رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الثورة تدخل مرحلة الكادر "الغائب"

فرق جوهري بين التغيير والإصلاح، التغيير انقلاب على القوى المكونة لسلطة المجتمع وتجريدها من السلطة والاستيلاء عليها، والتوجه لبناء المجتمع بانحياز جديد، وهنا يكون الواجب الرئيسي لعملية التغيير هو إزالة كل القوانين الحاكمة لصالح النظام السابق، والذي حدد بها أطر المجتمع لصالحه، وبالأساس منها الدستور، والتحول إلى دستور جديد يعبر عن الحالة التي انقلب إليها المجتمع والقوى صاحبة المصلحة في التغيير. أما الإصلاح فهو مجرد تغيير في طبيعة العناصر المكونة للآليات في ذات المجتمع بغرض "التحسين" أو "التجميل" وليس "التغيير". التغيير بالثورة لا تحده لجاجة القول والموقف، بل هو أقرب إلى الإعصار يقتلع القديم من جذوره ولا يتعامل معه بيد رخوة ولا بقلب حنون، تحت دعاوى الحقوق فيما يسمى بالمحاكمة العادلة، ولا يتساوى في نظر الثورة الثائر والمناهض للثورة، ولا يمكن أن تكون الإجراءات الجنائية في المحاكم هي سبيل إطلاق سراح أعداء التغيير، ويتلقفهم أصحاب المصالح في النظام السابق بالاحتفالات، فوجودهم مطلقي السراح في المجتمع، يعني أن عصابات ما قبل الثورة سيمتد بها العمر بعض الوقت. والثورة لا تتحول إلى حكومة وأحاديث على شاشات التلفزيون والصحف إلا بعد استقرار عملية التطهير ووضوح معالم الجديد المنشود، ولا تقبل الثورة، بمنطق أنها ثورة، لا تقبل لطم الخدود وشق الجيوب من حولها، بحثا عن استقرار مزعوم يعنون به عودة الأمور إلى ما كانت عليه، والثورة لا تفوض أحدا من خارجها للولاية على أمرها، وإن فوضت فهي لا تمنح من فوضته حق التنازل عن التفويض لآخرين من مكونات النظام الذي جرى الانقلاب عليه. والثورة تنتحر إن اعتقدت أنها تحولت إلى أداء سياسي قبل استكمال مهامها وتحقيق أهدافها، هي موجة هدم، وتطهير وتسوية ثم بناء. تجاوزت الثورة بمظاهرات الملايين من أبناء الشعب كل المتوقع، أو خيال المشاركين أنفسهم وعلى حد تعبير واحدة ممن شاركن في التظاهرات قالت " أنا لم أعاصر ثورات سابقة ولم يكن ونحن ذاهبون إلى المسيرات وقبل أن نعلم حتى أنها ستتجه إلى التحرير لم نتخيل أنها ستأتي بهذه الثمار لذلك فإن حالة التخبط الحالية تعتصر قلبي فتارة تتحول الثورة بما تعني وما تحمل مجرد لفظ تلوكه الألسن على الفضائيات ويتبارى الضيوف في الإدلاء بدلوهم في مشهد بالنسبة لي حزين..... لأنهم يفرغونها من قدسيتها... وكأنني أرغب أن أقول... فليصمت الجميع في محراب الثورة ولتتحدث شرعيتها". واقتطع كل على حسب وعيه وإدراكه هدفا أو جزءا من هدف أو حتى كما قال صديق "مشوارا" من "مهمة". وإذا انجرف العديد وراء ترشيحات للرئاسة وتركوا أمر بناء الدولة دون مشاركة، فهناك بعض آخر اتجه للبحث عن ترشيحات المجالس النيابية، وانطلقت قاطرة الإشهار للتنظيمات الدينية من حزب للإخوان وحزب يدعو إليه السلفيون وثالث يسعى إليه الجهاد، وصار ديدن التيارات الدينية مجرد البحث في عملية الوجود والسيطرة. وأصبح المطلوب جهدا شديدا للحيلولة دون نجاح محاولات القرصنة الجارية الآن لاختطاف الثورة. هكذا انتقلت الثورة من حالة الحشود المليونية ذات المطالب المحددة، والتي يمكن الإجابة عنها "بنعم" أو "لا"، وبالتالي يمكن قياس النجاح من عدمه، إلى حالة التعامل مع آثار غياب التصور المستقبلي للبلاد الذي لم يمتلكه أحد قبل 25 يناير، ولم يعرض له أحد بعد 11 فبراير 2011، ولكن كل ما يواجهه المجتمع الآن هي محاولات للسيطرة، والاستيلاء على الثورة، ودفع الحالة إلى الانتخابات البرلمانية تحت دعاوى الديمقراطية، ويتبدى هنا طبيعة الفراغ الذي تعاني منه الثورة، غياب القيادة والتنظيم، وواكب هذا انهيار منظومة الأحزاب السياسية التي كانت قائمة، وربما أن حزب الجبهة تجاوز الانهيار لكنه لا يمثل القدرة على استيعاب الثورة واحتياجاتها. والحزب الناصري تمزق إلى معسكرين وكذا كل من الوفد والتجمع، ولم يبق في الساحة غير جماعة الإخوان والجماعات الدينية، خاصة أن البناء المرتكز على السمع والطاعة، يحول دون أن تمس أعضاءه رياح التغيير، ولكنها تركتهم في ذات الأردية البالية التي لا تملك حديثا عن المستقبل، بقدر ما هو حديث الولاية وبإرهاب السمع والطاعة. وليس أكثر دلالة على ذلك من صراع الشيخ حافظ سلامة على مسجد النور بالعباسية، وانتقل رجل المقاومة إلى صراع الملكية، وتخرج مظاهرات تبحث عن كاميليا ورفيقة لها يقولون إنهما أسلمتا وأن الكنيسة تعتقلهما، وهكذا أطلقت الثورة العنان لحركات دون الوعي بمعنى الأمة أو التغيير، ولكنها غياهب أفق مظلم وبلا نضج. وذهب الأمل بالبعض أن يجد في العمق العربي بديلا مأمونا للبنك الدولي وصندوق النقد لتمويل عجز الميزانية في مصر، وقد يكون هذا ما دفع رئيس حكومة تسيير الأعمال إلى القيام بجولة ببعض دول المشرق العربي لبحث هذا الاحتياج، وعلى النقيض من هذا تتردد أقوال في مصر أن تمويلا بلغ مقداره 2 مليار دولار وفرته جهات سعودية لدعم الحركات الدينية في الانتخابات النيابية القادمة. صورة "دوريان جراي" التي كتبها أوسكار وايلد منذ 120 عاما، معبرة عن تشوهات ألمت به نتيجة أفعاله الشيطانية هو ما نطالعه يوميا في الإعلام والحوارات والاختلافات والادعاءات، الكل صار يحمل ذات السمت، "صورة دوريان جراي"، ووسط هذه الأشكال والأبنية والتجمعات المشوهة، تبرز الحاجة إلى "كادر الثورة"، الذي لا يذهب بعقله نشوة فوز وتستفز إرادته تحديات الفرز والانتقاء والبحث عن الطريق والسعي بإستراتيجية وطن تحددت عبر سنين نضاله، وليست محل انتقاء اختياري يقوم به أدعياء، عاشوا على آلام الوطن واستخدموها وظلوا في خندق معاد له، ولا يعنيهم إلا أبنية خاصة بهم، ولا ينشدون في نمو الوطن إلا حاجاتهم الخاصة. وتصبح المهمة الانتقال من "دوريان جراي" الذي شوهته الأفعال والنوايا الشيطانية، إلى "كادر الثورة" الذي يملك قدرة الحفاظ على الزخم، والوعي، والأهداف، والارتقاء بها عبر كل المواجهات المفروضة عليها. هي لحظة مواجهة الحقيقة كاملة وبلا مواربة، لأن ما تم هو جهد شعب تجلى في أروع لحظات عمره، وصنع بعرقه ودمه وصبره واحتشاده مشهدا لن يستطيع أحد التنكر له، ولا يجب أن ندعه لأحد لينقلب عليه، أيا من كان هذا الأحد، وأيا ما كانت مرجعيته، أو وظيفته. نحن الآن أمام لحظة مواجهة النفس، ولتكن الصراحة في مستوى الفعل الذي تم، أنتم أيها السادة، جميعكم تنقلبون على الثورة، ولا أستثني منكم أحدا. الثورة لا تنتظر القبول بها ولا بإرادتها ولا بأهدافها من أعدائها، الثورة تصنع عالمها، وتفرضه برجالها. احتياج الثورة إلى الكادر لا يعني أنه موجود، وإن وجد منه شيء، فهو غير منظم، وإن حاول التنظيم، فخبرته والمهام التي يواجهها والزمن المتاح أمامه، وحالة الأبوية المفروضة عليه من المجلس العسكري أو من حكومة تسيير الأعمال، كل هذا يفرض أن نمسك جمرة الحقيقة، أن الثورة مهددة بالضياع بالأسلوب الجاري التعامل به في اتجاه كافة مهامها ومن كافة الأطراف. وهنا تتجلى المعادلة الصعبة ومكوناتها كما يلي: 1. الثورة تدخل مرحلة الكادر، والكادر غائب، وإعداد الكادر يحتاج إلى رؤية وبرنامج إعداد ووقت. 2. أن المهمة الرئيسية للثورة واضحة وجلية، وتتمثل في العقد الاجتماعي الواجب أن يتم بين قوى المجتمع، وهو لا يعني بالضرورة زمنا بغير حدود، ولعل تجربة تجرى الآن نجحت في تجميع قرابة الـ4000 من القيادات السياسية والكوادر من كافة التيارات في مؤتمر مصر الأول والذي اقترح فكرته الدكتور نور فرحات وتلقفته لجنة تحضيرية ونجحت في زمن لا يتجاوز الشهر في إعداد أوراق، وحشد هذا العدد، وهو تجربة عملية تؤكد إمكانية عقد الجمعية التأسيسية، وتوفير أوراقها، وأن تتسع لتشمل رقعة تمثيل شعبي ونقابي وسياسي أوسع، وهذه التجربة تدحض أن الأمر يحتاج زمنا بلا حدود. 3. أن هناك تجاهلا متعمدا من المجلس العسكري لهذه المهمة الرئيسية، وهو الأقدر من الجميع على إدراك الحالة الأمنية واحتياجاتها، وما يمكن أن يترتب عليها حال الذهاب إلى مجرد انتخابات نيابية ورئاسية. 4. أن صاحب القرار هو الشعب الذي وصل بكل الأطراف إلى ما هم عليه الآن، والشعب الذي فاجأ الجميع بإرادته وحشوده، يمكنه أن يعود من جديد لأداء ذات الدور لاستعادة الوجود. إن أي تصور يحاول أن يلتف من حول أهداف التغيير في هذه اللحظة، يفتح الباب أمام موجة أشد رسوخا مما سبق، وأكثر احتشادا، ولكنها قد تحمل داخلها مخاطر مواجهة لسنا في حاجة إليها. نعم الكادر غائب، ولكن أمامنا 120 يوما حتى وقت الترشيحات للانتخابات النيابية، وقد تكون هي فترة كافية لإعادة الاحتشاد المليوني دون التنظيمات الدينية، وإن اقتنعت هي من بعد ذلك فلا مانع من انضمامها، وإن كانت كافة المؤشرات تؤكد على أنها تنحاز لذاتها ومصالحها الضيقة دون مصلحة الوطن. وهي فترة يمكن إعداد الكادر خلالها، ومن خلال عملية الإعداد يتم اكتشاف الجديد الذي تحتاجه المجالس النيابية، واختبار تربة الوطن البشرية، والتي لم يكن العديد من النخب السياسية قادرين على تقدير مخزون التمرد والرفض والإرادة لدى الشعب، وهي معركة ظللنا في إطارها حتى أبانت الأحداث معنى "أن إرادة الشعب جزء من إرادة الله". وهي أيضاً فترة للحوار مع المجلس العسكري، ويكفي الحكومة أن تدير الأعمال وألا تزيد الموقف خبالا واضطرابا.

465

| 03 مايو 2011

حكومة تسويف الأعمال!

