رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اكتشف اللاعبون في "لعبة الأمم" فوق أرض مصر أن حركة الشعب المصري في ثورة يناير قد قضت بوجوب مراجعة خططهم تجاه مصر، وأنها لم تعد كافية لأنها قامت بالأساس على اعتقاد أن شعب مصر تمت السيطرة المطلقة عليه، وصار لزاما عليهم تعديل تلك الخطط لإعادة السيطرة، فمصر الشعب والموقع والدور، هي الجائزة الكبرى التي يجب عدم التفريط فيها، واستمرار السيطرة على إرادتها هدف تزايد أهميته بعد يناير 2011.
اللاعبون على أرض مصر من الداخل أو من الخارج، لم يتركوا فرصة دون استخدامها لتحقيق هدف استرداد السيطرة على الإرادة الوطنية المصرية. وتؤكد وقائع الفترة الانتقالية تناغم الأداء بين الداخل والخارج مما أدى إلى صعوبة تحديد من يدير الحركة المضادة للثورة، وأدى إلى عجز عناصر معسكر الثورة عن الإمساك بالبوصلة المحددة لاتجاه الحركة، رغم ضجيج بورصة الشعارات السياسية.
ويبدو من الأجدر بنا في هذه المرحلة عدم اللجوء إلى تقسيم متعسف للمجتمع إلى قوى ثورة وقوى مضادة للثورة، ونستبدله بتقسيم المجتمع إلى قوى تملك القدرة على الفعل المؤثر وقوى بعيدة عن هذه القدرة لأنها لا تملك الآليات التي يملكها الطرف الآخر، ولم يعد بيدها سوى الاحتشاد والتظاهر والاعتصام، وهو سلاح أتى بنتائجه وكان صالحا لفترة المقاومة طوال المرحلة الانتقالية ودفع الشعب ثمنا له دم أبنائه، ولكنه سلاح بعيد عن التأثير في مرحلة البناء السياسي والدستوري لنظام ما بعد الثورة.
تتعدد القضايا المكونة لوقائع ما يجري في مصر الآن وتتباين وتحتاج إلى إعادة التقييم المستمر لاتجاهات الحركة والتبدل في مواقف كافة أطراف التأثير في المشهد. وتتمثل القضايا في لجنة انتخابات الرئاسة، الجمعية التأسيسية للدستور، إنهاء تصدير الغاز إلى إسرائيل، الحدود المصرية المشتعلة وتصريحات المشير، العجز عن تحديد الطرف الثالث "اللهو الخفي"، تصاعد الصراع بين مجلس الشعب والحكومة، تجدد المواجهات الدامية فجر الأحد أمام وزارة الدفاع، ثم ما أطلق عليه معركة كرامة المصريين في الخارج.
تبدو لجنة انتخابات الرئاسة كالشخصية الشهيرة "دكتور جيكل ومستر هايد"، وهي تعبير عن انفصام الشخصية. اتخذت اللجنة قرارا باستبعاد الفريق أحمد شفيق، آخر من تولى رئاسة الوزارة مع مبارك، والذي وقعت معركة الجمل أثناء توليه المسؤولية وادعى في حينها أنه لا يعلم! تم استبعاده من قائمة المرشحين تأسيسا على تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية، ثم قبلت اللجنة تظلمه وأعادته إلى قائمة المرشحين، وأحالت القانون إلى المحكمة الدستورية لبحث مدى دستورية القانون.
وتشرح اللجنة هذا التناقض بأنها اتخذت قرار الاستبعاد كلجنة إدارية وقبلت التظلم وألغت قرارها السابق كلجنة قضائية، وهو أمر يبعث على الشك في قرارات اللجنة وكأن مصر تحتاج إلى فتنة جديدة تحمل عنوان "الفتنة الإدارية والقضائية"، وهو ما أدى إلى تصاعد التظاهرات ضد اللجنة وقراراتها والمادة 28 من الإعلان الدستوري التي تضفي الحصانة على قرارات اللجنة من الطعن عليها أمام القضاء.
