رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يموج فضاء مصر بكلمات وشعارات ومراهقة ثورية وانكشاف للسحر الأسود، جعجعة بلا طحن، والثمن يدفع من رصيد الزمن والشعب والثورة، ويزيد من جرعة الألم والتضحية الواجبة لتحقيق مقاصد الشعب وحاجاته.
أطلق اسم "جمعة النهاية" و"جمعة الزحف" على يوم 4 مايو، وجرى استدعاء المتظاهرين إلى ميدان العباسية بالقاهرة لحصار مبنى وزارة الدفاع.
شهد الميدان قبل يومين هجوما دمويا على المعتصمين، قتل بدم بارد، وذبح من الرقبة، وتشويه جثث القتلى، وكان الأمر إيذانا بضرورات الثأر، واحتمالات اتساع المواجهة. ذات السيناريوهات التي جرت من قبل.
طالب أحد مشايخ السلفيين "حسن أبو الأشبال"، المتظاهرين باقتحام مبنى الوزارة والقبض على أعضاء المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة "وإعدامهم"!! وذهب إلى مقر الاعتصام محمد الظواهري في ثلة من الملثمين.
انضمت إلى المظاهرة جماعات غير دينية تحكمها رومانسية ثورية وصلت إلى حد المراهقة الثورية، ليصبح المشهد أكثر هزلية، وكأن حالة من الغيبوبة أصابت الثورة والثوار.
توقع الانفجار كان قائما، وكانت الخشية أن يؤدي، وعلى غير طبيعة الشعب المصري، إلى حرب أهلية في واقع هش، وكان مرد ذلك هو حرب الاستنزاف التي دارت رحاها في مواجهة ثورة الشعب المصري طوال الفترة الانتقالية، أدارها المجلس العسكري، وكانت الجماعات الدينية أدواتها، إلى أن ظهرت صراعات السلطة داخل المعسكر المضاد للثورة، نتيجة المحاولات المستمرة من الإخوان للاستحواذ الكامل على مقدرات مصر، وانطبقت مقولة غاندي "كثيرون حول السلطة وقلةٌ حول الوطن".
ويمكن وصف هذا اليوم بأنه "جمعة تراكم الفشل".
الابتعاد عن الثورة وأهدافها: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وانكشاف الغطاء عن فراغ وتصحر الواقع السياسي في مصر، وواقع التنظيمات القادمة من الظلام بلا مشروعات أو قيادات سياسية، دفع بالحالة المصرية إلى "الخيار شمشون"، تهدم المعبد "الدولة"، على كافة الرؤوس، وتلقي بالوطن إلى المجهول الذي لا يقل ظلاما عن النظام السابق.
ذهبت كافة التيارات والجماعات إلى الخيار شمشون عندما استبدلت مسؤوليات تلزمها بوجود رؤية سياسية كأساس للوجود في معسكر الثورة، إلى تحديد خصومات جديدة جسدت في مجموعها حالة انقلابية أكثر منها حالة ثورية.
واستبدلت وضع إستراتيجية وطنية للثورة، تجمع قواها الاجتماعية وتحشدها، بحالة إقصاء وإدانة بين أشباه القوى السياسية التي ابتليت بها مصر، وبين النخبة المهزومة، وجرى التعامل مع الشعب على أنه مجرد صوت في صندوق، يجري استخدامه لصعود سلم السلطة، وصارت "الديمقراطية" والسلطة "المدنية" هي قمة أدوات الخداع.
تراكم الفشل في إدارة المرحلة الانتقالية كانت بداياته فشل المجلس العسكري في إدارتها قياسا على المهام المطروحة، وأقام تحالفات لا تعبر عن حقيقة المجتمع المصري، وفتح الباب على مصراعيه أمام جماعة الإخوان وتمكينها من مشاركته في القرار، وتوصلا إلى صفقة "الوجود للجماعة" مقابل تفريغ الحالة الثورية التي كانت في ذروتها.
وتنازع هذا الخيار مع القيمة الوطنية التي يمثلها الجيش المصري، كنواة صلبة للدولة المصرية، في واقع تحيط التهديدات ومصادر الخطر الخارجي كل الحدود المصرية، وأصبح المجلس العسكري طرفا في خصومة مع الثورة، وجرى حساب تحالفه مع الإخوان والسلفيين منذ تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، ثم أداءاته في مواجهة المظاهرات والاعتصامات، وجرى حسابه ضمن المعسكر المضاد للثورة.
لم يكن متوقعا أن تصل العلاقة بين المجلس والتنظيمات الدينية داخل معسكر الثورة المضادة إلى المواجهة المسلحة بهذه السرعة، وبهذا القدر من المغامرة إلى حد المقامرة بنزوع التيارات الدينية بطبيعة التكوين إلى تلك المواجهة، وكانت ليلة الخميس/ الجمعة أشبة بليلة إعلان الحرب.
