رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهد الأسبوع الماضي وقائع حملت دلالات على حالة الوضع السياسي في مصر، والذي يمكن وصفه بالصخرة المتدحرجة إلى نهايات مرسومة ومقدرة سلفاً.
أعلنت النتيجة النهائية لانتخابات الجولة الأولى لرئيس الجمهورية وتقرر أن تكون انتخابات الإعادة بين كل من محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين (5.754.952 صوت) وأحمد شفيق آخر رئيس وزراء في النظام السابق (5.505.127 صوت). جدد هذا الإعلان موجة من الرفض لأحمد شفيق على أساس عدم جواز ترشحه طبقا لقانون ممارسة الحقوق السياسية والذي يمنع من تولى هذا المنصب بالإضافة لمناصب أخرى من الترشح، وتجددت بالتبعية الاحتجاجات على أداء اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية.
ظهرت مطالبات بمقاطعة الانتخابات أو إبطال الأصوات، لأن موجة الرفض لكلا المرشحين عالية. انطلقت حملة مرشح الإخوان داعية لحماية الثورة وتحقيق أهدافها، في حين أن المأخذ الرئيسي على الإخوان أنهم تقاعسوا عن الانضمام للثورة في بدايتها وصرح عصام العريان على إحدى القنوات الفضائية يوم 25 يناير "الأمن يتهم الإخوان بأنهم وراء المظاهرات، والأمن يعرف من هم هناك"، وتتوالى بعد ذلك مواقف الإخوان طوال الفترة الانتقالية منذ اللقاء مع عمر سليمان، وكانت في مجموعها ذاتية لصالح مكاسب تنظيم الإخوان ولا تبني مواقف لتحقيق غايات الثورة. تعجل الإخوان المكاسب السياسية المحدودة لصالحهم على حساب اتساع أفق أهداف الثورة وحاجاتها. واتخذت موقفا بالصمت وبالإدانة تجاه المواجهات التي دارت خلال الفترة الانتقالية وكان صمتهم مأخذا آخر عليهم، الأمر الذي أدخلهم إلى جانب القوى المضادة للثورة، وأنهم يصنعون من أنفسهم نظاما استبداديا جديدا.
وتعرضت المقار الانتخابية لأحمد شفيق إلى الهجوم والحرق من متظاهرين يرفضون وجوده كمرشح يمثل النظام السابق، ويجب تطبيق العزل السياسي عليه.
وشن أحمد شفيق هجوما ضاريا على الإخوان معددا اتفاقاتهم مع النظام السابق ومستخدما نغمة أنهم انقضوا على الثورة لسرقتها ووعد باستعادة الثورة للشعب من سارقيها.
وأعلن انتهاء العمل بقانون الطوارئ يوم الخميس 31 مايو.
وصدرت الأحكام في قضية محاكمة مبارك ونجليه ووزير داخليته ومساعديه الست يوم السبت 2 يونيو، وقضت المحكمة بالسجن المؤبد لكل من مبارك والعادلي وتبرئة نجلي مبارك لانقضاء أكثر من عشر سنوات على واقعة قبول هدية من حسين سالم (خمس فيلات)، وتبرئة مساعدي العادلي لعدم كفاية الأدلة.
ودفعت الأحكام التي لم تشفِ صدور المواطنين وأهالي الشهداء للتظاهر اعتراضا عليها وأيضا المطالبة بتطبيق قانون العزل على أحمد شفيق لتتطور المطالب إلى تشكيل مجلس رئاسي يدير البلاد والعودة إلى مطلب إقرار الدستور قبل إجراء انتخابات الرئاسة. وانتشر بين المتظاهرين أن الثورة عادت إلى يوم 11 فبراير 2011 وأنه وجب استرداد الثورة ورفعوا هتاف "المرة دي بجد... ومش حنسيبها لحد"، بما يعني جدية الخروج على ما يجري.
وحدد العديد من التيارات والمستقلين تشكيل المجلس الرئاسي من محمد البرادعي ومحمد مرسي وحمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح وخالد علي كأسماء مقترحة وبدا الأمر أنهم يحاولون الإمساك بقبضة من الماء.
ووافق الإخوان على تشكيل مجلس رئاسي، ولكن بعد انتهاء مرحلة الإعادة، وبالتالي أصبح القبول مشروطا بنجاح مرشحهم.
إعلان الرفض لكل من أحمد شفيق ومحمد مرسي لا يغير من واقع نتائج التصويت في المرحلة الأولى.
في السياسة ليس هناك رغبات وتنازلات تتم وتتحقق بعيدا عن ميزان القوى بين الأطراف في الواقع، وتوافر آليات التعبير عن ميزان القوى. ومجرد الأخذ بنتائج الصناديق ليس دلالة على وجود آلية للتعبير عنها لتغيير الواقع الذي نتج عن هذه النتائج.
