رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتجه الناخبون المصريون يوم غد الأربعاء 23 مايو 2012، لانتخاب أول رئيس للجمهورية بعد ثورة يناير 2011، ورغم محاولات صبغ الأمر بأن القادم رئيس للجمهورية بالانتخاب الحر المباشر، إلا أن حالة من الحيرة تتزايد ولا تنقص تنتاب قطاعا واسعا بلغ في تقديرات استطلاعات للرأي 37% من العينات التي جرى استطلاع رأيها ولم تحدد بعد من تختار!، والأكثر وضوحا في موقف عدم الاختيار، فئة تبلور في يقينها مفردات الثورة وأهدافها، فاختلفت أسباب الموقف وتنوعت، وأثار أمر وجوب الاختيار علامات استفهام عديدة، أثارت من الحيرة أكثر مما أجابت على الأسئلة.
التقسيم المباشر للمرشحين إلى عناصر من النظام السابق، وعناصر من التيار الديني، وعناصر من اليسار، وآخرون لم يثيروا انتباها، لم يعد وحده معامل المفاضلة، والبرامج كانت تحمل كلمات أكثر منها خططا، وتداخلت السير الذاتية للأشخاص في تقديرات المواقف ومن المتابعة لها، فإن أغلبها يحمل من الحقائق والوقائع التي تحجب الثقة، ما لا يمكن وصفه بالشائعة أو التشهير، ولكن أي منصف ومتابع للحركة السياسية يدرك حقيقتها، وهي تظهر ببطء، رغم الالتزام بالإحجام عن تأكيد أي منها أو نفيه، ممن عاشوا وقائعها ونتائجها في حينها.
ظاهرتان واضحتان، أنه رغم رفض عناصر النظام السابق، إلا أن الزخم من حول أحمد شفيق يمثله عناصر الحزب الوطني المنحل من ناحية، والرفض المتزايد لعناصر التيار الإسلامي جراء تقلص الثقة فيه بعد انتخابات المجالس النيابية ووقائع ما دار بالجلسات والاشتباكات على غير قضايا الثورة والتأرجح بين مواجهة المجلس العسكري والحكومة، ومأخذ آخر على موقفهم من استفتاء مارس 2011 بالتعديلات الدستورية ثم الانقلاب عليه ومحاولة البعض منهم الاعتذار عن سابق الموقف، مما يوحي بأن المواقف تبنى على أهواء خاصة وليس على خيارات ومرجعية سياسية ورؤية واضحة للطريق.
ورغم ذلك فإن مواجهات مع شفيق تصاعدت بحصار مسجد عبدالرحيم القناوي وهو موجود بداخله، وإلقاء الحذاء في مواجهته أثناء كلمة له بمؤتمر بأسوان ثم إلغاؤه للقاء كان قد أعلن عنه في أسيوط "لدواع أمنية"، وأخيرا مواجهة معه في قاعة المؤتمرات بالقاهرة والهتاف ضده، ويزيد على ذلك أن تحركاته تحاط بترتيبات أمنية مشددة، مما يؤكد وجود تخوفات من اعتداء عليه من المواطنين، وهو أمر لا يحتسب لصالحه.
والظاهرة الثانية يمكن وصفها بمقولة "قلوبنا معك وأصواتنا عليك" وتتمثل هذه الظاهرة في أصغر المرشحين سنا، خالد علي المرشح اليساري، فمصداقية خالد علي كان لها صداها لدى الناس، ولكن مقولة أنه لن يجني الأصوات هي مبرر يسوقه البعض لنفسه لعدم التصويت له، وكأنه بهذا المنطق يتخلص من أزمة الضمير، وهي تأكيد أيضا عن أن التصويت لا يتسق وما يستقر باليقين، وجرى الفصل بين التصويت "الفعل"، وبين القناعة "الفكرة"، مما يعني عدم تحرر الإرادة في الاختيار.
خفت بريق عمرو موسى، وتحدث عن شفيق أنه من النظام القديم، وخفت بريق عبدالمنعم أبو الفتوح نتيجة احتسابه على التيار الإسلامي.
وتصاعدت أرصدة حمدين صباحي ومحمد مرسي، ولكنهما ما زالا خارج المنافسة، حسب استطلاعات الرأي.
وانتقلت احتمالات الإعادة من (موسى ـ أبو الفتوح) إلى (موسى ـ شفيق) أي من (قديم ـ جديد) إلى (قديم ـ قديم)، وكل ذلك يدخل في إطار التخمينات حتى لحظة إعلان نتائج الانتخاب.
