رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثورة شعبية أم حركة مطلبية، هو جوهر خطأ التشخيص الذي أدى إلى خلل في تقييم ما يجري على الأرض العربية، وأصاب الإنجاز بالتباطؤ بعد أن كان زمن إزاحة الرؤوس قياسيا. وبقدر ما كشفت حركة الشعب العربي عن إرادة التغيير التي حولت مخزون الرفض للواقع إلى ثورة ترفض القائم وتطالب بالحرية السياسية وحق العمل والتنمية والعدل الاجتماعي، فإنها أيضاً كشفت تيبس النظم العربية، وفي ليبيا كشفت عن انهيار العقل الحاكم، قدر انهيار الشعارات، وأن هناك تآكلا داخليا في بنية النظام، بل إن استخدام هذا النظام لسلاح الطيران والدبابات ضد الشعب الذي دفع ثمن السلاح وثمن الذخائر التي تقتله، أكد أن النظام ذهب بلا رجعة، وأن جريمة اليوم ذهبت بقيمة ثورة الفاتح، وكشفت زيف كل الشعارات، وأن ثائر الأمس تحول وابنه إلى كوميديا الدم، بل استدعى وجوب التدخل العربي لإنقاذ الشعب الليبي من مجازر أشد وطأة من مذابح الاحتلال الإيطالي ضد الشعب.
تأكد من وقائع الإصرار الشعبي في تونس ومصر وليبيا، أنها ثورات شعبية، تقبل بالتضحية، وترى أن الحرية تستحق الشهادة.
تونس تتحرك نحو بلورة أنها ثورة بالانتهاء من آخر صور النظام القديم، والوصول إلى مرحلة حكومة انتقالية وجمعية تأسيسية لوضع دستور جديد ولهذا وصلت ثورة الشعب التونسي إلى نقطة "بدأ بناء نظام جديد". ويبقى قدرة المجتمع على التعبير عن قواه الحية في الجمعية التأسيسية وإقرار العقد الاجتماعي الجديد في دستور الدولة.
وتشهد ليبيا صوره أخرى من الصراع، حيث لا تواجه الثورة نظاما لدولة. ولكنها تحاول استرداد الدولة من براثن نظام جنح إلى قتل الشعب ليبقي رغم كل العناوين التي رفعها هذا النظام. والنظام الليبي لا يعادي الشعب الليبي فقط. بل أعلن الحرب على العرب مجتمعين ولم يترك شيئا لم يهاجمه. ولم يترك لنفسه شيئا يشفع له حتى باللجوء خارج ليبيا أو البقاء فيها كرئيس أو قائد سابق.
نهاية لنظام استمر42 عاما. ولكنها نهاية لم تتحدد صورتها بعد. فليس نظام القذافي أو حركة الثورة ضده وحدهما على ساحة الصراع. ولكن هناك أمريكا وهناك الغرب وثالثا هناك إسرائيل. أجراس خطر عميق تدق في كل ليبيا. وكأن القذافي قد تقمص شخصية "نيرون". فإما أن يبقى رئيسا أو فلتحترق ليبيا وليفن الليبيون. ولم يملك النظام العربي كله قدرة على دعم ثورة الشعب. وانشغل فقط بإخراج العاملين هناك من أبنائه وإنقاذهم من أعمال الإبادة، دون الانتباه إلى الخطر الشامل الذي يحيط بليبيا.
ويكاد نظام ليبيا المنهار يسهم مع نظام البشير في استكمال حلقات الحصار والتوتر حول مصر. فهل يستطيع العرب تكوين قوة عسكرية للحيلولة دون القذافي وإبادة الشعب الليبي. أو وقوع ليبيا صيدا ثمينا لأمريكا يعيدنا 42 عاما للوراء؟ أم أن الشعب الليبي سيفاجئ العالم وينهي المواجهة لصالحه قبل التدخل الأمريكي.
لم يعد لك بقاء سيادة العقيد. وشعبك أحق منك بالبقاء. ليتك تصدق مع نفسك وتتركه ليحيا.
