهزته، لم تكن كافية لإحداث التغيير داخل الأحزاب التي تكلست علي ماهي علية وعلي قياداتها التي انصرفت عن العمل الوطني وأهدافه إلى ذوات قيادات طالها الصدأ من طول معايشتها لنظام الفساد ورغبتها في استمرار الوجود حتى وإن كان الثمن التخلي عن الأفكار والرؤى التي تحملها، ولم تستجب النخبة في أغلبها إلى معني تحرير الإرادة الذي تحقق بثورة يناير، ولكنها راحت وفق انساق قديمة استولت علي عقلها وأوقفت قدرة الإبداع لديها، وأفقدتها التواصل مع الشعب، الى خيارات مهزومة، بينما الشعب في الميدان يرتقي بمطالب ثورته، ورأت في حينها أن ما تحقق من تعيين نائب أو تغيير وزارة أو إعلان عدم الترشح لمدة جديدة أمرا من الأحلام التي لم يكونوا يتصورونها، وما أن استدعوا إلى حوار مع رئيس جهاز المخابرات والنائب المعين حتى تهافتوا على الحوار، وبعضهم الآن مرشح للرئاسة، والبعض الآخر آثر أن ينسحب من الميدان، ليحتل بعد ذلك البرلمان ويصف نفسه بأنه الثورة الحقيقية وغيره لا علاقة له بها. الأحزاب كانت قد تآكلت، بينما الجماعات الدينية كانت تنظم صفوفها، وربما أن الضربات الأمنية بقدر ضررها على الأفراد، كانت تزيد من تاريخ الاضطهاد المشترك، وتفتح باب التكافل بين أعضائها، بل وتفتح باب التنمية للإمكانات المادية مما أدى إلى امتلاك هذه التنظيمات لكوادر متفرغة تعرف قيمة التكافل والاحتشاد والبقاء معا، خاصة وأن رؤيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتوقف عند حد "السلطة"، إما حوارا، أو شعارا والنتيجة معايشة انتهازية للبعض منهم مع النظام السابق، بينما البعض الآخر في غياهب السجون يدفع ضريبة انتماؤه للتنظيمات، وينتظر في الأغلب الجزاء عند خروجه من محبسه. حتى أن فصيلا من التنظيمات الدينية كان يرعاه جهاز امن الدولة، ويعده لمواجهة محتملة مع باقي التنظيمات والحركة الشعبية. الشعب لم يختر بالتصويت انحيازا بين بدائل مطروحة علية واضحة ومحددة وبلغة يستوعبها، ولكنه في اختياراته كان يلوذ بالله رافضا الإلحاد والكفر كما كانت تعرض له التنظيمات الدينية، فالجوع يمكن الصبر عليه رغم انه كافر كما يقول المصريون، ولكن الكفر لا يقبلون به، فاللص وهو يقوم بجريمته يسأل ربه: "استرها معانا يارب"!. اختيارات الشعب بصندوق الانتخاب أدت إلى أن تحيد الثورة عن طريقها. أعطى الشعب أصواته للتنظيمات الدينية واختياراتها، وفي ذات الوقت أخذ يستجيب للحرب النفسية التي يشنها الإعلام ضد الثورة وعناصرها، وانبري يردد اتهامات ضد عناصر شباب الثورة، بأنهم ليسوا الثوار الحقيقيين، ولكن هذا الشعب ذاته انطلق في مظاهرات فئوية مطالبا بحقوقه المهدرة، والتي لم ينتبه إليها أحد، بل إن هذا الشعب كان الجسم الرئيسي لمظاهرات يناير 2012 والتي أعادت للمشهد الحشود الشعبية في بداية الثورة. معادلة الشعب الصعبة يجب إعادة اكتشاف مكوناتها حتى يمكن التعامل معها. وتبقى مسؤولية الثورة البحث عن الحلقة المفقودة بين عناصرها وبين الزخم الشعبي: فالعلاقة مريبة بين المجلس العسكري والإخوان، وكأنهما يعملان وفق رؤية واحدة، توزعت فيها الأدوار. ويشرح رئيس حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان سبب ترشيح خيرت الشاطر لمنصب رئيس الجمهورية ويقول "لأن هناك ما يهدد الثورة وأهدافها"!؟، تبرير لا نجد في الواقع مبررا واحدا لصدقه، فالإخوان تركوا الميدان، وابتعدوا عن مهام الثورة الملحة والتي كانت تستدعي أعلى حالات الاحتشاد، بل إنهم هم السبب الرئيسي في الأضرار ببعض ضباط الجيش من الشباب الذي تفاعل مع الثورة واستدعوهم بالزي العسكري إلى منصة بميدان التحرير، مما أدى إلى صدامات يوم 8 أبريل ومقتل البعض منهم ووجود البعض الآخر في السجن الحربي الآن، ولم يرجف لمن دعي جفن، وكأنهم كانوا ينصبون لهم فخا. ثم مواقف الناخبين ليست انحيازا، ولكنها بالأساس اختيار لما وصل إلى وعيهم مباشرة، غير أن هذه الاختيارات أدت إلى دعم غير مبرر سياسيا واجتماعيا لمن خرجوا على الثورة ويواجهونها. وثالثا شباب يشعر أن ما دفعه من ثمن، يضيع من بين أيديهم، وليس أمامهم إلا أن يواجهوا التحدي ويدفعوا الثمن من جديد. فما هي الحلقة المفقودة في معادلة الثورة؟ الحديث عن الإخوان وما يفعلونه هو لغط في القول. فلن يجدي اتهامهم بأي شيء لمصر والثورة والشعب، حتى اتهامهم بالكذب، والمناورة، فهذا أداؤهم وهؤلاء هم، فهل يدرك المتكلمة والناقدون أن المشكلة ليست في الإخوان ولكن فيمن ينتقد ويتكلم دون أن يفعل شيئا. بات واضحا أن احتياج عناصر الثورة الرئيسي الآن هو امتلاك "تحليل سياسي" للواقع بعد 15 شهرا من الثورة، لتتمكن من تقدير صحيح للموقف، يمكنها من أن تضع رؤية للتعامل معه، وتحديد المهام المطلوبة لمواجهة تحديات استمرار الثورة. كان واضحا منذ اللحظة الأولي لانطلاق بيان الإخوان ضد الحكومة ثم بيانات المجلس العسكري ردا علي هذا البيان وبيان ما بنتهددش الذي عادت وأطلقته الإخوان، ليذكرهم المجلس بصدامات بين ثورة يوليو وبينهم وكتب مدير صفحة المجلس عن التنظيم المسلح لدى الإخوان، كان واضحاً ان الطرفين يذران الرماد في العيون تغطية لشيء آخر قادم وقد اتفقا عليه. والمواجهة مع تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، والاستيلاء عليها من الإخوان والسلفيين، جلبت مناوشات خارج الموضوع وعلي حساب الدستور، بينما الشعب صاحب الحق الأصيل فيه خارج الحساب. ويدخل الأزهر إلى المعادلة، ويعلن انسحابه من اللجنة التأسيسية، ويخرج الصراع بينه وبين الإخوان حول دوره وقدرته وواجبه إلى العلن، وكأن الأزهر استعاد زمن ثورات القاهرة في مواجهة نابليون والحملة الفرنسية. وعندما طلبت من مهندسة زميلة أن تسأل والدها الدكتور الأزهري لماذا هذه المواجهة، كفتني بإجابتها عن انتظار رد الأب وقالت "الأخونة"!، الإخوان يريدون السيطرة على الأزهر، كما هو موقفهم من المجلس الأعلى للمرأة عندما صدر به قرار من المجلس والحكومة دون سيطرة الإخوان، هاجمه الإخوان لأنه لم تتم "أخونته"!، وهذه المهندسة من الشباب، وهو ما يعني أن الشباب يدرك طبيعة ما يجري، ولكنه لا يملك تحليلا كاملا للوضع السياسي، وتوصيف القوي علي جانبي المواجهة داخل المجتمع، توصيف من نحن؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟ وهي خطوة ضرورية تسبق إمكانية امتلاك الرؤية. الجدل المحتدم حول لجنة الدستور والدستور وانتخابات الرئاسة يبدو في مجموعه جدل ثانوي خارج قضية الثورة. والجدل الواجب الآن بين العناصر التي تنتمي للثورة يجب ان يتجه إلى شعار "الثورة أولا"، ومؤداه ألا يغيب التعبير بالاحتشاد وفي مواجهة مؤامرات القصر التي تدور في الظلام وتظهر لنا نتائجها ونحاول الاستنتاج منها بأنهم معا رغم ادعاءاتهم بالاختلاف. و"الثورة أولا" يعني أن يكون للثورة أدواتها التنظيمية وان تجد لمهامها العناصر البشرية والإمكانات لتحقيقها. أن مهمة الوعي ضرورية، ومهمة الارتباط بالشعب وربط الشعب بثورته ضرورية، ومهمة توحيد المطالب الفئوية ضرورية، ومهمة التنسيق بين التنظيمات التي تنتمي لأهداف الثورة (فعلا وليس متاجرة) ضرورية. وغير هذا فإن مهاما تفصيلية للدستور تلح علينا لدراستها ووضع الأسس للبناء عليها نصوصا تشريعية في الدستور الوطني، وأهمها العلاقة بين المؤسسة العسكرية وبين الدولة، ومهمة ماهية النظام الاقتصادي الذي يحقق التنمية والعدالة الاجتماعية، مهام واجب تفسيرها تفصيلا والتوافق عليها. ومهمة الحوار المجتمعي حول الدستور مع فئات الشعب حيث هي جغرافيا ونوعيا، ضرورة لزيادة الوعي بالدستور وارتباط الشعب به. إن مهمة تأمين عناصر الثورة ضد المواجهات الأمنية القادمة حتما خلال الفترة القادمة ضرورة لامتلاك الثورة لأدواتها، ولن تتحقق بغير وحدة عناصر الثورة والتنسيق بينها. لم تكن عناصر الثورة باحثة عن مواجهة مع المجلس العسكري، ولعلهم يذكرون أن الشعب ليلة 10/11 فبراير 2011 توجه إلى القصر الجمهوري غير متحسب لمواجهة السلاح، وأن عناصر من الجيش كانت تحاول أن تعيده، محذرة من الحرس الجمهوري، ولكن الشعب كان يزداد إصراره ولم يكن يخشي الموت، وطوال الفترة الانتقالية كان المجلس العسكري يصدر أوامره بالتصدي بالسلاح للثوار فقتل من قتل وسحل وسجن. وصمتت جماعة الإخوان عن كل هذا... بل وصلت إلى التبرير وإبراء الذمة كما فعل العريان يوم 25 يناير 2011 نافيا مشاركة الإخوان وقال إن الأمن يعرف من هم، وهو يعني المشاركين في أول مظاهرة في التحرير في اليوم الأول للثورة. ولكن لا جدوى من توجيه الاتهامات، الجدوى الحقيقية في الخطوة الضرورية للتنظيم والوحدة على طريق الألف ميل. اشتعل فتيل اللغم، ولكن أين سينفجر؟ ومتى؟ وفي وجه من؟. هل سينفجر داخل الإخوان؟ أم أنه سينفجر داخل المجلس؟ أم أن اللغم سينفجر داخل المجتمع؟ الانفجار قادم لأنه لا تفسير منطقي يقبله العقل لما يجري. وهنا يكمن الخطر، لان الوضع الأمني هش، والاختراق للأمن القومي المصري واقع يجب التعامل معه، ولا عاصم من كل هذا سوى أن ينتظم أبناء الثورة في مصر في أداة تسترد المبادأة، واسترداد المبادأة لن يتأتي بخيارات نطرحها الثورة المضادة، ولكنها تتحقق بخيارات تضعها الثورة وتحققها حتى وان كانت انقلابا كاملا على كل ما هو قائم.