تبدت الحاجة إلى وقفة موضوعية مع حكومة تصريف الأعمال، لا نراجع أعضاءها كأفراد ولكن نتجاوز ذلك إلى القرارات، فلا تنابذ بعد الثورة، ولكنه اختيار حر إذا كان المناخ صالحا، ويعبر عن نفسه بالرفض والقبول. تنقسم الناس في قراءة ما يجري حسب حجم ما اقتطعوه من تورتة الثورة. اختار الخالق عز وعلا "شهداء" بلغ عددهم 860 شهيدا، وهم من ربحوا المواجهة من اللحظة الأولى، فقد انتهت حياتهم فوق أرض طاهرة ولهدف نبيل، واجتباهم ربهم دون خلقه أجمعين، وصاروا في رقابنا أمانة ومسؤولية، ومعهم عشرة آلاف مصاب وفقدان البصر هو الإصابة الأكثر انتشارا، وينفي وزير الداخلية القادم لتصريف الأعمال عنهم الشهادة ويتهمهم بأنهم من "البغاة" على الأقسام، وهو ذات وصف نظام المخلوع، ومع ذلك مازالت الشرطة خارج الخدمة، ومازال هذا الوزير في الخدمة. وهناك من هرب من السجن أو أخرج منه بإفراج صحي، أو رفعت الثورة عنه الحظر السياسي ولم يقدم أوراق اعتماده للثورة كي تقبل به أو ترفضه، ولكنهم يتصدرون المشهد ويوزعون الكراسي النيابية، ويكتبون التعديلات الدستورية، ويقودون المظاهرات الطائفية، ويتحركون خارج الاحتياجات الشعبية من حق العمل والمأكل والملبس والمسكن والصحة، إلى امتلاك الأرض وإقامة شرع الله، ومن يناقش الأمر، يوجه إليه اتهام رفض الإسلام ورفض القرآن، إلى هذا الحد بلغ الأمر بهم. يفتقدون لغة الحوار ويرفعون السيف الديني في وجه المجتمع. ومنهم آخرون كما استخدمهم أمن الدولة، عاد فأطلقهم، وكأنهم أصحاب مصر، ويستغلون الانحياز الشعبي إلى الإيمان والتدين، ويقودون أعتى صور الفتنة في زمن تحتاج مصر فيه إلى وحدة كل الشعب لبناء الدولة. وهناك من يسعى في كل دروب المجتمع وتجمعاته للحديث عن معنى الدستور ووجوب تقديمه على العملية الانتخابية سواء لمجالس نيابية أو رئيس، لأن الشعب لم يسترد إرادته لتغتصب منه وتسلم إلى القادمين من المجهول. ويتردد في الأجواء تساؤل عادل هل ما نحتاجه رؤية وطنيه جديدة، استراتيجية وطنيه، أم فقط دستور، أم نذهب لانتخابات نيابية تكتب نهاية الثورة، وتعود بنا إلى التكتلات العاجزة عن امتلاك تصور مستقبلي للدولة التي نريدها، ومكوناتها الاجتماعية وطريقها الاقتصادي، وهذه التكتلات ذاتها كانت من ضمن الأسباب التي أفضت إلى الفساد بعجزها عن مواجهته، واستدعت الثورة. ورغم أن عدد الأحزاب التي أعلن عنها محدود، إلا أن هناك عشرات من التجمعات تنتسب اسميا إلى كلمات (الائتلاف ومشتقاته، والشباب، والثورة دفاعا أو دعما، والي حقوق الإنسان)، وهي في غالبيتها محاولات أوليه لا تتضمن تصورا، وتحتاج إلى زمن للإنضاج من حيث الكادر والرؤى السياسية، وهذا التعدد والتنوع يؤكد على عدم قدرة المتاح والمقترح من أحزاب على احتواء الجموع الراغبة في المشاركة السياسية. غير أنه أيضاً يشي بأن ثقافة الهروب من المهام السياسية والتزاماتها تسود، وتتزايد نغمة الخدمات الاجتماعية. أفق مضطرب يحده الرهبة والرغبة في المشاركة والعجز عن تحديد الأولويات. وتشهد مصر حركة دائبة من منظمات أمريكية وأوروبية، وتسعى المنظمات في دروب تذكرنا بوقائع التقارب المصري الأمريكي نهاية السبعينيات وانتشار الباحثين الأمريكيين في كل ربوع مصر فيما أطلق عليه "وصف مصر بالأمريكاني"، وكأننا الآن أمام محاولة لتفسير الثورة ووقائعها بالأمريكاني، في محاولة منهم للحاق بما فاتهم نتيجة للمفاجأة والسرعة والحسم مما أدي إلى إسقاط النظام على عكس كل التوقعات الغربية والصهيونية، وهي أيضاً محاولة لتشكيل عقل المجموعات العاملة في المجتمع، وبإمكانات عالية، وبتمويل سخي، وعبر لقاءات تجمع الشباب في فنادق النجوم الخمس، ولأيام ست، ولتدريبات عقلية بالأساس، في غياب لأي جهد وطني مناظر، أو متابعة دقيقة لأهداف هذه التحركات. الآن تتجلى أزمة غياب القيادة وغياب التنظيم، وأن الثورة كانت عابرة لقصور النخب التي لم تستوعب بعد عمق الثورة التي تمت. وتجاوزت أحزاب التشتت، التي فقدت البوصلة. وصارت كلمات الشباب من دون أيديولوجيا متجاوزة رؤى الأحزاب والتيارات السياسية، ولم يرق من هذه الكيانات المهترئة أحد إلى مستوى الرجل القادم من وكالة الطاقة الذرية والذين اتهموه أنه كان بعيدا عن الوطن وجراحه، وكأنهم يرددون أغنيات المواسم الانتخابية بذات إيقاع إعلام النظام المخلوع، جاء الرجل وتحدث على النقيض منهم جميعا عن العدل الاجتماعي والاشتراكية الديمقراطية وضرب مثلا بالنمسا. ورغم هذا مازالت أوجه البهجة المستعارة من النظام المخلوع وخدامة يصارعون الحقيقة ويعرضون أنفسهم عبئا على الوطن. هذا التعدد قد يراه البعض طبيعيا، لأن الجميع لم ير وقائع ما جرى بذات القدر من الوضوح، وعليه تباينت درجات الوعي بمتطلبات التغيير. وإذا كان هذا مقبولا بين الشعب، فكيف به إن أصاب حكومة تصريف الأعمال؟، والذي كان وجودها محل صراع طويل على مدى 55 يوما منذ رحيل الرئيس المخلوع حتى إعلان هذه الحكومة برئيس وزراء ممن اقترحتهم إرادة الجموع المحتشدة. للحكومة صورتان إيجابيتان إحداهما يديرها وزير الخارجية، وتبدو الخارجية كأنها تستعيد عافيتها لأنه رجل يعرف قيمة وطنه ويملك رؤية لمكانة هذا الوطن ودوره والمخاطر التي يواجهها. والصورة الاخرى إعلاميه إعلانية، وبطلها هذه المرة رئيس الحكومة، الذي يفطر في مطعم للفول، ويحمل الحذاء لامرأة دخلت مكتبه وخلعته على الباب ويطلب منها أن ترتديه، ثم يحمل تحية إلى القبائل في سيناء من ابنه المجند بالقوات المسلحة. وعدا ذلك نجد الوقت يضيع من بين يدي الحكومة دون أن تحقق مهام المرحلة الانتقالية، والمهمة الرئيسية أمامها هي توفير مناخ سياسي عام يفتح أفقا أمام قوى المجتمع للإسهام في مهام البناء، وهذا المناخ يتطلب إصدار تشريعات وبناء آليات الحوار المجتمعي، ويتطلب حالة من الأمن تتيح لذلك كله أن يتحقق وينتج رؤية وطنية يتم التوافق عليها، ويجري وضع الدستور الوطني على أساسها. ورغم وضوح هذه المهمة، إلا أن الحكومة لم تنجح في شأنها، سواء بتشتت المهمة وحاجاتها بين الحكومة والمجلس العسكري، أو ضياع المهمة داخل الحكومة ذاتها على يد كل من نائب رئيس الحكومة ووزير الداخلية. فقد وزير الداخلية القدرة على إعادة بناء جهاز الشرطة، لأنه بالأساس قرأ ممارسات الشرطة بعقلية النظام المخلوع، وتدخل في حكم الله عندما أعلن أن من استشهد أمام أقسام الشرطة ليس بشهيد ولكنه بغي. ولم يملك شجاعة محاسبة من اقترف جرائم القتل من أفراد الجهاز، ومارس الالتفاف والخداع في موقفه من جهاز أمن الدولة، ولم يتخذ منحى علمي لإعادة البناء، حتى أن خبراء أعلنوا أن إعادة بناء جهاز الشرطة بذات العناصر غير ممكن. ولم يعلن رئيس الحكومة موقفا من الوزير ولا مهمة إعادة البناء، بينما الشارع يفتقد الأمن لغياب الوزير ورجاله عن أداء مهامهم. ورغم الحاجة إلى الحوار المجتمعي حول آفاق المستقبل تحضيرا للدستور الوطني، والذي ليس مجرد صياغات قانونية، ولكنه توافق إرادي بين قوى المجتمع، إلا أن وضع نائب رئيس الحكومة على رأس هذه المهمة أدى إلى قتلها قبل أن تولد، ووقف النائب مطالبا بالتصالح مع النظام الذي أهدر مصر مكانة وثروة ونشر فيها الفساد، وتزعم بيع الكرامة الوطنية وحق المجتمع فيمن أجرموا وافسدوا، مقابل استرداد الأموال المنهوبة، وعندما وجه إليه النقد، أعلن "أنه كالطود" ولن ينال منه أحد، ويسرب النائب أنه مكلف بإعداد دستور مصر الجديد ورئيس الحكومة كأنه لا يرى ولا يسمع. وتقع الحكومة في فخ تغييرات المحافظين، ويصورها البعض أنها تسلم المحافظات إلى محافظين من النظام المخلوع رغم تغيير 22 محافظا، وتبدو حركة المحافظين ككمين نصب لاصطياد الحكومة وهي "لا تعرف" ماذا تفعل. فأول خطأ وقعت فيه الحركة أنها نقلت محافظا من الإسماعيلية للفيوم، ثم ألغت تعيينه نهائيا بمجرد أن خرج من لقاء المصافحة مع رئيس الحكومة، ليقدم بعد ذلك إلى التحقيقات بتهمة الإضرار بالمال العام، وخرجت مظاهرات ترفض محافظ قنا، وتعجز الحكومة عن مواجهة الأزمة وتستعين بمشايخ الفضائيات لإيجاد حل مع الجماهير هناك، وكأنها وزارة تسليم الدولة المصرية بعد الثورة إلى مشايخ الفضائيات. وتبلغ وقائع التسويف الذروة في أمر ترشيح مصطفي الفقي لمنصب أمين الجامعة العربية، وموقفه من العلاقة مع صندوق النقد الدولي. في الثورات لا يأتي من النظام المخلوع من يرشح نفسه رئيسا أو من يرشحه نظام ما بعد الثورة لمنصب إقليمي، فلو أن الذي يحكم هو نظام الثورة لتم تقديم كل من عمرو موسي ومصطفي الفقي إلى محكمة الثورة بتهمة الإفساد السياسي، ولكن حكومة "تسويف" الأعمال تقبل بهما رغم الثورة، فارق الوعي والانتماء هو مبرر الخلل، وليس من العدل أن نرشح للجامعة العربية شخصا لا نأتمنه في وطننا على شئ. واتفق وزير المالية وصندوق النقد الدولي أن مصر تحتاج 12 مليار دولار، وذهب وزير المالية لاجتماعات مع الصندوق، وعاد دون إعلان حقيقة ما جرى من اتفاق أو اختلاف، رغم الإدراك العام أن سياسات الصندوق عالميا هي منبع الخلل، ولم تعرض الحكومة استبداله بتمويل اقتصادي عربي أو دولي مثل روسيا والصين، أمر آخر يضاف إلى مشاكل حكومة التسويف ووزرائها. هكذا الأمر في مصر الآن، تفرق حول أطماع في أنصبة من تورتة الثورة، وحكومة تسويف لم تنجح في شئ، ووجب مراجعة أمرها: هل نقبل باستمرارها في التسويف، أم نغيرها بدلا من استمرار سياسة الترقيع. فهل تدركنا مليونية تغيير الوزارة قبل إعدام الثورة في الانتخابات النيابية؟

578

| 26 أبريل 2011

الثورة والدستور ومخاطر البلطجة

ما يجري في مصر هذه اللحظات تصعب ملاحقة أحداثه فضلا عن تفاصيله التي أدت إلى تجريف للنظام السابق بكل أركانه من أشخاص ومؤسسات، وهو يفرض تحديد موقف من التغيرات والتباديل في التكتلات والقرارات والإجراءات التي جرت على مدى زمني طويل، وكادت أن تقسم المجتمع لو لم يتمكن الشعب من إيجاد قواعد تتناسب مع الجديد الذي يصدمه كل لحظة، من حجم الفساد وتنوعه وشموله لكافة أركان النظام. وعرف الشعب بالتجربة قيمة الاحتشاد واستخدمها. ويتجاوز الأمر مجرد الكلمات، وتتشكل في الواقع مراكز جديدة وتخرج للعيان قوى طال زمن اختفائها في حضن النظام، حتى أن البلطجية الذين استخدمهم الأمن أداة للقمع والقتل، أصبحوا جزءا من القوى الموجودة بالمجتمع ومن الواجب الانتباه إلى أفعالهم. وأكثر الأشياء وطأة، هو ما يبدو على السطح، أن من قاوموا الخروج والتظاهر يوم 25 يناير، هم من يملأون المشهد صياحا وحضورا وأكثر الناس كسبا من وراء الثورة وسقوط النظام. وشهد الأسبوع الماضي وقائع هدم النظام القديم من تحقيقات واتهامات والقبض على الرئيس المخلوع وابنيه، ورئيس مجلس الشعب، وتغيير المحافظين، وانتهاء بالحكم بحل الحزب الوطني، والإعداد لإصدار قرار بحل المجالس المحلية، موجات هدم متوالية للنظام السابق، والحوار حول المستقبل في حالة تأجيل مريب. ويتجه الجهد من بعد تحقيق هدم القديم إلى بناء نظام الثورة الجديد الذي خرج لها الشعب متجاوزا حتى تصورات السياسيين والمفكرين. وإذا كانت لجنة "البشري" هي الداء الذي أصاب مطلب وضع الدستور وإحالته إلى لجنة من مائة عضو يجري اختيارها من بين أعضاء المجالس النيابية، وأن دور الشعب وفقا للجنة "البشري" يقتصر على القبول أو الرفض في استفتاء عام، فإن علاج "داء لجنة البشري" يأتي من "تصور البشري" نفسه في كتابه "مصر بين العصيان والتفكك"، وهو تصور لا يمكن اجتزاؤه وهو كُلٍ واحد ويناقض التصور الذي أخذ به بعد الثورة، وتساءل طارق البشري في كتابه "ولكن ما العمل، تعديل الدستور مطلوب جدا، ولكن ماذا قبل تعديله وماذا يصاحبه وماذا بعد؟"، وكل هذا لم تشر إليه اللجنة. ويقول "إن الدستور هو نظام قانوني، وهو يسبغ الشرعية على واقع قائم أو يحسر الشرعية عن واقع ضار، وهو ييسر وجود ما هو مطلوب ويعوق ظهور ما يراد تجنبه، وهو ينظم علاقات التعامل بين ما هو قائم في الواقع من قوى اجتماعية ومؤسسات مشخصة لهذه القوى، ومن كيانات سياسية سواء كانت في داخل هياكل سلطة الدولة أو خارجها". ويصل إلى قول فصل " إن التوزيع القانوني والدستوري للسلطة يعتمد أول ما يعتمد على التوزيع الفعلي للقوى الاجتماعية السياسية ذات التعدد، والتي تكون متبلورة في تكوينات تشخصها وتعبر عنها في إطار إرادات سياسية ومشخصات مؤسسية، تظهر في شكل تنظيمات أو أحزاب أو نقابات أو جمعيات أو كل هؤلاء. وأنا لا أتكلم هنا عما يكفله القانون من تشكيلات، ولكني أشير وأقصد الإشارة إلى ما يكون موجودا في الواقع الفعلي من تكوينات تجمع أناسا بوصفهم قوة سياسية اجتماعية وتعبر عن إرادة هؤلاء المجتمعين وتمتلك القدرة على تحريكهم الفعلي عندما ترى داعيا لذلك. وتكون إرادتها التي تبديها عند الضرورة وحركتها الفعلية التي تقوم بها عند اللزوم، يكون ذلك ذا فاعلية وتأثير في الواقع المحسوس أيا كانت درجته". هذا شيء مما كتبه البشري والذي يفرض به أن الدستور إرادة مجتمعية لا يجوز إحالتها على أي نحو إلى لجنة مختارة من بين ممثلي الدوائر المنتخبين كأعضاء مجلسي الشعب والشورى، الذين ليسوا بالضرورة تعبيرا عن القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة داخل المجتمع، وهذا ما يزيد من الخلل الذي أصاب حركة الثورة وإرادتها عندما تبنى الإعلان الدستوري التصور الذي اقترحته لجنة البشري، ولا يعبر على أي نحو عن إرادة المجتمع، بل هو يسرق إنجاز الثورة ويوجهه على غير هدي إلى المجهول، والظاهر للعيان وما اتهم به البشري ولجنته أنه يمكن تيار الإخوان وحده، حتى أن المتحدث باسم المجلس العسكري نفى هذا عن المجلس في تصريحات صحفية. نظام سابق يتم تقويض أركانه خلال أسبوع، ودستور مؤجل طبقا لمقترحات لجنة البشري ونقيض تصوراته المعلنة قبل الثورة عن الحوار المجتمعي مصدر الدستور. وتنطلق في المجتمع ثلاث قوى وقد أصابتها حالة من التغير، بينما انهار الدور الأمني في المجتمع لجهاز الشرطة، وليس هناك من يناقشه أو يعيد إليه الحياة. البلطجية والإخوان والشباب ويكاد أن تجمع الثلاثة عقيدة واحدة هي أساس التحرك، وهي البلطجة. ورغم أنه ليس كل الإخوان ولا كل الشباب بلطجية، ولكن السلوكيات والمبررات التي يسوقونها تنضوي تحت منهج ومفهوم البلطجة. هذا ما يمكن ملاحظة أنه يستشري كما النار في الهشيم، فالبلطجة المباشرة من مجرمين أو جماعات استطابت البلطجة بعد غياب الأمن أصاب المجتمع بنوع من التوتر، بينما جهاز الشرطة يمارس دوره برعونة دون أي إحساس بالمسؤولية إلى الحد الذي يجري الحديث عن أن ممارسات السلفيين في قنا من قطع الطريق على قطارات السكك الحديدية، هي من صناعة بقايا جهاز أمن الدولة وعناصر تنتمي إلى الحزب الوطني الذي تم حله، واتجه البلطجية لخدمة أنفسهم بعد أن كانوا يخدمون الأمن. ويبلغ الأمر أن يعلن الإخوان: "نسعى لإقامة الحكم الإسلامي وتطبيق «الحدود» بعد امتلاك الأرض"، ودون مبرر لامتلاك الأرض الذي يدعونه، أو أحقية الولاية على المجتمع بتطبيق الحدود، ولكنهم بذلك وصموا أنفسهم ضمنا أنهم يسرقون ثورة شعب جاءوها بعد أن تمكنت من عوامل النجاح الأساسية. هل يمكن توصيف هذا الادعاء "القيمي" بغير البلطجة؟ كيف امتلك الإخوان الأرض؟ أم يعني المتحدث بهذا القول أنهم سرقوا الأرض من تحت أقدام الشعب، أليست هذه بلطجة؟؟ وهل يمكن التغاضي عن قول صبحي صالح إنه لولا الإخوان والجيش لتمت هزيمة الثورة!، وإن كان ذلك كذلك، فلماذا لم يقم الإخوان أساسا بالثورة؟ وكانوا جنبونا كل الزمن الذي انقضى تحت براثن نظام فاسد، ولماذا انتظروا حتى خرج الشعب بكل الإرادة؟ ثم حماية الثورة؟ بأمارة إيه؟ ووعيهم السياسي لا يتجاوز التداعيات التنظيمية لصالحهم، بل إن جريمة البشري تكاد تكشف لهم دورا رديئا عائدا إلى عدم الوعي، وانعدام الانتماء لغير الذات عندما قبلوا بمشاركته ورفضوا الانتماء لوعي الثورة أو حتى نمطية الأداء في وضع دستور ما بعد الثورة وفرضوا رؤيتهم على البشري، أو أنهم جميعا قبلوا بها على غير أمانة الوفاء للثورة. ويطيب لعناصرهم أن يتحدثوا عن أشياء ثلاثة غير ما أعلنوه من امتلاك للأرض: أنهم قضوا من أعمارهم في السجون زمنا، وهم من تحملوا العذاب، وهو أمر لا ينكره أحد ولكن السؤال لماذا تحملتم هذا؟ هل من أجل تحرير الوطن أم من أجل بناء تنظيمكم؟ وأنهم والسلفيون وبقايا الحزب الوطني هم القوى الموجودة بالمجتمع، ويتساءلون وباستعلاء، ومن غيرنا في المجتمع؟ أي أنهم خرجوا من الجماعة الوطنية وحرموا الشباب أيضاً من حقهم في المستقبل. وثالث ما يتحدثون عنه، يطلقون عليه المسكوت عنه، وهو إخراج الجيش من الحياة السياسية، وهو مطلب يعني عندهم الانفراد بالمجتمع. واكتملت الصورة بالانقضاض على ما أعلنوه من مدنية الدولة إلى الحديث عن امتلاك الأرض وإقامة الحكم الإسلامي. وتعرض الشباب لاختبار الوعي عندما هدأت الحركة وكانت الأسئلة المطروحة أعمق كثيرا من مجرد القدرة على الحشد والتظاهر، وتبين أن هناك ندرة في الكوادر، وانتقلت القيادة في بعض المواقف إلى عناصر غير مؤهلة، والبعض منهم يعتمد قاعدة الهتاف في لحظة يجب فيها التفكير والحوار، بل وزاد الطين بلة في بعض المواقف أن عناصر مشبوهة جنائيا انتشرت في إطار خدمات الشاي والطعام وأيضا "الكيف"، ولولا أني شاهدت هذا بنفسي وتعاملت معه لما سجلته حتى نستطيع مواجهته وحماية الشباب رأس رمح الثورة منه، كل هذا مثل عبئا على نمو حركة الشباب، وأدى إلى تشوهات يرصدها المجتمع والمواطنون مما أتاح فرصة لاتهام الشباب بادعاءات الحركة المضادة للثورة. ويتعرض الشباب لمرض النجومية الخطير، والذي صاحبه انقلاب على الأجيال السابقة عليه، وكأنه نبت شيطاني خرج منفردا ومستقلا عن غيره، وزاد الإحساس الذي جرت زراعته داخله بأنه هو الثورة، إلى تزايد حالة التمرد على كل صور الوعي والإدراك بحجة أنها من إنتاج عصور بائدة. ورغم ذلك كله، ما زال مخزون الثورة والوعي عند الكتلة الأكبر من الشباب قادر على الحشد، وقادر على الإمساك بإستراتيجية التغيير وتحويلها إلى مهام. الدستور تتربص به المخاطر، لجنة تضعه بديلا عن شعب بأسره. وانقلاب على الثورة تؤديه وزارة الداخلية والبلطجية ويشاركهم الإخوان والسلفيون، ويتسرب الخطر إلى الشباب عماد رمح الثورة. الخطر الداخلي أشد وطأة من الخطر الخارجي وكلاهما خطر ويجب التصدي له، وعجلة الزمن تدور والأكثرية يستغرقها الثأر والقصاص، فهل آن لنا أن نوقف تداعي سرقة الثورة بإحالة أمر الدستور إلى جمعية تأسيسية للقوى الوطنية بديلا عن مسلسل الانتخابات ولجنة المائة، سؤال يفرض نفسه على إرادة الثورة، ووجب الاحتشاد للإجابة عنه.

