رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما الذي تحياه مصر؟ سؤال يفرض نفسه على العقل. هل تحيا مصر ثورة تحققت بكل الشعب؟ أم مصر تحيا انقلابا عسكريا؟ أم أن مصر استحضرت تنظيمات دينيه تفرض سيطرتها، بديلا عن تحالف الثروة والسلطة الذي أسقطته الثورة؟ أم أن مصر ومن أجل اختيار لشخص رئيس، اضطرت أن تقدم مئات الشهداء وآلاف المصابين حتى يتولى شخص أي من كان، منصب الرئيس بديلا لرئيس جرت إزاحته ووريث تم تحطيم حلمه.
المشهد يستدعي أعلى حالات الإدراك، ويفرض إعادة ترتيب عناصره من جديد حتى نستطيع تحديد طبيعة المهام وأولوياتها أمام الإرادة الشعبية.
بعد أن جرت إزاحة مبارك، أصاب التشتت عقل وجهد الثورة واستعرت محاولات قنصها.
تجاوزت الثورة الشعبيه الجميع من أفراد وتنظيمات، وفرضت الاختيار بين انحياز معها أو ضدها. ويجب الاعتراف أن أداء القوات المسلحة أعلن انحيازها للشعب، وهو ما عجل بإنهاء حكم مبارك، ووضع نظامة بأكمله محل التفكيك والمحاكمة.
الشعب والجيش أسقطوا الرئيس وجار تفكيك النظام، فأين هي"المشكله؟".
الإجابة تتطلب سعة الصدر والإدراك من الجميع، فلا أحد يدعي أنه مالك للثورة، أو هو فوق الحساب، أو أنه امتلك تصورا مسبقا لما تحقق يمكن الأخذ به معيارا لقياس الإنجاز، الجميع وبدون استثناء كان يلاحق تداعيات خروج الملايين من شعب مصر وإصرارهم ووضوح رفضهم للنظام ورأسه وأدواته، حتى طاب للكثيرين من عظمة النتائج التي تحققت أن يقولوا إن الثورة منحة إلهية جزاء صبر الشعب وصدقه عندما خرج لإزاحة النظام، وإرادة التغيير التي تجسدت في كل أبناء الشعب بلا استثناء في مشهد للوحدة والتجمع سيظل في تاريخ مصر منارة لإرادة الشعب.
ما نناقشه هنا هو أمر الداخل، ولكن هناك أيضا قوي خارجية كانت ثورة الشعب المصري وتصاعدها وإنجازها لطمة على وجهها وصدمة مفاجأة لتوقعاتها لم تتمكن من رصدها. وليس بعيدا ما صرح به عاموس يادلين رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية في نوفمبر 2010 "إن العمل تطور حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979، فلقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً، ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك (الصديق الإستراتيجي لإسرائيل كما أطلق عليه بن أليعازر المتهم بقتل الأسرى المصريين وصديق مبارك والذي وقع اتفاقية الغاز مع حكومة نظيف) في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر".
وأيضا فاجأت الثورة في مصر المخابرات الأمريكية والغربية ودول الاعتدال العربية، حتى إن أمريكا لم تستطع أن تواكب تطور الوقائع، ولزمها بعض الوقت لتحدد موقفها، وهو ما أدى إلى رفض شباب الثورة لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية عند زيارتها للقاهرة، ونزولها إلى ميدان التحرير لتشاهد هذا الميدان الذي أصبح حديث العالم بما أنجزته ثورة مصر وبأسلوبها السلمي.
عبور الثورة المصرية لإدعاءات يادلين والتصورات الأمريكية، لم يمنع البعض من محاولات تشويه الثورة وسرقتها ونسبتها لغير الإرادة الشعبية وبأنها أداء مخابراتي أمريكي تمثل في إنحياز الجيش لإزاحة مبارك، وأمريكيا و بريطانيا في اللقاء بين الجيش والجماعات الدينية، وأسقطت الثورة هذا الإدعاء رغم أنه مازال يطفو الى السطح كلما توترت المواقف واستعصت على التفسير.
قراءة المشهد الداخلي تحدد مهمة ثنائية الأبعاد، أولا: تحقيق هدف التغيير وحماية الثورة من أعداء الداخل، وفي ذات الوقت ثانيا: الحفاظ على الوحدة الوطنيه في مواجهة التربص الخارجي.