674
| 03 أبريل 2012
نشرت جريدة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية تقريرا حول المعارك العشر التي ستحدد مصير مصر في المستقبل، واستدعى هذا التقرير وقائع حرب أكتوبر 1973، وعدت إلى كتابات الأستاذ محمد حسنين هيكل "الجورنالجي المنحاز إلى وطن وقومية ورؤية اجتماعية"، والذي يكتفي بأن يقول كلمته ويمضي، ينتظرها منه العالم، وتتجاهلها منه أمته. عدت إلى العديد مما كتب، ووجدت كل الملابسات والظروف تتوالى أمامي. كانت هناك معركة خاضها هذا الرجل لمحاولة وقف تفريط "السياسة"، فيما حققه "السلاح"، خاضها بالقلم، ولم يمنع ذلك أن تظهر "الأقزام" بالسهام المسمومة، لتغتال الرأي، دون أن تطرح البديل. لم تكن العودة للوراء أربعين عاما هروبا مما نحن فيه، ونواجهه، ولكن بلا تاريخ، فلا هوية، ولا تعلم، بل يختلط الدعّي بالمقاتل، وتبدأ أبواق الخصومات تعزف لحنا جنائزيا يولد على أنغامه مستقبل لم تنشده الثورة، ولا ذلك الربيع العربي. وعازفو الألحان الجنائزية ليسوا هم البناءون بل التاريخ لا يجد لهم دورا فيما ألم بالوطن. لم يحملوا السلاح يوما ضد عدو خارجي دفاعا عن الأرض، ولكنهم كانوا هناك يجمعون المال باسم الاضطهاد، لم يقاتلوا عام 1973 لتحرير الأرض وبيوتهم تشرب وتأكل بقدر محسوب، لم يعانوا من الحصار الاقتصادي، لم يضعوا لبنة في مصنع أو حجرا في السد العالي، ولم يتحملوا تبعات تأميم قناة السويس، ولكن طنينهم الدائم أنهم كانوا في المعتقلات، وليت أحدا ممن يدققون في أمر الثروات يجيب الشعب المصري، من أين لهم كل هذا؟. قرأت في صفحات ثلاثة كتب "عند مفترق الطرق" و"سنوات الغليان" و"الانفجار"، تبدأ من لحظة التمصير في الخمسينيات، وتقارير السفارة البريطانية تكشف أن المصريين الذي يدخلون عليهم شركاتهم يملكون معلومات تفصيلية عن كل شيء، ويسيطرون، هي ذاتها خطة الاستيلاء على إدارة قناة السويس لحظة إعلان التأميم، معارك يجب أن تتوفر لها الإرادة والرجال والمعلومات، عندها يمكن تحقيق نتائجها. ولا تنتهي مسيرة الحصار الاقتصادي والسياسي لمصر التي تقبض على استقلالها ودورها في أمتها، ففي عام 1966 يحدث لقاء بين جمال عبدالناصر وذو الفقار علي بوتو ـ بناء على طلب بوتو ـ والذي كان يومها وزير خارجية باكستان المستقيل، ليقول بوتو لعبد الناصر: "أرجوك أن تعرف أنهم خارجون لاصطيادك يا سيدي!". ويشرح كيف أن منظمة المؤتمر الإسلامي صناعة أمريكية سعودية تركية إيرانية استدعت إليها باكستان، لمواجهة المد القومي العربي، وقد وصفه دين راسك وزير الخارجية الأمريكية بأن هذا العمل هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينجح في محاصرة نفوذ الجمهورية العربية المتحدة"، ويواجهه بوتو معترضا علي استخدام الدين لتجمع سياسي، "أنكم تعودون لتقسيم العالم علي أساس ديني. ويعرض بوتو لوجهة نظر مخالفة لشاه إيران، "أنه إذا كانوا يقيمون هذا الحلف لمواجهة ناصر وحصر نفوذه فإنهم لن ينجحوا"، ويكمل: "وإذا كان ضروريا تحقيق الهدف الذي يتحدثون عنه فلابد من وسائل أخرى لتنفيذه، وليس ضروريا أن تكون هذه الوسائل عربية، بل من الضروري لنجاحها ألا تكون عربية". ويصل المرجل إلى نقطة الانفجار في حرب يونيو 1967، ولكن إسرائيل التي أخذ بعقلها الوهم، كانت تنتظر الاستسلام، إلى أن تحققت حرب 1973. ويشير تحليل لهيكل إلى أن إسرائيل كانت تريد حرب 1973 ألا تتعدى كونها حادثا عارضا، أكثر منها حدث. ويشير إلى أستاذ عربي في أميركا انتابه شعور انتظار الهزيمة عندما بدأت وقائع حرب 1973، وبعد أيام عندما تأكد أن الأمر مختلف، خرج ليقول: لقد استأنفنا التاريخ. ويكتب هيكل ردا على رسالة بالتحية عما يكتبه، ليقول: "تاريخنا القديم منقوش على الأحجار تشهد به الآثار، ومواريثه الثقافية والحضارية سارية في أعماقنا ــ وهذه حالة طبيعية. أما تاريخنا الحديث فهو صراع ضد قوى السيطرة والتخلف، مازال محتدماً. إن دورنا في تقرير مصيرنا بالكاد بدأ. وخطواتنا فيه قرب المداخل. وحوافظ التاريخ لم تقم بعد بضم واحتضان وقائعه ووثائقه لكي تؤمنه وتصونه. ومعنى ذلك أن ضميرنا الوطني والقومي مكشوف لأن تاريخ أي شعب أو أمة هو المؤثر الأكبر على ضميره أو ضميرها. وعندما يصبح الضمير عاريا فالأعصاب كلها عارية. والأعصاب مكمن الإرادات. ولأن الصراع على الشرق الأوسط وفيه مازال مستمرا، فإن قصته مازالت مفتوحة. هي بعد نوع من التاريخ السائل لم يتماسك، وبالتالي يمكن التعرض له بتحويل أو تعطيل مجراه، أو تغيير مادته وشكله ولونه. وهنا تدور معركة الضمائر. معركة الأعصاب، معركة الإرادات. ولا أبالغ إذا قلت لك إن قوى السيطرة والتخلف تتمنى طردنا من الزمن، ولو استطاعت لفعلت. ولأن ذلك مستحيل في هذا العصر الذي أصبحت فيه الدنيا قرية عالمية واحدة (كما يقولون)، فإن بديل الطرد من الزمن هو التلاعب بهذا الزمن ومسخه إلى فراغ... إلى ضياع. وهنا تشتد الحاجة إلى محاولة قراءة التاريخ، أكثر من الحاجة إلى كتابته. حقائق تكاد تفرض بمراجعة أربعين عاما مضت إدراك أن قراءة التاريخ ضرورة، لامتلاك الإرادة، ووضوحها. دور في تقرير المصير بالكاد قد بدأ، والضمير مكشوف، والتاريخ هو المؤثر الأكبر على الضمير، وعندما يصبح الضمير عاريا فالأعصاب كلها عارية. والأعصاب مكمن الإرادات. لم يخرجوا لاصطياد عبدالناصر الشخص، ولكنه اصطياد مصر الدور والإمكانات والمستقبل. لا يختلف اليوم عن الأمس، بل إن حالة السيولة انتقلت من التاريخ الذي تجرى صياغته إلى الواقع المعاش يوميا وفيما أطلق عليه الربيع العربي. كل هذا استدعته قراءة جيروزاليم بوست للمعارك العشر التي ستحدد مستقبل مصر، والتي حددتها فيما يلي: المعركة الأولى