ومن الخطأ التعامل مع انتخابات الرئاسة القادمة على أنها مجرد عملية سياسية، ولكن من الواجب النظر إليها في إطار لعبة الأمم الجارية على أرض مصر، وأن محاولات التأثير على نتائجها لا تتوقف على القوى داخل المجتمع، ولكنها تتعداها إلى الخارج، سواء بالمواقف الدبلوماسية والاقتصادية والتصريحات والتهديدات العسكرية ومسألة تمويل المرشحين.
أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسية القائمة النهائية للمرشحين، وجرت تفاعلات متسارعة وقسمت المرشحين إلى مجموعات أربع، الأولى تضم أحمد شفيق وعمرو موسى وتنسبهم إلى النظام السابق، رغم محاولات عمرو موسى التنصل من ذلك، والمجموعة الثانية تضم مرشحي التيار الديني عبدالمنعم أبو الفتوح ومحمد مرسي ومحمد سليم العوا، ورغم محاولات فصل عبدالمنعم أبو الفتوح عن هذه المجموعة إلا أن تصريحات المرشح الشخصية والمواقف التي ينتجها التيار الديني تؤكد أن الثلاثة من وعاء واحد وبالتزام واحد، وإن فصل أبو الفتوح عن هذه المجموعة هو خطأ في القياس وهروب من مواجهة الواقع، وتردد أن اتصالا من شخصيات عسكرية جرى مع السلفيين لدفعهم إلى تدعيم أبو الفتوح في مواجهة محمد مرسي، وهو ما تم بالفعل! المجموعة الثالثة تضم أبو العز الحريري وحمدين صباحي وخالد علي وهشام البسطويسي، ويطلق عليها مجموعة اليسار، وحتى الآن يبدو أن حظها في الجماهيرية محدود وتنقسم الأصوات بينها مما يضعف مواقف عناصرها وحظها في التصويت. والمجموعة الرابعة تشمل باقي الأسماء ولم يرصد أنها داخل المنافسة حتى اللحظة.
تحضرني هنا قصة "العملية هيبرون" التي كتبها إريك جوردان رجل المخابرات المركزية الأمريكية والذي تولى مهاما لمدة 30عاما في شأن الشرق الأوسط وفوق أرضه، وهي تدور حول محاولة إسرائيل بواسطة جهاز الموساد السعي إلى اختيار رئيس للولايات المتحدة الأمريكية وهو سيناتور أمريكي سبق تجنيده كعميل لها ويتقاضى راتبا مقابل خدماته، وأهمية هذه العملية تأتي من معاناة إسرائيل أمام تعنت الرئيس الذي تنتهي ولايته ويقف خلف أحد المرشحين من حزبه وله نفس مواقفه. وتدور أحداث الرواية في الجانب المظلم من عالم العلاقات الدولية والذي تديره أجهزة المخابرات، وتنتهي الرواية بمقتل مدير مكتب الموساد في واشنطن والرئيس العميل الذي فاز وهو ذات السيناتور الذي كان يدعمه الرئيس المنتهية ولايته! هكذا هي مفارقة الرواية، والمأساة أنهما قتلا لخطأ سابق لرئيس مكتب الموساد في واشنطن عندما لم يدفع مستحقات قاتل مأجور محترف لجريمة تمت من قبل وقرر هذا القاتل الانتقام، فقتلهما معا أثناء لقاء عاجل بينهما عشية فوز العميل بمنصبه المرتقب!؟
لعبة الأمم في انتخابات الرئاسة لا تنكشف، ولكن إدراك الاحتمالات الكبيرة لوجودها تستدعي يقظة كاملة، وليس التعامل مع قشور المعلومات المتاحة.
وتستمر أزمة الجمعية التأسيسية للدستور، فبعد اجتماع يوم السبت بين المجلس العسكري والأحزاب السياسية والمستقلين وبحضور ممثلي الإخوان والاتفاق بينهم على معايير اختيار أعضاء الجمعية، رفضت اللجنة التشريعية بمجلس الشعب الاتفاق، لتعود الأزمة إلى نقطة الصفر، وينكشف موقف الإخوان بأنها لا تلتزم بأي اتفاق تعقده. والغريب أن مجلس الشعب نفسه معرض للحل إن حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستورية القانون الذي جرت على أساسه الانتخابات النيابية. وحينها تعود الأمور إلى رئيس والمجلس العسكري، ويغيب المجلس النيابي بطبيعة تكوينه الحالية.