وتقترب الحالة في اليمن من اكتمال النضج. وأحاديث الرئيس اليمني وتحليلاته تثير الدهشة خاصة عندما يتهم الشعب أنه يعمل بأجندة أمريكية وكل الوثائق تؤكد أن الرئيس اليمني لا يحق له هذا لأنه صديق وفي لأمريكا ويسمح لها بالقتل والقصف ويغطي هذا بادعاء أنها عمليات يقوم بها جيشه.
هكذا يتضح وفي سطوع الشمس، أن ما يجري ليس حركات مطلبية، بل هي ثورات شعبية بكل إرادة التغيير لدى الشعوب، وكأن معاملا من معاملات الوحدة يتكشف للعيان.
ويبدو الأمر في مصر صراعا مع الزمن، ومحاولة لتأكيد طبيعة إرادة الثورة، ولقد شهد الأسبوع المنقضي أمران طالما نادى بهما الشعب، إقالة وزارة أحمد شفيق التي عينها الرئيس المتنحي، وتكليف الدكتور عصام شرف بتشكيل وزارة جديدة، والأمر الثاني مواجهة من نوع آخر بين الجماهير وجهاز أمن الدولة، فبينما كانت الحشود تنادي بحل الجهاز، كان أعضاء الجهاز يقومون بحرق الملفات التي تحوي تقارير وصنوفا عديدة من ممارساته، وهو ما دفع الحشود الشعبية إلى حصار مقاره، ومواجهة الرصاص الذي أطلقه ضباطه على الجماهير، وقنابل المولوتوف، مما أدى إلى سيطرة المتظاهرين على كافة المقار الخاصة بالجهاز، وكشف العديد من مستنداته، التي حملت نفس المفاجآت التي حملتها تحقيقات الفساد المالي، وصارت هناك ثلاث حقائق، رحيل وزارة شفيق، كشف حجم الفساد المالي، وكشف فساد جهاز أمن الدولة وانتشاره السرطاني في جسد مصر. ويبقى أمام الجماهير مهمة أخرى لتقويض نظام مبارك، وتتمثل في القضاء على الفساد السياسي الذي يمثله الحزب الحاكم، وقياداته التي مارست التزوير، واجترأت على المجتمع وقواه الاجتماعية مستخدمة آلة جهاز أمن الدولة، وثروة الدولة المصرية من منشآت ومصانع وأراض لتخلق طبقة من المنتفعين واللصوص تمثل جسد هذا الحزب.
وتتجه الثورة الشعبية في مصر إلى اختبار المستقبل وقدرتها على استيعاب حقائقه، وكان يمكن لثورة الشعب أن تكسب زمنا يقارب الشهر لو أن وزارة شفيق رحلت مع تنحي الرئيس، ونفس الموقف يعود من جديد، حيث إن تصورا بأن الحل في تعديلات تجرى على بعض مواد الدستور والتي تخص شروط ترشح رئيس الجمهورية، والإشراف على الانتخابات، وهو تصور يمارس استنزافا جديدا للثورة.
أوضحت الاقتراحات أن هناك فارقا جوهريا بين استيعاب اللجنة التي كلفت، لمعنى مطالب الثورة بالتغيير وإقرار دستور جديد للبلاد، وبين حقيقة وجوهر الشرعية الثورية التي فرضتها ثورة 25 يناير. وصار مرهقا استمرار التذكرة أن الشعب أراد إسقاط النظام، وأن إرادة الشعب نجحت في إسقاط النظام، وأن هذا يعني سقوط الدستور الحاكم والقوانين المكملة له والتي حكم بمقتضاها النظام السابق، وأن ما فعلته اللجنة لا يقارب هذه الإرادة على الإطلاق، وكأنه صار مطلوبا من جديد إعادة الحركة لتحقيق مطلب التغيير الجوهري في جمعية تأسيسية تمثل القوى الاجتماعية والسياسية في المجتمع، لتضع دستورا جديدا للبلاد، وهو ما وصلت إليه تونس أخيرا بعد 40 يوما من رحيل بن علي، ولكن مصر مدفوعة إلى أن تقبل بالاستفتاء يوم 19 مارس على التعديلات المقترحة، وهو دفع لا يقارب إرادة الشعب على أي نحو، بل هو تجاهل لها ومحاولة لفرض مسار غير آمن لاستكمال التغيير.
