رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتجه الناخبون المصريون يوم غد الأربعاء 23 مايو 2012، لانتخاب أول رئيس للجمهورية بعد ثورة يناير 2011، ورغم محاولات صبغ الأمر بأن القادم رئيس للجمهورية بالانتخاب الحر المباشر، إلا أن حالة من الحيرة تتزايد ولا تنقص تنتاب قطاعا واسعا بلغ في تقديرات استطلاعات للرأي 37% من العينات التي جرى استطلاع رأيها ولم تحدد بعد من تختار!، والأكثر وضوحا في موقف عدم الاختيار، فئة تبلور في يقينها مفردات الثورة وأهدافها، فاختلفت أسباب الموقف وتنوعت، وأثار أمر وجوب الاختيار علامات استفهام عديدة، أثارت من الحيرة أكثر مما أجابت على الأسئلة.
التقسيم المباشر للمرشحين إلى عناصر من النظام السابق، وعناصر من التيار الديني، وعناصر من اليسار، وآخرون لم يثيروا انتباها، لم يعد وحده معامل المفاضلة، والبرامج كانت تحمل كلمات أكثر منها خططا، وتداخلت السير الذاتية للأشخاص في تقديرات المواقف ومن المتابعة لها، فإن أغلبها يحمل من الحقائق والوقائع التي تحجب الثقة، ما لا يمكن وصفه بالشائعة أو التشهير، ولكن أي منصف ومتابع للحركة السياسية يدرك حقيقتها، وهي تظهر ببطء، رغم الالتزام بالإحجام عن تأكيد أي منها أو نفيه، ممن عاشوا وقائعها ونتائجها في حينها.
ظاهرتان واضحتان، أنه رغم رفض عناصر النظام السابق، إلا أن الزخم من حول أحمد شفيق يمثله عناصر الحزب الوطني المنحل من ناحية، والرفض المتزايد لعناصر التيار الإسلامي جراء تقلص الثقة فيه بعد انتخابات المجالس النيابية ووقائع ما دار بالجلسات والاشتباكات على غير قضايا الثورة والتأرجح بين مواجهة المجلس العسكري والحكومة، ومأخذ آخر على موقفهم من استفتاء مارس 2011 بالتعديلات الدستورية ثم الانقلاب عليه ومحاولة البعض منهم الاعتذار عن سابق الموقف، مما يوحي بأن المواقف تبنى على أهواء خاصة وليس على خيارات ومرجعية سياسية ورؤية واضحة للطريق.
ورغم ذلك فإن مواجهات مع شفيق تصاعدت بحصار مسجد عبدالرحيم القناوي وهو موجود بداخله، وإلقاء الحذاء في مواجهته أثناء كلمة له بمؤتمر بأسوان ثم إلغاؤه للقاء كان قد أعلن عنه في أسيوط "لدواع أمنية"، وأخيرا مواجهة معه في قاعة المؤتمرات بالقاهرة والهتاف ضده، ويزيد على ذلك أن تحركاته تحاط بترتيبات أمنية مشددة، مما يؤكد وجود تخوفات من اعتداء عليه من المواطنين، وهو أمر لا يحتسب لصالحه.
والظاهرة الثانية يمكن وصفها بمقولة "قلوبنا معك وأصواتنا عليك" وتتمثل هذه الظاهرة في أصغر المرشحين سنا، خالد علي المرشح اليساري، فمصداقية خالد علي كان لها صداها لدى الناس، ولكن مقولة أنه لن يجني الأصوات هي مبرر يسوقه البعض لنفسه لعدم التصويت له، وكأنه بهذا المنطق يتخلص من أزمة الضمير، وهي تأكيد أيضا عن أن التصويت لا يتسق وما يستقر باليقين، وجرى الفصل بين التصويت "الفعل"، وبين القناعة "الفكرة"، مما يعني عدم تحرر الإرادة في الاختيار.
خفت بريق عمرو موسى، وتحدث عن شفيق أنه من النظام القديم، وخفت بريق عبدالمنعم أبو الفتوح نتيجة احتسابه على التيار الإسلامي.
وتصاعدت أرصدة حمدين صباحي ومحمد مرسي، ولكنهما ما زالا خارج المنافسة، حسب استطلاعات الرأي.
وانتقلت احتمالات الإعادة من (موسى ـ أبو الفتوح) إلى (موسى ـ شفيق) أي من (قديم ـ جديد) إلى (قديم ـ قديم)، وكل ذلك يدخل في إطار التخمينات حتى لحظة إعلان نتائج الانتخاب.
