رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اتسمت مليونيات التحرير بروح الثورة، ويعترف من عاشها بأثرها المعنوي وقدرتها على تجديد العزم، والتأثير في القرار، بل إن كثيرا من المواقف والقرارات لم تتم أو تتغير من دون هذه المليونيات.
مليونية 20 أبريل لم تكن مثل المليونيات السابقة عليها، لم تحمل روح الثورة، ولكنها كانت كاشفة لما ألم بالثورة من تعدد وتنوع لقواها، وهو من طبيعة الأشياء، ومن انقسام هو نتيجة وقائع الفترة الانتقالية وما جرى خلالها.
بدا المشهد يومها في ميدان التحرير، وكأن جسد الثورة في قدر ماء يغلي وتحته نار مستعرة، ومَن حولها يرقصون ويطلقون صيحاتهم ويلوحون بحرابهم كإنسان الغابة، ويتحدثون باسم الثورة وأنهم حماتها، ومبررهم في هذا أنهم جاءوا من ظلمات السجون ودفعوا الثمن، ولا يدركون ما ألم بدعواتهم من تغييب للعقل وابتعاد عن العصر. يحاولون أن يطفئوا الثورة ويأبى الله ويزيدها اشتعالا بأخطائهم وخطاياهم وكذبهم وتخليهم عما كانت تستدعيه الثورة من مهام وواجبات، تركوها لمكاسب ومقاصد خاصة، فانكشفوا، وسقطت أقنعة الزيف عن وجوههم.
نتحدث كثيرا عن الوحدة، والانقسام يكاد يكون طبيعة وثقافة نشأت من قصور التجربة الجماعية وزمنها المحدود والتي تجلت في الأيام الثمانية عشرة الأولى للثورة. وتكريس الذات يواجه مفهوم العمل الجماعي. وتفاوت إدراك التاريخ وحاجات الأمة وتكوين الشعب الاجتماعي وإمكانات الوطن، يفتح الباب أمام محصلة "صفرية" لوعي متناحر لا يسلم بحقائق التاريخ والعصر وأدواته.
نتحدث عن الاعتذار والتسامح، وكل يخفي خنجرا في عباءته. علاقات بعيدة عن مقتضيات المهام التي يلح عليها الشعب ويحتاجها، ولكن هي طبيعة سيطرة الأنا الحزبية والشللية في مواجهة الثورة.
الشعب لم يناد بالتغيير عن هوى أو ملل مما كان يعيشه، ولكن الشعب خرج إلى الشارع رافضا الظلم الاجتماعي ومناديا بالعدل، الشعب خرج لأنه يعاني من البطالة والأجور والأسعار، ولقمة العيش صارت آلة طحن، والتعليم أصبح عبئا اقتصادياً رغم شعار مجانية التعليم، والرعاية الصحية صارت رابعة المستحيلات، خرج الشعب ليهدم نظام الظلم وليس ليستبدله بظلم جديد حتى وإن ارتدى عباءة الدين.
يتجاهلون حقيقة التاريخ أن دولة الظلم ساعة، وأن دولة الكفر إلى قيام الساعة، ففقدوا مبرر الوجود.
وكما اتخذ البعض من الدين بعض السمات ومجرد الشكل دون إدراك إن الدين الإسلامي في حد ذاته ثورة اجتماعية في المعاملات، فقد اتخذت مليونية 20 أبريل شكل مليونيات الثورة، ولكن تشتت بها السبل، واختلطت الأهداف، وتبدلت الخصومات، وانتهت بأمنيات تقارب أحلام اليقظة. وبدت أحاديث النخبة المعدلة بعد الثورة أنها كالكلمات وكالأفكار وحقيقتها أنها "جعجعة بلا طحن".
خرجت نداءات الاعتذار من بعض عناصر الإخوان عن المواقف السابقة والتي أدت إلى حصار الثورة وقتل أبناء الشعب وفقدان الفترة الانتقالية بأكملها حتى اليوم، وكأن الأسف سيعيد الأرواح التي استشهدت وسيعيد الزمن الضائع.
وهذا الاعتذار، وهو لم يعرض كيف نعوض ما فاتنا، لم يكن خالصا أو كاملا، بل لم تكد كلماته تصل سامعيها، إلا وواكبته صور من العناد في تفسير مواقف الارتماء في حضن الثورة المضادة، وأعيد ترتيب الأهداف وكشفت النوايا عن تحويل الأهداف إلى غايات لحظية، وليست أساسا لالتقاء مزعوم لتمكين الثورة من الاستمرار.