ويحاول البعض قراءة المشهد بأن المجلس العسكري أدار مناورة واسعة، هدفها كشف الواقع بكافة مكوناته من جماعات وأحزاب وأفراد أمام الشعب، وأنه راهن على أن كشف الواقع هو السبيل السلمي لتحديد الأحجام والقيمة، ولكن هذه الرؤية يعيبها أنها محاولة لإضفاء الحكمة بأثر رجعي على أداء متردد للمجلس العسكري، حيث استبدلت إرادة الشعب في التغيير وتحقيق أهدافه، بإجراءات غير مكتملة الأركان ما أدي إلى الفوضى السياسية والقانونية والفراغ الدستوري القائم الآن، وفتح المجال لأي مدع للحكم على كيف يكون لمصر دستورها بعد الثورة.
ورغم أن تراكم الفشل وتعاظم الأطماع أديا إلى شرخ في معسكر الثورة المضادة، إلا أن رومانسية عناصر شباب الثورة وعدم اكتمال النضج السياسي لرؤية تحدد ما تريده الثورة وتفرضه من مهام، أعطى قبلة الحياة لعناصر الثورة المضادة، ففقد مطلب تسليم السلطة إلى سلطة مدنية النصف الثاني من المعادلة، وهو الإجابة على سؤال أي سلطة مدنية؟ وهل الإجابة على كيف؟ تكون بانتخاب لرئيس؟ ومن هو الرئيس وما معايير الاختيار ومن أين أتى المعروضون على الشعب للاختيار من بينهم؟
وجرى انحراف بمعنى السلطة المدنية بأنها ليست سلطة عسكرية أو دينية، بديلا عن المفهوم الأساسي لها بأنها دولة يحكمها الدستور والقانون، ويتساوى الجميع أمامه، ولم يسع أحد إلى إقرار دستور للدولة، وصار التعامل مع التشريع تعامل تتحكم فيه الأهواء، كما تتحكم في تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور وفي مضمون الدستور والتشريعات، وجملة هذا إهدار لمعنى الثورة بل قتل للدولة أشد وطأة من الدم المسال فوق الإسفلت.
استبدلت المسؤوليات السياسية والدستورية الواجبة لتحديد ماهية الدولة المدنية، إلى إجراءات وتوقيتات فارغة المضمون تحمل الشكل أكثر من المعنى، وصار المطلوب ملأ الفراغات، وأي حديث غير هذا يجد آذانا صماء، ولا يجد عقلا يستوعبه. وبديلا عن وضع الأطراف عند مسؤولياتها، جرى الانحراف بالمطالب الوطنية إلى مجرد لغو القول، ويمارسه الجميع بلا استثناء. وعجزت الأطراف المشتبكة مع الواقع والأحداث عن تحديد الحل لما تواجهه الأمة. الكل بلا استثناء يصنع المشاكل برعونة، ولا يطرح حلولا لها، وكأنهم فقدوا القدرة على التعلم، وبدلا من أن يكونوا "حلا" صاروا في حد ذاتهم "مشكلة".
ويعلن المتحدثون باسم الإخوان يوم السبت أن الجمعة القادمة مظاهرة واعتصام إلى حين إعادة تشكيل المحكمة الدستورية، ومن ثم تغيير رئيسها، وتبعا لذلك تغيير رئيس لجنة الانتخابات الرئاسية، دعوة جديدة للانقلاب واستنزاف جهد الثورة في تصحيح ما صنعته أيديهم طوال الفترة الانتقالية، وحقيقة الأمر أنها محاولة لتحسين الوضع التفاوضي مع المجلس العسكري بشأن القادم من مواجهات.
كشفت جمعة تراكم الفشل قدرة الجيش على الحسم السلمي لحالة التظاهر والاعتصام، نعم له ضحاياه، ولكن الحدث لم يعد مفتاحا إلى حرب أهلية، ولم يتحقق ذلك بمجرد أسلوب تحريك التشكيلات، ولكن أيضاً بالاستخدام الأمثل للمناخ المتاح.
فالتوجه إلى وزارة الدفاع جاء في سياق تصاعد عناد مرشح تحمل والدته الجنسية الأمريكية ولا يحق له الترشح وفقا للقانون، ولكنه يعاند ويرفض الاعتراف بذلك، فينقلب وأتباعه على القانون ولجنة الانتخابات وعلى المجلس العسكري، أخرجوا الثورة من المعادلة، وصار خليفة المسلمين المنتظر ــ كما يطلق عليه أتباعه ــ
وموجات الانحراف بالكذب، والذي يطلقون عليه أحيانا "المناورة السياسية" أو القرار حسب "مقتضيات الموقف"، جسدت سمة موقف جماعة الإخوان ــ غير القانونية ولا مسوغ لوجودها ــ وحزب "الحرية والعدالة" ذراعها السياسي، مما زاد الشكوك في نواياهم، وبالتالي صلاحيتهم السياسية، وتصاعد الحديث عن وجود تنظيم سري مسلح للجماعة، وتحول من مجرد الإشاعة إلى مهمة تلح بضرورة الاستقصاء والمتابعة، خاصة وأن مصدر المعلومة هو الحليف الذي فتح لهم أبواب الوجود وأخرج عناصرهم من السجن بالإعفاء الصحي، واليوم يربط بينهم وبين جماعات من "حماس"تشاركهم العمل وتقوم بالتوريد العكسي للسلاح!!
