رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحديث اليوم يريد أن يخرج عن الصمت، وإلا يدع شيئا محل الاحتمالات المخبأة بين براثن القوة القاتلة، التي تعمل قدراتها في ليبيا واليمن، أو هي تركن إلى الأحكام العرفية المستندة إلى مطلق القوة، دون الالتزام بمعنى الثورة ومفهومها والمترتب على هذا الالتزام من واجبات.
من قبل تفجر الثورة الشعبية في كل من تونس ومصر، كانت حسابات القوة ومعادلتها دائما ترمي إلى تحييد الجيش، ثم يجري الحديث بالأمل إلى انضمام الجيش إلى حركة الشعب، وعندها يكون الحسم لصالح الشعب وحركته.
ومع المفاجأة التي أصابت المراقبين من جراء ما جرى من الشعب، وما نجح في تحقيقه من وضوح في مطالبه، وارتقاء بها إلى مطلب إسقاط النظم وتحقيق ذلك المطلب، ومع قبوله بالتضحيات التي فرضتها الأنظمة المنحلة، تحقق خروج الجيش من جانب الحياد إلى جانب المطالب المشروعة للشعب، وعند تلك اللحظة، تحققت نتيجة سقوط النظم وأجهزتها البوليسية، وتداعي انكشاف طبيعة الأجهزة البوليسية ودورها الخطير في العدوان على الشعب وانتهاك حرماته.
كما أسقطت الفساد الأمني، وكشفت الانهيار في المفاهيم والأخلاق وتدني الوسائل وانتهاك الحرمات، أسقطت الثورة منظومة الفساد المالي في مصر، تم كشفها والتحقيقات تزيح الستار عن أكبر عملية نهب في تاريخ مصر، ومع ذلك لم يحدث اقتراب من الفساد السياسي الممثل في أداءات الحزب الحاكم، وتشكيلاته.
وصارت المهمة المشتركة من الثورة والجيش هي صياغة العقد الاجتماعي الجديد.
الثورة ليست القوى السياسية أو التنظيمات القائمة والأحزاب، فحركة الشعب المليونية كانت متجاوزة لكل ما هو قائم قدر تجاوزها لاحتمالات الفتنة الطائفية والفئوية والسياسية بين الشعب.
عند لحظة بدا أن هناك نتائج للثورة يمكن أن تأخذ مكانها في الواقع، جرت عملية حصار لحركة الثورة تحت دعاوي كثيرة، منها خطر الانفلات الأمني المصنوع، والتهديد بالجوع والانهيار الاقتصادي الذي يتربص بالشعب، كما جرى تحريض فئات عديدة ضد حركة الثورة، وأسهم فيها الإعلام الحكومي أيضا، وتم اختراق المجموعات الشبابية المنتمية إلى حركة الثورة بسياسة أنهم سيحققون مطالبهم... ولكن!!، وارتفعت أصوات توزع الاتهامات على المعتصمين، أو من يحاولون الاستمرار في المسيرة.
وجرت صناعة صور متعددة من الفتنة الطائفية، لا يمكن الادعاء أنها ناتج طبيعي لتوتر بين الشعب، ولكنها تفضح نفسها بحدوثها في لحظات التوحد، ويتخذ منها ذريعة للانقضاض على المعتصمين في التحرير. وفي الوقت ذاته تظهر الجماعات السلفية في موجات متعددة تبدو وكأنها مدعوة على عجل، وهي التي كانت الشكوك تحيط بعلاقتها بجهاز أمن الدولة، ثم زادت هذه الشكوك بما تثيره داخل المجتمع من دعوات ليست بالأساس مطروحة للمناقشة كما المادة الثانية من الدستور المصري التي تجعل من مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.
كل ذلك واكبه نوع من البطء في اتخاذ القرارات السيادية التي يتخذها المجلس الأعلى العسكري، الأمر الذي فتح الباب لنمو الادعاءات المضادة للثورة، وأيضا أصاب الشعب، والذي تتكشف أمامه فضائح النظام السابق بما يفوق الخيال، أصابه بنوع من الريبة، وفرض سؤال فحواه: مع من يقف المجلس العسكري الذي هو ضمانة الحفاظ على ثورة الشعب ألا ينقض عليها أحد بالاختطاف والسرقة أو بالانحراف بها لهوى في نفسه.