أعادت هذه الملامح المطموسة والشكوك والاتجاهات المرتدة للخلف، إلى استدعاء حقيقة أن الانتخابات الرئاسية ليست على الإطلاق هي الحل، سواء لاستمرار الثورة، أو لتوقف المواجهة، بل تؤكد أن احتمالات تصاعد المواجهات بين أطراف متعددة بعد إعلان النتائج، هي الأقرب إلى الحدوث.
وتحدث الأستاذ هيكل ليزيد من هوة المفارقات، وليزيد من مبررات الفئة التي تقول إنها لا تجد اختيارا تقبل به، ويقول بصراحة:
"هناك انتخابات لرئاسة الدولة بعد يومين. وربما سمحت لنفسي أن أقول إنها لن تحل المشكلة. فلقد كان خطاب الانتخابات ذاتيا وشخصيا وإعلانيا في معظمه إذا جاز التعبير. حتى المناظرة الشهيرة بين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح كان ترتيبها وإخراجها إعلانيا. رغم أنها سابقة مهمة في أساليب الخطاب السياسي المصري.
وبصرف النظر عن المخاطرة. فإنه لا يبدو لي أن أحدا من المرشحين يملك صورة كافية للحقائق تمكنه من مهام المرحلة. أو يملك رؤية مباشرة. أو قريبة لإمكانية فعل أكيد وتنفيذ كفء.أو يملك طاقما جاهزا لإدارة الدولة فور تسلمه للمسؤولية.
ثم إن الجهاز الإداري للدولة على حاله. ولوائحها الإدارية والتنفيذية هي هي. ومجموعات القيم السائدة في العلاقة بين السلطة والمواطن لم تلحق بعد بهيبة الثورة.
وفي الوقت نفسه فإن مشاكل الأمن مزعجة، وقضاياه معقدة.
ولست أعرف كيف يمكن أن يتصرف أي مرشح إزاء المؤسسات، أو إزاء الأجهزة، أو بالمسؤولية أمام الناس".
" لأكون صريحا معكم، هناك انتخابات لرئيس جديد تجري بعد يومين. وهناك مرشحون عدة تقدموا. وقلبي معهم جميعا. لكن خشيتي عليهم وعلى البلد أكبر من تقديري لهم.
ولا أعرف ما يدور في رأس كل واحد منهم. لكني أظن أن من يفوز في انتخابات الرئاسة منهم يحتاج إلى معجزة لكي ينجح في مهمته.
ولقد سمعناهم جميعا فيما قدموا أنفسهم به إلا أن كل ما سمعناه لم يشف غليلا. فمعظمه أقرب إلى الإعلان والترويج. وربما التعريف بالنفس وتزكية الذات. مع عروض لصور أريد لها أن توحي بالثقة في أصحابها. ولكن الصور لا تكفي لصنع حقائق.
هناك من يتصور أنه قادر.
وهناك من يتصور أنه يعرف.
وهناك من يتصور أن لديه ما يؤهله.
وللأمانة فإن كلا منهم قد يكون صادقا فيما يتصور. لكني أظن من مجمل ما سمعت أنه ليس لدى واحد منهم تمثل كامل للحقيقة. أو معرفة كافية بالظروف. أو رؤية واضحة لتحقيق ما يتصوره ويعلنه. ومع ذلك فهؤلاء الرجال جميعا لهم فضل التقدم والإقدام. والجسارة والتجاسر.
خشيتي الحقيقية أنهم جميعا في حاجة إلى معجزة!! إضافة إلى طلب المعجزة فإن كلا منهم له مشاكل حقيقية تخصه على الطريق. وإذا حدث واختاره الناس للرئاسة بأصواتهم".
ويستطرد: "سوف أقول شيئا قد لا يصح أن يُقال علنا، قد أقول إنني حتى هذه اللحظة ما زلت مترددا في المشاركة في عملية التصويت، لا أعرف لمن أُعطي صوتي".
القاعدة العامة والشائعة في مثل هذه الأمور أن يشارك الكل، وأن يختار كل واحد ما يراه الأقرب إلى اقتناعه، لكن المأزق يتأتى من أن يشعر أحد ــ خطأ أم صوابا ــ أن خريطة الطريق.. كل الخرائط لا تؤدي إلى المأمول، أو حتى إلى المأمون، وهنا عليه أن يوازي بين ما يقول به الضمير، وما تقول به واجبات ممارسة المسؤولية السياسية العامة، وكذلك أجدني في حيرة لم أخلص فيها حتى الآن إلى رأي أستقر عليه.
أريد أن أشارك بدعوى ممارسة الحق والواجب، وفي الوقت نفسه لا أراني مستريحا للمشاركة.
ففي الممارسة الديمقراطية لا يصح لفرد أن يعاند، لكنه أيضاً وبحق الضمير لا يصح لفرد أن ينساق، خصوصا في قضايا مصير!!".