ويستكمل المناخ المحيط بوقائع جمعة الفشل مكوناته بحالة العناصر والجماعات داخل معسكر الثورة، فقدت الرؤية السياسية والاقتصادية لمجتمع الثورة كما تريده، فلجأت إلى مهمة التحريض، والتحريض يستلزم خصما وعدوا يجري الحشد في مواجهته، ولم يكن لديهم سوى المجلس العسكري وأداءات الفترة الانتقالية التي يتحمل أوزارها، ولم يحاول أحد أن يوقف التردي ويعيد توجيه الطاقة لإنتاج موقف إيجابي لصالح الثورة.
كشفت جمعة الفشل بالإضافة إلى ذلك، أن مجرد الاحتشاد والتظاهر ليس هو آلية الثورة الوحيدة، فضلا عن كونها غير كافية لمواجهة متطلبات المرحلة، وكشفت عن الحاجة لأن تنتج الثورة كوادرها السياسية، وأن تلتزم هذه الكوادر بأهداف الثورة وبأن الشعب هو مالكها وألا تعود إلى زمن اتهام الشعب بالتقصير بديلا عن نقد الذات الواجب الآن، وأن تدرك أن هذا الطريق طويل، ويتطلب الإبداع في كيفية اختصار الزمن، وليس إهلاكه على غير هدى وفقدان قيمته وإهدار طاقة الفعل في مهام تحريضية وحسب.
ما كان يصلح من أساليب وأدوات في مرحلة هدم النظام السابق والذي اعتمد على حالة الرفض الشعبي لهذا النظام، لم يعد يصلح لبناء نظام جديد خاصة أن الحالة الشعبية الآن هي حالة "الالتباس".
مرد حالة الالتباس الشعبية أن الخصومة مع "الجيش الوطني" ودوره، وعدم القبول بأي تفسير يفصل بين أداء المجلس العسكري بصفته السياسية في إدارة الدولة وبين الجيش، أدى إلى انحياز لصالح البدلة العسكرية دون مناقشة لمضمون الأداء. وإطلاق البعض لكلمة العسكرتارية وجمعهم للتاريخ من ثورة 1952 إلى اليوم في توصيف واحد هو تعسف مع التاريخ، والذين يفعلون هذا يصطدمون بالشعب الذي جسد له عبدالناصر معاني الاستقلال الوطني والانحياز للفقراء والسعي إلى العدل، وحديث أولئك عن العسكرتارية لا يقترن به حديث عن أداءات كانت مضادة لثورة 1952 سواء عن قصور في المعرفة أو عن هوى.
ومما يثير حالة الالتباس الشعبي هو ما اتسم به أداء الإخوان وحزبهم والتيارات السلفية، فالحالة الشعبية لم تضعهم بالأساس في المعسكر المضاد للثورة، ولكنها رأت فيهم جماعة "التقوى"، واستبدلوا "الفرعون الأب الإله"، "بالدينيين" الرحماء الذين يخشون الله في أمر الشعب. وحل هذا المعني لغياب البديل، فسلم الشعب أمره إلى اعتقاد يعتمد على الفطرة أكثر من اعتماده على العقل.
إن جملة مكونات المناخ المصري الآن تفرض البحث عن بديل يملك الرؤية، وقادرا على الحشد، ويحفر لنفسه مكانا في المجتمع، وإن لم تجده، تصنعه مهما كان الثمن والجهد اللازمين لإتمام ذلك.
بديل يوقف حالة السيولة في الكلام ويحولها إلى فعل.
بديل يتحرك في الواقع وليس الميادين والشوارع وفقط.
بديل يدرك أن الشعب مصدر القوة، وأن دخول القوى الاجتماعية في المعادلة هو السبيل لإعادة التوازن.
بديل يفصل بين الحساب على الأخطاء والخطايا ووضعها في حجمها، وبين إهدار عناصر القوة في المجتمع.
معركة الدستور القادمة ستكشف حقيقة المضمون للتيارات السياسية، ولكنها ستكون وبالا على الشعب إن هي تغاضت عن المكونات الاجتماعية والثقافية والحضارية للمجتمع.
ومعركة انتخاب الرئيس هي استطراد لمسيرة الإجراءات الكاذبة، فانتخاب الرئيس لا يعني الدولة المدنية، بل سيجري استبدال جديد للخصومة.
وتأجيل المحكمة الدستورية للفصل في دستورية قانون انتخابات المجالس النيابية، هو مقامرة حيث تجب الجدية والحسم.
تتزاحم الأقدام على الطريق، وتغير الأهواء من اتجاهاتها، تتصارع ولا تضع الشعب في الحساب، متناسية درس التاريخ بأن من يسقط الشعب من الحساب يسقط من كل حساب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4815
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3354
| 23 سبتمبر 2026