أعادت هذه الملامح المطموسة والشكوك والاتجاهات المرتدة للخلف، إلى استدعاء حقيقة أن الانتخابات الرئاسية ليست على الإطلاق هي الحل، سواء لاستمرار الثورة، أو لتوقف المواجهة، بل تؤكد أن احتمالات تصاعد المواجهات بين أطراف متعددة بعد إعلان النتائج، هي الأقرب إلى الحدوث.
وتحدث الأستاذ هيكل ليزيد من هوة المفارقات، وليزيد من مبررات الفئة التي تقول إنها لا تجد اختيارا تقبل به، ويقول بصراحة:
"هناك انتخابات لرئاسة الدولة بعد يومين. وربما سمحت لنفسي أن أقول إنها لن تحل المشكلة. فلقد كان خطاب الانتخابات ذاتيا وشخصيا وإعلانيا في معظمه إذا جاز التعبير. حتى المناظرة الشهيرة بين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح كان ترتيبها وإخراجها إعلانيا. رغم أنها سابقة مهمة في أساليب الخطاب السياسي المصري.
وبصرف النظر عن المخاطرة. فإنه لا يبدو لي أن أحدا من المرشحين يملك صورة كافية للحقائق تمكنه من مهام المرحلة. أو يملك رؤية مباشرة. أو قريبة لإمكانية فعل أكيد وتنفيذ كفء.أو يملك طاقما جاهزا لإدارة الدولة فور تسلمه للمسؤولية.
ثم إن الجهاز الإداري للدولة على حاله. ولوائحها الإدارية والتنفيذية هي هي. ومجموعات القيم السائدة في العلاقة بين السلطة والمواطن لم تلحق بعد بهيبة الثورة.
وفي الوقت نفسه فإن مشاكل الأمن مزعجة، وقضاياه معقدة.
ولست أعرف كيف يمكن أن يتصرف أي مرشح إزاء المؤسسات، أو إزاء الأجهزة، أو بالمسؤولية أمام الناس".
" لأكون صريحا معكم، هناك انتخابات لرئيس جديد تجري بعد يومين. وهناك مرشحون عدة تقدموا. وقلبي معهم جميعا. لكن خشيتي عليهم وعلى البلد أكبر من تقديري لهم.
ولا أعرف ما يدور في رأس كل واحد منهم. لكني أظن أن من يفوز في انتخابات الرئاسة منهم يحتاج إلى معجزة لكي ينجح في مهمته.
ولقد سمعناهم جميعا فيما قدموا أنفسهم به إلا أن كل ما سمعناه لم يشف غليلا. فمعظمه أقرب إلى الإعلان والترويج. وربما التعريف بالنفس وتزكية الذات. مع عروض لصور أريد لها أن توحي بالثقة في أصحابها. ولكن الصور لا تكفي لصنع حقائق.
هناك من يتصور أنه قادر.
وهناك من يتصور أنه يعرف.
وهناك من يتصور أن لديه ما يؤهله.
وللأمانة فإن كلا منهم قد يكون صادقا فيما يتصور. لكني أظن من مجمل ما سمعت أنه ليس لدى واحد منهم تمثل كامل للحقيقة. أو معرفة كافية بالظروف. أو رؤية واضحة لتحقيق ما يتصوره ويعلنه. ومع ذلك فهؤلاء الرجال جميعا لهم فضل التقدم والإقدام. والجسارة والتجاسر.
خشيتي الحقيقية أنهم جميعا في حاجة إلى معجزة!! إضافة إلى طلب المعجزة فإن كلا منهم له مشاكل حقيقية تخصه على الطريق. وإذا حدث واختاره الناس للرئاسة بأصواتهم".
ويستطرد: "سوف أقول شيئا قد لا يصح أن يُقال علنا، قد أقول إنني حتى هذه اللحظة ما زلت مترددا في المشاركة في عملية التصويت، لا أعرف لمن أُعطي صوتي".
القاعدة العامة والشائعة في مثل هذه الأمور أن يشارك الكل، وأن يختار كل واحد ما يراه الأقرب إلى اقتناعه، لكن المأزق يتأتى من أن يشعر أحد ــ خطأ أم صوابا ــ أن خريطة الطريق.. كل الخرائط لا تؤدي إلى المأمول، أو حتى إلى المأمون، وهنا عليه أن يوازي بين ما يقول به الضمير، وما تقول به واجبات ممارسة المسؤولية السياسية العامة، وكذلك أجدني في حيرة لم أخلص فيها حتى الآن إلى رأي أستقر عليه.
أريد أن أشارك بدعوى ممارسة الحق والواجب، وفي الوقت نفسه لا أراني مستريحا للمشاركة.