حول تطبيق الشريعة الإسلامية، والتي تتعلق بالبند الثاني من الدستور المصري. المعركة الثانية هي الحق في الطعن على نتائج الانتخابات الرئاسية، أو المادة رقم 28 من الإعلان الدستوري الحالي. المعركة الثالثة حول اختيار 100 شخص لصياغة الدستور المصري الجديد، ويتم هذا وفقاً للاستفتاء الذي أجري في مارس بعد قيام ثورة 25 يناير. المعركة الرابعة وتدور حول منح امتيازات خاصة للجيش، والتي يسعى المجلس العسكري للحصول عليها في الدستور الجديد. المعركة الخامسة حول السيطرة على الأزهر. أما المعركة السادسة فتدور حول منع الارتفاع الحاد في معدلات البطالة بعد مارس. المعركة السابعة وتدور حول دستورية البرلمان الذي انتخب مؤخراً. المعركة الثامنة حول تغيير الحكومة الحالية. أما المعركة التاسعة فهي الحكم على مبارك. وأخيراً المعركة العاشرة والتي تدور حول منع مزيد من الانخفاض في الاحتياطيات الأجنبية، وهي معركة اقتصادية تدور حول الاحتياطيات الأجنبية للبلاد. هذه المعارك العشر التي ترصدها جيروزاليم بوست وبالتالي مراكز البحث الخارجية وأجهزة الاستخبارات، أسقطت من اعتبارها معارك الأمن الداخلي وكرة القدم والمذابح المسكوت عنها والأموال المهربة للخارج وعناصر نظام مبارك الهاربة في الخارج، والحصار الاقتصادي للشعب والذي تتولاه الحكومات العاجزة، والحرب النفسية ضد الثورة عبر إعلام يقبض من ضرائب الشعب ومسلط عليه بحرب الإحباط النفسي، لأنها أدواتها في حصار الثورة. قراءة مباشرة تقول إن المعارك تلك جميعها، ليست معارك الثورة بأي حال من الأحوال. هم بالفعل خرجوا لاصطياد "الربيع" العربي، وثورات الشعوب، حتى أنهم مدوا الخطوط على استقامتها لتحطيم ما تبقى من النظم العربية في سوريا، والتي تقع صريعة بين شقي رحى نظام مستبد، وضرورات البقاء في معسكر معاد للهيمنة الأمريكية والصهيونية. لم يعد أمامنا إلا الحديث المباشر والصريح. التاريخ تصنعه الأحذية الثقيلة، ولا تصنعه كاميرات المصورين وعدسات التليفزيون. التاريخ يكتب بدماء الشعوب، وإرادتها، فليس من الجائز أن تتعبد الشعوب في محراب حزب سقط أو جماعة انتهازية. بالإسلام حطم العرب الأصنام، وعبدوا الله الواحد، منذ أربعة عشر قرنا من الزمن، فليس من الجائز الآن أن يعبدوا صندوقا صنعه السامري بلجنة التعديلات الدستورية التي ترأسها، وجعل للصندوق خوار بقبضة من دم الشهداء وأعين المصابين، وعباءة دين، فصار العوام يعبدون الصندوق، والدين براء من عباءاتهم وصناديقهم. الحديث المباشر والصريح يشير باصبع الاتهام إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي عجز عن إدارة الفترة الانتقالية، وقتل عناصر الثورة، وسلم البلاد لتنظيمات لا تحمل رؤية، ولا تنتمي إلى معانات الشعب، بل تستخدمها، وتنفق عليها ببذخ من أموال البترودولار وأموال أجهزة تريد صناعة مجتمع "مدجن" يحمي مصالحهم، ويعود بالشعب إلى محبسه. كل ما واجهته مصر الثورة طوال ستين عاما مضت، كانوا بعيدا عنه باحثين عن السلطة. لا يملكون رؤية وطنية، بل يسعون إلى السلطة لبناء أممية خاوية من البعد الاجتماعي، ولا يملكون إلا "الإحسان"، ولا يبقى على ألسنتهم إلا أن يقولوا لو شاء الله لرزقهم!!. وسقطوا في اختبارات الأمانة، سقطت لجنة البشري، وسقطوا في الاستفتاء منذ عام وأطلقوا عليه غزوة الصناديق، وسقطوا في قانون الانتخابات وأبوا إلا أن يسيطروا على المقاعد الفردية ولم يكتفوا بالقوائم الحزبية، وسقطوا في استمرار وجودهم كجماعة لا مسوغ قانونيا لها، وغضت الحكومات الطرف عن هذا، وكأن المجلس العسكري يستخدمهم فزاعة في مواجهة الثورة، وسقطوا في اختبار لجنة الدستور، وبدلا من تطبيق نص الإعلان الدستوري المشوه، استمرأوا الإقصاء والاستحواذ، وسقطوا فيما يطرحون من قوانين تؤدي إلى دكتاتورية جديدة، حتى أن أحدهم يطالب بتجريم المظاهرات التي جاءت بهم. الشعب في مصر يواجه حلفا مستمرا مناورا مكوناته، المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحكومته ومجلسه الاستشاري، والإخوان وحزبهم، والسلفيون وأحزابهم، والداخلية وتهاونها وحماية المجلس النيابي لها، ومجالس نيابية صيغت بعد إجهاض الثورة، ورأسماليون جدد من نظام مبارك وآخرون أكثر حداثة من الإخوان، وإعلام يمارس الحرب النفسية، وكذب وتضليل وقتل، كل هذا يؤكد أن حصار الستينيات الذي سبق انفجار 1967 يتكرر، ولكنه هذه المرة يواجه الثورة ومحاولات التغيير، فهي الخطر الحقيقي على الكيان الصهيوني والمصالح الأميركية. في أعقاب 1967 أطلقت مصر مقولة "لم يعد أمامنا سوى أن نشق طريقنا عنوة فوق بحر من الدم وتحت أفق مشتعل بالنار"، فما الذي تقوله مصر اليوم، والكذب غلاله فوق سمائها بعد أن كانت أرواح الشهداء تعطر الجو ويتنفس المصريون الحرية كما لم يحدث من قبل. في أعقاب يونيو 1967 جرت مراجعة لكل شيء وبلا استثناء، وصارت مصر كلها شعبا وجيشا تحت السلاح لأنها قررت أن تحرر أرضها. واليوم نحن أحوج ما نكون لمراجعة كل شيء وبلا استثناء، وأن نكون على أهبة الاستعداد، لأن قدرنا دائما في مواجهة التحالف الداخلي المعادي للشعب، ألا نصل إلى غاياتنا في الحرية والعدالة الاجتماعية دون أن نشق الطريق ومن جديد عنوة، فوق بحر من الدم إن لزم الأمر، وتحت أفق مشتعل بالنار إن فرضت الضرورة ذلك. كان مطلب الخالق عز وجل "أعدوا لهم ما استطعتم"، أي لا ترهبكم كثرتهم فهم كغثاء السيل، هم أوهن من بيت العنكبوت، فمن يكذب على الشعب ليس له غير حديث الأحذية. الثورة ليست كما تحاولون بالمنهج الإسرائيلي تصويرها على أنها حادث عارض، بالثورة استرد الشعب إرادته، وفي القريب جدا سينظم صفوفه وبالأحذية الثقيلة سيستأنف التاريخ.