تخلص الشواهد وموقف من بلغت الثورة يقينهم، وحديث الأستاذ هيكل ودقة توصيفه للمشهد، أن إشارات الإنذار تتوالى، ولعلها تشي بأن الرئيس القادم لن يكمل ولايته، سواء لعجز في القدرة، أو لعدم استيعاب الحقائق التي أنتجتها ثورة يناير، وأن شبح الصدام يلوح في الأفق، وأن مداه غير آمن، ووعيد أحمد شفيق لمن يتظاهر بأن تجربة تصرف الجيش في العباسية، قابلة للتكرار، يؤكد أن هناك سيناريو جديدا للتعامل مع آليات باتت ملكا للشعب ولن يتنازل عنها، وهي ما بقي، من دروس الثورة، أن اخرج لتُعمل إرادتك بالفعل، وأيا كان الثمن.
إن الشباب الذي تحمل عبء كسر حاجز الخوف، ومقاومة الانحراف بأهداف الثورة وتفريغها من مضمونها مطالب بأن يدرك أن القادم فعل بالوعي، يجب أن تكون له قيادته وتنظيمه، وهو بالضرورة مطالب أن يعيد ميدان التحرير ميدانا للثورة وأن يزيل عنه التشوهات التي كان القصد منها تشويه الثورة وحرمانها من قيمتها التي تجلت في الأيام الأولى، أنها فعل للشعب وبالشعب لتحرير الإرادة وبناء نظام جديد يحقق العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
إن الشباب مطالب بأن يغتسل من مهام فرضت عليه في الحملات الانتخابية، وأخذت بناصيته أضواء الكاميرات، لتحول سلوكه من الفعل إلى الكلام.
إن مهمة الدستور بين أيدينا، والتفريط فيها وفي خطواتها الواجبة ستؤدي إلى طعنة قاتلة للوطن.
إننا مطالبون بعدم ترك الجمعية التأسيسية للدستور عرضة لصراعات ضيقة، وقوى الثورة، صاحبة الحق، وصاحبة المصلحة، مكتوفة الأيدي أو فاقدة الرؤية.
إننا مطالبون بأن يكون التعبير الحقيقي داخل الجمعية التأسيسية متضمنا تمثيلا حقيقيا للقوى الاجتماعية، ولكل مكونات المجتمع، حتى وإن تطلب هذا تغييرا في طبيعة تكوين الجمعية والنصوص الحاكمة لها.
إن الحوار المجتمعي حول مسودة الدستور يجب أن يأخذ مداه، من حيث الوصول به لجميع مكونات المجتمع، واحترام رؤاهم، وإتاحة الزمن الكافي لهذه المهمة.
إننا مطالبون بإدراك حقيقة العديد من التشكيلات، خاصة أنها ما زالت وليدة، وبدون تجربة تشحذ قدرتها، والمثال على ذلك نقابة الفلاحين، والتي عقدت لقاء احتفاليا يوم الأحد 20 مايو لمرور عام على تكوينها، والذي تحول إلى واقعة كاشفة، بأنه ليس مجرد إطلاق الاسم يعني تحرير إرادة الفلاح في التعبير عن ذاته واحتياجاته، إلى حد أن مجرد محاولة من أحد الحضور للتعبير عما يعانون من مشاكل، استدعى التعامل الجسدي معه، ممن يكونون شريحة الانحراف الجديد، بسلوكيات أمنية استدعت من بعضنا التدخل لإثبات أن هذا الفلاح الشاب هو صاحب النقابة وليس غيره ممن يرتدون مسوح الولاء لسلطة توهموها، فاستعدوا أصحاب الحق الأصيل.
هذا ما وصلنا إليه، استمرار لفترة انتقالية جديدة، مع إضافة تعبير "رئيس منتخب" ودستور غائب.
أيا كان القادم، فلا شرعية له ينتجها صندوق الانتخاب، ولكن مصدرها معامل المتابعة له والمراجعة لأفعاله، ودون فترة سماح أياً كانت تحت دعوى أن يستوعب ويدرك، ليتمكن من اتخاذ قرار.
قرارات مواجهة الثورة سهلة عليهم، ومارسوها طوال 18 شهرا، ومهام الثورة غائبة عن الوعي بها، وليس أمامنا إلا أن نفرضها، وأيا كان الثمن، فهذا قدرنا، وثمن واجب لتحرير الشعب وتحقيق غاياته في العيش والحرية بمعناهما الشامل، وتحقيق العدل الاجتماعي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
4752
| 23 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4578
| 21 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
2787
| 28 يونيو 2026