رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدت الحاجة إلى وقفة موضوعية مع حكومة تصريف الأعمال، لا نراجع أعضاءها كأفراد ولكن نتجاوز ذلك إلى القرارات، فلا تنابذ بعد الثورة، ولكنه اختيار حر إذا كان المناخ صالحا، ويعبر عن نفسه بالرفض والقبول.
تنقسم الناس في قراءة ما يجري حسب حجم ما اقتطعوه من تورتة الثورة.
اختار الخالق عز وعلا "شهداء" بلغ عددهم 860 شهيدا، وهم من ربحوا المواجهة من اللحظة الأولى، فقد انتهت حياتهم فوق أرض طاهرة ولهدف نبيل، واجتباهم ربهم دون خلقه أجمعين، وصاروا في رقابنا أمانة ومسؤولية، ومعهم عشرة آلاف مصاب وفقدان البصر هو الإصابة الأكثر انتشارا، وينفي وزير الداخلية القادم لتصريف الأعمال عنهم الشهادة ويتهمهم بأنهم من "البغاة" على الأقسام، وهو ذات وصف نظام المخلوع، ومع ذلك مازالت الشرطة خارج الخدمة، ومازال هذا الوزير في الخدمة.
وهناك من هرب من السجن أو أخرج منه بإفراج صحي، أو رفعت الثورة عنه الحظر السياسي ولم يقدم أوراق اعتماده للثورة كي تقبل به أو ترفضه، ولكنهم يتصدرون المشهد ويوزعون الكراسي النيابية، ويكتبون التعديلات الدستورية، ويقودون المظاهرات الطائفية، ويتحركون خارج الاحتياجات الشعبية من حق العمل والمأكل والملبس والمسكن والصحة، إلى امتلاك الأرض وإقامة شرع الله، ومن يناقش الأمر، يوجه إليه اتهام رفض الإسلام ورفض القرآن، إلى هذا الحد بلغ الأمر بهم. يفتقدون لغة الحوار ويرفعون السيف الديني في وجه المجتمع. ومنهم آخرون كما استخدمهم أمن الدولة، عاد فأطلقهم، وكأنهم أصحاب مصر، ويستغلون الانحياز الشعبي إلى الإيمان والتدين، ويقودون أعتى صور الفتنة في زمن تحتاج مصر فيه إلى وحدة كل الشعب لبناء الدولة.
وهناك من يسعى في كل دروب المجتمع وتجمعاته للحديث عن معنى الدستور ووجوب تقديمه على العملية الانتخابية سواء لمجالس نيابية أو رئيس، لأن الشعب لم يسترد إرادته لتغتصب منه وتسلم إلى القادمين من المجهول. ويتردد في الأجواء تساؤل عادل هل ما نحتاجه رؤية وطنيه جديدة، استراتيجية وطنيه، أم فقط دستور، أم نذهب لانتخابات نيابية تكتب نهاية الثورة، وتعود بنا إلى التكتلات العاجزة عن امتلاك تصور مستقبلي للدولة التي نريدها، ومكوناتها الاجتماعية وطريقها الاقتصادي، وهذه التكتلات ذاتها كانت من ضمن الأسباب التي أفضت إلى الفساد بعجزها عن مواجهته، واستدعت الثورة.
ورغم أن عدد الأحزاب التي أعلن عنها محدود، إلا أن هناك عشرات من التجمعات تنتسب اسميا إلى كلمات (الائتلاف ومشتقاته، والشباب، والثورة دفاعا أو دعما، والي حقوق الإنسان)، وهي في غالبيتها محاولات أوليه لا تتضمن تصورا، وتحتاج إلى زمن للإنضاج من حيث الكادر والرؤى السياسية، وهذا التعدد والتنوع يؤكد على عدم قدرة المتاح والمقترح من أحزاب على احتواء الجموع الراغبة في المشاركة السياسية. غير أنه أيضاً يشي بأن ثقافة الهروب من المهام السياسية والتزاماتها تسود، وتتزايد نغمة الخدمات الاجتماعية. أفق مضطرب يحده الرهبة والرغبة في المشاركة والعجز عن تحديد الأولويات.
