رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أحد شروط القيادة الناجحة أن تواكب قراراتها وحركتها وعي الجماهير لا تسبقه ولا تتخلف عنه، وهذا ضمانة عدم وجود فراغ وعي أو زمن بينهما، لأن أي فارق في الوعي أو التزامن يؤدي إلى اختلاف في اتجاه الحركة وقد ينجم عن هذا الانحراف عدم تحقيق الأهداف وخلل في إدراك كل منهما للآخر.
هذا ما حدث في ثورة يناير، وأدى إلى حالة من استبدال الخصومة، وتصورات عن تربص متبادل، وسقط الحوار إلى مستوى اللغط غير المنتج، ووصل أحيانا إلى بذاءة في التعبير.
تردد تعبير "التباطؤ إلى حد التواطؤ" توصيفا لحالة تخلف لدى متخذ القرار وإدارة الحكومة عن وعي الجماهير وإرادتها، وتزايد اتساع الفارق الزمني بين مطالبات الجماهير وتحرك القيادة.
طوال الفترة الانتقالية كانت القرارات تتخذ على نحو من الاستجابة بالشكل لمطالب جماهيرية خلال زمن يوحي بأن أسلوب التعامل هو نفسه أسلوب النظام السابق في الاعتماد على الزمن كوسيلة للتخلص من المطالب ودون عزم تحقيقها، وفي المرة الوحيدة التي سبقت فيها إدارة المرحلة المطلب الجماهيري كان تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، ورأى قطاع عريض من الجماهير أنها التفاف على الثورة وتحويلها إلى حركة مطلبيه.
والمرحلة التي تمر بها مصر يكاد ينطبق عليها تعبير "أوراق الورد الجافة". نعم هي أوراق ورد جرى تجفيفها، تبدو متماسكة، ولكنها هشة تستطيع أن تسحقها بين أصابعك بلا جهد، يملأون بها آنية بالمنازل ولا يتجاوز أثرها تحريض الخيال إلى توهم ما كان من صورة للورد، مجرد ذكرى لجمال الزهور اليانعة، زهور تجاوز نضجها إمكانية تجاهلها، ولكنها لم تجد من يرعاها ويجدد حياة اللون والرائحة فيها، فاستعاض عن فقدان القدرة على الرعاية، إلى إنهاء الحياة فيها بتجفيفها.
سياسة "أوراق الورد الجافة" هي الحاكم للعلاقة بين الثوار ومصدر القرار السياسي بعد الثورة، حيث نهج التجاهل والتعامل بالعنف أحيانا وتشتيت الانتباه عن القضايا الأساسية للمرحلة الانتقالية، هي سمات التعامل رغم تكرار كلمة الثورة دون المضمون.
تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن "التحالف العرفي" بين مصدر القرار والأحزاب والجماعات ورأسمالي النظام السابق، وهو تحالف تتباين نواياه وغاياته، ولكن أطرافه تدعي أن مرجعيتهم وهدفهم الثورة، ويحيا الشعب صراعاتهم ويدفع ثمنها إحباطا ومن أمنه.
وفي ذات المقال تحدثنا عن "الهروب للأمام" بادعاء قضايا جانبية تشتت البصر، هروبا من تبعات ومسؤوليات الفترة الانتقالية.
وحذرنا من استبدال الخصومة في كونها خصومة مع أعداء التغيير، إلى خصومة مع المجلس العسكري دون تجاهل مسؤولياته عن بلوغ هذه المرحلة. وحذرنا من احتمالات الانفجار.
كشف الإعداد للانتخابات القادمة لمجلسي الشعب والشورى الفارق بين تحمل مسؤوليات المرحلة الانتقالية المباشرة والتي كان واجبا لها أن تشغل بال المجلس والوزارة والأحزاب، وبين إدعاء الولاية على الثورة والهروب من هذه المسؤوليات إلى تمكين للأحزاب من نتائج العملية الانتخابية قبل إتمامها.