لحظة هدوء اندفاع حركة الثورة، والتي استمرت 18 يوما من دون انقطاع، وتخللها مواجهات دامية، واكب الهدوء تباطؤ المجلس الأعلى العسكري في اتخاذ القرارات، هذه اللحظة كانت الحاجة عندها إلى "القيادة والتنظيم" وهو ما لا تملكه الثورة.
وظهر تناقض في استيعاب أهداف الثورة بين المجلس العسكري وبين شباب المعتصمين، وترك التناقض شرخا كان مستبعدا حدوثه مع كل البيانات المتتالية والهتافات الداعية للوحدة، وزاد من الشرخ تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، برئاسة رجل له مكانة محترمة، ولكن طبيعة التشكيل اتجهت كما قرأها البعض إلى انحياز لجماعة الإخوان وتعيين المحامي صبحي صالح باللجنة دون مدعاة موضوعية، وعندما ناقشت الأصدقاء في الإخوان المسلمين كان ردهم، أن الدكتور فتحي سرور كان يقول فيه إنه حجة قانونية، مما زاد الريبة، خاصة أن قصة الثورة والإخوان لم يجر تعديلها إلا يوم 2 فبراير أي بعد نجاح الثورة ونزول الجيش إلى الشارع.
هذا الشرخ الذي اتسع دخلت منه جماعة الإخوان، واختارت عكس ما تقضي به حركة الثورة، وتناست سقوط شرعية النظام، واختارت الانحياز إلى إمكانية تحقيق مكاسب لحظية، كما كان الإفراج عن بعض قياداتها باديا للعيان أنه ثمن لموقف ما رغم الادعاء أن السبب إفراج صحي. وبدا واضحا أن هناك التقاء ما، عرض فيه الإخوان أنهم البديل التنظيمي للحزب الوطني الذي يمكنه أن يدعم موقف المجلس، والغريب أن الشعب بكل طوائفه كان يدعم المجلس العسكري، ويراه قوة الشعب، ولكن لماذا اتخذ المجلس هذا الاتجاه؟، سؤال من الصعب الرد عليه الآن.
وانحاز المجلس إلى خيار التعديلات، وليس التغيير، وهو أضعف خيارات الثورة، وليس الخطأ في الانحياز إلى أحد الخيارات، ولكن الخطأ في الاستماع لرأي واحد وتجاهل ما يجري بالشارع المصري في مواجهة التعديلات. وجرى توصيف الانحياز بأنه مضاد للثورة، ولخياراتها، التي أعلنت بكل براءة ورومانسيه الثوار وبدم الشهداء الذين ليسوا من الإخوان ولا من المجلس العسكري ولا يكفي لهم تحية الشهيد على شاشة التلفزيون ثم الانقلاب من بعد على أهداف ضحى الشهداء بدمهم من أجلها.
وخطر آخر يحيق بجماعة الإخوان ذاتها، أن تتصور أن مواجهتها مع صحيح الثورة ودلالاته في أهمية الأخذ بمطلب التغيير، يمكنها أن تكون مجرد اختلاف في الرأي تسمح به ديمقراطية فترة الفراغ، لأن ما دفعها اليوم لتجاهل إرادة الشعب، سيدفع قوى شعبية وسياسية احتضنتها لحظة مواجهاتها مع النظام، وتغاضت عن اتفاقات الظلام بينها وبينه، ودعت إلى وحدة العمل الوطني، إلا أنها خرجت على ذلك كله في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، وخرجت عليها في ليلة 25 يناير، ثم هاهي تخرج عن حركة الشعب باختيار التعديلات، ووصل بها الأمر إلى تجميد حركة أعضائها خلال الأسبوعين الماضيين، وأخذت بمنهج الميل إلى من بيده السلطة، ومكررة تجربة التعامل مع ثورة 1952، وخرج كتاب ينتمون إلى الجماعة يسلمون بغير الاحتياج الوطني، وليس لنا إلا الدعوة إلى الانتباه.