وهذا الصراع والدعوة إلى إقرار جمعية تأسيسية لوضع دستور خلال 35 يوما قبل الرئاسة، يعيد إلى الأذهان دور لجنة البشري وما ترتب على خياراتها بالانتخابات قبل الدستور، ولن يغفر التاريخ للبشري ولجنته هذه الخطيئة في حق مصر والثورة.
والموضوع الثالث هو قرار الشركة القابضة للغازات الطبيعية بإنهاء تعاقدها مع شركة غاز شرق البحر المتوسط، والذي يعني وقف تصدير الغاز إلى إسرائيل. وكشف هذا القرار أن مصر الدولة تملك بيدها أوراقا يمكن استخدامها لإعادة التوازن مع العدو الإسرائيلي. ووجه المهندس محمد شعيب رئيس الشركة القابضة نداء أن يتم تناول الأمر على أنه قرار بشأن اتفاق تجاري بين شركتين مصريتين، وهو ما يخرج بالقرار بعيدا عن التحكيم الدولي.
صورة أخرى للعبة الأمم الجارية فوق الأرض المصرية.
واكب قرار وقف توريد الغاز، تهديدات ووعيد انطلق من الجانب الإسرائيلي، وأخذ منحى تأمين حدود إسرائيل مع مصر بادعاء أن سيناء هي مصدر الخطر القادم. ووجه المشير طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة والقائد العام للقوات المسلحة أثناء مناورة للجيش الثاني في سيناء تصريحا قال فيه: "إن حدودنا ملتهبة ومن يقترب منها سنكسر قدمه".
وهنا يجب إدراك الفارق بين التعامل مع المجلس العسكري كحاكم له ما له وعليه ما عليه، وبين تصريح يخرج للمرة الأولى من القائد العام للقوات المسلحة ويتضمن كسر رجل من يقترب من الحدود المصرية، فالعسكريون ربما لا يجيدون لعبة السياسة ـ وإن كنت اختلف على هذا، فوقائع الفترة الانتقالية تؤكد أنهم لعبوها وباحترافٍ عالٍ، ولكن وفق رؤيتهم الخاصة والتي ليست بالضرورة قناعاتنا ورؤيتنا ـ ولكنهم عندما يتحدثون في أمر يخص السلاح والقتال فلا يملكون ترف الحديث بغير ما يستطيعون، وليس مقبولا بعد حرب 73 وبعد ثورة يناير أن يكون مثل هذا الحديث للاستهلاك المحلي.
يستدعي هذا التصريح ما أطلق عليه الطرف الثالث "اللهو الخفي"، والذي جرى تصنيفه بأنه فلول النظام تارة كما كان مشهد موقعة الجمل، وتارة أخرى جرى توصيفه بأنه بلطجية وعناصر بلباس مدني من الأجهزة الأمنية وعناصر من البلطجية وذلك كله لفض التظاهرات والاعتصامات، ولكن الجديد الذي يثير علامات استفهام بغير حدود، ويجب استقصاء حقيقته هو القول بأنه تنظيم سري مسلح يمثل الجناح العسكري لأحد التنظيمات الدينية وهو وراء العديد من المواجهات المسلحة وإطلاق الرصاص والقتل، وقد يكون مثل هذا القول محل شك عندما يكون حديثا مرسلا بين أفراد، ولكنه يصبح علامة خطر يجب التوقف عندها عندما يخرج الحديث من أحد الأجهزة السيادية وتستشهد عليه بوقائع القتل في أحداث ماسبيرو وغيرها من الأحداث الدامية، وكذلك عند رصد عمليات الحرائق المتتالية في المواقع الإنتاجية والاقتصادية والبنكية والدينية، بتتابع يتجاوز مجرد الصدفة إلى كونه مخططاً.