وقد أكون خارجا عن تغريدات الديمقراطية التي تصدح بها البلابل والغربان معا في مصر، ولكنه رأي أرى استمرار الحديث عنه ضرورة للامساك بحقيقة "أن تجفيف أوراق الورد" تجري بإسهام من كافة الأطراف خاصة هذه الأحزاب التي تشكلت قبل وبعد الثورة. وغير ذلك مشهد الهرولة المتتابع ممن أعلنوا نيتهم في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية. كل هذا كان بديلا عن مهام الثورة في المرحلة الانتقالية وكان واجبا أن تقوم بها سلطة الثورة، وليست تلك السلطة المدنية المصنوعة وفق أهواء طالبيها، وتحت إرهابهم أنهم إن لم يحصلوا على هذه المطالب فسيشعلون الأرض نارا، والاستجابات التي تصدر عن المجلس العسكري تعني أن هناك توافقا لمنح السلطة إلى طالبيها، دون مبرر من حقيقة على الأرض أو حق من ولاية على الثورة، وتجاهل كامل للشعب صانع الثورة وصاحب المصلحة الحقيقية للتغيير.
هل تنكر الأحزاب أيا كان دورها قبل الثورة أو بعدها أنها لا تمثل كل الشعب وأن نسبة أعضائها لا تتجاوز 5% من تعداد الشعب؟
وهل تنكر الأحزاب التي عايشت النظام السابق سواء عارضته أو توافقت معه أن اتجاهها كان دائما للطلب من الحاكم دون خوض أغلبها معارك الشعب الحقيقية في مواجهته؟
كيف ترضي الأحزاب التي تدعي أنها تعبر عن الشعب إلى السيطرة على 100% من مقاعد مجالسه المنتخبة بالقائمة النسبية وهي لا تمثل أكثر من 5% من مجموع الشعب ولا تمثل أكثر من 8% من مجموع الناخبين؟
ولماذا تتغافل الأحزاب أن أعضاء من الحزب الوطني المنحل قاموا بتشكيل 7 أحزاب تضمهم على الأقل؟ ويعودون لربط المقعد الفردي بين مطلبين، الأول أن يكون لهم الحق في الترشح عليه لإعدام فرصة غيرهم في الترشح؟
وتحت مقولة إن المقعد الفردي باب خلفي تسلل أعضاء الحزب المنحل إلى المجالس النيابة تغاضيا عن قانون العزل السياسي وعن الأحزاب السبعة التي شكلها أعضاؤه، بل حضر بعضها الحوار الذي عقد مع رئيس الأركان.
وتحشد الأحزاب والقوى مظاهرات تحت عناوين أخرى قد تكون محرضا ودافعا للاحتشاد، مثل قانون الطوارئ والمحاكمات العسكرية والمعتقلين وحق الشهداء والمصابين وتضيف مطالبا لم يعلن المجتمع أنه قبل بها باستفتاء، ولا يمكن الارتكان إلى صمت الشعب بأنه قبول، فصمت الشعب قد يكون تربصا بهم وكفرا بأنانية تحكمهم. أليس ذلك كله هروبا للأمام؟
ولماذا لا ترصد الأحزاب المطالب الفئوية وما ترتب عليها من إضرابات واعتصامات وحتى التجريم الذي نص عليه قانون يصمها بتهديد الوطن والإنتاج تركته الأحزاب دون إلغائه؟
هذا الرصد يدفعنا إلى سؤال جاد، لماذا نجرم المطالبات الفئوية والتي تعبر عن قصور في إدراك احتياجات الشعب، ونتحاور مع المهددين بالدم إن جرى إصدار إعلان المبادئ الدستورية أو تحديد لكيفية تكوين اللجنة التأسيسية لوضع الدستور؟ وينعمون على الوطن بوثيقة عرفية أن نيتهم أن يأخذوا هذه المبادئ والشروط في اعتبارهم! يقننون لأنفسهم وعلى هواهم ما يشاءون ويتعهدون شرفا بما لا يرغبون أن يكون محددا لإطلاق يدهم دون رادع في تقرير أمر المستقبل، ويحكمهم وهم أنهم وحدهم أصحاب الولاية.