معادلة تجمع بين ضرورات الفرز والتجنيب من ناحية والوحدة الوطنية من ناحية أخرى في ذات اللحظة، ولا نملك ترف التردد أو الصدام.
المحور الرئيسي للمواجهة الداخلية هو حل مشكلة التردد والتداخل التي أصابت حركة الثورة. فرغم إنجاز هدف إقالة الرئيس، وإعلان هدف إسقاط النظام، إلا أنه لم توضع أجندة لترجمة هدف إسقاط النظام إلى مهام محددة، فتباينت اتجاهات الحركه وتداخلت المهام مما أطلق العنان للحديث عن ثورة مضاده وكأنها تملك قدرات تفوق الشعب والجيش معا، بينما الحقيقة أن تباين اتجاهات الحركة أوصلها إلى محصلة صفرية، فلزمت السكون، وضاع الزمن، وأدى التردد إلى خطوات غير مطلوبة بينما أعاق رؤى وقرارات نمطية تحتاجها حركة التغيير، ولا يملك أحد الادعاء أنها غير معلومة.
التغيير يعني أولا التطهير ثم البناء للنظام الجديد، والواضح أن هناك عجزا في استيعاب مفهوم التطهير واقتصاره على الفساد المالي والإداري وعدم الاقتراب من الفساد السياسي والإفساد المتعمد للحياة داخل المجتمع، مما أدى إلى توتر بين (الشعب والجيش)، فقد ظهر الجيش وكأنه يحمي الحزب الوطني وقياداته من تهم الفساد السياسي، وكان التوتر مؤشرا بأن هناك خللا ما في استيعاب معادلة التغيير.
وطرح الجيش بواسطة الحكومة قانونا يجرم الاعتصامات والتظاهرات الفئوية، وخرجت عناصر من الحكومة تبرر القانون، وهي بهذا تجرم في حق الجيش والشعب معا، والجيش لا يملك إلا طلب الثقة من الشعب فيما يقصده وينويه، ويطلب الصبر. وفي ذات الوقت يخرج إعلان دستوري، في مضمونه يبدو كأنه محاولة للتخلص من الالتزام الموضوعي بإعداد العقد الاجتماعي الجديد للأمة المصريه، واستند على "جريمة" لجنة البشري التي طمست معنى "الجمعية الوطنية التأسيسيه لوضع الدستور"، كهيئة ممثلة لقوى المجتمع، وحصرها في أنها لجنة فنية يختارها مجلسا الشعب والشوري المقرر انتخابهما في سبتمبر القادم. "جريمة البشري" أحالت حقا أصيلا للشعب إلى نواب قادمين من المجهول في انتخابات غير معبرة عن قوى المجتمع الأساسية، ولكنها معبرة عن دوائر انتخابية، والفارق بين الأمرين خطير وعميق، وليس أمامنا إلا إيقاف هذا الانحدار وإعادة المسار الي طريقه الصحيح.
الانحراف بمفهوم التغيير والشرعية الثورية، ومهام التطهير والدستور الجديد، جلب أيضا انحرافا آخر تجسد في لعبة الكراسي الموسيقية بين مرشحي الرئاسة، طرحوا جسد الثورة على الأرض، وأخذوا يرقصون من حوله رقصة الهنود الحمر، لا يعنيهم من الثورة إلا "الترشح لمقعد الرئاسة". بل قام عمرو موسى بانقلاب جديد علي وحدة الوطن، وتعامل معه على أنه قبائل، واتصل بهم عبر مؤتمر ضم عشرة آلاف من أبناء القبائل غير عابئ أنه بهذا الأسلوب يعيد مصر إلى زمن نحاول تجاوزه والانتقال الى المجتمع المدني الذي يحكمه القانون والدستور، ولكنه يحيي تفتيتا جديدا على الأساس القبلي وما يمكن أن يستدعيه هذا الأساس، فيعكس حركة الثورة من وحدة الشعب الى تفتيت الوحدة بهدف جمع الأصوات.
عمرو موسى يعيد المجتمع إلى حالة القبائل، والبشري يلغي حق الشعب في وضع دستوره.