ففي الممارسة الديمقراطية لا يصح لفرد أن يعاند، لكنه أيضاً وبحق الضمير لا يصح لفرد أن ينساق، خصوصا في قضايا مصير!!".
تخلص الشواهد وموقف من بلغت الثورة يقينهم، وحديث الأستاذ هيكل ودقة توصيفه للمشهد، أن إشارات الإنذار تتوالى، ولعلها تشي بأن الرئيس القادم لن يكمل ولايته، سواء لعجز في القدرة، أو لعدم استيعاب الحقائق التي أنتجتها ثورة يناير، وأن شبح الصدام يلوح في الأفق، وأن مداه غير آمن، ووعيد أحمد شفيق لمن يتظاهر بأن تجربة تصرف الجيش في العباسية، قابلة للتكرار، يؤكد أن هناك سيناريو جديدا للتعامل مع آليات باتت ملكا للشعب ولن يتنازل عنها، وهي ما بقي، من دروس الثورة، أن اخرج لتُعمل إرادتك بالفعل، وأيا كان الثمن.
إن الشباب الذي تحمل عبء كسر حاجز الخوف، ومقاومة الانحراف بأهداف الثورة وتفريغها من مضمونها مطالب بأن يدرك أن القادم فعل بالوعي، يجب أن تكون له قيادته وتنظيمه، وهو بالضرورة مطالب أن يعيد ميدان التحرير ميدانا للثورة وأن يزيل عنه التشوهات التي كان القصد منها تشويه الثورة وحرمانها من قيمتها التي تجلت في الأيام الأولى، أنها فعل للشعب وبالشعب لتحرير الإرادة وبناء نظام جديد يحقق العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
إن الشباب مطالب بأن يغتسل من مهام فرضت عليه في الحملات الانتخابية، وأخذت بناصيته أضواء الكاميرات، لتحول سلوكه من الفعل إلى الكلام.
إن مهمة الدستور بين أيدينا، والتفريط فيها وفي خطواتها الواجبة ستؤدي إلى طعنة قاتلة للوطن.
إننا مطالبون بعدم ترك الجمعية التأسيسية للدستور عرضة لصراعات ضيقة، وقوى الثورة، صاحبة الحق، وصاحبة المصلحة، مكتوفة الأيدي أو فاقدة الرؤية.
إننا مطالبون بأن يكون التعبير الحقيقي داخل الجمعية التأسيسية متضمنا تمثيلا حقيقيا للقوى الاجتماعية، ولكل مكونات المجتمع، حتى وإن تطلب هذا تغييرا في طبيعة تكوين الجمعية والنصوص الحاكمة لها.
إن الحوار المجتمعي حول مسودة الدستور يجب أن يأخذ مداه، من حيث الوصول به لجميع مكونات المجتمع، واحترام رؤاهم، وإتاحة الزمن الكافي لهذه المهمة.
إننا مطالبون بإدراك حقيقة العديد من التشكيلات، خاصة أنها ما زالت وليدة، وبدون تجربة تشحذ قدرتها، والمثال على ذلك نقابة الفلاحين، والتي عقدت لقاء احتفاليا يوم الأحد 20 مايو لمرور عام على تكوينها، والذي تحول إلى واقعة كاشفة، بأنه ليس مجرد إطلاق الاسم يعني تحرير إرادة الفلاح في التعبير عن ذاته واحتياجاته، إلى حد أن مجرد محاولة من أحد الحضور للتعبير عما يعانون من مشاكل، استدعى التعامل الجسدي معه، ممن يكونون شريحة الانحراف الجديد، بسلوكيات أمنية استدعت من بعضنا التدخل لإثبات أن هذا الفلاح الشاب هو صاحب النقابة وليس غيره ممن يرتدون مسوح الولاء لسلطة توهموها، فاستعدوا أصحاب الحق الأصيل.
هذا ما وصلنا إليه، استمرار لفترة انتقالية جديدة، مع إضافة تعبير "رئيس منتخب" ودستور غائب.
أيا كان القادم، فلا شرعية له ينتجها صندوق الانتخاب، ولكن مصدرها معامل المتابعة له والمراجعة لأفعاله، ودون فترة سماح أياً كانت تحت دعوى أن يستوعب ويدرك، ليتمكن من اتخاذ قرار.
قرارات مواجهة الثورة سهلة عليهم، ومارسوها طوال 18 شهرا، ومهام الثورة غائبة عن الوعي بها، وليس أمامنا إلا أن نفرضها، وأيا كان الثمن، فهذا قدرنا، وثمن واجب لتحرير الشعب وتحقيق غاياته في العيش والحرية بمعناهما الشامل، وتحقيق العدل الاجتماعي.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10455
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3492
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2514
| 08 سبتمبر 2026