958

| 19 أبريل 2011

خطاب الفتنة واستبدال الخصومة

"خطاب الفتنة... من قال لك إننا نبحث عن أموال، نحن نبحث عن وطن، والشهداء الذين قتلتهم خرجوا من أجل حرية الوطن، فكيف قبلت بقتلهم، سيادة المخلوع هذا خطاب الفتنة، والجيش المصري جيش الشعب، وسيبقى والشعب في خندق العزة والكرامة والحرية، انتبهوا هذا خطاب يندرج ضمن خطة هجوم مضاد على الثورة، فليتحد الجميع، من أجل تحقيق أهداف الثورة، وهذه لحظة الوضوح... والثورة". كان هذا تعليقي المباشر عندما استمعت إلى حديث أذاعته قناة العربية للرئيس المخلوع، عندها تداعت صور المشهد جميعها أمامي من ميدان التحرير بالقاهرة عودة إلى الصبي. شيء أعترف به شخصيا، أن الإحساس بالجيش المصري يسري في دمي منذ الطفولة، والأمر ليس وظيفة خلقت هذا الإحساس، ولا إعجابا أضافه إلي، ولكنه عداء للاحتلال وأمل كان يداعب الخيال أن يكون لنا جيش أقوى من جنود الاحتلال البريطاني التي كانت ترتع في شوارع مدينتنا الإسماعيلية، ومن يلتقي بالإحساس بالحاجة إلى الجيش عبر هذا المسار لا تنحرف بوصلته أبدا، بل ويتجسد الأمل في اللعبة التي ننشدها ليست قطارا ولا حصانا، ولكنها دبابة وبندقية، بل ويلحق بك الأهل وأنت صبي تقف بشرفة المنزل تسدد بندقيتك إلى قوات الاحتلال التي تحاصر منزلك ضمن الحي. وضوح في رؤية العدو ووضوح في الموقف منه. وأضافت ثورة يوليو 1952 وما صاحبها من ظهور ضباط الجيش رمزا للثورة، ومن ثم مهرجانات رفع الأعلام في معسكرات الجيش البريطاني بعد رحيله، كل ذلك خلق حالة من التوحد بيني وبين قيمة الجيش، وكما جمعتنا عمليات الفدائيين بحركة المقاومة ونحن نراهم أمام أعيننا وتفصلهم عن الجنود البريطانيين زوايا الرؤية فقط، وجسارتهم على التحرك والتعامل، فقد جمعنا بالجيش أملنا أن يكون مواجها للمحتل البريطاني. واستمر هذا الإحساس رغم هزيمة 67 واستمر مع عمليات الاستنزاف وحرب 73، وكنا غير الآخرين، الذين بلغت هشاشة النفس فيهم حد التهجم والتهكم. وخدمتنا بالقوات المسلحة لم تكن رحلة ألم أو معاناة ولكنها كانت رحلة العمل لتحقيق الأمل الذي تمنيناه. ذلك كله بالإضافة للإدراك العقلي بطبيعة المواجهة التي تواجهها مصر والتحديات الخارجية والأخطار من حولنا، وقيمة ودور الجيش المصري فيها، معبرا عن الإرادة الوطنية في أي مواجهة عسكرية مقبلة يحتاجها أمن الوطن. هذا الانتماء إلى قيمة العسكرية المصرية في حياتنا، هو ما أركن إليه في حق المناقشة لدور الجيش إيجابا أو سلبا، وواجب الالتزام بالموضوعية، فلست منتميا بالوظيفة، ولا بمصلحة مباشرة قد تنقضي يوما ما، ولا بحاجة لحظية لا تدوم، ولكن الحقيقة أنها مصلحة إستراتيجية لوطن بأكمله. وكان الدور الذي لعبه الجيش بقيادته في المواجهة مع النظام السابق وانحيازه إلى مصلحة الشعب، هو أداء يضاف فخرا إلى تاريخ العسكرية المصرية، حتى وإن اختلفنا في بعض التفاصيل أو المعدلات فيما تلى يوم 11 فبراير 2011. لقد كانت كل كتاباتنا تأمل أن يتلقى الجيش رسالة الشعب وإرادته في التغيير، وأن ينضم إلى ثورة الشعب، وهو ما فعله الجيش المصري وبأرقى الصور. وبقدر ما استردت ثورة الشعب المصري زخمها يوم الجمعة 8 أبريل، على قدر ما أصاب مصر ذهول صادم في الثالثة فجر السبت 9 مارس. كثيرون تحدثوا يوم الجمعة أنه يوما من الأيام العظيمة في مسيرة استمرار الثورة، وتجاوز الحشد كل التوقعات، وأعلن الجميع كافة المطالب الباقية، وكان قرارا بحبس رئيس الديوان وأحد الثلاثة المتوقع أن يتلوهم الرئيس السابق وأسرته. إلا أن الثالثة فجرا حملت مفاجأة اقتحام قوات من الجيش لميدان التحرير، وأن إطلاقا شديدا للرصاص صاحب الهجوم وأصيب ما يزيد على 70 شخصا وتردد أعداد المتوفين من فرد إلى ثلاثة، بالإضافة إلى 45 معتقلا يجري معهم التحقيق. وأعلن المجلس العسكري الأعلى "أنه سوف يستمر بكل حزم وقوة وراء فلول النظام السابق والحزب الوطني"، وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها المجلس العسكري بهذه اللغة. وتتابعت وقائع كان يمكنها أن تكون داعمة لوحدة الجيش والشعب لولا أخبار واقعة فجر التاسع من أبريل والتي جرى فيها إطلاق الرصاص. بدا أن هناك تحفزا، ظاهره الحق في الاعتصام أو التظاهر، وباطنه أن شرخا قي العلاقة الضامنة للإنجاز في التغيير بين الجيش والشعب يكاد أن يستعصي على العلاج. فالمجلس العسكري ترجم بيانه وبسرعة، فاعتقل أحد المليونيرات المتهمين بالتحريض سواء يوم 2 فبراير الشهير بموقعة الجمل أو وقائع يوم 9 أبريل، وتم عرضه على النيابة العسكرية، أي أنه معرض للإعدام طبقا لقوانين مواجهة البلطجة، وأصدر المجلس قرارا آخر بالتحفظ على مقار الحزب الوطني. ولكن كانت هناك همهمات تدور بين الناس حول أمر عدد من الضباط برتبة الملازم أول وأحدهم برتبة نقيب، كانوا قد انضموا إلى المتظاهرين في ميدان التحرير بزيهم العسكري في مشهد هو بكل المعايير مخالف لقوانين العسكرية المصرية، وما كان لعاقل أو نصف مخبول أن يقبل به، إلا إن كان ينوي من وراء ذلك أمرا غير استكمال الثورة في طريقها، وقد يفرض الخطأ في لحظات التربص والخطر إجراءات تتباين حسب الإعداد النفسي لمتخذ القرار. ويوم التاسع تتردد معلومة أن ابن الرئيس المخلوع لم يمثل أمام قاضي التحقيق، وفي اليوم التالي 10 أبريل يخرج الرئيس المخلوع برسالة مسجلة، بأنه لا يملك مالا مهربا، لا هو ولا زوجته ولا ولديه، مناقضا في هذا كل المعلومات التي نشرت في الإعلام، وقرارات الدول بالتحفظ على أموالهم، وعقاراتهم، ولكنه في هذا البيان وبهذا التحدي كان يعلن من ناحية أخرى، أنه تمكن وعائلته من التصرف في الأموال، لينتقل الاتهام بالتبعية إلى المجلس العسكري، وأن المجلس ومن قبل رئيس الوزراء السابق أحمد شفيق، أتاح تواطؤهم مع الرئيس ومعاونيه الزمن اللازم لتصريف أمورهم وإخفاء أموالهم. ويبادر النائب العام باستدعاء الرئيس ونجليه إلى التحقيق في أمر القتل والأموال، أي أنه تجاوز موضوع الأموال إلى الاتهام بالقتل، مباراة في التحدي تبلغ مداها، وأفعال وردود أفعال، وهمهمات أيضا، وحرب نفسية، وإشاعات تمضي من هنا وهناك، ويتجلى استبدال الخصومات، وتعلو أصوات تناقش أمر التواطؤ بين المجلس العسكري والرئيس المخلوع وعناصر نظامه، وبديل تعظيم إنجازات الثورة، واستثمار حالة الاستفزاز التي يثيرها المخلوع وعناصره، يفتح بابا لتسريب الجهد والطاقة وزيادة اتساع الشرخ بين الشعب والجيش. هنا ترد الحاجة إلى إعادة التذكرة ببعض الحقائق: 1. أن الثورة الشعبية في مصر، تجاوزت حالة المراهقة بإنجاز انضمام الجيش إليها، وبوحدة الهدف في مواجهة الفساد الاقتصادي والسياسي، وأن حشد يوم جمعة التطهير أعاد القوة الدافعة لحركة الثورة. 2. أن هناك حاجة إلى استدعاء تصور محدد لمعنى النظام الجديد والطريق إليه، فإن كان الجميع يلتقي ومنهج الإعلان الدستوري فعليهم دراسة ذلك طبقا للتوقيتات وما تتيحه والمهام المترتبة عليه. 3. وإن كان الإعلان الدستوري والذي يقدم انتخابات المجالس ومن ثم الرئيس ومن بعدها لجنة لإعداد الدستور لا يفي بالتصور الوطني الذي تستقر عليه إرادة الرأي العام، فعلى الحركة أن تستهدف تشكيل الجمعية الوطنية التأسيسية لإعداد الدستور الجديد، والمنتخبة تعبيرا عن القوى الاجتماعية والسياسية، وليست تعبيرا عن الدوائر الانتخابية. 4. الوعي أن الانتهاء من عملية تصفية النظام السابق يجب ألا تستغرق الجهد الوطني، وكما جرى تشكيل لجنة من القانونيين لمتابعة استرداد الثروات، يمكن أن تشكل لجان مماثلة لمتابعة تصفية النظام القديم والحزب الوطني والعناصر التي مثلت أدوات الإفساد السياسي. 5. أن هناك حالات تربح تتجاوز الحزب الوطني وعناصر النظام المنحل، وتشمل أعضاء بمجالس منتخبة، واستفادت من التخصيص، وتجب مراجعة ثروات أعضاء المجالس خلال الفترات الماضية وحجم التضخم غير المبرر في الثروات، حتى لا نأخذ على الحزب الحاكم وندع عصابات أخرى كانت معه، وتلقت رشاوى الصمت والانصياع ويمكن أن يكونوا في الأحزاب الأخرى. 6. أن الفساد لم يكن فقط في نقطة المركز، ولكنه امتد إلى أبعد من هذا في عمق المحافظات، وليس أدل على ذلك، أن هناك أسماء اتهمت في أراض تصل مساحتها إلى عشرات الآلاف من الأفدنة، وهناك أسماء لم يأت أحد على ذكرها بعد، وكانت متهمة بالتحريض على الانقسام الطائفي. 7. أن الحاجة مؤكدة إلى إعادة بناء جهاز الشرطة، وأن الأداءات الجزئية للجهاز لا تعني نجاح عملية الاسترداد أو إعادة البناء، ثم إن الإصرار على تجاهل الملاحظات على الحل الشكلي لجهاز أمن الدولة واستبداله اسميا بجهاز الأمن الوطني، يعني عدم الجدية في تغيير المنهج والعقيدة، نحن في حاجة إلى إعادة بناء مماثلة لإعادة بناء القوات المسلحة والتي تولاها الفريق أول محمد فوزي في أعقاب يونيو 67، ونجح في إعادة بناء عقيدة قتالية، واستعادة الضبط والربط بين الرجال، وهو ذات الاحتياج في جهاز الشرطة والذي لا يمكن إتمام العمل وإنجازه من مكاتب الإدارة، بل يجب أن تتجاوزها بإرادة وحركة ووعي. 8. إن الحاجة إلى استعادة النقابات واجب على الجميع، واستعادة دور نادي القضاة حيوية جدا في وقت أصبح الدستور هو الهدف والقضاء هو سلطة التحقق. أصبح الوعي باتجاهات المجهود الرئيسي للثورة واجبا على قوى الثورة مما يحمي الإنجاز ويحقق معادلة التغيير الواجبة، فالاحتشاد سلاح ولكنه ليس الهدف، وتصفية النظام السابق واجبة ولكنها إعداد الأرض لمهام البناء.