هكذا يتجاوز الأمر مجرد التأثيرات السياسية في لعبة الأمم إلى استخدام السلاح والحرائق في توجيه الصراع السياسي، وهو ما يعيد إلى الأذهان انفجارات عام 1954 التي قام بها عملاء إسرائيليون في العملية "سوزانا" والتي عرفت بفضيحة "لافون".
تعدد احتمالات الطرف الثالث بين عناصر البلطجة المأجورة والتنظيم السري المسلح والأجهزة المخابراتية، يتطلب أيضاً أعلى حالات اليقظة داخل الوطن، ومن قوى الثورة التي يجب عليها الانتقال من حالة الرومانسية الثورية، إلى حالة الإمساك بحقائق الأمور ومواجهتها، فالاختلاف السياسي والتنوع والتعدد مقبول، ولكن دخول السلاح هو إرهاب يستعيد عافيته بعد الثورة يحاول أن يلوي ذراع المجتمع لأهداف خارج إرادة الشعب في التغيير لنظام "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية"، ويعيد تشكيل السلوك المجتمعي والعلاقة بين الأطراف على غير الآليات المشتركة والمتاحة أمام الجميع.
ويطرأ تطور جديد في الصراع بين جماعة الإخوان والمجلس العسكري بإعلان رئيس المجلس تعليق الجلسات لمدة أسبوع لحين اتخاذ موقف من المجلس بشأن الحكومة الحالية، وهنا يرد تساؤل حول هل هذا الموقف لصالح مصر واحتياجاتها؟ وكيف طرأ هذا الموقف الآن؟ وعندما كانت المواجهة مع وزارة الداخلية في هذه الحكومة في أعقاب أحداث مذبحة بورسعيد والتي راح ضحيتها 73 شهيدا، انبرى ذات المجلس يدافع عن وزارة الداخلية ويرفع عنها الحرج؟ أم أن المطلوب اختبار إمكانية تشكيل الإخوان لحكومة الستين يوما في محاولة لفرض ما لم ينص عليه الإعلان الدستور أو لم يرد في الصفقة (Deal) التي جرت بين المجلس العسكري والإخوان كما يقول عنها محمد مرسي؟ أم هي لعبة "عض الأصابع" بين الحليفين القديمين الإخوان والمجلس العسكري؟
وشهدت الساعات أخيرة عاملين جديدين يدخلان على المشهد، كان يكفي مصر أن تواجه أيا منهما.
الأول اعتصام أمام وزارة الدفاع بدأه السلفيون، وانضمت إليهم عناصر أخرى من مجموعات الثورة، ويطالب برحيل العسكر وإلغاء لجنة انتخابات الرئاسة، لينتهي إلى مواجهة بالعنف بين الطرف الثالث والمعتصمين ليسقط شهداء جدد ومصابون، في وقت تتشتت فيه السبل بعناصر الثورة وكادوا أن يهلكوا داخل الحملات الانتخابية التي تستغرقهم.
والثاني القبض على محام عند دخوله للسعودية في رحلة عمرة، ليتصاعد التوتر بين الدولتين تحت عنوان "كرامة المصريين" في الخارج، وكأنها قابلة للتحقق هناك وهي مهدرة في داخل الوطن، وتسحب السعودية سفيرها بعد مظاهرات نالت من سفارتها بالقاهرة.
تصعيد كان يمكن تداركه لولا غياب دور الدولة، وصار كل موقف يعيد قصة الخلق منذ آدم عليه السلام.
هذا كله يؤكد أن مصر ساحة مفتوحة "للعبة الأمم" بكافة مكوناتها السياسية والاقتصادية والمادية والسرية، ولم يعد متبقيا لإقامة التوازن في مواجهتها غير إرادة الشعب وتنظيمها، ليتحول بالوعي من أداة "غزوات الصناديق" المتتالية إلى حارس لثورته بإرادة حرة، وحتى لا تتم صناعة الحدث والقرار والرئيس وتشكيل الواقع بعيدا عنه، وخلف أبواب مغلقة في عالم الظلام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026