وتشهد مصر حركة دائبة من منظمات أمريكية وأوروبية، وتسعى المنظمات في دروب تذكرنا بوقائع التقارب المصري الأمريكي نهاية السبعينيات وانتشار الباحثين الأمريكيين في كل ربوع مصر فيما أطلق عليه "وصف مصر بالأمريكاني"، وكأننا الآن أمام محاولة لتفسير الثورة ووقائعها بالأمريكاني، في محاولة منهم للحاق بما فاتهم نتيجة للمفاجأة والسرعة والحسم مما أدي إلى إسقاط النظام على عكس كل التوقعات الغربية والصهيونية، وهي أيضاً محاولة لتشكيل عقل المجموعات العاملة في المجتمع، وبإمكانات عالية، وبتمويل سخي، وعبر لقاءات تجمع الشباب في فنادق النجوم الخمس، ولأيام ست، ولتدريبات عقلية بالأساس، في غياب لأي جهد وطني مناظر، أو متابعة دقيقة لأهداف هذه التحركات.
الآن تتجلى أزمة غياب القيادة وغياب التنظيم، وأن الثورة كانت عابرة لقصور النخب التي لم تستوعب بعد عمق الثورة التي تمت. وتجاوزت أحزاب التشتت، التي فقدت البوصلة. وصارت كلمات الشباب من دون أيديولوجيا متجاوزة رؤى الأحزاب والتيارات السياسية، ولم يرق من هذه الكيانات المهترئة أحد إلى مستوى الرجل القادم من وكالة الطاقة الذرية والذين اتهموه أنه كان بعيدا عن الوطن وجراحه، وكأنهم يرددون أغنيات المواسم الانتخابية بذات إيقاع إعلام النظام المخلوع، جاء الرجل وتحدث على النقيض منهم جميعا عن العدل الاجتماعي والاشتراكية الديمقراطية وضرب مثلا بالنمسا. ورغم هذا مازالت أوجه البهجة المستعارة من النظام المخلوع وخدامة يصارعون الحقيقة ويعرضون أنفسهم عبئا على الوطن.
هذا التعدد قد يراه البعض طبيعيا، لأن الجميع لم ير وقائع ما جرى بذات القدر من الوضوح، وعليه تباينت درجات الوعي بمتطلبات التغيير.
وإذا كان هذا مقبولا بين الشعب، فكيف به إن أصاب حكومة تصريف الأعمال؟، والذي كان وجودها محل صراع طويل على مدى 55 يوما منذ رحيل الرئيس المخلوع حتى إعلان هذه الحكومة برئيس وزراء ممن اقترحتهم إرادة الجموع المحتشدة.
للحكومة صورتان إيجابيتان إحداهما يديرها وزير الخارجية، وتبدو الخارجية كأنها تستعيد عافيتها لأنه رجل يعرف قيمة وطنه ويملك رؤية لمكانة هذا الوطن ودوره والمخاطر التي يواجهها. والصورة الاخرى إعلاميه إعلانية، وبطلها هذه المرة رئيس الحكومة، الذي يفطر في مطعم للفول، ويحمل الحذاء لامرأة دخلت مكتبه وخلعته على الباب ويطلب منها أن ترتديه، ثم يحمل تحية إلى القبائل في سيناء من ابنه المجند بالقوات المسلحة.
وعدا ذلك نجد الوقت يضيع من بين يدي الحكومة دون أن تحقق مهام المرحلة الانتقالية، والمهمة الرئيسية أمامها هي توفير مناخ سياسي عام يفتح أفقا أمام قوى المجتمع للإسهام في مهام البناء، وهذا المناخ يتطلب إصدار تشريعات وبناء آليات الحوار المجتمعي، ويتطلب حالة من الأمن تتيح لذلك كله أن يتحقق وينتج رؤية وطنية يتم التوافق عليها، ويجري وضع الدستور الوطني على أساسها.
ورغم وضوح هذه المهمة، إلا أن الحكومة لم تنجح في شأنها، سواء بتشتت المهمة وحاجاتها بين الحكومة والمجلس العسكري، أو ضياع المهمة داخل الحكومة ذاتها على يد كل من نائب رئيس الحكومة ووزير الداخلية.