562

| 12 أبريل 2011

الثورة ومخاطر التردد والتفتت

ما الذي تحياه مصر؟ سؤال يفرض نفسه على العقل. هل تحيا مصر ثورة تحققت بكل الشعب؟ أم مصر تحيا انقلابا عسكريا؟ أم أن مصر استحضرت تنظيمات دينيه تفرض سيطرتها، بديلا عن تحالف الثروة والسلطة الذي أسقطته الثورة؟ أم أن مصر ومن أجل اختيار لشخص رئيس، اضطرت أن تقدم مئات الشهداء وآلاف المصابين حتى يتولى شخص أي من كان، منصب الرئيس بديلا لرئيس جرت إزاحته ووريث تم تحطيم حلمه. المشهد يستدعي أعلى حالات الإدراك، ويفرض إعادة ترتيب عناصره من جديد حتى نستطيع تحديد طبيعة المهام وأولوياتها أمام الإرادة الشعبية. بعد أن جرت إزاحة مبارك، أصاب التشتت عقل وجهد الثورة واستعرت محاولات قنصها. تجاوزت الثورة الشعبيه الجميع من أفراد وتنظيمات، وفرضت الاختيار بين انحياز معها أو ضدها. ويجب الاعتراف أن أداء القوات المسلحة أعلن انحيازها للشعب، وهو ما عجل بإنهاء حكم مبارك، ووضع نظامة بأكمله محل التفكيك والمحاكمة. الشعب والجيش أسقطوا الرئيس وجار تفكيك النظام، فأين هي"المشكله؟". الإجابة تتطلب سعة الصدر والإدراك من الجميع، فلا أحد يدعي أنه مالك للثورة، أو هو فوق الحساب، أو أنه امتلك تصورا مسبقا لما تحقق يمكن الأخذ به معيارا لقياس الإنجاز، الجميع وبدون استثناء كان يلاحق تداعيات خروج الملايين من شعب مصر وإصرارهم ووضوح رفضهم للنظام ورأسه وأدواته، حتى طاب للكثيرين من عظمة النتائج التي تحققت أن يقولوا إن الثورة منحة إلهية جزاء صبر الشعب وصدقه عندما خرج لإزاحة النظام، وإرادة التغيير التي تجسدت في كل أبناء الشعب بلا استثناء في مشهد للوحدة والتجمع سيظل في تاريخ مصر منارة لإرادة الشعب. ما نناقشه هنا هو أمر الداخل، ولكن هناك أيضا قوي خارجية كانت ثورة الشعب المصري وتصاعدها وإنجازها لطمة على وجهها وصدمة مفاجأة لتوقعاتها لم تتمكن من رصدها. وليس بعيدا ما صرح به عاموس يادلين رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية في نوفمبر 2010 "إن العمل تطور حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979، فلقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً، ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك (الصديق الإستراتيجي لإسرائيل كما أطلق عليه بن أليعازر المتهم بقتل الأسرى المصريين وصديق مبارك والذي وقع اتفاقية الغاز مع حكومة نظيف) في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر". وأيضا فاجأت الثورة في مصر المخابرات الأمريكية والغربية ودول الاعتدال العربية، حتى إن أمريكا لم تستطع أن تواكب تطور الوقائع، ولزمها بعض الوقت لتحدد موقفها، وهو ما أدى إلى رفض شباب الثورة لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية عند زيارتها للقاهرة، ونزولها إلى ميدان التحرير لتشاهد هذا الميدان الذي أصبح حديث العالم بما أنجزته ثورة مصر وبأسلوبها السلمي. عبور الثورة المصرية لإدعاءات يادلين والتصورات الأمريكية، لم يمنع البعض من محاولات تشويه الثورة وسرقتها ونسبتها لغير الإرادة الشعبية وبأنها أداء مخابراتي أمريكي تمثل في إنحياز الجيش لإزاحة مبارك، وأمريكيا و بريطانيا في اللقاء بين الجيش والجماعات الدينية، وأسقطت الثورة هذا الإدعاء رغم أنه مازال يطفو الى السطح كلما توترت المواقف واستعصت على التفسير. قراءة المشهد الداخلي تحدد مهمة ثنائية الأبعاد، أولا: تحقيق هدف التغيير وحماية الثورة من أعداء الداخل، وفي ذات الوقت ثانيا: الحفاظ على الوحدة الوطنيه في مواجهة التربص الخارجي. معادلة تجمع بين ضرورات الفرز والتجنيب من ناحية والوحدة الوطنية من ناحية أخرى في ذات اللحظة، ولا نملك ترف التردد أو الصدام. المحور الرئيسي للمواجهة الداخلية هو حل مشكلة التردد والتداخل التي أصابت حركة الثورة. فرغم إنجاز هدف إقالة الرئيس، وإعلان هدف إسقاط النظام، إلا أنه لم توضع أجندة لترجمة هدف إسقاط النظام إلى مهام محددة، فتباينت اتجاهات الحركه وتداخلت المهام مما أطلق العنان للحديث عن ثورة مضاده وكأنها تملك قدرات تفوق الشعب والجيش معا، بينما الحقيقة أن تباين اتجاهات الحركة أوصلها إلى محصلة صفرية، فلزمت السكون، وضاع الزمن، وأدى التردد إلى خطوات غير مطلوبة بينما أعاق رؤى وقرارات نمطية تحتاجها حركة التغيير، ولا يملك أحد الادعاء أنها غير معلومة. التغيير يعني أولا التطهير ثم البناء للنظام الجديد، والواضح أن هناك عجزا في استيعاب مفهوم التطهير واقتصاره على الفساد المالي والإداري وعدم الاقتراب من الفساد السياسي والإفساد المتعمد للحياة داخل المجتمع، مما أدى إلى توتر بين (الشعب والجيش)، فقد ظهر الجيش وكأنه يحمي الحزب الوطني وقياداته من تهم الفساد السياسي، وكان التوتر مؤشرا بأن هناك خللا ما في استيعاب معادلة التغيير. وطرح الجيش بواسطة الحكومة قانونا يجرم الاعتصامات والتظاهرات الفئوية، وخرجت عناصر من الحكومة تبرر القانون، وهي بهذا تجرم في حق الجيش والشعب معا، والجيش لا يملك إلا طلب الثقة من الشعب فيما يقصده وينويه، ويطلب الصبر. وفي ذات الوقت يخرج إعلان دستوري، في مضمونه يبدو كأنه محاولة للتخلص من الالتزام الموضوعي بإعداد العقد الاجتماعي الجديد للأمة المصريه، واستند على "جريمة" لجنة البشري التي طمست معنى "الجمعية الوطنية التأسيسيه لوضع الدستور"، كهيئة ممثلة لقوى المجتمع، وحصرها في أنها لجنة فنية يختارها مجلسا الشعب والشوري المقرر انتخابهما في سبتمبر القادم. "جريمة البشري" أحالت حقا أصيلا للشعب إلى نواب قادمين من المجهول في انتخابات غير معبرة عن قوى المجتمع الأساسية، ولكنها معبرة عن دوائر انتخابية، والفارق بين الأمرين خطير وعميق، وليس أمامنا إلا إيقاف هذا الانحدار وإعادة المسار الي طريقه الصحيح. الانحراف بمفهوم التغيير والشرعية الثورية، ومهام التطهير والدستور الجديد، جلب أيضا انحرافا آخر تجسد في لعبة الكراسي الموسيقية بين مرشحي الرئاسة، طرحوا جسد الثورة على الأرض، وأخذوا يرقصون من حوله رقصة الهنود الحمر، لا يعنيهم من الثورة إلا "الترشح لمقعد الرئاسة". بل قام عمرو موسى بانقلاب جديد علي وحدة الوطن، وتعامل معه على أنه قبائل، واتصل بهم عبر مؤتمر ضم عشرة آلاف من أبناء القبائل غير عابئ أنه بهذا الأسلوب يعيد مصر إلى زمن نحاول تجاوزه والانتقال الى المجتمع المدني الذي يحكمه القانون والدستور، ولكنه يحيي تفتيتا جديدا على الأساس القبلي وما يمكن أن يستدعيه هذا الأساس، فيعكس حركة الثورة من وحدة الشعب الى تفتيت الوحدة بهدف جمع الأصوات. عمرو موسى يعيد المجتمع إلى حالة القبائل، والبشري يلغي حق الشعب في وضع دستوره. وتخرج الجماعات الدينية بخيارات تكاد تسهم في تقويض المجتمع، وتتجاوز الموقف الطائفي الى تفتيت أكثر صغرا وهو تقسيم الشعب الى جماعات دينية متعددة والدخول إلى دوامة التصارع بينها، سلفيون من جهة وصوفيون من جهة أخرى، وإعلام علماني كما يوصفونه، وجماعات إسلامية في مواجهته، ودفاع عن "الهزار" كأسلوب لمناقشة قضايا الوطن والرؤى السياسية، وهدم للأضرحة، وتهديد بمواجهات ولجان شعبية من الصوفية للدفاع عن باقي الأضرحة، مشهد غريب على مجتمع مصر، وقد يتوافق مع أقوال يادلين عن تفتيت المجتمع!، دون استيعاب لخطر خارجي مضافا إلى الداخلي، ولكنه محاولة لوراثة الثورة، والقفز إلى السلطة من العدم الذي كانوا فيه، وهو أمر يماثل خطر الثورة المضادة، وتشتد وطأته لعباءة الدين التي يتستر بها. جريمة ثالثه داخل المجتمع تفتته ولا تأخذ بإدراكه وجهده خطوة إلى تحقيق التغيير. انحراف أدت إليه لجنة البشري ودعم للتفتيت القبلي والديني أدى إليه سعي عمرو موسى لكرسي الرئاسة والمتعطشون للسلطة على حساب الثورة، ووسط ذلك كله يتجسد التردد والتداخل، وتبدو الثورة المضادة هي إنجاز ما بعد خلع مبارك. ليس أمام الجميع سوى الارتقاء لمستوى الثورة، وحدة الشعب وقيمة الحدث والثمن الذي دفع فيه والفرصة التي يتيحها. الآن صار الجيش مطالبا باقتراب ثوري من مهام الفترة الانتقالية، وبالتحديد مهمة وضع الدستور الجديد بجمعية تأسيسيه تمثل قوى المجتمع، وعدم المغامرة بترك الدستور الجديد لنواب يأتون من المجهول، وأن يقوم بإتاحة الفرصه لتحقيق كل مهام الفترة الانتقالية، وأن يلغي مشروع قانون الأحزاب ويكتفي فقط بأن الأحزاب تتشكل بالإخطار، ولا يضيره أن يصل عدد الأحزاب إلى مائة حزب، ويبقى فقط على شرط عدم وجود تنظيمات مسلحة للأحزاب. والشعب مطالب بالعودة إلى التجمع والتظاهر والوضوح في مطالبه، وعدم الانسياق إلى خوف من تهديد بالقتل أو الجوع، فتحمل مخاطر الساعه تأمين لمستقبل الأمة. وللسادة مرشحي الرئاسة، الشعب لا يريد رئيسا جديدا، ولكنه يريد نظاما وطنيا جديدا، يوحد ولا يفتت، وحاذروا أن يسقطكم الشعب من الحساب. والأخوة الذين تجمعهم الجماعات الدينية، إن كنتم أداة وحدة وجمع للإرادة الشعبية في مواجهة خارج يتربص بالوطن فمرحبا، فلترتفعوا الى مستوى حاجة الأمة، أم أنكم تختارون مسار الفتنة وعندها ستكونون أول الخاسرين. ليس أمامنا جميعا غير السعى إلى الخروج من حلقة التردد والتفتيت، وأن تنتظم حركة الجميع في مسيرة التطهير والبناء، بوضوح وحسم وإصرار.

3357

| 05 أبريل 2011

الملك والأمير والجيش ... والقاهره تحترق

يوم 26 يناير عام 1952 جمع فاروق الأول ملك مصر ضباط الجيش المصري في قصر عابدين ليهدي إليهم ابنه الأمير أحمد فؤاد، ووقتها كانت القاهرة تحترق في أعقاب المواجهة الدامية بين رجال الشرطة والجيش البريطاني في الإسماعيلية والتي جرت يوم 25 يناير. عناصر التكرار غريبة، 25 يناير يوم المواجهة مع قوات الاحتلال البريطاني، و26 يناير الملك والأمير والجيش. والقاهره تحترق، بينما بلوكات النظام (أي جنود الشرطه) يعلنون الإضراب احتجاجا على حوادث الإسماعيلية. وإن ربطنا ماجرى عام 52 بالوقائع الجاريه منذ 25 يناير 2011 في مصر، لوجدنا العديد من المتشابهات ولكن التشابه في الملك والأمير وإضراب البوليس ووجود الجيش قائم إلا أن حريق القاهره يختلف من حيث الزمن فيمتد لمدة 60 يوما، ومن حيث المكان يمتد ليشمل أغلب المؤسسات المصرية وأبعد من القاهرة وحدها، وفارق آخر أن حريق القاهرة عام 1952 كان قبل ثورة يوليو، وحرائق القاهرة ومصر عام 2011 جاءت بعد ثورة يناير. إئتمنت الثورة مؤسسة الجيش في إدارة مصر، ولم تفوض أشخاصا، ولكن التداعيات توالت، تحمل غير هذا، لنجد الأمر يخرج إلى أفراد لا علاقة للثورة بهم، ولم تفوضهم، حتى إذا تحدثنا عن الدكتور عصام شرف، فترشيحه من قبل البعض لم يكن تفويضا، بل ترشيح لرئيس وزارة انتقالية، وعلى ذلك فالمسؤولية يتحملها المجلس الأعلى العسكري وحده. انطلق الأمل في أعقاب خلع الرئيس المصري أن الثورة الشعبية تقترب من تحقيق هدف هدم النظام المستبد وبناء نظام جديد لمصر، غير أن حديثا يتردد الآن بشدة حول تحركات مضاده للثورة، وتصدر التصريحات من رجال الحكومة الانتقالية والإعلام ومن رجال المؤسسة العسكرية، ويترتب على ذلك اقتراحات بقوانين أقل ما يقال فيها إنها قوانين مكبلة لحركة الشعب. وغير هذا فإن مواجهات بالعنف جرت ضد تحركات جماهيرية وطلابية، وتم فيها اقتحام جامعة القاهرة وإخلاء كلية الإعلام من اعتصام الطلبة المطالبين بإقالة عميد الكليه لكونه أحد الوجوه الحزبية للنظام السابق ولأنه هاجم حركة الثورة، كما كشفت أوراق ووثائق علاقته بجهاز أمن الدوله المنحل. كلا الأمرين، الاقتراحات بقوانين والعنف في مواجهة الاعتصامات يساق في شأنه مبرر واحد وهو الرغبة في الاستقرار والحيلولة دون نجاح المخططات المضادة للثورة وتحقيق غاياتها في إثارة الفوضي. والغريب أن هناك تناقضا بين الحديث عن الحركة المضاده للثوره، وإعلان أن وراءها بقايا النظام السابق وحزبه وأعضاء المجالس المزورة، وفي نفس الوقت عدم اتخاذ موقف منهم سواء بحل الحزب، أو حل المجالس المحلية المزورة، أو تغييرالمحافظين، أو التحفظ على العناصر المثيرة للاضطرابات وقياداتها وتقديمها للمحاكمة السريعة. بل إن مواجهة حادة في الإعلام والصحافه مازالت دون التصدي لها بالتطهير، ومن جرى تفويضه بالتعامل في الأمر صار محل شك عام من كافة القوى السياسية، بل والرأي العام الشعبي وهو نائب رئيس الوزراء د. يحيي الجمل. ومن ناحية أخرى يخرج نبأ بأنه سيتم حل المجالس المحلية، ولكن مع تفويض المحافظين في تشكيل مجالس مؤقتة، وهو أمر غريب أنه بدلا من تغيير المحافظين يجري تفويضهم، وكأن المجالس المحلية ضرورة حياه، بينما الهدف الأساسي من حلها هو منع أعضائها من التأثير في المجتمع بالإفساد السياسي، أو باتخاذ مواقف معادية للثورة في مواقعهم. في أعقاب إسقاط الرئيس خرجت نغمة ضرورة الاستقرار، وليتم الاستقرار يجب إخلاء ميدان التحرير، ومن ثم منع التجمع في الميدان وجرى التعامل بالعنف مع من كانوا بالميدان يوم 9 مارس، والآن يجرى الحديث عن الحركة المضادة للثورة. وكشف الاستفتاء على التعديلات الدستورية عن حركات أخرى تسعى للانقضاض على الثورة تحت دعاوى الدين، وبديل الرجوع بمصر إلى سيطرة النظام السابق، تسعى إلى خطفها لصالح جماعات دينية لا وجود سياسي لها وبلا دور في ثورة الشعب، بل عادتها وتنصلت منها واتهمتها بالخروج عن الشرعية، واتفق أعداء الأمس السلفيون والإخوان، في دعوة الشعب بأن الاستفتاء "بنعم" واجب شرعي، وبلغ بهم الأمر إلى المغامرة بإثارة الفتنة الطائفية عندما كانوا يدعون المواطنين بأن المسلمون يصوتون على اللون الأخضر "نعم"، والمسيحيون يصوتون على اللون الأسود "لا"، وجرى تصوير الأمر أنه صراع على الدين بين المسلمين والمسيحيين، مغامرين بالوطن غير واعين بدلالة الخيارات السياسية في الاستفتاء، وتصويرها خداعا وكذبا إنها استفتاء على الدين، ويبلغ الأمر بأحد الشيوخ أن يخرج على الناس مدعيا أنه النصر المبين في "غزوة الصناديق" ويطالب ممن قالوا "لا" أن يتركوا مصر إلى أمريكا وكندا وسط تكبيرات العيد من اتباعه!! وليس مفهوما حتى لماذا أمريكا وكندا، ، وعند مراجعته وإدانة تصرفه هذا، خرج على الناس بأن الموقف كان "هزار"!، إلى هذا الحد جرى الانحدار بالقيم الوطنية ومصير الوطن. القوى الشعبية الممثلة لطاقة الثورة جرى إبعادها، ولأنها قوى بناء، لم تجد غضاضة في إئتمان المجلس العسكري على الأمر. وفي المواجهة قوى من فلول النظام السابق والمستفيدون منه، تسعى للقضاء على الثورة وحصارها. وإلى جوارها قوى تحاول الانقضاض على الثورة والاستيلاء على الإرادة الوطنية والانحراف بأهدافها وتمثلت في السلفيين والإخوان. قوى الثورة مطالبة بالانفضاض لدواعي الاستقرار، والقوي المعادية للثورة أو الراغبه في سرقتها لصالح أهداف محدودة لا تمثل إرادة الوطن، حرة الحركة ومطلقة يمكنها أن تفعل ما يعن لها. ومع كل ذلك تخرج الحكومة الانتقالية بمشروع قانون لمنع الاعتصامات الفئوية، ويركن وزير العمل إلى أن مشروعية القانون مستمدة من المعاهدات الدولية، وكأنه ممثل لهيئات خارجية وليست مصر هي سبب وجوده في كرسيه. وينضم إليه وزير العدل أيضا ويضيف إلى هذا القانون تصورا آخر أكثر ريبة، ويعلن أنهم يدرسون قانونا للتصالح مع من نهبوا أموال الشعب، على أن يعيدوا الأموال مقابل إسقاط المساءلة الجنائية إن كانوا لم يجرموا في جمعهم للأموال !! وهو الأمر الذي كان قد عقب عليه النائب العام من قبل عندما قال إن الشق الجنائي هو حق للمجتمع لا تملك النيابة العامة التغاضي عنه، وكأن وزير العدل يحاول حصار النائب العام وغل يده عن توجيه الاتهامات بالفساد الاقتصادي، ويتواكب مع مطالبات من المحبوسين احتياطيا بأن يدفعوا أموالا ويخرجوا من قضايا النهب والفساد الاقتصادي. ويمتد المشهد وبديلا لإقامة نظام جديد تم نصب "خيمة سيرك"، تتعدد فيها الألعاب البهلوانية وعروض الحيوانات، وخرج علينا الإعلام بخبر أن الحوار الوطني حول مستقبل البلاد سيبدأ يوم الأربعاء 30 مارس، وهو تاريخ يذكرنا ببيان 30 مارس الذي كان ركيزة التغييرات السياسية في أعقاب هزيمة 1967 ومظاهرات فبراير 1968، ويستطرد الخبر أن المدعوين هم 160 شخصا والأغرب أن د.يحيي الجمل هو المسؤول عنه، مما يفقد الحوار جدواه، بالإضافه إلى أن المدعوين للحوار ليسوا تمثيلا طبيعيا للمجتمع وقواه الحية، وشأنه كلجنة التعديلات الدستورية التي تمت بليل وخرجت بأعضائها من قائمة المؤتمنين على قضايا التغيير إلى وضع اللجان الفنية أو ما يطيب للساسة من المصريين بإطلاق لفظ الترزية عليهم. وتشهد خيمة السيرك وقائع متعددة، جميعها يؤكد أن الثورة الشعبية محل المصادرة، وأن السعي إلى دستور جديد حديث مؤجل ويتبع هوي مرشحي الرئاسة، وأن القضايا الوطنية محل التعامل الجزئي. يخرج علينا المستشار هشام البسطويسي بأنه حال نجاحه في انتخابات الرئاسة، سيوقف تصدير الغاز إلى إسرائيل !! ولكننا لم نجد برنامجا سياسيا من الرجل بعد. ويخرج حمدين صباحي في مزاد الحصص، ويعلن أنه سيعين ثلاثة نواب له، مسيحيي وامرأة وشاب، وكأن الدول تقدر نظمها السياسية بهوى المرشحين، وبما يمكن أن نطلق عليه نفاق الكتل الشعبية دون وجوب سياسي. ويحارب عمرو موسى معركة الدفاع عن كونه من عناصر النظام الذي أسقطه الشعب، ويجري تداول خبر أن لجنة إدارة الانتخابات التابعة له تجري اتصالا بعناصر للحزب الوطني بإحدى المحافظات دون باقي القوى، وتنفي اللجنة، ويتداول النشطاء أنه يتكلم ولا يقول شيئا. ويظل البرادعي في حالة القصف المركز من أجل أهداف الثورة، ويتحدث عن أن أعمال البلطجة مدبرة، ويرفض التعديلات، ويقول: أشعر بالقلق الشديد على مسار الثورة: معالم الطريق مازالت ملتبسة. أين الشفافية والحوار مع الشعب ؟ إعلام النظام السابق مازال قائمًا: البلطجة الفكرية أقوى أسلحة إجهاض الثورة. تحدث واقعة مثيرة لعلامات الاستفهام يوم الأحد 27 مارس، حيث تصدر إحدى الجرائد المستقلة بمانشيت أن انتخابات الرئاسة في يونيو 2012 أي بعد 15 شهرا، بينما الانتخابات النيابية بعد ستة أشهر فقط، وتتحدث عن لجان متعددة لصياغة الإعلان الدستوري الذي سيصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وفي نهاية اليوم يصدر تكذيب من المجلس الأعلى ينفي فيه ما نشر، إلى هذا الحد تفتقد حتى الصحافة الأصول المهنية ، أم أن شيئا آخر قد حدث وجرى تعديل الأمر. هكذا يزداد الضجيج داخل خيمة السيرك، ضجيج بلا طحن، ويبتعد بنا عن أهداف الثورة، بينما تتزايد الدعوة إلى مليونية إنقاذ الثورة في أول إبريل، فهل تجدي؟.