440
| 29 مارس 2012
تتصاعد التحديات التي تواجهها الثورة المصرية دونما توقف، فالقوى المضادة للثورة انتقلت من مرحلة الالتفاف والتمييع والسعي للإجهاض بالقتل والاعتقالات والإعلام المزيف إلى مرحلة التشريع لتقنين الانقلاب على الثورة. وتؤكد الوقائع أن التحالف الظاهر للعيان للقوى المضادة للثورة يجمع كلا من الإخوان والسلفيين والداخلية والمجلس العسكري وجماعة الرأسماليين التي تشكلت في رحم النظام السابق وتحت مظلة الفساد بالإضافة إلى الجهاز الإداري للدولة الذي تمكن مع انحرافات النظام السابق أن يحقق مكاسب تهددها أي محاولة لمواجهة الفساد، ورغم اختلاف في مقاصد كل طرف منهم عن الآخرين إلا أنهم يجتمعون على ضرورة إخراج حركة شباب الثورة من ميزان القوى. شهدت الأيام الماضية مواقف كاشفة للمدى الذي وصلت إليه المواجهة مع الثورة. الموقف الأول دعوة خرجت من الحكومة للمصالحة مع عناصر النظام السابق والموجودة في سجن طره، ويبلغ الأمر أن المستشار أحمد مكي وهو من مجموعة استقلال القضاء والتي كان لها مواقفها الرائعة في عام 2005 أن يعلن أن المصالحة معهم ممكنة إن اعتبروا مستثمرين!، وكأن الفساد وتزاوج الثروة مع السلطة واستغلال النفوذ انتقل من تهم سياسية وجنائية إلى علاقة مع مستثمرين كانوا يستهدفون تنمية وبدلا من حسابهم على جرائمهم، نتجاوز عن حق المجتمع والشعب. والموقف الثاني مشروع بقانون تقدم به نائب من السلفيين بالمجلس للعفو السياسي عن كافة القضايا التي حدثت حتى 12 فبراير 2012، وهو ما يمكن أن يحمل في طياته رغبة في العفو عن عناصر النظام السابق. وزاد على ذلك قرار صدر عن المجلسين النيابيين بالاستحواذ على 50 عضوا من أعضاء لحنة المائة لوضع الدستور يتم اختيارهم من أعضاء المجلسين، وهو أمر مناقض للأعراف، كما أن مجلس الشعب معروض أمره على المحكمة الدستورية بعد حكم من المحكمة الإدارية العليا بعدم شرعية مرشحي الأحزاب على القوائم الفردية، مما يهدد شرعية لجنة المائة ذاتها إن قضي بعدم دستورية قانون انتخاب المجلس. ومناخ التحدي في ذروته هذه جمعتني حوارات مع عناصر من الشباب تكررت منفصلة، غير أن المشتركات في الرؤية كانت تفصح عن أن هذا الجيل يملك وعيه الخاص ويقينه الذاتي بمصر والشعب والثورة ومعني الشهادة وان حق الشهداء هو تحقيق ما أرادوه، وتمثل ذلك فيما يلي: 1) أنهم يملكون تحليلا لتحالف القوى المضادة للثورة مع بعض الملاحظات حول الأدوار. 2) أن زمن القائد الفرد والزعيم انتهى والآن زمن العمل المؤسسي. 3) أن الثورة انتقلت من وقائع تجري على الأرض إلى يقين إرادي داخل الشباب وهو تأكيد على استمرارها. 4) أن انتقال الثورة إلى يقين الشباب لا يعني الغياب عن الاحتشاد بل إن الحفاظ على الاحتشاد الواعي ضرورة لاستمرار الثورة وغاياتها. 5) أن تنظيم جهد الشباب في بناء مؤسسي هو هدف المرحلة، للوصول بعد أربع سنوات إلى القدرة على التأثير على صندوق الانتخاب. 6) أن القبول بالشهادة ليس ادعاء ولكنه عقيدة تجمعهم. 7) أن الديمقراطية ليست مجرد صندوق، ولكن يجب توفير الخبر والوعي أولا للشعب. 8) أن السعي لتحقيق هدف التغيير قد بدأ ولن يتوقف إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية. 9) أن انتخابات الرئاسية القادمة أمر لا يجب تركه للصدفة، بل يجب التأثير إيجابيا بها وبمواقف محددة وتحمل مسئولياتها. هذه خلاصات لما تكرر في الأحاديث مع الشباب، ومن علاقات مختلفة ودون لقاء بينهم، الأمر الذي يبعث على الثقة بهذا الجيل ومنهج تقكيره. ووسط هذا كله تبدو مهام عديدة ملحة قبل وضع الدستور غائبة دون الاقتراب الموضوعي منها، كالعلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية، والنظام الاقتصادي، التنمية والعدالة الاجتماعية، وإعادة بناء جهاز الشرطة وعلاقته بالمجتمع. والإسهام في اللحظة في أي من هذه القضايا هو أمر واجب، ولأهمية العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة خاصة في العالم الثالث ونحن نحاول بناء نظاما ديمقراطيا تبدوا أكثر إلحاحا، حيث المؤسسة العسكرية هي القوة الوحيدة التي تملك القوة المسلحة، والبناء التنظيمي المنضبط، مما يدعها إما أن تكون النواة الصلبة للمجتمع، أو أن تكون أداة تخريب أي محاولة لبناء نظام ديمقراطي. فالعلاقة بوجه عام بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية علاقة معقدة وبالغة الأهمية خاصة في البلاد النامية التي تحدث فيها التغييرات الداخلية عادة باستخدام القوات المسلحة والتي لا يتحدد فيها أسلوب نقل السلطة بطريقة تمنع الهزات والرجات. إن إخلال التوازن في العلاقة بين القيادتين يتسبب في مخاطر كثيرة تؤثر على الأمن القومي للبلاد مما يحتم معالجة الموضوع معالجة حاسمة وحكيمة وواضحة. تشير دراسات متعددة إلى أن العلاقة بين القيادة السياسية للدولة والمؤسسة العسكرية ترتبط بمدي التوازن في القوة والسلطة بينهما. وتلزم الدراسات القيادة السياسية بضرورة إدراك الكفاءة المهنية واستقلالية المؤسسة العسكرية وأن تدرك (القيادة السياسية) ضرورة الإقلال من تدخلها في الشؤون العسكرية. وعدم وجود نظام جيد للمؤسسة العسكرية والتزامها بالانضباط، يؤدي إلى هدم الدولة وتخريبها. والمبدأ الأساسي للعلاقة بينهما هو عدم الغموض أو اللبس في أن وضع السيطرة المطلقة على القرار بيد القيادة السياسية. لذلك يكون سؤال كيف نبني نظاما للعلاقة على أساس المسؤولية المشتركة سؤالا عادلا، خاصة أن هناك مهمة داخلية يراها الخبراء في العالم هي الدفاع عن النظام السياسي القائم ويبقي السؤال: ما إذا كانت ستتدخل؟ ومتى وكيف؟ مكملا لمنظومة العلاقة بينهما. ويعرض الباحثون لمنظومة قرارات مركزية لإدارة المؤسسة العسكرية علي النحو التالي: قرارات استراتيجية تتعلق بحدود الدفاع ووسائله. قرارات مؤسسية وتتعلق بالإمكانات الدفاعية وتحديد المسؤوليات الداخلية بالمؤسسة. قرارات اجتماعية تتعلق بالعلاقة بين القوات المسلحة والمجتمع. وقرارات عملياتية وهي تختص بتشكيلات القوات وانتشارها. ويقول الجنرال كلاوزفتز، إن الحرب عبارة عن تطور السياسة المنتقاة من قبل بلد ما، يقرر اللجوء إليها عندما تعجز السياسة عن تحقيق الهدف الذي رسمه لنفسه. وكل حرب ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار السياسة التي كانت سبباً لها، كما ينبغي أن تتلاءم قيادتها وإدارتها مع السياسة التي يفترض أن تخدمها. ومعنى هذا أن السياسة هي التي تحدد أساسا إنشاء خطة الحرب التي تنبع منها إدارة العمليات. ويلح كلاوزفتز، علي انه لا ينبغي لإدارة الحرب في أي لحظة من اللحظات أن تصبح غريبة عن السياسة التي من الواجب أن تتطابق معها، إلا أن هذا لا ينبغي أن ينسينا أن إدارة العمليات تبقي مسؤولية من مسؤوليات المجال العسكري، وأن أي تدخل للسياسة علي هذا المستوي يشكل خطيئة حقيقية في المحاكمة والتفكير، وقد يؤدي إلى نتائج أليمة. وهو يرى أن علي الحكومة أن تحدد خطة الحرب، كجهاز سياسي أعلى. وعلى القائد العام أن يعطي رأيه كي يكون الحكام على اطلاع بالنتائج العسكرية لقراراتهم، سوى أن دوره في هذا المستوى يبقي دوراً استشارياً. وعلى العكس ينبغي ألا يشاركه في سلطته أحد عندما يتعلق الموضوع بتحديد العمليات التي ينبغي الشروع بها، والخطة التي تدخل هذه العمليات ضمن إطارها. ومن هنا يستنتج أن على القائد العام أن يكون مزوداً بثقافة سياسية كافية. ويقول أمين هويدي في كتاب "في السياسة والأمن": الأمن القومي، وهو عبارة عن الإجراءات الشاملة التي تتخذها الدولة في حدود طاقتها للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل مع مراعاة المتغيرات الدولية من مسؤولية القيادة السياسية ومجاله الاستراتيجية العليا أو العظمي Grand Strategy ويصبح الأمن العسكري جزءا من الأمن القومي وهو من مسؤولية القيادة العسكرية وبنوجيه وتحت إشراف القيادة السياسية ومجاله الاستراتيجي إدارة المعارك لتحقيق الغرض من الحرب أو هي فن القيادة العسكرية أو باختصار فالقيادة العسكرية هي إحدى الوسائل الميسرة لدى القيادة السياسية لتحقيق أهداف الدولة تأتمر بأوامرها وتنفذ المهام التي تكلف بالقيام بها. وفي حدود ذلك تحدد العلاقة بين القيادتين في الآتي: • إعلان الحرب وانتهاؤها وإيقاف القتال أو استئنافه من أعمال القيادة السياسية. • للقيادة السياسية الحق في تحديد أغراض ذات أهميه استراتيجية خاصة ومن الواجب علي القيادة العسكرية وضع ذلك في الاعتبار عند وضع الخطط وتوزيع القوات المشكلة بها في العمليات إذ قد ترى القيادة السياسية في ذلك فائدة سياسية أو يمكن اعتبارها ورقة رابحة في أي مفاوضات تالية. • للقيادة السياسية حق التعيين والعزل للقيادة العسكرية وهذا أمر طبيعي في كل وقت ومكان.لأن القيادة العسكرية إذا حاولت تغيير القيادة السياسية فإن هذا يعتبر خيانة عظمي في حالة فشل المحاولة وقد يعتبر ثورة أو انقلابا في حالة نجاح المحاولة. • للقيادة العسكرية أن تعترض علي كل المهام التي تكلف بها، او على بعضها. فإذا أصرت القيادة السياسية علي المهمة مع استمرار عدم اقتناع القيادة العسكرية عليها أي علي القيادة العسكرية أن تترك موقعها لمن يقبل تنفيذ المهمة. ولكن إذا قبلت القيادة العسكرية القيام بالمهمة فإنها تصبح مسئولة عن نتائجها. • وزير الحربية مسؤول مسؤولية كاملة عما يجري في القوات المسلحة وهو ممثل للقيادة السياسية في قمة الجهاز العسكري وعليه أن يقود جهازه ولا يسمح بحدوث العكس. ولذلك فان الجمع بين منصبي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة إجراء خاطئ وشاذ إذ يسقط رقابة الدولة الواجبة على وحداتها العسكرية ويجعل وزير الحربية ذو القبعتين دون رقابة على أعماله في واقع الحال، والجمع بين المنصبين فيه خطورة أكيدة من "خروج" المؤسسة العسكرية عن إطارها المفروض أن تعمل فيه. • القيادة العسكرية خاضعة لرقابة الدولة من خلال مناقشة سياستها في المجالس المتخصصة أو في مجلس الوزراء وفي المجالس النيابية بل وفي الصحافة. كما يجب أن تخضع مصروفاتها لرقابة الأجهزة المختصة في الدولة شأنها في ذلك شأن الأجهزة الأخرى بغض النظر عن السرية حتى تتأكد الدولة من الإنفاق السليم الصحيح للموارد المتاحة، مع تفرغ القوات المسلحة لواجباتها دون أن يناط بها واجبات أخرى. • توفر القيادة السياسية المناخ السياسي الملائم لعمل قواتها المسلحة كما توفر لها الإمكانات المالية اللازمة لتوفير المعدات الملائمة وعليه ألا تتدخل في كيفية قيام القوات المسلحة بتنفيذ المهام الملقاة علي عاتقها ولكن لا يمنع هذا من إبداء النصح وإعطاء المشورة. • تتم التعيينات في المناصب العسكرية الكبرى بتصديق وموافقة القيادة السياسية إذ يتوقف الأمن القومي للبلاد علي حسن اختيار هؤلاء الأفراد. هذه محاولة أولية للاقتراب من فرائض غائبة، وملحه لعل حوارا موضوعيا ينشأ من حولها بين كافة المتخصصين، فالدستور ليس مجرد خطب أو تعبير عن صراع بل هو عقد اجتماعي متكامل، والحديث عن الثورة ليس مجرد مشاركة في الصراع، فالحاجة إلى لبنات للبناء باتت ضرورة ملحة.
