رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يجري في مصر هذه اللحظات تصعب ملاحقة أحداثه فضلا عن تفاصيله التي أدت إلى تجريف للنظام السابق بكل أركانه من أشخاص ومؤسسات، وهو يفرض تحديد موقف من التغيرات والتباديل في التكتلات والقرارات والإجراءات التي جرت على مدى زمني طويل، وكادت أن تقسم المجتمع لو لم يتمكن الشعب من إيجاد قواعد تتناسب مع الجديد الذي يصدمه كل لحظة، من حجم الفساد وتنوعه وشموله لكافة أركان النظام. وعرف الشعب بالتجربة قيمة الاحتشاد واستخدمها.
ويتجاوز الأمر مجرد الكلمات، وتتشكل في الواقع مراكز جديدة وتخرج للعيان قوى طال زمن اختفائها في حضن النظام، حتى أن البلطجية الذين استخدمهم الأمن أداة للقمع والقتل، أصبحوا جزءا من القوى الموجودة بالمجتمع ومن الواجب الانتباه إلى أفعالهم.
وأكثر الأشياء وطأة، هو ما يبدو على السطح، أن من قاوموا الخروج والتظاهر يوم 25 يناير، هم من يملأون المشهد صياحا وحضورا وأكثر الناس كسبا من وراء الثورة وسقوط النظام.
وشهد الأسبوع الماضي وقائع هدم النظام القديم من تحقيقات واتهامات والقبض على الرئيس المخلوع وابنيه، ورئيس مجلس الشعب، وتغيير المحافظين، وانتهاء بالحكم بحل الحزب الوطني، والإعداد لإصدار قرار بحل المجالس المحلية، موجات هدم متوالية للنظام السابق، والحوار حول المستقبل في حالة تأجيل مريب.
ويتجه الجهد من بعد تحقيق هدم القديم إلى بناء نظام الثورة الجديد الذي خرج لها الشعب متجاوزا حتى تصورات السياسيين والمفكرين. وإذا كانت لجنة "البشري" هي الداء الذي أصاب مطلب وضع الدستور وإحالته إلى لجنة من مائة عضو يجري اختيارها من بين أعضاء المجالس النيابية، وأن دور الشعب وفقا للجنة "البشري" يقتصر على القبول أو الرفض في استفتاء عام، فإن علاج "داء لجنة البشري" يأتي من "تصور البشري" نفسه في كتابه "مصر بين العصيان والتفكك"، وهو تصور لا يمكن اجتزاؤه وهو كُلٍ واحد ويناقض التصور الذي أخذ به بعد الثورة، وتساءل طارق البشري في كتابه "ولكن ما العمل، تعديل الدستور مطلوب جدا، ولكن ماذا قبل تعديله وماذا يصاحبه وماذا بعد؟"، وكل هذا لم تشر إليه اللجنة.
ويقول "إن الدستور هو نظام قانوني، وهو يسبغ الشرعية على واقع قائم أو يحسر الشرعية عن واقع ضار، وهو ييسر وجود ما هو مطلوب ويعوق ظهور ما يراد تجنبه، وهو ينظم علاقات التعامل بين ما هو قائم في الواقع من قوى اجتماعية ومؤسسات مشخصة لهذه القوى، ومن كيانات سياسية سواء كانت في داخل هياكل سلطة الدولة أو خارجها".
ويصل إلى قول فصل " إن التوزيع القانوني والدستوري للسلطة يعتمد أول ما يعتمد على التوزيع الفعلي للقوى الاجتماعية السياسية ذات التعدد، والتي تكون متبلورة في تكوينات تشخصها وتعبر عنها في إطار إرادات سياسية ومشخصات مؤسسية، تظهر في شكل تنظيمات أو أحزاب أو نقابات أو جمعيات أو كل هؤلاء. وأنا لا أتكلم هنا عما يكفله القانون من تشكيلات، ولكني أشير وأقصد الإشارة إلى ما يكون موجودا في الواقع الفعلي من تكوينات تجمع أناسا بوصفهم قوة سياسية اجتماعية وتعبر عن إرادة هؤلاء المجتمعين وتمتلك القدرة على تحريكهم الفعلي عندما ترى داعيا لذلك. وتكون إرادتها التي تبديها عند الضرورة وحركتها الفعلية التي تقوم بها عند اللزوم، يكون ذلك ذا فاعلية وتأثير في الواقع المحسوس أيا كانت درجته".