754

| 29 مارس 2011

الثورة الأبدية... وعيد الدم العربي

"يا برتقال يا أخضر يا جديد، طالت الوقفة وأمتى العيد"، كانت أغنية زمن الهزيمة، ولكننا في زمن انتصار الشعب العربي وثورته المستمرة، فبشائر العيد تبان للأعين، تدركها الأبصار وتعيها البصيرة، وينبض العقل بفوران الشباب وحماسة وقداسة دم الشهداء التي تحي الإرادة، وتحميها وتهيئها لغد أكثر اقترابا من غاية الحرية والعزة والعدل الاجتماعي. المشهد يوحي بيوم العيد الذي بانت بشائره. أسر، سيدات وفتيات في مجموعات تدلف إلى المقر الانتخابي، أب في أول الثلاثينات يقف أمامي وابنه الطفل متعلق برقبته في مشهد ينافس الكنغارو، وهما في طابور الناخبين، وتكتمل الصورة الجميلة، بابنة لا تتجاوز الثالثة من العمر، بريقها ينافس سطوع الشمس من حولنا وترتدي الأبيض والبمبي، داعبتها وسألتها عن رأيها، ويأخذ الأب طرف الحديث لنسمع منها نشرة أنباء الثورة، وماذا ستقولين اليوم وأنت صاحبة المستقبل كله، قالت نعم، وضحكنا وقلت لها الآن اختلفنا ولكنه غدك أنت وأنت أكثر حقا فيه منا جميعا. مشهد شعرت فيه براحة وبهجة لم أشعرها أبدا في مقار اللجان، كنت دائما أذهب إليها كمن سيدخل كهفا به سواد وجريمة متواصلة، لكن المشاعر هذه المرة كانت في صفاء سماء نفس اليوم وكأنه عرسا في الأرض والسماء. هؤلاء لا يدلون بأصواتهم لكنهم يدقون باب الأمل بأيديهم، آمنين من الخوف، دفعوا ثمن الحرية، ويسعون لتأكيدها. دوي القنابل في ليبيا يصم الآذان في مصر، شاهدا على جريمة ثائر 1969 والعجز العربي الذي استنجد بالقوة الغربية للدفاع عن الشعب الليبي، أما العرب وحكوماتهم فوجودهم طارئ وعليهم الإعداد للدفاع عن أنفسهم، ويبشرون باستدعاءات مماثلة قد تتم في سوريا أو اليمن. دم الشهداء السوريين على بوابة المسجد الأموي وفي "درعا" يطالبنا بتحرير الجولان، ودم الشهداء في اليمن السعيد يسقط طائرات أمريكا من دون طيار التي تقتل بتفويض وسماح من رئيس اليمن، وطوابير المصريين وبأطفالهم على أبواب لجان الاستفتاء يوحي باقتراب يوم العيد، ومهما كانت نتائج حركة الشعب العربي، إلا أنه خرج ولن يعود إلا وإرادته بيده حتى لو حاول مرات عديدة. في تونس لم ينجح نظام بن علي في الالتفاف على إرادة الشعب لوجود مؤسسات كاتحاد الشغل، ولكن في مصر كان الائتلاف بين بقايا نظام مبارك والذين يكابدون الشوق للوجود ولو على حساب ثورة هم ضيوف عليها، يلتف من حول الثورة ويعتقد ظنا خاطئا أنه أقرب لتحقيق أهداف تبعدهم عن الثورة وتؤمنهم وتشبع شبق الانضواء عندهم. سينتصر الشعب إن شاء الله حتى ولو دفع الثمن مرات متعددة فنحن وطن الفرص الضائعة. ولا يخلوا المشهد من المناكفات، فالمكان الذي أقف فيه كان مدرستي الإعدادية منذ قرابة النصف قرن، وجاءتني مكالمة من صديق كنا معا في نفس المدرسة، قال إنه ذاهب إلى التصويت الآن ومعه زوجته وكلاهما سيقولان نعم، فماذا أنت قائل، أجبته سأقول لا، وإذا به ينفجر ضاحكا 70% نعم و30% لا، أنت طول عمرك بتراهن على الحصان الخاسر، وأكمل أن ابنته خريجة عين شمس "مثلك" وأيضا ستقول لا، وقلت له لأن خريجي عين شمس لا يستطيعون الإمساك بالعصا من منتصفها، بل يا جنرال يمضون إلى أهدافهم عبر أقصر المسارات، ضحك علي ووعد بهجوم تالي بعد النتائج. نعم دائما نختار ما هو صعب، وكأني بحفيد السيد أحمد عبدالجواد في ثلاثية نجيب محفوظ وهو يخاطب خاله كمال الذي سرقه العشق والفلسفة من واقع الحياة، عندما زاره وكان هو وشقيقه في "التخشيبة" من جراء مشاركاتهما في المظاهرات فيقول لخاله: "إذا آمنت بما يؤمن به المجتمع فلتقاتل من أجله حتى ينتصر أو تموت دونه، وإذا آمنت بغير ما يؤمن به المجتمع فلتقاتل من أجله حتى ينتصر أو تموت دونه، وهذا معنى الثورة الأبدية". "الثورة الأبدية" هي معادلة الوجود العربي، مفهوم يعني عدم ترك أدوات الصراع، كلمة كانت أو مظاهرة، اعتصام أو عصيان مدني، لأن الثورة رحلة عمل مستمرة وليست محطة وصول. يطيب للبعض الحديث عن أن الثورة يصنعها الشجعان ويرثها الجبناء، وهي مقولة نمطية تسقط العقل والجهد والقيمة والتاريخ، نعم الشهداء يعبدون بدمائهم طريق النصر في المعارك العسكرية والثورات، ونعم ممن يرصعون صدورهم بأنواط ونياشين قد يكونوا أقل منهم عطاء، ولكن الأمر يحتاج إلى قراءة ووعي ولا يحتاج إلى الهروب للأمام. الثورة علم، والشعب ومن معه ومن يدعون أنهم معه، يحتاجون إلى القدرة على معرفة دلالات المفهوم العلمي للثورة، هي علم تغيير المجتمع، وليست انتقاء برغبة من المتكلمة، ولا ممن يستطيبون الخدمة الفنية لأنظمة دون إدراك لمبررات شرعية وجود هذه الأنظمة. ويبدو مثيرا للاستغراب عندما يخرج اللواء ممدوح شاهين رجل القانون وعضو المجلس العسكري ويقول إن مبرر وجود المجلس العسكري في السلطة تفويض الرئيس المخلوع، فهذا غير دستوري، ولكن انتقلت السلطة للمجلس لأن المواجهة بين المجلس العسكري والرئيس المخلوع تمت، عندما اتخذ المجلس جانب الشعب، وأيا كان التوصيف اللفظي لانتقال السلطة، فإن إرادة الشعب بأن الشعب والجيش يد واحدة، هي المصدر الوحيد لشرعية وجود السلطة بيد المجلس العسكري. والثورة تجاوزت كل المرتعشة أيديهم، أو الذين صنعوا خدودا بين الوطن والدين، وصار على المواطن أن يختار بينهما، واستبدلوا الوطن بجماعات جرى حجر الوعي فيها وهم في حالة خصومة مع من لا يماثلونهم، فصارت الجماعات أوطانا متناثرة، تشبه الانقسام القبلي والقومي. معهم لم يعد للوطن مستقبلا نسعى لبنائه، ولكنهم أحاطوا الوطن بإرهاب فكري أن الرأي بغير ما يرون يعني الكفر، وأن الخيارات تتبدى بين ما هو شرعي وما هو غير شرعي، وينسون ما يحكم به الإسلام ويتجاهلونه، بأن الكيانات التي تضمهم تقع تحت عنوان "البدع" وتقسم المجتمع وتفتته، ولعلهم يدركون أن كل بدعة ضلالة خاصة إذا استخدمت الدين معامل ترغيب وترهيب في غير موضعه، وكل ضلالة في النار، ولعلهم يفيقون من غيهم أن هناك يوما كلنا فيه ملاقون الخالق عز وجل، ولن تخفي عنه خافيه، اتفاقا أو ادعاء أو حتى تمويلا "للسكر والزيت" استغلالا لحاجة المواطن، مقابل سرقة صوته الانتخابي. لمن لا يعلم، الإسلام ثورة ضد العبودية لغير الله، وليس وسيلة للاستبداد والخداع بين البشر. والثورة ليست تفسيرات قانونية، ولا صياغات لجان جاءت بالصدفة وتشكيلها محل للريبة، ولكنها كشاف ضوء يعيد فرز الأسماء والنخب، من حيث الوعي، والإدراك لمعنى الثورة، والموقف من المجتمع ونداءاته واحتياجاته، وكشاف الضوء بفرزه للمواقف يستدعي إرادة التغيير مهما كانت مرارة كشف البشر، فهم هكذا كما ترونهم وليس كما تحلمون أن يكونوا، والرجال لا يدرك قيمتهم من يقذفون الحجارة. والثورة عمل، وأي عمل علمي يفترض الإجابة على أسئلة: من؟ يفعل ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا؟ وكل هذه الأسئلة تفرض التخطيط والحركة واحترام الزمن وامتلاك القدرات، وتكشف أن الطريق إلى الفشل يبدأ من الارتكان إلى النوايا الطيبة والاكتفاء بها. الثورة علم صناعة المستقبل وهي كلمة أهمس بها إلى الثوار، لا تتوقفوا عن الحركة، ولن تتحقق أهداف الثورة بغير أيديكم، وإصراركم وأدركوا مفهوم "الثورة الأبدية". والثورة هدم نظام قديم، ولمن بيدهم قرار أوكله الشعب لهم، ويملك الحق والقدرة على استرداده منهم، الشعب يريد إزالة الحزب الوطني من الحياة السياسية وتقديم قياداته إلى محكمة الشعب بتهمة الإفساد السياسي. والشعب لا يريد التصالح بأموال منهوبة منه يدفعها سارقو الوطن والمفسدون، ولكنه يريد الأموال والأراضي والمصانع، ومحاكمة المفسدين على ما اقترفوه من النهب وإهدار الحياة وإمكانات النمو، بل محاكمة كل هؤلاء بتهمة قتل شهداء الثورة. كتبت الصحفية رشا عزب تقول: "على عكس كثيرين ممن قالوا (لا) أنا متفائلة إحنا النهاردة عرفنا الطريق، ديمقراطية الشارع هي الحل وكل المناطق اللي كان فيها لجان شعبية أداؤها عالي". ولم تخلوا التعليقات المصرية من النكتة لتكتب نورهان الحناوي " لو (لا)كسبت ابقوا صحوني من النوم. لو (نعم)كسبت حاولوا تصحوا مصر من النوم". صنع جمهور نادي الإسماعيلية الرياضي ما يسمونها "دخلة" الألتراس، أو شعار الافتتاح في مباراة يوم 18 مارس، وكان عبارة عن علم فلسطين بألوانه الأربعة، وأخذوا يهتفون "الشعب يريد تحرير فلسطين"، هل هذا شعب تقاس إرادته (بكيلو سكر وكيلو زيت) رشوة تصويت أيها المخادعون، لعل المتفائلين والمتشائمين والحزانى يدركون من هو الشعب المصري.

545

| 22 مارس 2011

الثورة الشعبية... ضرورة الخروج الثاني

الحديث اليوم يريد أن يخرج عن الصمت، وإلا يدع شيئا محل الاحتمالات المخبأة بين براثن القوة القاتلة، التي تعمل قدراتها في ليبيا واليمن، أو هي تركن إلى الأحكام العرفية المستندة إلى مطلق القوة، دون الالتزام بمعنى الثورة ومفهومها والمترتب على هذا الالتزام من واجبات. من قبل تفجر الثورة الشعبية في كل من تونس ومصر، كانت حسابات القوة ومعادلتها دائما ترمي إلى تحييد الجيش، ثم يجري الحديث بالأمل إلى انضمام الجيش إلى حركة الشعب، وعندها يكون الحسم لصالح الشعب وحركته. ومع المفاجأة التي أصابت المراقبين من جراء ما جرى من الشعب، وما نجح في تحقيقه من وضوح في مطالبه، وارتقاء بها إلى مطلب إسقاط النظم وتحقيق ذلك المطلب، ومع قبوله بالتضحيات التي فرضتها الأنظمة المنحلة، تحقق خروج الجيش من جانب الحياد إلى جانب المطالب المشروعة للشعب، وعند تلك اللحظة، تحققت نتيجة سقوط النظم وأجهزتها البوليسية، وتداعي انكشاف طبيعة الأجهزة البوليسية ودورها الخطير في العدوان على الشعب وانتهاك حرماته. كما أسقطت الفساد الأمني، وكشفت الانهيار في المفاهيم والأخلاق وتدني الوسائل وانتهاك الحرمات، أسقطت الثورة منظومة الفساد المالي في مصر، تم كشفها والتحقيقات تزيح الستار عن أكبر عملية نهب في تاريخ مصر، ومع ذلك لم يحدث اقتراب من الفساد السياسي الممثل في أداءات الحزب الحاكم، وتشكيلاته. وصارت المهمة المشتركة من الثورة والجيش هي صياغة العقد الاجتماعي الجديد. الثورة ليست القوى السياسية أو التنظيمات القائمة والأحزاب، فحركة الشعب المليونية كانت متجاوزة لكل ما هو قائم قدر تجاوزها لاحتمالات الفتنة الطائفية والفئوية والسياسية بين الشعب. عند لحظة بدا أن هناك نتائج للثورة يمكن أن تأخذ مكانها في الواقع، جرت عملية حصار لحركة الثورة تحت دعاوي كثيرة، منها خطر الانفلات الأمني المصنوع، والتهديد بالجوع والانهيار الاقتصادي الذي يتربص بالشعب، كما جرى تحريض فئات عديدة ضد حركة الثورة، وأسهم فيها الإعلام الحكومي أيضا، وتم اختراق المجموعات الشبابية المنتمية إلى حركة الثورة بسياسة أنهم سيحققون مطالبهم... ولكن!!، وارتفعت أصوات توزع الاتهامات على المعتصمين، أو من يحاولون الاستمرار في المسيرة. وجرت صناعة صور متعددة من الفتنة الطائفية، لا يمكن الادعاء أنها ناتج طبيعي لتوتر بين الشعب، ولكنها تفضح نفسها بحدوثها في لحظات التوحد، ويتخذ منها ذريعة للانقضاض على المعتصمين في التحرير. وفي الوقت ذاته تظهر الجماعات السلفية في موجات متعددة تبدو وكأنها مدعوة على عجل، وهي التي كانت الشكوك تحيط بعلاقتها بجهاز أمن الدولة، ثم زادت هذه الشكوك بما تثيره داخل المجتمع من دعوات ليست بالأساس مطروحة للمناقشة كما المادة الثانية من الدستور المصري التي تجعل من مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع. كل ذلك واكبه نوع من البطء في اتخاذ القرارات السيادية التي يتخذها المجلس الأعلى العسكري، الأمر الذي فتح الباب لنمو الادعاءات المضادة للثورة، وأيضا أصاب الشعب، والذي تتكشف أمامه فضائح النظام السابق بما يفوق الخيال، أصابه بنوع من الريبة، وفرض سؤال فحواه: مع من يقف المجلس العسكري الذي هو ضمانة الحفاظ على ثورة الشعب ألا ينقض عليها أحد بالاختطاف والسرقة أو بالانحراف بها لهوى في نفسه. لحظة هدوء اندفاع حركة الثورة، والتي استمرت 18 يوما من دون انقطاع، وتخللها مواجهات دامية، واكب الهدوء تباطؤ المجلس الأعلى العسكري في اتخاذ القرارات، هذه اللحظة كانت الحاجة عندها إلى "القيادة والتنظيم" وهو ما لا تملكه الثورة. وظهر تناقض في استيعاب أهداف الثورة بين المجلس العسكري وبين شباب المعتصمين، وترك التناقض شرخا كان مستبعدا حدوثه مع كل البيانات المتتالية والهتافات الداعية للوحدة، وزاد من الشرخ تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، برئاسة رجل له مكانة محترمة، ولكن طبيعة التشكيل اتجهت كما قرأها البعض إلى انحياز لجماعة الإخوان وتعيين المحامي صبحي صالح باللجنة دون مدعاة موضوعية، وعندما ناقشت الأصدقاء في الإخوان المسلمين كان ردهم، أن الدكتور فتحي سرور كان يقول فيه إنه حجة قانونية، مما زاد الريبة، خاصة أن قصة الثورة والإخوان لم يجر تعديلها إلا يوم 2 فبراير أي بعد نجاح الثورة ونزول الجيش إلى الشارع. هذا الشرخ الذي اتسع دخلت منه جماعة الإخوان، واختارت عكس ما تقضي به حركة الثورة، وتناست سقوط شرعية النظام، واختارت الانحياز إلى إمكانية تحقيق مكاسب لحظية، كما كان الإفراج عن بعض قياداتها باديا للعيان أنه ثمن لموقف ما رغم الادعاء أن السبب إفراج صحي. وبدا واضحا أن هناك التقاء ما، عرض فيه الإخوان أنهم البديل التنظيمي للحزب الوطني الذي يمكنه أن يدعم موقف المجلس، والغريب أن الشعب بكل طوائفه كان يدعم المجلس العسكري، ويراه قوة الشعب، ولكن لماذا اتخذ المجلس هذا الاتجاه؟، سؤال من الصعب الرد عليه الآن. وانحاز المجلس إلى خيار التعديلات، وليس التغيير، وهو أضعف خيارات الثورة، وليس الخطأ في الانحياز إلى أحد الخيارات، ولكن الخطأ في الاستماع لرأي واحد وتجاهل ما يجري بالشارع المصري في مواجهة التعديلات. وجرى توصيف الانحياز بأنه مضاد للثورة، ولخياراتها، التي أعلنت بكل براءة ورومانسيه الثوار وبدم الشهداء الذين ليسوا من الإخوان ولا من المجلس العسكري ولا يكفي لهم تحية الشهيد على شاشة التلفزيون ثم الانقلاب من بعد على أهداف ضحى الشهداء بدمهم من أجلها. وخطر آخر يحيق بجماعة الإخوان ذاتها، أن تتصور أن مواجهتها مع صحيح الثورة ودلالاته في أهمية الأخذ بمطلب التغيير، يمكنها أن تكون مجرد اختلاف في الرأي تسمح به ديمقراطية فترة الفراغ، لأن ما دفعها اليوم لتجاهل إرادة الشعب، سيدفع قوى شعبية وسياسية احتضنتها لحظة مواجهاتها مع النظام، وتغاضت عن اتفاقات الظلام بينها وبينه، ودعت إلى وحدة العمل الوطني، إلا أنها خرجت على ذلك كله في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، وخرجت عليها في ليلة 25 يناير، ثم هاهي تخرج عن حركة الشعب باختيار التعديلات، ووصل بها الأمر إلى تجميد حركة أعضائها خلال الأسبوعين الماضيين، وأخذت بمنهج الميل إلى من بيده السلطة، ومكررة تجربة التعامل مع ثورة 1952، وخرج كتاب ينتمون إلى الجماعة يسلمون بغير الاحتياج الوطني، وليس لنا إلا الدعوة إلى الانتباه. الشرخ بين المجلس العسكري وثورة الشعب آخذ في الاتساع، بعد جنوح المجلس إلى إجراء استفتاء حول تعديلات لبعض المواد الدستورية في شأن ترشح وانتخاب رئيس، ثم اتجاه العملية الانتخابية لانتخاب مجلس نيابي ورئيس للجمهورية، وهو ما يعيد قوى تجاوزتها الثورة إلى المشهد السياسي، وتلك التعبيرات المريبة التي تنم عن منهج الحصص عن أن الإخوان تريد فقط 35% من المقاعد، دون مبرر موضوعي إلا أنها مواكبة للحدث وليست مفجرة ولا قائدة. تجاوزت الثورة كل القوى ولا أحد له حق الوراثة، وهذا ما يتيحه المنهج الذي أخذ به المجلس العسكري ولجنة التعديلات الدستورية. هنا تبدو ثورة الشعب التي تفجرت في 25 يناير 2011 نهبا لكل من تجاوزتهم، ومعرضة للسرقة، وكأنها مطالبة أن تبدأ المشوار من جديد. من عوامل الخطر أيضاً التردد في التعامل بين النخبة، وعدم العمل على زيادة الوعي المجتمعي، والتوجه دائما بالحديث إلى المجلس الأعلى، تكرارا لمنهج كان قبل 25 يناير، وهو خطر يمكن أن يؤدي إلى طمس أهداف الثورة والنتائج المترتبة عليها، وتحويلها إلى حدث عارض في تاريخ مصر، ودون ذلك بدايات جديدة قد يكون الدم والتضحية فيها أكبر. تحول لقوى كان يجب أن تنتمي إلى معسكر الثورة، لكن طبيعتها تحول دون ذلك. وتباطؤ في حركة المجلس الأعلى العسكري عن الانحياز لأهداف الثورة واتخاذ خطوات مباشرة لتحقيقها. ذلك ما أدى إلى اتساع الحركة المناوأة للثورة، ومحاولات تحجيم نتائج الثورة. ما يجري الآن ليس نهاية المطاف، ولن يستقر، وما نراه من نتائج لا مبرر موضوعي لوجوده، ولكنه ناتج تداعيات نشأت عن غياب أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة، ولانشغالات عديدة من النخبة في مهرجانات الاحتفال وشاشات التلفزيون. وحتى لا يذكر التاريخ أن المجلس العسكري مكن جماعة الإخوان من مصر عن غير حق، وبدون مبرر سوى بطء قراراته واختياراته الوسطية، فالحاجة إلى تحديد موقف من كل منهما، أن يعود المجلس العسكري إلى اختيار الجمعية التأسيسية للدستور وإتاحة فترة انتقالية تسمح بانتخابات النقابات وتشكيل الأحزاب وعودة الحياة السياسية، وأن ترجع الجماعة عن منطق يبعدها عن الشعب حتى وإن بدا لها أن هناك مكسبا سهلا خلال اللحظة، سيكون ثمنه أن يحاصرها الشعب، ويحكم عليها بما لا تطيقه. ويبقى السؤال أليس ضروريا الخروج الثاني للشعب؟ وهل تتحمل مصر خروجا جديدا من الشعب؟