422
| 20 مارس 2012
تصدي شباب الثورة لحل معضلة سؤال "ما العمل؟"، الذي واجه مصر قبل الخامس والعشرين من يناير 2011، وخرجوا ليستخلصوا الإرادة الوطنية من مغتصبيها في نظام ساده فساد لم يتصوره أكثر الناس اتهاما له بالفساد أنه بلغ هذا المدى. وسيكتب التاريخ، أن جيلا من الشباب تحمل المسؤولية عن كل الشعب، وأنه تجاوز سن الشباب وتنازل طوعا عن الحياة، وقدمها قربان شهادة في سبيل وطنه وحريته، فنزع سلاح القتل من يد المغتصب، بل جعل من الشهداء دلالة يقين بضرورة تحرير الإرادة الوطنية، وسلاحا في مواجهة المغتصب، ويومها سيقول الشعب، لقد انتصر الشباب، ولكننا تركناهم يقاتلون وحدهم، كان الله معهم فقد تحملوا أوزارنا. تبدو مصر اليوم كما هو الحال في "المولد" الشعبي، والمولد هو مناسبة تقام حيث توجد أضرحة يقول الناس إنه دفن بها رجال من أولياء الله الصالحين، وبديل القدوة ودراسة الأثر، تنصب الخيام التي يصدح فيها المنشدون بل أحيانا الراقصات، والألعاب هنا وهناك، وينتشر اللصوص بين الحضور، وتهدر في أحيان كثيرة الأخلاق والقيم. هكذا الحال في اليوم "مولد انتخابات الرئاسة" وتنزوي على الجانب مسؤولية إعداد الدستور وتتحول إلى صراع لاختيار لجنة الكهنة المسماة بلجنة المائة، ولا يبدو أن أحدا احترم مشهد الدم المسال من أعز أبنائنا فوق أسفلت الشوارع، والقاتل طليق بل وتبلغ به الصفاقة أنه يدين المقتول، ونسوا أن مصر فقدت من أجمل الأزمنة خمسة عشر شهرا هي الفترة الانتقالية والتي أسماها المصريون الفترة الانتقامية لطبيعة منهج تصفية الثوار والتخبط في القرارات وطبيعة القوى التي سطت على الثورة ولوت عنقها لمصالح حزبية وكأن الأرض دانت لهم، غير عابئين بمعاناة الشعب، رغم أن العدل هو سفر السماء الأول. يواجه الشباب الآن تحدي إدارة أزمة مركبة، فالوقت قد سرق واستنفدت الفترة الماضية في مقاومة محاولات الثورة المضادة لإجهاض الثورة، ومازال أمام الثوار مسؤولية استرداد السلطة بكل ما يترتب عليها من مهام، والزمن يتساقط في قضايا فرعية كأوراق خريف جافة تعصف بها رياح شتاء قارس وصوتها كفحيح الأفاعي ويصفونه بلحن الخلود، خلود نظام مبارك وليس خلود شعب مصر، وكأن الطبيعة غيرت، بفعل القتل والكذب، من فصولها، رغم سطوع شمس الحقيقة "إن إرادة الشعب صارت بالميدان". وإذا بدا أن أسلوب القتل المادي توقف بعد أن استنفد بعضا من أغراضه، لكنه في اللحظة الراهنة يجسد ذاته في قتل الشخصية معنويا، ويكاد تسونامي الثورة المضادة أن يطيح بكل شيء. استولت الثورة المضادة على مجلس الشعب. ويسعى المجلس الأعلى للقوات المسلحة لاستقطاب الشباب لتزكية منصور حسن (القادم من زمن السادات) رئيسا للجمهورية. وتسعى الثورة المضادة للاستيلاء على لجنة إعداد الدستور، غياب معرفي مطبق يسير عكس العلوم الاجتماعية والسياسية لمعنى الدستور وموجبات صياغته كعقد اجتماعي توافقي كلي شامل بين كافة قوى المجتمع المصري، غياب يصل إلى حد الجهل والعناد يضفي على الجهل أيضا سمة الديكتاتورية، وكأن الشعب قام بثورته ليستبدل نظاما ديكتاتوريا بآخر أشد ديكتاتورية منه لأنه يلبس عباءة الدين ويطلق لحيته، ويملكون في هذا الحق المدعى لأن متآمرا وضع مادة في الإعلان الدستوري تقول "يختار المجلس المنتخب لجنة إعداد الدستور"، ويتجاوز الواقع حالة الجهل إلى قصد سرقة الدستور قبل وضعه. تبدو مقصلة الأغلبية في مجلس الشعب "حامية" على العليمي لأنه قال مثلا شعبيا مصريا "ما قدرش على الحمار قدر على البردعة"، وهو مثل يقال عند تحميل الأدنى (الجماد) مسؤولية الفعل بدلا من الفاعل الأساسي، المثل يصف الإجراء ولا يصف أحدا بأنه حمار وليست البردعة اشتقاق من البرادعي حتى يثير حفيظتهم. وذات المقصلة تبدو باردة في مواجهة مصطفى بكري الذي وقف بالمجلس يكيل أوصاف الخيانة والعمالة ضد مصريين، لينتهي الأمر به في أحضان الأغلبية تربت عليه وتحتضنه وتقبِّلهُ. والتحدي الذي يواجهه الثوار يتم في هذه البيئة، والثوار مطالبون بتجديد الثورة وليس مجرد استمرارها. والتحدي هنا ليس مجرد البناء التنظيمي، وليست رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية للوطن كما يريده بثورته، ولكن التحدي الأخطر، أن تحالف القوى المضادة للثورة يكاد يستكمل أركان بنيانه ويكتمل العقد بعودة مباحث أمن الدولة إلى ممارسة ذات النشاط القديم تحت مسمى الأمن الوطني، والتحالف ذاته يسعى لسيطرة كاملة على لجنة وضع الدستور وعلى مقعد الرئاسة. المؤامرة استطاعت على مدى 15 شهرا أن تعيد ترتيب الأوراق، وبداخل أطرافها اعتقاد بأنهم أوقفوا مسيرة التغيير وزخمها الشعبي، غير عابئين بجذوة النار التي تزداد اشتعالا، وتتمدد لتشمل كل ربوع الوطن وكل فئاته. هكذا بيئة العمل والتحدي والمؤامرة، فهل توقف الشباب عن الأداء؟ وما هي مسؤولياته ووسائل وآليات تحقيقها؟. نجح الشباب في تكوين آليات متعددة تتجاوز مئات التشكيلات التي خرجت في أعقاب الثورة، ومع محدودية عدد هذه الآليات، إلا أنهم استعاضوا عن وحدة التنظيم بوحدة المهمة، ولم نصل بعد إلى وحدة الهدف، فقد تكون المهمة مهمة فرعية لأهداف الثورة (محاكمة القتلة وحق الشهيد والمصاب على المجتمع)، ولكنها مهمة يجتمع عليها الكل وتستقطب زخما جماهيريا شأنها في ذلك شأن (يسقط حكم العسكر) بينما الحقيقة أن سقوط حكم العسكر لا يتأتى بابتعادهم عن صدارة المشهد، فهم سيستبدلون حضورهم الظاهر بمجلس نيابي يدرك أين تكمن القوة الحقيقية في الدولة (المؤسسة العسكرية)، ولجنة الدستور المتروكة لمجلس نيابي انتشرت فيه اللحى الظاهر منها والخفي، ورئيس يريدونه ويصنعونه بغزوة صناديق جديدة. يوحد الشباب حركته بالمهام الثانوية وهو ما أنتج حشود 25 ـ 28 يناير 2012، والتي غاب عنها كل أطراف المؤامرة وباءت كل محاولاتهم لتشويهها بالفشل، وانقلب السحر على الساحر، وأعلن الشعب يومها أنه مع الثورة وأنه حاضر في المعادلة رغم كل محاولات تغييبه، بل إن هذه الحشود لم تشهد حادثة تخل بجلال الغاية رغم غياب كل عناصر التأمين الرسمية، وكأن هذه العناصر هي مصدر الاضطراب الأمني. نجحت دعوات الشباب للاحتشاد، والذي هو مصدر القوة للثورة، فهل ينجح الشباب في توجيه الاحتشاد لمواجهة لجنة الكهنة لوضع الدستور؟ سؤال ألح علي مع بعضهم، وجرى حساب المتبقي من الزمن حتى 30 يونيو 2012 موعد تسليم السلطة لرئيس منتخب، وكان مقداره 110 أيام تتآكل يوميا. ويواجه الشباب حقيقة أن الحركة الوطنية فقيرة ماديا، ولكن درس يناير 2011 العظيم، أنه رغم الفقر نجح الشباب والشعب خلال ثمانية عشر يوما أن ينجز ثورة وأن يدفع ثمنا لها الدم الذي يملكه. ولكن ذهب المعز يطل برأسه ممثلا سيفا على رقاب الشباب ويضاعف من التحدي الذي يواجهون. هل يهدف الشباب إلى تحقيق مطلب الثورة بإنجاز سلطة ثورية؟ أم أنه يدير أزمة اكتمال أركان المؤامرة ومصادرة الثورة؟ الجهد واحد في الحالتين، والوسائل والآليات واحدة، إذا كان الوعي قادرا على عدم الانجراف إلى أخاديد تصنعها المؤامرة بغرض تشتيت الوعي وغسيل العقول باستبدال الخصومات، وتوظيف الطاقة في غير محلها الواجب. الأمر ينذر بتجدد الثورة، فالوعي قائم ويحول دون الاستسلام، وبديلا يومها عن إسقاط حكم العسكر، سيكون إسقاط نظام برئيس وحكومة وبرلمان، دون أن يكون هناك ذلك السؤال الحائر قبل يناير 2011، عن موقف المؤسسة العسكرية، فهذه نجحت في تحويل الصراع ليكون "أهليا مدنيا"، والتجربة التي خاضتها خلال الفترة الانتقالية تؤكد لها أن الصراع داخل المجتمع ليس مهمتها ولا تملك آلياته إلا بالمؤامرة والفرقة والقتل والاعتقال، وهي لا تملك أداة سياسية، ولن تستطيع بناءها رغم كل المحاولات الجارية، فأداة سياسية يبنيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة لن تكون غير فرع من أفرع المخابرات الحربية، ولن يكون لها بطبيعة عمل المخابرات هدف غير اختراق المجتمع، وستنكشف لضعف التدريب، وسيكون مآلها كما الحزب الوطني، الرفض واللفظ من المجتمع، فالبناء السياسي مهمة بين القوى الاجتماعية في المجتمع وليست مهمة المخابرات الحربية فهذا خروج على الدور المحدد لها بطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة، والتي تركت لحوار المقاهي ولم يجر التعامل معها على مستوى أهميتها وضرورتها. ويتحمل الشباب مسؤولية أكبر من الهتاف بسقوط حكم العسكر، بالتصدي لمهمة بعيدة عن وعي الأطراف في الوطن، وهي مؤتمر علمي لدراسة موضوعية للعلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية والشروط الحاكمة لها، فليست العلاقة في سرية الميزانية أو علانيتها، ولكن العلاقة هي نطاق العمل وهيكل إدارته، من يملك القرار السياسي بالحرب؟ وماهية دور ووظيفة وزير الدفاع؟ وما هي توصيفات وظائف القائد العام وهيئة الأركان؟ ومن يقرر نوع السلاح ومن أين؟ وكيف يمكن مراقبة كل هذا الأداء وإنضاجه؟ أسئلة طرحت في أعقاب حرب 1967 وها هي تعود أمامنا وكأننا نهدر ما أنتجناه وكأن الفساد طال الدروس التي دفعنا ثمنها من دم الشعب وإمكاناته. ويتحمل الشباب مسؤولية رفع الروح المعنوية لطرفين أصيلين هما الشعب الذي يخيم الاكتئاب وعلامات الاستفهام الضائعة بدون إجابات تروي الظمأ، وكذلك للجيش المصري الذي يمثل الكتلة الصلبة الحامية لمصر، فالهتاف لم يكن هدفه إسقاط الجيش وقيمته في المجتمع، ولكنه كان مطالبة راقية من الشعب بالمحاسبة، فالثورة لها شرعيتها، وهي معيار الوطنية الوحيد، وليس شيئا آخر مهما عظمت قيمته. ولم يتسم رد فعل المجلس الأعلى للقوات المسلحة بأن الرسالة قد وصلته، ولكن البعض فيه اعتبرها خصومة ويجب القتال دونها. ويتحمل الشباب مسؤولية ترجمة "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" شعار الثورة وهدفها، ترجمته إلى رؤية اقتصادية اجتماعية يتضمنها الدستور الجديد. الشباب يتحمل هذا بينما يجري الحوار بين حسن مالك (إخوان) وجلال الزوربا (كويز ولن نزيد) حول تشكيل جمعية جديدة لرجال الأعمال (إخوان ـ كويز). فلأي الرؤيتين ينتصر الدستور المصري وبين المصريين أكثر من 40% تحت خط الفقر؟. رؤية وحشد وآلية اتصال وتنظيم على مهام، أعباء يتحملها الشباب ويصنع خبراته أثناء الحركة. قال الجنرال كارل فون كلاوزفتز في دروسه لولي العهد الملكي لبروسيا: "إن هناك شعورا عظيما يحرك قائد الجيش، فالطموح هو الذي كان يحرك يوليوس قيصر، أما هانيبال فكانت تحركه كراهيته لعاطفة الحب، أما فريدريك الكبير، فكان محركه هو تصميمه العظيم بأن ينهزم بشرف وعزه". "افتح قلبك، يا سيدي لمثل هذا الشعور، كن شجاعا وذكيا في خططك، كن قويا وعنيدا ومصمما في التنفيذ، وإذا ساءت الأمور، صمم على الهلاك مع الحفاظ على الشرف". رسالة للشباب ولمن يعنيهم أمر القيادة والأداء والشرف.
475
| 13 مارس 2012
مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...
1623
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
1119
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
1101
| 21 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...
741
| 24 مايو 2026
أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...
732
| 20 مايو 2026
في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...
711
| 21 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
657
| 20 مايو 2026
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...
576
| 22 مايو 2026
منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...
576
| 23 مايو 2026
في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...
576
| 26 مايو 2026
كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح...
561
| 23 مايو 2026
الحج ليس حركة أقدام إلى بقعة مقدسة فحسب،...
531
| 24 مايو 2026
مساحة إعلانية