هذا شيء مما كتبه البشري والذي يفرض به أن الدستور إرادة مجتمعية لا يجوز إحالتها على أي نحو إلى لجنة مختارة من بين ممثلي الدوائر المنتخبين كأعضاء مجلسي الشعب والشورى، الذين ليسوا بالضرورة تعبيرا عن القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة داخل المجتمع، وهذا ما يزيد من الخلل الذي أصاب حركة الثورة وإرادتها عندما تبنى الإعلان الدستوري التصور الذي اقترحته لجنة البشري، ولا يعبر على أي نحو عن إرادة المجتمع، بل هو يسرق إنجاز الثورة ويوجهه على غير هدي إلى المجهول، والظاهر للعيان وما اتهم به البشري ولجنته أنه يمكن تيار الإخوان وحده، حتى أن المتحدث باسم المجلس العسكري نفى هذا عن المجلس في تصريحات صحفية.
نظام سابق يتم تقويض أركانه خلال أسبوع، ودستور مؤجل طبقا لمقترحات لجنة البشري ونقيض تصوراته المعلنة قبل الثورة عن الحوار المجتمعي مصدر الدستور.
وتنطلق في المجتمع ثلاث قوى وقد أصابتها حالة من التغير، بينما انهار الدور الأمني في المجتمع لجهاز الشرطة، وليس هناك من يناقشه أو يعيد إليه الحياة.
البلطجية والإخوان والشباب ويكاد أن تجمع الثلاثة عقيدة واحدة هي أساس التحرك، وهي البلطجة. ورغم أنه ليس كل الإخوان ولا كل الشباب بلطجية، ولكن السلوكيات والمبررات التي يسوقونها تنضوي تحت منهج ومفهوم البلطجة.
هذا ما يمكن ملاحظة أنه يستشري كما النار في الهشيم، فالبلطجة المباشرة من مجرمين أو جماعات استطابت البلطجة بعد غياب الأمن أصاب المجتمع بنوع من التوتر، بينما جهاز الشرطة يمارس دوره برعونة دون أي إحساس بالمسؤولية إلى الحد الذي يجري الحديث عن أن ممارسات السلفيين في قنا من قطع الطريق على قطارات السكك الحديدية، هي من صناعة بقايا جهاز أمن الدولة وعناصر تنتمي إلى الحزب الوطني الذي تم حله، واتجه البلطجية لخدمة أنفسهم بعد أن كانوا يخدمون الأمن.
ويبلغ الأمر أن يعلن الإخوان: "نسعى لإقامة الحكم الإسلامي وتطبيق «الحدود» بعد امتلاك الأرض"، ودون مبرر لامتلاك الأرض الذي يدعونه، أو أحقية الولاية على المجتمع بتطبيق الحدود، ولكنهم بذلك وصموا أنفسهم ضمنا أنهم يسرقون ثورة شعب جاءوها بعد أن تمكنت من عوامل النجاح الأساسية.
هل يمكن توصيف هذا الادعاء "القيمي" بغير البلطجة؟ كيف امتلك الإخوان الأرض؟ أم يعني المتحدث بهذا القول أنهم سرقوا الأرض من تحت أقدام الشعب، أليست هذه بلطجة؟؟
وهل يمكن التغاضي عن قول صبحي صالح إنه لولا الإخوان والجيش لتمت هزيمة الثورة!، وإن كان ذلك كذلك، فلماذا لم يقم الإخوان أساسا بالثورة؟ وكانوا جنبونا كل الزمن الذي انقضى تحت براثن نظام فاسد، ولماذا انتظروا حتى خرج الشعب بكل الإرادة؟
ثم حماية الثورة؟ بأمارة إيه؟ ووعيهم السياسي لا يتجاوز التداعيات التنظيمية لصالحهم، بل إن جريمة البشري تكاد تكشف لهم دورا رديئا عائدا إلى عدم الوعي، وانعدام الانتماء لغير الذات عندما قبلوا بمشاركته ورفضوا الانتماء لوعي الثورة أو حتى نمطية الأداء في وضع دستور ما بعد الثورة وفرضوا رؤيتهم على البشري، أو أنهم جميعا قبلوا بها على غير أمانة الوفاء للثورة.