528

| 15 مارس 2011

"الثورة... تمدد أبعاد الصراع" 1-2

ثورة شعبية أم حركة مطلبية، هو جوهر خطأ التشخيص الذي أدى إلى خلل في تقييم ما يجري على الأرض العربية، وأصاب الإنجاز بالتباطؤ بعد أن كان زمن إزاحة الرؤوس قياسيا. وبقدر ما كشفت حركة الشعب العربي عن إرادة التغيير التي حولت مخزون الرفض للواقع إلى ثورة ترفض القائم وتطالب بالحرية السياسية وحق العمل والتنمية والعدل الاجتماعي، فإنها أيضاً كشفت تيبس النظم العربية، وفي ليبيا كشفت عن انهيار العقل الحاكم، قدر انهيار الشعارات، وأن هناك تآكلا داخليا في بنية النظام، بل إن استخدام هذا النظام لسلاح الطيران والدبابات ضد الشعب الذي دفع ثمن السلاح وثمن الذخائر التي تقتله، أكد أن النظام ذهب بلا رجعة، وأن جريمة اليوم ذهبت بقيمة ثورة الفاتح، وكشفت زيف كل الشعارات، وأن ثائر الأمس تحول وابنه إلى كوميديا الدم، بل استدعى وجوب التدخل العربي لإنقاذ الشعب الليبي من مجازر أشد وطأة من مذابح الاحتلال الإيطالي ضد الشعب. تأكد من وقائع الإصرار الشعبي في تونس ومصر وليبيا، أنها ثورات شعبية، تقبل بالتضحية، وترى أن الحرية تستحق الشهادة. تونس تتحرك نحو بلورة أنها ثورة بالانتهاء من آخر صور النظام القديم، والوصول إلى مرحلة حكومة انتقالية وجمعية تأسيسية لوضع دستور جديد ولهذا وصلت ثورة الشعب التونسي إلى نقطة "بدأ بناء نظام جديد". ويبقى قدرة المجتمع على التعبير عن قواه الحية في الجمعية التأسيسية وإقرار العقد الاجتماعي الجديد في دستور الدولة. وتشهد ليبيا صوره أخرى من الصراع، حيث لا تواجه الثورة نظاما لدولة. ولكنها تحاول استرداد الدولة من براثن نظام جنح إلى قتل الشعب ليبقي رغم كل العناوين التي رفعها هذا النظام. والنظام الليبي لا يعادي الشعب الليبي فقط. بل أعلن الحرب على العرب مجتمعين ولم يترك شيئا لم يهاجمه. ولم يترك لنفسه شيئا يشفع له حتى باللجوء خارج ليبيا أو البقاء فيها كرئيس أو قائد سابق. نهاية لنظام استمر42 عاما. ولكنها نهاية لم تتحدد صورتها بعد. فليس نظام القذافي أو حركة الثورة ضده وحدهما على ساحة الصراع. ولكن هناك أمريكا وهناك الغرب وثالثا هناك إسرائيل. أجراس خطر عميق تدق في كل ليبيا. وكأن القذافي قد تقمص شخصية "نيرون". فإما أن يبقى رئيسا أو فلتحترق ليبيا وليفن الليبيون. ولم يملك النظام العربي كله قدرة على دعم ثورة الشعب. وانشغل فقط بإخراج العاملين هناك من أبنائه وإنقاذهم من أعمال الإبادة، دون الانتباه إلى الخطر الشامل الذي يحيط بليبيا. ويكاد نظام ليبيا المنهار يسهم مع نظام البشير في استكمال حلقات الحصار والتوتر حول مصر. فهل يستطيع العرب تكوين قوة عسكرية للحيلولة دون القذافي وإبادة الشعب الليبي. أو وقوع ليبيا صيدا ثمينا لأمريكا يعيدنا 42 عاما للوراء؟ أم أن الشعب الليبي سيفاجئ العالم وينهي المواجهة لصالحه قبل التدخل الأمريكي. لم يعد لك بقاء سيادة العقيد. وشعبك أحق منك بالبقاء. ليتك تصدق مع نفسك وتتركه ليحيا. وتقترب الحالة في اليمن من اكتمال النضج. وأحاديث الرئيس اليمني وتحليلاته تثير الدهشة خاصة عندما يتهم الشعب أنه يعمل بأجندة أمريكية وكل الوثائق تؤكد أن الرئيس اليمني لا يحق له هذا لأنه صديق وفي لأمريكا ويسمح لها بالقتل والقصف ويغطي هذا بادعاء أنها عمليات يقوم بها جيشه. هكذا يتضح وفي سطوع الشمس، أن ما يجري ليس حركات مطلبية، بل هي ثورات شعبية بكل إرادة التغيير لدى الشعوب، وكأن معاملا من معاملات الوحدة يتكشف للعيان. ويبدو الأمر في مصر صراعا مع الزمن، ومحاولة لتأكيد طبيعة إرادة الثورة، ولقد شهد الأسبوع المنقضي أمران طالما نادى بهما الشعب، إقالة وزارة أحمد شفيق التي عينها الرئيس المتنحي، وتكليف الدكتور عصام شرف بتشكيل وزارة جديدة، والأمر الثاني مواجهة من نوع آخر بين الجماهير وجهاز أمن الدولة، فبينما كانت الحشود تنادي بحل الجهاز، كان أعضاء الجهاز يقومون بحرق الملفات التي تحوي تقارير وصنوفا عديدة من ممارساته، وهو ما دفع الحشود الشعبية إلى حصار مقاره، ومواجهة الرصاص الذي أطلقه ضباطه على الجماهير، وقنابل المولوتوف، مما أدى إلى سيطرة المتظاهرين على كافة المقار الخاصة بالجهاز، وكشف العديد من مستنداته، التي حملت نفس المفاجآت التي حملتها تحقيقات الفساد المالي، وصارت هناك ثلاث حقائق، رحيل وزارة شفيق، كشف حجم الفساد المالي، وكشف فساد جهاز أمن الدولة وانتشاره السرطاني في جسد مصر. ويبقى أمام الجماهير مهمة أخرى لتقويض نظام مبارك، وتتمثل في القضاء على الفساد السياسي الذي يمثله الحزب الحاكم، وقياداته التي مارست التزوير، واجترأت على المجتمع وقواه الاجتماعية مستخدمة آلة جهاز أمن الدولة، وثروة الدولة المصرية من منشآت ومصانع وأراض لتخلق طبقة من المنتفعين واللصوص تمثل جسد هذا الحزب. وتتجه الثورة الشعبية في مصر إلى اختبار المستقبل وقدرتها على استيعاب حقائقه، وكان يمكن لثورة الشعب أن تكسب زمنا يقارب الشهر لو أن وزارة شفيق رحلت مع تنحي الرئيس، ونفس الموقف يعود من جديد، حيث إن تصورا بأن الحل في تعديلات تجرى على بعض مواد الدستور والتي تخص شروط ترشح رئيس الجمهورية، والإشراف على الانتخابات، وهو تصور يمارس استنزافا جديدا للثورة. أوضحت الاقتراحات أن هناك فارقا جوهريا بين استيعاب اللجنة التي كلفت، لمعنى مطالب الثورة بالتغيير وإقرار دستور جديد للبلاد، وبين حقيقة وجوهر الشرعية الثورية التي فرضتها ثورة 25 يناير. وصار مرهقا استمرار التذكرة أن الشعب أراد إسقاط النظام، وأن إرادة الشعب نجحت في إسقاط النظام، وأن هذا يعني سقوط الدستور الحاكم والقوانين المكملة له والتي حكم بمقتضاها النظام السابق، وأن ما فعلته اللجنة لا يقارب هذه الإرادة على الإطلاق، وكأنه صار مطلوبا من جديد إعادة الحركة لتحقيق مطلب التغيير الجوهري في جمعية تأسيسية تمثل القوى الاجتماعية والسياسية في المجتمع، لتضع دستورا جديدا للبلاد، وهو ما وصلت إليه تونس أخيرا بعد 40 يوما من رحيل بن علي، ولكن مصر مدفوعة إلى أن تقبل بالاستفتاء يوم 19 مارس على التعديلات المقترحة، وهو دفع لا يقارب إرادة الشعب على أي نحو، بل هو تجاهل لها ومحاولة لفرض مسار غير آمن لاستكمال التغيير. هناك نقطة مفصلية مفقود التواصل عندها بين القرار وإرادة التغيير، هناك رؤية مختلفة، تسعى إلى وضع ما جرى في إطار حركة مطلبية للإصلاح، وتحول بين الشعب وبين تكوين وجوده المؤسسي في تشكيلات حزبية ونقابية تتيح له المشاركة في الحياة السياسية. منحى التعديلات الدستورية وانتخابات برلمانية ورئاسية، قد يؤدي إلى انهيار ما تحقق، وهو خطر داهم على ثورة الشعب. وما يزيد من هذا الخطر ثلاثة مشاهد لا تخطئها العين: المشهد الأول يتمثل في وجود الدكتور يحيى الجمل في كل لقاءات رئيس الوزراء المكلف، ويحيى الجمل له موقف سلبي من الثورة، تمثل في تصريحات تناولت ضرورة التوقف عن الحركة والعودة إلى المنازل، وذلك قبل تنحي الرئيس السابق، ثم قبوله بأمر المشاركة في اللجنة الأولى للتعديلات، وأخيرا قبوله للانضمام إلى وزارة شفيق، وهو في هذه الأمور الثلاثة كان يتحرك ضد إرادة الشعب الذي يطالب بإسقاط النظام وإسقاط الرئيس وإسقاط شفيق، حتى أنه بكى رحيل شفيق ولم نره يبكي الشهداء! وليس متصورا أن أحدا عاقلا يمكنه أن يعتمد على أفق هذا الرجل المناوئ للثورة أو في حده الأدنى غير المستوعب لأهدافها، وكأننا مطالبون بأن نقرع جرسا على رأس رئيس الوزراء المكلف، وكأنهم يقرأون واقعا غير الذي نحياه، أو ينتوون غير ما يريد الشعب!! المشهد الثاني تمثل في إقامة مهرجانات احتفالية، تحت اسم ائتلاف الثورة، بينما كانت الجماهير تحاصر مقار مباحث أمن الدولة، مفارقة حادة بين من اعتقد أنه أوان الاحتفال، ومن يرى أن أهداف الثورة تحتاج المثابرة والدأب والاحتشاد وتحقيق الأهداف مباشرة بواسطة الجماهير؟ والمشهد الثالث يتمثل في مرشحي الرئاسة، الذين نزعوا أنفسهم من هدف التغيير الذي رفعه الشعب، وأعدوا أنفسهم للاستفادة من نتائج التعديلات المحدودة، وتساوى جميعهم في هذا، تساوى الجميع في أنهم يحاولون تحجيم الثورة بكل التضحيات التي بذلت حتى الآن في حدود أنها طريق لانتخابات الرئاسة، ولم يحاول أي منهم أن يناقش أن التعديلات لا توفي الاحتياج الوطني في اللحظة. ليست قضية التغيير مسألة تتحمل وجهات النظر، ولا هي تتحمل المناورة، أو حصارها بادعاءات قانونية تركن إلى دستور تجاوزته ثورة الشعب. والإصرار على الإسراع بعملية الاستفتاء، على رؤية لجنة ومجلس عسكري، وتجاوز إرادة الشعب، سيدفع الشعب نتيجة لذلك التكلفة من جديد، وفي زمن غير مرئي. إن تجاهل إرادة الشعب يعني استجابة للانقلاب عليها، فمن يملك هذا الحق. لم ينجح تحالف الثروة والسلطة وأمن الدولة والبلطجية في قمع الثورة وإجهاضها، وتولت لجنة التعديلات الدستورية ووزارة التكنوقراط ومرشحو الرئاسة مسؤولية الالتفاف على إرادة الشعب، فمن سيدفع ثمن هذا؟، بينما حدود الوطن ترزح تحت تهديدات تفرض أعلى حالات التماسك والوحدة بين قواه الحية التي تجلت بالملايين في ثورة الشعب.