هناك نقطة مفصلية مفقود التواصل عندها بين القرار وإرادة التغيير، هناك رؤية مختلفة، تسعى إلى وضع ما جرى في إطار حركة مطلبية للإصلاح، وتحول بين الشعب وبين تكوين وجوده المؤسسي في تشكيلات حزبية ونقابية تتيح له المشاركة في الحياة السياسية.
منحى التعديلات الدستورية وانتخابات برلمانية ورئاسية، قد يؤدي إلى انهيار ما تحقق، وهو خطر داهم على ثورة الشعب.
وما يزيد من هذا الخطر ثلاثة مشاهد لا تخطئها العين:
المشهد الأول يتمثل في وجود الدكتور يحيى الجمل في كل لقاءات رئيس الوزراء المكلف، ويحيى الجمل له موقف سلبي من الثورة، تمثل في تصريحات تناولت ضرورة التوقف عن الحركة والعودة إلى المنازل، وذلك قبل تنحي الرئيس السابق، ثم قبوله بأمر المشاركة في اللجنة الأولى للتعديلات، وأخيرا قبوله للانضمام إلى وزارة شفيق، وهو في هذه الأمور الثلاثة كان يتحرك ضد إرادة الشعب الذي يطالب بإسقاط النظام وإسقاط الرئيس وإسقاط شفيق، حتى أنه بكى رحيل شفيق ولم نره يبكي الشهداء! وليس متصورا أن أحدا عاقلا يمكنه أن يعتمد على أفق هذا الرجل المناوئ للثورة أو في حده الأدنى غير المستوعب لأهدافها، وكأننا مطالبون بأن نقرع جرسا على رأس رئيس الوزراء المكلف، وكأنهم يقرأون واقعا غير الذي نحياه، أو ينتوون غير ما يريد الشعب!!
المشهد الثاني تمثل في إقامة مهرجانات احتفالية، تحت اسم ائتلاف الثورة، بينما كانت الجماهير تحاصر مقار مباحث أمن الدولة، مفارقة حادة بين من اعتقد أنه أوان الاحتفال، ومن يرى أن أهداف الثورة تحتاج المثابرة والدأب والاحتشاد وتحقيق الأهداف مباشرة بواسطة الجماهير؟
والمشهد الثالث يتمثل في مرشحي الرئاسة، الذين نزعوا أنفسهم من هدف التغيير الذي رفعه الشعب، وأعدوا أنفسهم للاستفادة من نتائج التعديلات المحدودة، وتساوى جميعهم في هذا، تساوى الجميع في أنهم يحاولون تحجيم الثورة بكل التضحيات التي بذلت حتى الآن في حدود أنها طريق لانتخابات الرئاسة، ولم يحاول أي منهم أن يناقش أن التعديلات لا توفي الاحتياج الوطني في اللحظة.
ليست قضية التغيير مسألة تتحمل وجهات النظر، ولا هي تتحمل المناورة، أو حصارها بادعاءات قانونية تركن إلى دستور تجاوزته ثورة الشعب.
والإصرار على الإسراع بعملية الاستفتاء، على رؤية لجنة ومجلس عسكري، وتجاوز إرادة الشعب، سيدفع الشعب نتيجة لذلك التكلفة من جديد، وفي زمن غير مرئي.
إن تجاهل إرادة الشعب يعني استجابة للانقلاب عليها، فمن يملك هذا الحق.
لم ينجح تحالف الثروة والسلطة وأمن الدولة والبلطجية في قمع الثورة وإجهاضها، وتولت لجنة التعديلات الدستورية ووزارة التكنوقراط ومرشحو الرئاسة مسؤولية الالتفاف على إرادة الشعب، فمن سيدفع ثمن هذا؟، بينما حدود الوطن ترزح تحت تهديدات تفرض أعلى حالات التماسك والوحدة بين قواه الحية التي تجلت بالملايين في ثورة الشعب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5007
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4938
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1623
| 13 مايو 2026