وتمثل حقيقة مريرة في واقعة ميناء السخنة وإضراب العمال (6000 عامل)عن العمل لأن شركة دبي للحاويات لم تنفذ اتفاقا بينها وبين العمال وبحضور الجيش تم في شهر مايو الماضي، والسؤال من تحرك لحماية حقوق العمال هل هي الأحزاب أم الجيش؟ والإجابة أن المنشغلين بالقفز على السلطة تركوا العمال والذي قام بحسم الأمر لصالح العمال هو الجيش. فأي شعب يمثلونه؟ أم أن قضية السخنة بعيده جغرافيا عن وعيهم وعبئا على تطلعاتهم؟
أشار تقرير للكونجرس الأمريكي عن عملية الانتقال في مصر بعنوان "وجوه جديدة ومشاكل قديمة" والحقيقة "وجوه أنانية بشعة ومشاكل لا تجد فارسها".
دعا المجلس العسكري 13 حزبا فقط من جملة الأحزاب القائمة، وكانت الدعوة هذه بابا للانقسام بين الأحزاب. وخرجت الأحزاب باتفاق مع المجلس لتجد أعضاءها من الشباب رافضون لما جرى الاتفاق عليه، وتوالي انسحاب الأحزاب من التوقيعات على الاقتراح بوثيقة النوايا تلك، هزل في موضع الجد.
وتتجاهل الأحزاب الحالة التي وصل إليها الشعب والشباب منه خاصة، من اعتقاد أن الثورة قد سرقتها الأنانية ومجرد التطلع للسلطة، ولم يحاول أحد منهم أن يتواصل مع الشعب بحوار يبني ولا يخصم، وكل همهم أن يمارسوا الدعوة لأنفسهم متجاهلين الكم الأكبر خارجهم من الشباب والشعب، فهل ستستمر "جريمة تجفيف أوراق الورد"، وإشاعة الكآبة من حول الشباب الذي خاض معركة الثورة بين 25 يناير وحتى 11 فبراير، ولماذا يجري إذكاء روح الخصومة بين المجلس العسكري وبين الشعب؟
وسط ذلك كله تلوح إضاءات يجب أن يدركها الشباب ويعي في دلالاتها أن تغييرا بطيئا يحدث لأن الحشد جزئي ولم يصل إلى المجتمع كله، وتتمثل في واقعة ميناء السخنة التي أشرنا إليها، وفي تكليف صدر إلى هيئة قضايا الحكومة بمراجعة عقود الشركات التي جرى تخصيصها، وتتمثل في ذلك الحوار الدائر بين العمال ووزير العمل أحمد البرعي والتداخل المستمر لكمال أبو عيطة في قضايا العمال واعتصاماتهم وتحقيق أغلب المطالب العمالية، وآخر هذه الاضاءات موقف وزير الري الدكتور هشام قنديل من قضية الحراسة على نقابة المهندسين لمدة 16 عاما وانضمامه لمطالب المهندسين وتشكيلة للجنة لاستلام وإدارة النقابة، هذه الاضاءات تقول إن الأمور تتحرك جزئيا وببطء، وهو ما يعني أن حركة الثورة تتم الآن بقاعدة كل في مكانه، وهو في حد ذاته جديد من بعد الثورة، ولا يستطيع أحد أن يقدر ماذا إن تصاعد؟
لا أعتقد أن عاقلا يرى أن نقد حالة الأحزاب ومطالبها وحركتها هو تحريض عليها، ولكنه بالأساس دعوة لها لأن تستعيد الرشد وتستعيد علاقة صحيحة مع الشعب وقضاياه، ولن أقول أليس فيكم رجل رشيد، ولكنني أقول أفلا تعقلون؟!
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
150
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
102
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
99
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4698
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4338
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1518
| 13 مايو 2026