472

| 08 مارس 2011

"كريتر"... فوهة بركان العرب

تخرج الحمم من فوهة البركان وتصنع لنفسها مسارات، ويجمع المشهد حمما وغازات ورمادا، ويكتسي باللونين الأحمر المنصهر والأسود الخبث أو الشوائب العالقة بالحمم، ويخفي الرماد الشمس، ويتحرك عازلا الفضاء عن الحياة، وكاسيا الأرض بترسبات رمادية قد تقتل الحياة، ويسود نتيجتها ظلام قد يزداد برودة رغم أن الحمم تتجاوز درجة حرارتها الألف درجة مئوية. تواترت الصورة إلى الخيال مما يسود الوطن العربي من انفجار غير منظم لطاقة رفض جماهيريه تقتلع نظما وتحاول أن تقيم غيرها، ترتفع درجات الحرارة ويزداد اللون الأحمر لدماء الشهداء في البدايات، ولا تلبث الحمم أن تصبح غازات ورمادا بينما الشعوب تبحث عن طريق لصنع النظام الجديد. وشارك في استحضار الصورة مناقشة مع صديق من اليمن، اتصلت به فور ما سمعته عن حي "كريتر"، و "المعلا" والمظاهرات التي يشهداها وتطالب بالتغيير، ورويت له مدى التصاق حي "كريتر" في ذهني بثورة جنوب اليمن، وهو لدي يماثل حي "القصبة" بالجزائر، وبادرني وهو ابن حي "المعلا" قائلا: إن عدن علي جبل بركاني، و"كريتر" تعني فوهة البركان، واحتله الثوار في 20 يونيو 1967 ردا على هزيمة يونيو. اتسمت الثورات في تونس ومصر بخروجها عن المألوف، أنها بلا قيادة واضحة ومحددة، وأنها بلا تنظيم يقود ولديه تصور ماذا يريد أن يهدم وماذا يهدف أن يبني، وهو يؤطر قوى الثورة ويقتصد قوتها ويحميها من الانحراف أو أن تخبو، وهو ما أكسب هذه الانفجارات البركانية بطلاقة قوة غير محدودة ومطلقة الحرية في الحركة مما أضفى عليها بعدا جديدا غير ملاحق من خصومها وهو الحركة غير المتوقعة، فأنجزت الشعوب في زمن محدود وصفري القيمة، إسقاط رموز نظام ظلت تعاني منه عقودا متتالية، فأخذت المفاجأة الجميع إلى تفكير متوتر وتعاملات غير منتجة. بعد شهر من بداية ثورة الشعب المصري، ظهرت للثورة رؤوس متعددة، وكل رأس يحاول أن يقول إن الجسد له، وانقسموا إلى ثلاث مجموعات من الرؤوس: الأولى: تشمل لجنة التعديلات الدستورية بقيادة المستشار طارق البشري، والأخرى عناصر قبلت الانضمام لوزارة شفيق التي ينادي جسد الثورة بإقالتها. الثانية: مجموعة من الجماعات تتشكل وتحمل مسميات تنسبها إلى الثورة، من أمناء الثورة، وائتلافات، وحزب، وهذه الجماعات تقول أيضاً إن الجسد لها. الثالثة: هي قطاع عريض خارج القاهرة وصراعاتها وأشواق النخب فيها، وتشمل محافظات مصر التي كانت كلها في أتون معركة إسقاط النظام بل هي مواقع بدأت المواجهة وسقط منها الشهداء وحافظت في اللحظات الحرجة للثورة على استمرار اندفاعها، وهي بصدد إصدار "بيان السويس" لتعلن فيه موقفها. وإلى جوار هذه الجماعة هناك أيضا من يحاول استنساخ ما يجري بالقاهرة. وفي الجانب المقابل لهذا الجسد ذي الرؤوس الثلاث، هناك تحالف مضاد يمثل بقايا الحزب الوطني والرأسماليين الجدد وجهاز مباحث أمن الدولة، وهناك تصور يقول بأن علاقة ما تربط هذا التحالف بعائلة الرئيس ونائبه عبر وسائط ووسائل متعددة. وبين الخندقين يأتي موقف المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة الذي يتولى إدارة الأمور، وإلى جواره النائب العام وجهاز النيابة الذي يتولى التحقيق في قضايا الفساد، وتبرز أداتان في المجتمع هما وزارة أحمد شفيق وهي من بقايا نظام سقط، والإعلام والصحافة القومية. العلاقات جميعها في حالة من السيولة، تتراوح بين التسليم بثورة الشعب وأهدافها، وبين ممارسات تثير إحباطا عاما بالالتفاف حول أهداف الثورة أكثر من كونها تؤكد التزامها بإرادة الشعب. ويؤخذ في الاعتبار أن ما كان يطلق عليه المعارضة، والنخبة التي عاصرت معها النظام السابق، فقدت قيمتها وحضورها لعدم استيعابها للمتغيرات التي جرت وعدم قدرتها على التوافق مع ما أعلنته الثورة من أهداف وما زالت حبيسة صراعاتها الذاتية، وقصور قدرتها على الفعل، وغياب مشروعها السياسي وانعدام الكوادر السياسية لديها وعضويتها الورقية. نقاط أربع تحدد الصورة، حكومة أحمد شفيق، النائب العام، الإعلام، لجنة التعديلات الدستورية. حكومة أحمد شفيق هي من بقايا الرئيس مبارك، والشعب يرفضها، كما حرص رئيسها على استفزاز كل المجتمع، وكأن وزنه وقيمته تساوي الشعب وإرادته وشهداءه، وهو كشخص معرض للمثول أمام النائب العام أيضا. وكشفت معلومات عن يوم الأربعاء 2 فبراير وأحداث الهجوم بالجمال والبلطجية والقناصة على المعتصمين ومقتل 11 مواطنا بالرصاص الحي، كشفت المعلومات عن حديث تليفوني بينه وبين بعض ممن في الميدان واستكمله بعد أربعين دقيقة من الحوار مدير مكتبه، وكان مطلبه الرئيسي مغادرة ميدان التحرير وأنه سيضمن لهم مسارا آمنا، ورفض المعتصمون طلبه، ونجحوا في صد الهجوم الذي كان يديره رجال أمن الدولة. حاول شفيق تحسين صورة الحكومة، وقام بتغيير بعض الوزراء وضم بعض الوجوه منها د. يحيى الجمل الذي كان صوته عاليا قبل الثورة، وبعد تعيينه بالوزارة هاجم من يطالبون برحيل شفيق، وتولى يحيى الجمل رئاسة المجلس الأعلى للصحافة مما أطاح بأي أمل في تعديل موضوعي لحال الصحف القومية، خاصة بعد فقدان الثقة فيه، ويتدخل شفيق فيما تذيعه القنوات الخاصة، وتنصاع إدارة إحدى القنوات وتوقف إعادة برنامج ينتقده ويطالب برحيله. الشعب يرفض حكومة شفيق، والمجلس الأعلى يتركها تمارس دورا غير مقبول، ولا يتخذ قرارا بتشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة الفترة الانتقالية. يصدر النائب العام يوميا أوامره بتحقيقات جديدة، طالت كل الأسماء تقريبا، وكشفت عن حجم الفساد المستشري في جسد مصر، وطلب التحفظ على أموال عائلة الرئيس، وبالسجن حتى الآن وزراء الإعلام والسياحة والإسكان والداخلية، وأمين تنظيم الحزب الحاكم ورئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون. وبدأت التحقيقات في وقائع قتل المتظاهرين، وهو إجراء سيقود إلى مواجهة مع بقايا الداخلية خاصة بعد عزل رئيس جهاز مباحث أمن الدولة من منصبه، وكشفت أوراق جرى نشرها بعد مهاجمة مقار أمن الدولة في المحافظات عن دور الجهاز في تخريب الحياة السياسية والتزوير في الانتخابات، وينكشف أيضا أن البعض منهم كان يستفيد ماديا من النقابات التي يتابعونها. وتقترب التحقيقات من الأمين العام السابق للحزب، وأمين الشؤون المالية، ورغم ذلك لم يصدر قرار بتجميد الحزب الوطني واسترداد مقاره التي هي بالأصل ملك للدولة وتقدر قيمتها بأربعة مليارات جنيه. والأخبار المنشورة عن حجم الفساد أصابت المجتمع بصدمة لا يستطيع أحد تقدير آثارها على سلوك المجتمع في المستقبل. وبلغ أمر مقاومة الفساد أن يتلقى رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات تهديدات بالقتل إن لم يتوقف عن تسليم ما لديه، بينما الموظفون في الجهاز يضغطون عليه لتسليم ما لم يقدمه من تقارير إلى النائب العام. وأطلق الشعب المصري كعادته نكتة جديدة مفادها "أن النائب العام هيقدم بلاغ في نفسه قريب علشان يرتاح م الهم اللي وقع فيه". ويثير الإعلام المصري كثيرا من علامات الاستفهام حول التعامل معه، فبعد حبس وزير الإعلام السابق ورئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون في تحقيقات قضايا الإضرار بالمال العام، وإلغاء وزارة الإعلام، وتولي لواء من الجيش منصب رئيس الاتحاد، ومطالبة أعضاء المجلس العسكري رؤساء مجالس إدارة الصحف ورؤساء التحرير بالاستقالة، والانتفاضات داخل المؤسسات الصحفية ضدهم، فإن القرار بالتطهير في الإعلام ما زال دون الإعلان. ورغم تغير الألفاظ في لغة الإعلام الرسمي، إلا أنها تثير الغثيان أكثر من كونها تضفي عليهم مصداقية، خاصة أن مواقفهم أثناء الثورة كانت تستدعي منهم الاختفاء، ولكنها جلود الانتهازية السميكة فاقدة الحياء. هذه المشاهد الثلاث تقضي بضرورة حرث الأرض سواء بإقالة الحكومة أو تحقيقات في تهمة إفساد الحياة السياسية وليس فقط الفساد المالي وسوء استخدام السلطة، أو في قطاع الإعلام وتطهيره من صور كريهة ومنافقة فيه، كما تقضي بوجوب تجميد الحزب الحاكم السابق، وحرمان قياداته من العمل السياسي لمدة كافية لإنهاء تأثيرهم على الحياة السياسية. وتبقى لجنة التعديلات الدستورية، والتي أثار قبول رئيسها بالمهمة كثيرا من الأسئلة، وكيف لرجل مثل المستشار طارق البشري أن يقبل بالتفسير المحدود لمعنى الثورة، وأن الثورة تفرض شرعيتها هي وتسقط مع النظام الدستور الذي كان يحكم بمقتضاه. غير أن اللجنة أيضاً بالتعديلات التي اقترحتها، حشدت رأيا عاما أنها هي الأخرى تلتف على الثورة، وجعلت مهمتها فقط المواد المؤدية لانتخاب رئيس للجمهورية، وأسقطت من اعتبارها أن الحياة السياسية في مصر تعاني من الموات، وأن التوجه القسري إلى انتخابات لرئيس وفقط، وتكليفه هو ذاته وهو القادم من المجهول بإعداد دستور جديد، هو جريمة في حق الثورة، وكذلك وضعها لآلية مريبة هي مجلسا الشعب والشورى اللذان سيتم انتخابهما من وعاء آسن هو المتاح الآن، وسط إيقاف متعمد للحياة النقابية وتكوين الأحزاب، وعلى أن يختار المجلسان مائة عضو هم الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد لمصر، وسط غياب للشعب، والذي كان جوهر مطالبه فترة انتقالية وتشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور دائم، فاختزلت لجنة البشري الشعب في مائة عضو، لوضع عقدة الاجتماعي الذي يحكم مصر بعد الثورة. هذا كله جعل أداء هذه اللجنة هو الجريمة الرئيسية في حق الثورة، وهي تغتالها تحت دعاوى النصوص والقانون العاجز. خاصة أن قافلة الانتهازيين الراغبين في الترشح لرئيس الجمهورية يتصدرها أمين جامعة الدول العربية، وهو من كان ينصح بانتهاء الثورة واليوم يعود ليصعد على نتائجها، شأنه في ذلك مثل من أعلن ليلة التفويض أن يعود الناس إلى منازلهم، وهو يعلن وبلا حياء أنه سيرشح نفسه إن طلب منه اتباعه، وكأن الثورة حققت نتائجها ولم يعد إلا البحث عن رئيس. لا يجب القبول بالاستفتاء على هذه المواد المعيبة، لأنها تعبير عن منهج انتهازي، وعلى الثورة إعادة ترتيب قواها لتحقيق أهدافها وفق رؤيتها وليس وفق رغبات تحاول التنصل من حق الشعب في دستور يضعه هو.

1485

| 01 مارس 2011

ثورة الشعب .. الشرعية والرصاص

المشهد العربي الذي تتناقله الفضائيات، يعلن أن الشعب العربي قد قرر التحرر من النظم الحاكمة، وأنه فقد الثقة في أنها تسمعه أو تراه، وحتى عندما تخاطبه فهي تقول ما ترغب هي أن تسمع، مخادعة أو مناورة ولكنها لا تعني ما تقول ولا ما يجب أن تفعل. جموع الشعب تردد هتافا واحدا "الشعب يريد إسقاط النظام"، هو نفس "الهتاف ـ النداء ـ الهدف"، أيا كان الموقع الجغرافي في الجزائر أو ليبيا أو اليمن، وحتى عندما وصل إلى البحرين كان ذات الهتاف، وها هو المغرب يتململ. وكأننا أمام عامل جديد أضيف إلى عوامل الوحدة العربية. ذات الأنين الشعبي من أنظمة جاءت عبر مرحلة التحرر الوطني والثورة، لتتحول إلى صور جديدة للاستبداد والطغيان وقهر الشعوب، والعجز عن الارتقاء إلى مواكبة التقدم العصري أو الاستجابة لمتطلبات الحياة الضروريه للشعوب. خرجت الشعوب فأسقطت شرعيات قائمة، واستردت الإرادة بيدها، في كل من تونس ومصر، وانفجرت الأمور في ليبيا واليمن والجزائر وكذلك في شمال العراق!، وهناك حالة من الصراع لم ينته بعد، وإن كانت في حدها الأدنى قد قضت على التمديد والتوريث في اليمن. وتدافع الأنظمة عن نفسها بصور كثيرة، ولكنها تنتهي إلى إطلاق الرصاص على الشعب لتؤكد سقوطها النهائي وفقدانها لمبرر وجودها، وعجزها عن الانتماء للشعب والقبول بإرادته، وصار الواضح أن وجود الأشخاص فوق مقاعد الحكم وبالتالي الأنظمة هدف يمكن أن تبيد الأنظمة الشعب من أجله. النظام الذي يوجه الرصاص إلى أبناء الشعب، يحكم على نفسه بالسقوط، ويكتب شهادة وفاته بدماء الشهداء. كان واضحا أن الشعب يريد إسقاط النظم، ولكن إلى حد بعيد هو يرى البديل في صورة غير مكتملة، يراها في حرية سياسية ويراها في تطهير الدولة من الفساد ويراها في دعوة لحق المواطنين في فرصة متكافئة للعمل ويراها في الدعوة للعدل الاجتماعي. هذا الفارق بين ما يريده الشعب وبين استيعاب القوة العسكرية التي يناط بها تسيير الأمور، لإرادة الشعب، أدى إلى حالة من التخبط بين ما يريده الشعب وبين رؤية القوة العسكرية، وهذا بدوره استدعى الكثير من القلق وكشف مدى الفجوة بين حركة الشعب وبين القوى السياسية والنخبة وحتى الجيوش العربية. ومع اشتعال الموقف في ليبيا الى حد خروج نجل القذافي سيف الإسلام للتهديد بحرب أهلية إذا لم تتوقف حركة المظاهرات الشعبية، وكان قبل التهديد بالحرب الأهلية قد تحدث عن مؤامرات الخارج وعن الإمارة الاسلامية ، وهي الفزاعة الليبية للغرب وبديل فزاعة الإخوان المسلمين التي استخدمت في الأيام الأولى لتبرير القتل واستخدام الرصاص لإيقاف المظاهرات. هو ذات المسلسل من الكلمات الموجهة ببرود بينما الأمة في حالة اشتعال، ولا أعتقد أن موقف القذافي ونظامه بعد عمليات القتل هذه في ليبيا، سيكون قابلا للاستمرار والبقاء. من المقولات التي يحتفظ بها الوعي العربي، أن الشعوب لا تستخلص حريتها وإرادتها لتضعها في متاحف التاريخ، وتعود لتحيا ذات المأساة تحت سيطرة من نوع جديد تستبدل فيها الأوجه والأشخاص، والمسميات، ولكنها تؤدي إلى حالة سلب الإرادة والوصاية على الحرية بما ينهيها. ومن دروس ثورة يوليو 1952 كما كتبها جمال عبد الناصر في كتاب "فلسفة الثورة"، أنه عندما كان يلتقي رجال السياسة والأحزاب والنخب ليناقشهم في أمر مصر، كان الحل الذي يقدمون هو "أنا"، حتى كتب أنك إن سألتهم عن حل مشكلة السمك في هاواي لكان ردهم "يا جمال بك ، أنا". ويبدو أنه ليس استدعاء من التاريخ ولكنها سمة كل الأحزاب والنخب بعد الثورات التي تتجاوزهم وتفرض تغييرا بعيدا عن إرادتهم. والغريب أن القبول من البعض الذي ينتمي الى المعارضة المصرية ليلة الخميس 10 فبراير بعد خطاب التفويض من حسني مبارك لعمر سليمان، بأمر التفويض كان دلالة على عمق الاختلاف بين حركة الشعب في الشارع وبين وعي هؤلاء المنتمين الى المعارضة، وبعد ثمانية أيام من التنحي كان قول هؤلاء: "بالتفويض قد حققنا ما لم نكن نحلم به!!!". قول يؤكد أن ثورة الشعب تجاوزت كل أطياف المعارضه، وهؤلاء البعض الذين قالوا بذلك يتحدثون عن الترشح لمنصب الرئيس إن كانت هذه رغبة أنصارهم، نوع من الإسفاف السياسي الذي تعج به بورصة الثورة في مصر الآن. هو ذات حال الساسه منذ 60 عاما "حل مشكلة السمك في هاواي يا جمال بك أنا". ومساء يوم 20 فبراير يعلن أحمد شفيق تعديلا على وزارته المرفوضة، بضم بعض من الأحزاب والشخصيات التي لا تنتمي إلى الوطني، وكأنهم لا يسمعون ولا يرون، وكأنهم يسعون عكس إرادة الشعب، وهو ذات الموقف للدكتور يحيي الجمل، وهو موقف من لا موقف له، فعندما دعي الى لجنة التعديلات الدستورية التي أنشأها حسني مبارك، ذهب ، وها هو عندما دعاه شفيق يذهب ، وفي كلا الحالتين، فإن حركة الشعب عكس حركة الأحزاب والنخبة، فقد أعلن الشعب عن مظاهرة مليونية يوم الثلاثاء 22 فبراير لإقالة وزارة شفيق. الموقف حرج، وجد خطير، ومنشأ الخطورة اختزال ثورة الشعب في إصلاحات دستوريه، وعدم الاستماع الى الشعب، وترك الأمور والتخمينات تتفاقم، والاكتفاء باجتماعات مغلقة، وإطلاق فزاعة بين الشعب، هي وطنية القوات المسلحة، وكأن هناك من قال بغير هذا، ويثنون بأن موقف الجيش من الشعب وثورته أعلن في بيان قال بمشروعية مطالب الشعب، ومن قال غير هذا، ثم يدينون الاعتصامات والإضرابات العمالية، ويتهمون النظام واتباعه بترتيبها، ويؤاخذون العمال على هذا، بينما هم اكتشفوا صواب إقالة العضو المفوض على شركة المحله للغزل والنسيج، وبينما هم يملكون سلطة اعتقال من يتآمر على الوطن، وليس مقبولا أن يشكوا تصرفاته ومؤامرته للشعب، فليس الشعب قوة الاعتقال ولا سلطة المجلس بين يديه. يبدو الأسلوب المستخدم هو ذاته منهج إدارة نظام مبارك للأزمات، لا سمع ولا رد فعل، واتخاذ إجراءات استفزازيه. ويبلغ الاستفزاز قمته مع تناقل أخبار عن تعذيب جري لمن اعتقلهم الجيش، وهو أمر يجب على المتحدث باسم المجلس العسكري أن يفسره، لأن الرجل ذهب بجسده إلى أهله في السويس والثأر مازال في السويس لم ينته مع من قتل أبنائهم. ويزداد الموقف توترا في ذات وقت إعلان التعديلات الوزارية، فقد تحركت قوة من البوليس الحربي لاعتقال عدد من السائقين في السويس لاتهام رئيس الشركه لهم بأنهم يمتنعون عن العمل، وعندما حاول الأهالي منع المدرعة من الحركة دهست المدرعة سيدة وفارقت الحياه، وصار الحادث يفرض مواجهة بين الجيش والشعب، رغم محاولات البعض لتجاوزه مساء نفس اليوم بالتصالح والهتاف بوحدة الجيش والشعب. الشعب قام بثورة، هل هناك من يختلف على هذا؟ الشعب طالب بإسقاط النظام، فهل هناك دلالة على القبول بهذا؟ الشعب يطالب بحكومة انتقالية، فلماذا العناد والإصرار على حكومة مرفوضة، حتى وإن أجريت عليها عمليات التجميل بإضافات لا تعني التغيير؟ والشعب يطالب بحل المجالس المحلية المزورة وحل الحزب الوطني الذي يدير المؤامرات المضادة، فلمصلحة من يتم تجاهل هذه المطالب؟ والشعب يطالب بإطلاق حرية تكوين الأحزاب، وإتاحة فترة انتقاليه لتكوين جمعية تأسيسية لإصدار دستور جديد، فلماذا استطراد العناد، وادعاء أن المجلس يريد أن يذهب وبسرعة، ومعنى التعجل في هذا الأمر، هو تسليم السلطة للنظام المنهار والذي يمثل تحالف السلطة السابقه والرأسماليين الجدد!!! والشعب يزداد القلق داخله من بقايا النظام، ويتزايد الحديث عن دور للحزب والأجهزة سواء أمن الدولة أو المخابرات أو بقايا الوطني أو تحالف تجار السلاح والبترول والمخدرات، أو هؤلاء جميعا ؟؟؟ وأمن الدوله تطل برأسها في شأن النقابات، وتخلق بؤر توتر كما لو أنها ترسل رسالة، نحن موجودون!! والمخابرات عين لها حسني مبارك رئيسا بينه وبين الشعب والأمن القومي موقفا خطيرا، أليس ولاؤه لمن عينه؟؟؟ والشعب يريد موقفا من رؤساء التحرير الذين حاولوا اغتيال الثورة، والمجلس العسكري يحتضنهم، حتى إن البعض تساءل عما يفعله المجلس العسكري لمن يلتقيهم، فكل من يخرج من لقاء معه، يخرج مبتهجا، بينما الألم يعتصر الشعب، وتأخذ الهواجس بالعقول!!! ونأتي إلى المحافظين ومديري الأمن بالمحافظات، جميعهم شاركوا في تزوير الانتخابات ثلاث مرات من بعد 2005، وشاركوا في جرائم القتل في ثورة 25 يناير، أليس من الواجب عدم استمرارهم، ولماذا الانتظار، من أقنعكم أن بذهابهم ستكون هناك فوضى؟ ثم هل السطات السويسريه أكثر حرصا على أموال الشعب المنهوبة؟؟؟ ليس من المنطقي أن تقوم السلطات السويسرية بتجميد أرصدة الرئيس السابق، بينما تتجاهل السلطات المصريه الأمر. الأمر جد خطير، لا يحتمل التأويلات أو التخمين أو إعادة واقعة إعدام ثورة 52 لخميس والبقري في كفر الدوار والتي ظلت عالقة في ثوب الثورة، ويجب أن يخرج من المجلس العسكري من يستطيع أن يتحدث إلى الشعب، وليرفع عن كاهل الشعب كل الأعباء التي ظل يحملها من النظام السابق ولم يحاسب عليها أحدا حتى الآن. الشعب أسقط الشرعية عن مبارك ونظامه، والرصاص يمكنه أن ينتقل من الجماهير في تظاهراتها إلى رصاص انتقائي يحاصر الوعي والدعوة الى التغيير، وليس هناك من حل إلا الاستجابة لمطالب الشعب، لأن البديل حمام دم تصورنا أنه انتهى يوم تنحي مبارك، ولكنه مازال يطل برأسه مهددا الثورة وشرعيتها.