ويطيب لعناصرهم أن يتحدثوا عن أشياء ثلاثة غير ما أعلنوه من امتلاك للأرض:
أنهم قضوا من أعمارهم في السجون زمنا، وهم من تحملوا العذاب، وهو أمر لا ينكره أحد ولكن السؤال لماذا تحملتم هذا؟ هل من أجل تحرير الوطن أم من أجل بناء تنظيمكم؟
وأنهم والسلفيون وبقايا الحزب الوطني هم القوى الموجودة بالمجتمع، ويتساءلون وباستعلاء، ومن غيرنا في المجتمع؟ أي أنهم خرجوا من الجماعة الوطنية وحرموا الشباب أيضاً من حقهم في المستقبل.
وثالث ما يتحدثون عنه، يطلقون عليه المسكوت عنه، وهو إخراج الجيش من الحياة السياسية، وهو مطلب يعني عندهم الانفراد بالمجتمع.
واكتملت الصورة بالانقضاض على ما أعلنوه من مدنية الدولة إلى الحديث عن امتلاك الأرض وإقامة الحكم الإسلامي.
وتعرض الشباب لاختبار الوعي عندما هدأت الحركة وكانت الأسئلة المطروحة أعمق كثيرا من مجرد القدرة على الحشد والتظاهر، وتبين أن هناك ندرة في الكوادر، وانتقلت القيادة في بعض المواقف إلى عناصر غير مؤهلة، والبعض منهم يعتمد قاعدة الهتاف في لحظة يجب فيها التفكير والحوار، بل وزاد الطين بلة في بعض المواقف أن عناصر مشبوهة جنائيا انتشرت في إطار خدمات الشاي والطعام وأيضا "الكيف"، ولولا أني شاهدت هذا بنفسي وتعاملت معه لما سجلته حتى نستطيع مواجهته وحماية الشباب رأس رمح الثورة منه، كل هذا مثل عبئا على نمو حركة الشباب، وأدى إلى تشوهات يرصدها المجتمع والمواطنون مما أتاح فرصة لاتهام الشباب بادعاءات الحركة المضادة للثورة.
ويتعرض الشباب لمرض النجومية الخطير، والذي صاحبه انقلاب على الأجيال السابقة عليه، وكأنه نبت شيطاني خرج منفردا ومستقلا عن غيره، وزاد الإحساس الذي جرت زراعته داخله بأنه هو الثورة، إلى تزايد حالة التمرد على كل صور الوعي والإدراك بحجة أنها من إنتاج عصور بائدة.
ورغم ذلك كله، ما زال مخزون الثورة والوعي عند الكتلة الأكبر من الشباب قادر على الحشد، وقادر على الإمساك بإستراتيجية التغيير وتحويلها إلى مهام.
الدستور تتربص به المخاطر، لجنة تضعه بديلا عن شعب بأسره. وانقلاب على الثورة تؤديه وزارة الداخلية والبلطجية ويشاركهم الإخوان والسلفيون، ويتسرب الخطر إلى الشباب عماد رمح الثورة. الخطر الداخلي أشد وطأة من الخطر الخارجي وكلاهما خطر ويجب التصدي له، وعجلة الزمن تدور والأكثرية يستغرقها الثأر والقصاص، فهل آن لنا أن نوقف تداعي سرقة الثورة بإحالة أمر الدستور إلى جمعية تأسيسية للقوى الوطنية بديلا عن مسلسل الانتخابات ولجنة المائة، سؤال يفرض نفسه على إرادة الثورة، ووجب الاحتشاد للإجابة عنه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4671
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4326
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1485
| 13 مايو 2026