تغيير هذا الواقع يعني الانقلاب على قواعد لعبة اشترك الجميع في الموافقة عليها، رغم أنها مثلت التفافا على الشرعية الثورية قبل أن تستكمل الثورة تغيير النظام بإزالة أركان الفساد، ووضع دستور هو عقد اجتماعي جديد لمصر بعد الثورة.
فاجأت الأرقام كافة الأطراف، ولكن الأرقام المجردة لا تعني بالضرورة أوزانا نسبية في الواقع، فلا نملك مؤشرات تؤكد أن التصويت كان على إطلاقه ترجيحا لموقف أو قبولا لبرنامج بقدر ما أنه كان تصويتا إقصائيا وهو عامل رئيس في تلك النتائج، والخطأ الذي يمكن الوقوع فيه هو الركون إلى الأرقام دون ربطها بالواقع وجودا وعدما.
والوجود في الواقع يجب فرضه ولا يتحقق بالنوايا ولا يمنحه طرف لآخر لمجرد الطلب. وفرض الوجود السياسي يتحقق بزخم الاحتشاد الجماهيري المنظم والمستمر وتكون قيمته بمدى القدرة على التأثير والاستجابة للاستدعاء.
والسؤال المعبر عن الأزمة هو كيف تريدون أن ينبت العشب على صخرة متدحرجة؟، هذا وهم، لأن طبيعة الأشياء تقضي بأن الصخرة المتدحرجة تقتل أي نبت يجد لنفسه سبيلا للوجود على سطح تلك الصخرة فضلا عن مدى إمكانية أن ينبت العشب على الصخر، أو أن يلتصق بها نبات منزوع من تربته ولا جذور، ليسقط عن سطح الصخرة جراء حركتها.
الواقع الذي نواجهه صنعه تحالف المجلس العسكري والإخوان طوال الفترة الانتقالية ولن يتراجع عنه أي منهما طواعية.
أغفلت باقي الموجودات السياسية، أحزاب أو أشخاص أو ائتلافات، ثلاثة أمور، عن عمد أو عن غياب للقدر ورغبة للأخذ بالأسهل في حدود قدرتها دون محاولة الاجتهاد لزياد مقدار القدرة كما ونوعا.
أغفلوا مقترح الأستاذ هيكل والذي عرضه في أكتوبر 2009 بتشكيل مجلس أمناء الدستور، ثلاثون شهرا مضت منذ ذلك التاريخ دون أن تصدر إشارة أو تعليق بالاستيعاب والقبول أو ببديل آخر أكثر موضوعية.
وأسس هيكل لاقتراحه بأن "الحقيقة أننا في حاجة إلى بناء دولة ــ وليس مجرد حكومة أو سلطة".
"ونحن في حاجة إلى دستور يكون عقدا اجتماعيا قادرا على أن يصون كل ما هو أصيل في هذا البلد، ويفتح الطريق إلى كل ما هو مطلوب لمستقبله".
"أن يكون دوره انتقاليا لثلاث سنوات، يقوم بعدة مهام ضرورية لإعادة قاطرة الوطن إلى قضبانها السليمة بعد قضبان تؤدي إلى لا مكان، كما هو الحال الآن".
حدد هدف البناء السياسي، والمهام المترتبة عليه والفترة الزمنية والآلية التي تنفذه. أليس هذا تصورا متكاملا دار الجميع من حوله وأغفلوه، أليس صالحا إلى اللحظة بعد ثلاثين شهرا؟.
وأغفلوا دورا ورؤى تصدى لها الدكتور محمد البرادعي، ورغم أن مواكب الحجيج إلى منزله من النخب المرصودة على شاشات الإعلام لم تنقطع، إلا أنها لم تنجح في التوافق مع الرجل.
اتخذ الرجل مواقف متوالية في مواجهة النظام وداعية إلى التحرك الشعبي ومتوائمة مع ما يدعو إليه من رؤية ترتكن بالأساس على العدالة الاجتماعية. وأعلن البرادعي انسحابه المبكر من الترشح لمنصب الرئيس، لأن المقدمات لا تنبئ بنتائج يمكن أن تحقق انتخابات حرة. وأظن ـ والإثم في بعض الظن فقط وليس كله ــ أنهم لم يروا في إعلان البرادعي الانسحاب ما كان يعنيه الرجل، ولكنهم رأوا أن عقبة في الطريق إلى كرسي الرئاسة قد زالت، والآن يتحدثون عن استيعاب للدروس، وهم أبعد عن هذا.