موضوعات اللحظة في مصر متعددة، منها المادة 28 في الإعلان الدستوري، والتي تحصن قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية ضد الطعن عليها، وفتحت باب الشك بين مكونات سلطة الانقلاب على الثورة بعضها البعض، بأنها تحصين لعمليات تزوير مرتقبة للانتخابات الرئاسية، والمعتذرون من جماعة الإخوان يعلنون أسفهم عن موافقتهم عليها، وكأنهم لم يدركوا معناها إلا عندما تم رفض مرشح لهم، فأي وعي كان مفقودا؟ وما جدوى الاعتذار الآن؟
ومن الموضوعات طبيعة تشكيل لجنة الدستور ومواصفات عضويتها، وكأننا نعيد تعريف الماء، واكتشفنا أن في مصر رجال يملكون القدرة ويمكن الاحتكام إليهم في شأن الدستور، وكأننا كنا في حاجة إلى القضاء المصري ليقف في مواجهة رعونة الأغلبية المتأسلمة بمجلسي الشعب والشورى. ويتحدثون عن الالتزام ببرنامج عمل سبق تحديده حيث كان إقرار الدستور والاستفتاء عليه سابقا علي الانتخابات الرئاسية، ويطالبون بالوفاء به، وهم بذلك يسقطون حق المجتمع في الحوار حول الدستور أو تعديله قبل الاستفتاء عليه، محاولات تتسم بالنزق وعدم الروية، ولا أقول الجهل بالحقائق والإجراءات وحق الشعب، ولكنها استمراء لعمليات القرصنة والاختطاف. وكأن مشهد استفتاء 19 مارس 2011 تجري استعادته غير معتبرين لاعتذاراتهم التي لم يجف حبرها، يتعاملون في شأن الدستور أنه أمر تكميلي، وأضفوا القداسة على تاريخ تسليم السلطة إلى رئيس مدني.
وتجري مطالبة الإخوان بسحب مرشحها "البديل" عن مرشحها "المشطوب" طواعية حتى تنفي عن نفسها الرغبة في الاستحواذ، وكأن سحب المرشح والذي لقبته الجماعة "بلقمان الحكيم" هو عربون قبول الاعتذار، وليس الاتفاق على خطوات إجرائية والتعهد بتنفيذها بين الفرقاء لاستكمال الثورة هو معنى الاعتذار عمليا وإجرائيا. لعبة الكراسي الموسيقية يمارسها الجميع، فوق أرض رواها الشهداء بدمائهم.
الأحاديث والموضوعات تجري تحت عناوين حماية الثورة والدفاع عنها، وهي في حقيقتها استطراد لحصار الثورة واغتيال شبابها. فأين هي روح الثورة في كل هذه الأقوال والأفعال والحشود والاعتذارات والتواريخ المقدسة، وأين كل هذا من طريق تحقيق العدالة الاجتماعية، الحقيقة في كل ما يجري الآن هو صراع على ملء الفراغات في هيكل السلطة وتغييب لمضمون الثورة وأهدافها.
وفي ذات الوقت الذي يعتذرون فيه عما فعلوا، ومن أفعالهم قانون انتخابات مجلس الشعب، والذي ضمنوه بنصيب الثلثين للقوائم الحزبية، وعندما خرج القانون بمنع الأحزاب، التي تقدمت بقوائم، من الترشح للمقاعد الفردية والتي تمثل ثلث المقاعد، أعلنوا التمرد وهددوا بالنزول إلى الشارع، وعند تسرب أنباء عن تقرير مفوضي المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون الانتخابات النيابية، يهدد المعتذرون بمليونية جديدة في الشارع دفاعا عن مجلس تكون على أساس غير دستوري؟ فما الذي يعتذرون عنه؟ وكيف نصف تهديداتهم الأخيرة في إطار الاعتذار؟
وأيضا عم يعتذرون، أقاموا حزب الحرية والعدالة كذراع سياسي لجماعة الإخوان، وخالفوا بهذا قانون الأحزاب تحت سمع وبصر لجنة الأحزاب والمجلس العسكري والشعب، ويعاندون الحقيقة، وتتصرف لجنة الأحزاب كأنها لا ترى ولا تسمع، ولن تتكلم، فعن أي شيء يعتذرون؟، ومرشحهم للرئاسة يعلن أنه مرشح مؤسسي للجماعة والحزب (وما معنى أن ترشح جماعة الإخوان اللا سياسية مرشحا للرئاسة؟ ما تفسير هذا أيها المعتذرون؟)، فعن أي شيء يعتذرون؟
ويتصاعد الحديث عن الفلول، بقايا النظام السابق، ولا يتحدث أحد عن الذين انضموا إلى معسكر الثورة المضادة، وتخلوا عن الثورة والشباب بعد أن تلقوا الوعد بالإفراج عن سجناء الجماعة والوعد بالتصريح لحزب لهم. إن ميكيافلية تنظيم الإخوان وحزبه أشد خطرا على الثورة. بقايا النظام السابق معروفون، ولكن عناصر الإخوان غير معروفين، وكما قال مرشحهم المشطوب خيرت الشاطر في معرض اتهامه للجنة الإشراف على انتخابات الرئاسة "رصدنا اتصالا بين المجلس العسكري واللجنة بشأن قرارهم"، وتعبير "رصدنا" لا يصدر إلا عن من يستخدم أسلوبا أمنيا أو مخابراتيا للرصد، فهو رصد وليس معلومات وصلتهم، ويستطرد قائلا "إن عناصر الإخوان في كل مكان!"، فهل هذا أيضا معرض تفسير أو اعتذار؟
ذلك كله ليس بالأمر السيئ، فإدراك الحقيقة وتشخيص الحالة، هو الخطوة الأولى على طريق العلاج، بشرط أن يكون العلاج علميا وعقليا ويتصدى له من يقدر على إتمامه، وليس أولئك الذين يجنحون إلى الدعة والسكون ولغو القول والمشاركون في سباق الكراسي الموسيقية على كافة السلطات في مصر بعد الثورة.