الشرخ بين المجلس العسكري وثورة الشعب آخذ في الاتساع، بعد جنوح المجلس إلى إجراء استفتاء حول تعديلات لبعض المواد الدستورية في شأن ترشح وانتخاب رئيس، ثم اتجاه العملية الانتخابية لانتخاب مجلس نيابي ورئيس للجمهورية، وهو ما يعيد قوى تجاوزتها الثورة إلى المشهد السياسي، وتلك التعبيرات المريبة التي تنم عن منهج الحصص عن أن الإخوان تريد فقط 35% من المقاعد، دون مبرر موضوعي إلا أنها مواكبة للحدث وليست مفجرة ولا قائدة.
تجاوزت الثورة كل القوى ولا أحد له حق الوراثة، وهذا ما يتيحه المنهج الذي أخذ به المجلس العسكري ولجنة التعديلات الدستورية.
هنا تبدو ثورة الشعب التي تفجرت في 25 يناير 2011 نهبا لكل من تجاوزتهم، ومعرضة للسرقة، وكأنها مطالبة أن تبدأ المشوار من جديد.
من عوامل الخطر أيضاً التردد في التعامل بين النخبة، وعدم العمل على زيادة الوعي المجتمعي، والتوجه دائما بالحديث إلى المجلس الأعلى، تكرارا لمنهج كان قبل 25 يناير، وهو خطر يمكن أن يؤدي إلى طمس أهداف الثورة والنتائج المترتبة عليها، وتحويلها إلى حدث عارض في تاريخ مصر، ودون ذلك بدايات جديدة قد يكون الدم والتضحية فيها أكبر.
تحول لقوى كان يجب أن تنتمي إلى معسكر الثورة، لكن طبيعتها تحول دون ذلك.
وتباطؤ في حركة المجلس الأعلى العسكري عن الانحياز لأهداف الثورة واتخاذ خطوات مباشرة لتحقيقها.
ذلك ما أدى إلى اتساع الحركة المناوأة للثورة، ومحاولات تحجيم نتائج الثورة.
ما يجري الآن ليس نهاية المطاف، ولن يستقر، وما نراه من نتائج لا مبرر موضوعي لوجوده، ولكنه ناتج تداعيات نشأت عن غياب أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة، ولانشغالات عديدة من النخبة في مهرجانات الاحتفال وشاشات التلفزيون.
وحتى لا يذكر التاريخ أن المجلس العسكري مكن جماعة الإخوان من مصر عن غير حق، وبدون مبرر سوى بطء قراراته واختياراته الوسطية، فالحاجة إلى تحديد موقف من كل منهما، أن يعود المجلس العسكري إلى اختيار الجمعية التأسيسية للدستور وإتاحة فترة انتقالية تسمح بانتخابات النقابات وتشكيل الأحزاب وعودة الحياة السياسية، وأن ترجع الجماعة عن منطق يبعدها عن الشعب حتى وإن بدا لها أن هناك مكسبا سهلا خلال اللحظة، سيكون ثمنه أن يحاصرها الشعب، ويحكم عليها بما لا تطيقه.
ويبقى السؤال أليس ضروريا الخروج الثاني للشعب؟
وهل تتحمل مصر خروجا جديدا من الشعب؟
ليشهدوا منافع لهم
سويعات قليلة، وتدخل على الأمة أعظم أيام الدنيا، الأيام التي لا تشبه مرور الزمن المعتاد، بل تشبه مرور... اقرأ المزيد
183
| 17 مايو 2026
توطين الصناعة من قيود الممرات
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب حساسيتها من التواجد في مناطق ملتهبة بالصراعات والتوترات، لكن الاستثمار... اقرأ المزيد
444
| 17 مايو 2026
سيرة يكتبها صاحبها.. وسيرة تفضحه
مؤخراً.. أصبحت بعض دور النشر العربية تنظر إلى المحرر الأدبي بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، بعدما ظل... اقرأ المزيد
177
| 17 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5730
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5520
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026