485

| 22 فبراير 2011

انتصار الإرادة.. والجهاد الأكبر

انتصرت إرادة الشعب، وتنحى مبارك عن السلطة وسلمها للمجلس العسكري الأعلى ليتولى إدارة الأمور، وتحدث بدوره عن تسليم السلطة إلى حكم مدني ديمقراطي. أعلن القرار على الشعب مساء الجمعة 11 فبراير بعد 18 يوما من الأيام العظيمة في تاريخ شعب مصر، كانت ثورة الشعب تحقق كل لحظة حركة عظيمة في كل الأماكن وعلى كافة الأصعدة، ووضعت منهجا جديدا للثورة الشعبية السلمية، وأعاد الشعب المصري اكتشاف إمكاناته وقدراته ومكنون الثقافة الإنسانية فيه، وانطلق في مسيرة تحرير الإنسان المواطن والأرض والوطن والإقليم والانتماء وحركة التحرر والقومية. لم تكن اللحظات السابقة لإعلان التنحي توحي أن النظام الذي سقط يوم 25 يناير قد استوعب الدرس، بينما كان الشعب الذي حرر إرادته، وقدم أكثر من 400 شهيد في كل مصر، ما زال يرى أشلاء الشرطة تطارد البعض منه في المحافظات البعيدة، بل وما زالت تقتل، ورغم إدراك أن المواقف والقرارات في المجتمعات لا تتم كما قاطع التيار الكهربي، ولكنها يجب لها أن تستنفد الطاقة في اتجاه لتتحول إلى اتجاه غيره، إلا أن اتساع واستمرار جريمة القتل والإرهاب للشعب كانت تؤكد رخاوة بقايا السلطة المنحلة، وأيضا صلف أفراد منها باستمراء القتل في الشوارع، أو استخدام الإعلام ضد الشعب، ولم يعد فقط البعض الذي يقتل هو الأمن، ولكنهم صاروا من المذيعين والصحفيين الذين يمارسون القتل المعنوي، وبدا أن مصر يجب أن تغتسل ومرة واحدة من كل الأوساخ التي علقت بثوب الحرية والعزة والكرامة. ويزداد موقف الزحف جلالا بنبأ وفاة الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان المصري زمن حرب 1973 والذي قدمه حسني مبارك لمحكمة عسكريه بتهمة إفشاء أسرار عسكرية وتم حبسه بينما كان مبارك يلتقي مع أعدائه من الصهاينة في قصور الدولة المصرية، غير عابئ أن هذا الرجل أقدم منه من حيث الترتيب العسكري، وأنه من قاد العمليات التي حررت سيناء حتى بداية الثغرة ــ بعد الدفع السياسي بقوات الاحتياط إلى الاشتباك في شرق القناة ــ بما في ذلك خطة الطيران التي سميت الضربة الجوية والتي اختزلت فيها كل حرب 73. وبينما الشعب يزحف في اتجاه القصور الرئاسية، ويحاصرها، ويلقي بالورود إلى الحرس الجمهوري، أدارت دبابات الحرس الجمهوري أبراج مدافعها من اتجاه الشعب إلى اتجاه القصر، وكانت بشارة ما سيعلن عنه بعد ذلك. وحاصر الشعب بمئات الآلاف مبنى الإذاعة والتلفزيون وكان الحصار كافيا لإعلان إمكانية السيطرة، والاستعداد لدفع الثمن. عند هذه اللحظة، والتي بدا فيها أن أعلى نقطة تطور في الثورة صارت لصالح الشعب، وأن الصدام بين الدبابات والشعب لن يحول دون انتصار الشعب. أعلن نائب الرئيس الفاقد للانتماء لشعبه تنحي رئيسه للمجلس العسكري الأعلى، وأعلن المجلس أنه يعمل في إطار الشرعية الشعبية، وفي تصرف عسكري رمزي يؤدي المتحدث باسم المجلس العسكري التحية العسكرية لأرواح الشهداء على الملأ خلال إلقائه لبيان صادر عن المجلس. انطلقت الأفراح بإزالة النظام، وتحولت مظاهرات الشهداء، إلى مسيرات بهجة واحتفال، وتبادل الجميع التهاني أن تمت إزاحة الطغيان، وبدأت موجات من الأسئلة والملاحظات تبدو أنها تتربص بالفرحة، وتضيف أسئلة لا حدود لها، وتعلن أن الشعب بكل أطيافه قد تعلم الدرس، وأن استرداده لإرادته أمر لا رجوع عنه، وأنه سيدافع عنها وبلا تهاون. هل استوعب الجميع ماذا تريد الثورة الشعبية في مصر؟ سؤال مازال سبب كل المخاوف التي تتداعى لليوم الثاني، حيث بان أن تفريغ ميدان التحرير من المتظاهرين ليس هدف الثورة وليست مهمة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن المجلس مطالب بإجراءات يبين منها أنه استوعب المطالب ويتجه لتحقيقها. فإذا كان المجلس قد استجاب للمطالبات الخارجية، وأكد التزامه بالاتفاقات "الدولية والإقليمية"، وكان من الغريب ذكر الإقليمية مضافة إلى الدولية، وكان واضحا أنها رسالة طمأنة لإسرائيل وأمريكا بشأن كمب ديفيد، فليس أقل من الاستجابة لمطالب الثورة الشعبية بشأن حل المجالس المزورة وإلغاء قانون الطوارئ وحل الحزب الوطني وتقديم عناصره إلى المساءلة بشأن الإفساد السياسي. ويعلن المجلس العسكري يوم الأحد 13 فبراير تعطيل العمل بالدستور، وحل مجلسي الشعب والشورى، ويحدد فترة ستة أشهر لتوليه السلطة. المطلب الشعبي الجوهري هو بناء الدولة المصرية الحديثة، ووضع الشعب لها مسارا محددا، وما تحقق من المطالب هو تنحي الرئيس ونائبه، وحل المجالس المزورة ولكن إلغاء قانون الطوارئ، وحل الحزب الحاكم، لم يتم بعد، بل بقيت وزارة أغلب أعضائها أيديهم ملطخة بدماء الشهداء تسير الأمور، غير عابئة بما جرى، وتتعامل ببرود امتلاك زمام الأمور. فحكومة شفيق والتي طالبها المجلس العسكري بتصريف الأعمال، قال عنها شفيق إنها حكومة الحزب الوطني المنهار، ووعد المعتصمين في التحرير (بالبنبوني) في صلافة واستهزاء بعطاء الشعب، فكيف يتصور أحد من كان أن الصبر على ذلك يمكن أن يطول؟ وما زالت مصر في حاجة لاستعادة الحياة السياسية التي جرى تجميدها طوال الثلاثين عاما الماضية، ولن يكون انتخاب رئيس أو مجالس نيابية، من خلال ما هو قائم إلا جلب سيئ من وسط أسوأ ما تملك مصر، وعليه فإن الفترة الانتقالية هي الأساس في بناء دولة مصر العصرية، وهي فترة تديرها حكومة تكنوقراط. ليس كافيا نزع صور الرئيس، والمطلوب نزع منهج الإدارة الذي استنه واعتبر أن الزمن كفيل بحل الأزمات ونسيان المطالب، بالإضافة إلى نزع الأشخاص الذين تطالهم شبهة التآمر على الشعب، فقد كان غريبا أن يكون من بين الوزراء المجتمعين في مجلس الوزراء يوم الأحد 13 فبراير كل من مفيد شهاب، وأبو الغيط، وسامح فهمي، وكل منهم بالأساس متهم بمواقف معادية للشعب وحقوقه، وذلك مجرد مثال كاشف. فالحكومة الانتقالية تحت رئاسة يمثلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو يضافا إليه مدنيون، تعني بالأساس فتح الباب أمام تكوين الأحزاب وإطلاق حرية إصدار الصحف وتكوين جمعية تأسيسية لإصدار الدستور والقوانين المكملة له، وليس مجرد لجنة تقوم بأعمال الترقيع بعيدا عن إرادة الشعب، والاكتفاء بالاستفتاء قبولا أو رفضا لإقرار الدستور، خاصة أن البعض ممن أنيط بهم التعديلات من قبل هاجم ثورة الشعب وقال: إن فترة شهرين كافية لإتمام التعديلات، ولكنه لم يلق ببصره إلى موت الحياة السياسية، سواء من حيث غياب كافة النقابات العمالية أو المهنية، أو عجز الأحزاب عن التعبير عن الإرادة الشعبية التي تجاوزتهم، حتى أن مشهد البعض منهم في المؤتمرات الصحفية التي يعقدونها يبدو مضحكا كونه يتحدث إلى نفسه عما يرضيه هو وليس عما يحتاجه الشعب. عندما تدب الحياة والحيوية بالمشاركة الشعبية في الحياة السياسية، يمكن أن نقول إن الدولة المصرية وصلت إلى قاعدة الانطلاق إلى المستقبل. وهنا يجب مواجهة الحقيقة، أن ستة أشهر لا تبدو الفترة الكافية لتحقيق مهام إعادة الحياة السياسية، لذا يجب أن يتم حوار بين المجلس العسكري وقيادته من ناحية وبين الشعب، وعبر أدوات اتصال مفتوحة لكل العناصر السياسية في الوطن، وهو أمر لصالح مصر، فضلا عن كونه يعيد التوازن إلى الرؤية الشعبية لمطالب التغيير. الأمثلة واضحة حول مدى الفترات الانتقالية، ففي تجربة السودان وحركة النقابات ضد النميري وتولي سوار الذهب المسؤولية، ورغم نضج الحالة الحزبية والنقابية في السودان إلا أن الأمر تطلب عاما لنقل السلطة. وفي حالة الجزائر بعد الشاذلي بن الجديد والتي أتاحت مدة أقل من ثلاثة أشهر لمجرد محاولة إثبات أنها ديمقراطية، أدت إلى عشر سنوات من المذابح، ولم تخرج منها الجزائر بعد. وبدأت موجة جديدة من التظاهرات والاعتصامات ترفع مطالب اجتماعية تحتاج إلى حديث من المجلس العسكري يتجاوز البيانات بالقرارات، مع الجماهير حتى تصل إلى الجماهير رسالة بجدية التعامل مع احتياجاتها، أما لماذا من المجلس العسكري؟، فالإجابة لأن الوزارة القائمة فاقدة المصداقية لدى الشعب. فهي ما زالت ترى أن هناك احتمالا بعودة نائب الرئيس المتجاوز قدره مع الشعب إلى الحياة السياسية، وهو شخص رفضته الثورة كما أنها تضع علامات استفهام حول مراد موافي رئيس جهاز المخابرات العامة الجديد، لأنه تطاول على أهل سيناء واصفا إياهم بأنهم عملاء لإسرائيل، وإذا تمردوا عليها فإنها تضربهم "بالجزمة"، وغير هذا فإن عقيدته القتالية محل شك، فهو يرى أن إلغاء كمب ديفيد سيؤدي إلى حرب تعود بمصر قرونا إلى الوراء، فكيف بهذه العقليات المهزومة أن تدير وطن ما بعد الثورة. وعلى الضفة الأخرى في جانب الحركة الشعبية يبدو أن هناك نوعا من الارتباك، يحتاج إلى يقظة عالية، فليس هناك اتحاد للعمال وليس هناك نقابات، كما أن الأحزاب قد فقدت مصداقيتها لدى الشعب، وإلا لماذا تولى الشعب الأمر بيده وأزاح النظام بدعوة خرجت من داخله. ولا يجب اختزال ثورة شعب بأكمله وفي كل الوطن، فيمن كانوا بميدان التحرير، والذي صار رمزا لهذه الثورة الشعبية الشاملة، ولا يجب اختزال ما يمثله الميدان، في الشباب الذي تصدر الثورة وكان لهيبها وقدم الشهداء قربانا ليوم التحرير، ولا يجب اختزال الشباب في حزب للشباب يضم البعض ولا يضم الآخرين ولكنه يجب أن يكون لكل من يشاء حزبه المعبر عنه، ولا يجب اختزال كل هذا في بعض من الأفراد هم المتحاورون أو المتحدثون باسم الثورة، فهذا يفتح الباب إلى تقزيم الزخم الشعبي العظيم من حول الثورة وأهدافها، وليس من الممكن تعويض خسائر 30 عاما خلال 180 يوما فقط، إلا إذا كان الهدف ليس وضع أساس الدولة العصرية بكل الشعب ولكل الشعب. هكذا انتصرت ثورة مصر نصرا عزيزا وبدأ الجهاد الأكبر لبناء مصر العصرية.

966

| 15 فبراير 2011

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

3063

| 13 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

2901

| 12 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1374

| 13 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1020

| 11 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

738

| 08 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

723

| 13 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

666

| 13 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

648

| 12 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

633

| 09 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

612

| 13 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

579

| 11 مايو 2026

alsharq
طغيان المحتوى الترفيهي وأثره على وعي المجتمع

نُقل عن الصحابي عبد الله بن مسعود رضي...

549

| 09 مايو 2026

أخبار محلية