أغفلوا رؤية وأغفلوا رجلا شريكا وله مواقف يمكن الاقتداء بها، فاكتفوا بذاتهم دون أن يروا الموضوع.
وسقطتهم الأكبر هي إغفالهم لعلاقة موضوعية مع الشباب، لا تكتفي بمجرد الشكل والقول، ولكنها عجزت عن تجاوز الشكل إلى التفاعل والالتقاء التنظيمي، فهذه مهام تحتاج لعرق لا يتناسب وما يرونه لأنفسهم الآن، وهو موقف يعتبر استطرادا لعزلة هذه الموجودات السياسية عن القوى الاجتماعية في المجتمع.
انعدام التراكم للأفكار والمقترحات والتفاعل معها، والاغتيال المعنوي للأشخاص وإزاحتها، والانفصال عن حركة الشباب ومطالب القوى الاجتماعية، أفضى إلى فوضى سياسية عارمة شملت الرؤى والمهام والآليات، وأحالت الحركة السياسية إلى ردود أفعال يتولاها رجال القانون، الذين ملأوا الدنيا صياحا، ونسي الجميع أن حديث القانون يتلون حديث السياسة، والاتفاق على الرؤية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع تسبق الدستور، واعتبروا أن كل الأشياء مؤجلة حتى يحتلوا عرش الرئيس، اختزلوا الثورة، فساوى الشعب بينهم جميعا ولم يغلب أحدهم على الآخر.
العلاقة بين كافة الأطراف تتسم الآن بالتنافر وانعدام الثقة.
وليس أدل على ذلك أنه ليلة السبت في ميدان التحرير كان عبور أي من عناصر الإخوان المعروفين يستدعي فورا مظاهرة من حوله صاخبة تهتف "بيع.. بيع.. بيع يا بديع"، وهو ما استدعي حشدا إخوانيا قارب الخمسمائة فرد بعد ظهر الأحد ليحملوا واحدا من عناصرهم ذا العلاقة الوطيدة بالمجلس العسكري والداخلية وأمين صندوق العمرة وأموال المصابين الواردة من الخارج، يحملوه على الأكتاف ليهتف "يسقط حكم العسكر" والحقيقة أن الضمير العام للمتظاهرين يهتف "لا لحكم النظام السابق والإخوان" شريكا المرحلة الانتقالية.
الأرض المصرية تضربها ريح سوداء، والأفعال المتبادلة تزيد احتمال تحول الريح إلى إعصار مدمر.
الطريق ملئ بألغام قابلة للانفجار ولا يحاول أحد أن ينزع فتيل الانفجار بالعودة إلى صواب العقل والفعل، هناك مواجهة حول اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، وعناد الأطراف مع الحقيقة والأعراف بلغ مداه، وصارت ورقة للمناورات السياسية. وهناك حكم المحكمة الدستورية بشأن قانون انتخابات مجلس الشعب، والذي يمكن أن يؤدي إلى حل المجلس، هو ورقة ضغط بين أطراف الصراع على السلطة، يلوحون به ولا يستخدمونه. وهناك حكم المحكمة الدستورية بشأن قانون ممارسة الحقوق السياسية، وهو يهدد نتائج انتخابات الرئاسة، ويهدد شرعية الرئيس القادم، وهناك بلاغات أمام النيابة بوقائع منسوبة إلى أحمد شفيق، مازالت دون التحقيق، والتعامل معها ببطء يوحي أن التباطؤ موقف من جهة التحقيق.
أيا كان الرئيس القادم، وسط هذه الأجواء والمعطيات ستكون شرعيته محل طعن قانوني أو سياسي، وستكون هذه الطعون مبررا للخروج عليه وفي مواجهته.
هناك ضرورات موضوعية لاستكمال الثورة، وما زالت هذه الضرورات قائمة، فلا خشية على مستقبل حركة التغيير في مصر، لكن الطريق لن يكون سهلا أو آمنا، ولا تبدو البدائل فيه واضحة، أو مجدية.
كل شيء غائم، والأطراف لم توفر ذاتيا قدرة تدفع بها لقيادة المهام، وتتزايد الأطراف تباعدا فيما بينها وتنافرا وتربصا، فهل تستطيع كافة الموجودات السياسية في مصر أن تحل أزماتها الذاتية وإلا تصر على تصديرها إلى الوطن، فهم جميعهم لن تسفك لهم دماء، ولكن ستسيل دماء الشباب أصحاب المصلحة في المستقبل.
صخرة الموجودات السياسية المتاحة في مصر الآن متدحرجة ولن ينبت عليها عشب، بل ستصطدم بسلسلة جبال العجز المتراكمة، وعندما تتحطم هل ستكون مصر قد انبتت للثورة قيادة حقيقية؟.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
886
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
649
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
552
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1422
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026