فقد وزير الداخلية القدرة على إعادة بناء جهاز الشرطة، لأنه بالأساس قرأ ممارسات الشرطة بعقلية النظام المخلوع، وتدخل في حكم الله عندما أعلن أن من استشهد أمام أقسام الشرطة ليس بشهيد ولكنه بغي. ولم يملك شجاعة محاسبة من اقترف جرائم القتل من أفراد الجهاز، ومارس الالتفاف والخداع في موقفه من جهاز أمن الدولة، ولم يتخذ منحى علمي لإعادة البناء، حتى أن خبراء أعلنوا أن إعادة بناء جهاز الشرطة بذات العناصر غير ممكن.
ولم يعلن رئيس الحكومة موقفا من الوزير ولا مهمة إعادة البناء، بينما الشارع يفتقد الأمن لغياب الوزير ورجاله عن أداء مهامهم.
ورغم الحاجة إلى الحوار المجتمعي حول آفاق المستقبل تحضيرا للدستور الوطني، والذي ليس مجرد صياغات قانونية، ولكنه توافق إرادي بين قوى المجتمع، إلا أن وضع نائب رئيس الحكومة على رأس هذه المهمة أدى إلى قتلها قبل أن تولد، ووقف النائب مطالبا بالتصالح مع النظام الذي أهدر مصر مكانة وثروة ونشر فيها الفساد، وتزعم بيع الكرامة الوطنية وحق المجتمع فيمن أجرموا وافسدوا، مقابل استرداد الأموال المنهوبة، وعندما وجه إليه النقد، أعلن "أنه كالطود" ولن ينال منه أحد، ويسرب النائب أنه مكلف بإعداد دستور مصر الجديد ورئيس الحكومة كأنه لا يرى ولا يسمع.
وتقع الحكومة في فخ تغييرات المحافظين، ويصورها البعض أنها تسلم المحافظات إلى محافظين من النظام المخلوع رغم تغيير 22 محافظا، وتبدو حركة المحافظين ككمين نصب لاصطياد الحكومة وهي "لا تعرف" ماذا تفعل. فأول خطأ وقعت فيه الحركة أنها نقلت محافظا من الإسماعيلية للفيوم، ثم ألغت تعيينه نهائيا بمجرد أن خرج من لقاء المصافحة مع رئيس الحكومة، ليقدم بعد ذلك إلى التحقيقات بتهمة الإضرار بالمال العام، وخرجت مظاهرات ترفض محافظ قنا، وتعجز الحكومة عن مواجهة الأزمة وتستعين بمشايخ الفضائيات لإيجاد حل مع الجماهير هناك، وكأنها وزارة تسليم الدولة المصرية بعد الثورة إلى مشايخ الفضائيات.
وتبلغ وقائع التسويف الذروة في أمر ترشيح مصطفي الفقي لمنصب أمين الجامعة العربية، وموقفه من العلاقة مع صندوق النقد الدولي.
في الثورات لا يأتي من النظام المخلوع من يرشح نفسه رئيسا أو من يرشحه نظام ما بعد الثورة لمنصب إقليمي، فلو أن الذي يحكم هو نظام الثورة لتم تقديم كل من عمرو موسي ومصطفي الفقي إلى محكمة الثورة بتهمة الإفساد السياسي، ولكن حكومة "تسويف" الأعمال تقبل بهما رغم الثورة، فارق الوعي والانتماء هو مبرر الخلل، وليس من العدل أن نرشح للجامعة العربية شخصا لا نأتمنه في وطننا على شئ.
واتفق وزير المالية وصندوق النقد الدولي أن مصر تحتاج 12 مليار دولار، وذهب وزير المالية لاجتماعات مع الصندوق، وعاد دون إعلان حقيقة ما جرى من اتفاق أو اختلاف، رغم الإدراك العام أن سياسات الصندوق عالميا هي منبع الخلل، ولم تعرض الحكومة استبداله بتمويل اقتصادي عربي أو دولي مثل روسيا والصين، أمر آخر يضاف إلى مشاكل حكومة التسويف ووزرائها.
هكذا الأمر في مصر الآن، تفرق حول أطماع في أنصبة من تورتة الثورة، وحكومة تسويف لم تنجح في شئ، ووجب مراجعة أمرها: هل نقبل باستمرارها في التسويف، أم نغيرها بدلا من استمرار سياسة الترقيع.
فهل تدركنا مليونية تغيير الوزارة قبل إعدام الثورة في الانتخابات النيابية؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4302
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
3852
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1470
| 13 مايو 2026