وتخرج الجماعات الدينية بخيارات تكاد تسهم في تقويض المجتمع، وتتجاوز الموقف الطائفي الى تفتيت أكثر صغرا وهو تقسيم الشعب الى جماعات دينية متعددة والدخول إلى دوامة التصارع بينها، سلفيون من جهة وصوفيون من جهة أخرى، وإعلام علماني كما يوصفونه، وجماعات إسلامية في مواجهته، ودفاع عن "الهزار" كأسلوب لمناقشة قضايا الوطن والرؤى السياسية، وهدم للأضرحة، وتهديد بمواجهات ولجان شعبية من الصوفية للدفاع عن باقي الأضرحة، مشهد غريب على مجتمع مصر، وقد يتوافق مع أقوال يادلين عن تفتيت المجتمع!، دون استيعاب لخطر خارجي مضافا إلى الداخلي، ولكنه محاولة لوراثة الثورة، والقفز إلى السلطة من العدم الذي كانوا فيه، وهو أمر يماثل خطر الثورة المضادة، وتشتد وطأته لعباءة الدين التي يتستر بها.
جريمة ثالثه داخل المجتمع تفتته ولا تأخذ بإدراكه وجهده خطوة إلى تحقيق التغيير.
انحراف أدت إليه لجنة البشري ودعم للتفتيت القبلي والديني أدى إليه سعي عمرو موسى لكرسي الرئاسة والمتعطشون للسلطة على حساب الثورة، ووسط ذلك كله يتجسد التردد والتداخل، وتبدو الثورة المضادة هي إنجاز ما بعد خلع مبارك.
ليس أمام الجميع سوى الارتقاء لمستوى الثورة، وحدة الشعب وقيمة الحدث والثمن الذي دفع فيه والفرصة التي يتيحها.
الآن صار الجيش مطالبا باقتراب ثوري من مهام الفترة الانتقالية، وبالتحديد مهمة وضع الدستور الجديد بجمعية تأسيسيه تمثل قوى المجتمع، وعدم المغامرة بترك الدستور الجديد لنواب يأتون من المجهول، وأن يقوم بإتاحة الفرصه لتحقيق كل مهام الفترة الانتقالية، وأن يلغي مشروع قانون الأحزاب ويكتفي فقط بأن الأحزاب تتشكل بالإخطار، ولا يضيره أن يصل عدد الأحزاب إلى مائة حزب، ويبقى فقط على شرط عدم وجود تنظيمات مسلحة للأحزاب.
والشعب مطالب بالعودة إلى التجمع والتظاهر والوضوح في مطالبه، وعدم الانسياق إلى خوف من تهديد بالقتل أو الجوع، فتحمل مخاطر الساعه تأمين لمستقبل الأمة.
وللسادة مرشحي الرئاسة، الشعب لا يريد رئيسا جديدا، ولكنه يريد نظاما وطنيا جديدا، يوحد ولا يفتت، وحاذروا أن يسقطكم الشعب من الحساب.
والأخوة الذين تجمعهم الجماعات الدينية، إن كنتم أداة وحدة وجمع للإرادة الشعبية في مواجهة خارج يتربص بالوطن فمرحبا، فلترتفعوا الى مستوى حاجة الأمة، أم أنكم تختارون مسار الفتنة وعندها ستكونون أول الخاسرين.
ليس أمامنا جميعا غير السعى إلى الخروج من حلقة التردد والتفتيت، وأن تنتظم حركة الجميع في مسيرة التطهير والبناء، بوضوح وحسم وإصرار.
مغازل الغيب !
يقف السائر في دروب الحياة مأخوذاً ببريق الغايات، يسابق خطاه نحو أمنية رسمها في خياله، فإذا بالمسير ينتهي... اقرأ المزيد
48
| 19 مايو 2026
الحكومة الذكية.. تميز وابتكار وكفاءة وفاعلية
انطلاقا من الأولوية التي تضعها الدولة لبناء منظومة حكومية رقمية متميزة قادرة على تقديم أفضل الخدمات بكفاءة وفاعلية،... اقرأ المزيد
78
| 19 مايو 2026
المواطنة.. من مفهوم قانوني إلى وعي حضاري
في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، لم تعد المواطنة مفهومًا يُختزل في حمل جنسية أو معرفة... اقرأ المزيد
75
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5838
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5751
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1752
| 13 مايو 2026