تبدو جماعة الإخوان في أمر ترشيح خيرت الشاطر وفي شأن لجنة الدستور قد خاضت "معركة خاسرة في حرب أكبر"، فإذا كانت العواطف تتمنى وفاقا بين جملة التيارات السياسية لصالح الثورة، إلا أن هذا لا يعني أن الأهداف التي تسعى إليها الجماعة منذ قيام الثورة قد تبدلت، بل هي تحاول إعادة التوازن إلى موقف المجتمع منها، بعد انحسار التعاطف معها.
إن تمني الوفاق وإن تراجع الجماعة نفسها هو من أحلام اليقظة التي لا وجود لها في الواقع وليس هناك أي مبرر لهذه المراجعة.
والمجلس العسكري الذي احتضن جماعة الإخوان وحقق لها كل ما طلبته حتى نشوب الخلاف بينهما عند محاولة الجماعة الاستيلاء على الحكومة، لن يتمادى في مواجهة معها، فهو يستخدمها وسيلة لشق صف حركة الثورة، وبينهما تجربة مشتركة نجحت إلى حد كبير، ويملكان الآن خبرة التعامل المشترك، ولعل هذا يجنب المجلس العسكري مواجهات من نوع آخر لعناصر من الجماعة في مواقع غير مرصودة حتى الآن. ويحظى هذا التحالف مباركة قوى خارجية، لأنه يعني لها إخراج الشعب بمطالب التغيير وما تستدعيه على كافة الأصعدة، من معادلة الحكم في مصر.
لقد نجح المجلس العسكري باستخدامه للإخوان والسلفيين في مواجهة الثورة إلى تحويل الصراع إلى صراع ديني بدلا من كونه صراعا سياسيا وطنيا، لينقسم المجتمع إلى مؤمن وكافر بدلا من انقسامه على قضايا الثورة، بين مناصر لها أو معاد للثورة.
إن توازن القوى داخل المجتمع سيظل مختلا لصالح التحالف المضاد للثورة حتى تتبلور قدرة تنظيمية لقوى الثورة قادرة على تحويل الحشود إلى مهام موضوعية لا تنجذب إلى شعارات تستنزف الوقت والجهد ولا تساعد على تجسيد الإرادة الشعبية من أجل التغيير في فعل منظم قادر على الإنجاز.
لم يعد باقيا إلا ساعات قليلة وتعلن القائمة النهائية للمرشحين، وقانون العزل السياسي أعادته المحكمة الدستورية إلى المجلس العسكري الذي طلب منها الرأي الدستوري وقضت أنه قانون لا مراجعة دستورية سابقة عليه، وصار أمر أحمد شفيق معلقا بقرار المجلس العسكري، وهو ما يضعنا في احتمالات لنتائج الانتخابات على النحو التالي:
أن يبقى أحمد شفيق، ويفوز بالرئاسة، وهي حالة التحريض المثلى لاستمرار الثورة.
أو أن يفوز واحد أو يتشكل مجلس رئاسي من العناصر الخمسة "خالد علي، عبدالمنعم أبوالفتوح، أبوالعز الحريري، حمدين صباحي، وهشام البسطويسي"، وهي حالة أقرب إلى حقن حركة الثورة بمخدر قد يؤدي إلى تعطل أدائها الشعبي تحت دعاوى كثيرة.
والحالة الثالثة أن يفوز عمرو موسى ويأخذ واحدا أو أكثر من العناصر الخمس السابق الإشارة إليها، نائبا له، وهي حالة أقرب إلى حقن حركة الثورة بسم قاتل.
والرابعة أن يفوز محمد مرسي المرشح البديل للإخوان، وهي تتساوى في ردة الفعل مع الحالة الأولى ولكنها ستكون أكثر عنفا وتقسيما للمجتمع.
حالة الصراع وعدم الاستقرار ستظل رهينة بمدى توازن القوى بين الثورة والثورة المضادة، ومرتبطة بوعي عناصر الثورة وقدرتها على الثبات فوق الأرض وبين القوى الاجتماعية. المهمة جادة وشاقة وطويلة المدى وتحتاج إلى إرادة وجهد وصبر القابض على الجمر، فالأمر لم ينته بعد.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10536
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3666
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2532
| 08 سبتمبر 2026