رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رصد الحياة والتعليقات والتصرفات في مصر الآن، يكتشف بنك القلق الذي أصبح لكل المصريين أرصدة لا نهائية فيه، وتعلوا الهمسات إلى صراخ... من سرق الحلم؟
قد يبدو السؤال متشائما، ولكنه واقعي، فكل ما يجري لا يكشف عن أن الثورة على طريقها، ولكنه يدرك وببساطة أن محاولات الالتفاف عليها وطمسها تبدو في اللحظة في ذروتها.
وللإنصاف دعونا نعرض لمحددات أساسية قد تعيننا على تفهم ما هو قائم، لعلنا ندرك مسؤوليات الجميع بعد الأشهر الستة الخالدة في تاريخ مصر:
1. أن مصر كانت تموج بحراك ودعوات طوال السنوات الثمانية السابقة على 25 يناير، ولعل البعض من السياسيين اكتشفوا في حينها ضرورة تكوين جبهة وطنية واحدة، وتجلى هذا في انتخابات 2005 النيابية، ويومها كان الفاعل الرئيس هو الشعب الذي لم يحل التزوير والحصار الأمني عن خروجه ليقول للحزب الحاكم حينها "كفى" لقد سئمناكم، وتجلى مشهد لامرأة تصعد على سلم "نقالي" مما يستخدمه العمال، لتدخل من شباك علوي وخلف لجنة التصويت لتدخل إلى داخلها، ولتقول رأيها، مشهد عبر عن إرادة بلغت حدا من النضج والإصرار تجلى فيما تلى هذا من مواقف.
2. ظهرت حركات وجماعات متعددة، "كفاية" و "تيار استقلال القضاء" و "جماعة 6 أبريل" و "الجمعية الوطنية للتغيير" وجماعات عديدة كلها تنادي "بالإصلاح" وترفض التوريث، وكان نداء التغيير يأتي على استحياء، بل كان لفظ "الثورة"، غريبا حتى على التيارات اليسارية.
3. كان وصول الدكتور البرادعي إلى مصر يمثل منعطفا لدلالات الدعوة من جديد قادم، ويجب للإنصاف القول إن الرجل حال وصوله كان يمتلك رؤية مفاجئة للكثيرين، خاصة أولئك الذين وصل بهم الإرهاق الذهني ومعاندة الواقع لتصوراتهم، وتجمد هذه التصورات عند حد "المطالب" دون الدخول إلى منهج عملي لإعمالها، اللهم تلك المظاهرات التي استمرت طوال تلك السنين دون أن تصل إلى منسوب حشود يناير وفبراير 2011، ولكن هذه المظاهرات كانت إعلانا بفشل الأساليب القديمة غير التظاهر سواء كانت كتابات إعلامية أو مؤتمرات موسميه. وكان قول البرادعي:" أنا لست المخلص" ولكن "يمكن أن يتحقق التغيير عندما يخرج الشعب بالملايين إلى الشارع" غير غريب ولكن بساطة القول والوضوح كانا يؤكدان أنها المعادلة الأساسية لمواجهة النظام القائم.
4. كافة التشكيلات التي ظهرت كانت تعلن وبوضوح سقوط التجربة الحزبية المعارضة القائمة، بل وتجاوز الأوضاع للنخبة التي تملأ الأفق جلبة بلا طحن.
5. وسط ذلك كله طرح الأستاذ محمد حسنين هيكل تصورا في أكتوبر 2009 حول مجلس أمناء الدستور، وكان التصور الأسبق والأعمق لعملية التغيير، فهو لم يبحث في مجرد تعديلات دستورية أو إصلاح يطول العملية الانتخابية، ولكن التصور طال رؤية جديدة للدولة المصرية، وكانت تتجاوز أيضا مواجهة التوريث، وكانت ترى المؤسسة العسكرية وقبل ثورة يناير بأربعة عشر شهرا ضامنا لعملية إعادة البناء، بل يومها طالب أن يكون هذا عمل مبارك الأخير لصالح مصر الوطن.
6. وسط ذلك كله كان النظام السياسي بمضمونه الاقتصادي والاجتماعي يضرب بكل ذلك عرض الحائط، وكانت واقعة مقتل خالد سعيد، والتي نقلت أداء الشباب إلى مشهد شمل كل مصر، على شواطئ النيل والبحر والقناة، الكل بلا قيادة ولكنه في اتجاه واحد وبأسلوب سلمي وبشباب في عمر الزهور أحس كل منهم أنه يمكن أن يلقى نفس المصير، وكان عاملا ترتبت عليه الدعوة إلى مظاهرة 25 يناير ضد انفلات الداخلية ومطالبون بإقالة وزير الداخلية وهو ما طوره الشعب بانضمامه إلى ثورة شعبية فاجأت الجميع.
7. غير ذلك كله كان الوضع الاقتصادي في مصر يؤول إلى حالة من الإفقار مست رغيف الخبز، وصارت قضية مصر في بداية القرن الواحد والعشرين توفير رغيف خبز صالح للاستخدام الآدمي، وشهدت مصر فارقا رهيبا بين الأسعار والدخول فضلا عن تباين رهيب بين مستويات الدخول، وكانت وقائع القرصنة على شركات القطاع العام والتي تمت تحت اسم الخصخصة تفوق الخيال، وتدنى التعليم الذي أنتج كل المصريين الذين كانوا لحظتها يحكمون مصر إلى أدنى مستوياته، وصار التعليم منتجا لعناصر لا ترقى إلى مستوى الاحتياج الوطني والتنمية. هذه الفوارق الاقتصادية والتعليمية فككت الوجود الاجتماعي في مصر، بل وأدت إلى وأد الطبقات الرئيسة في مصر من عمال وفلاحين.
تلك المحددات تبين البيئة التي جرت في إطارها وقائع ثورة يناير. وهي ذاتها التي جعلت استقبال الحدث ونموه من مظاهرة غضب إلى ثورة شعب متباينا، وصارت المرحلة الانتقالية مرحلة بلورة التباين وتحويله إلى عائق لإنجاز أهداف الثورة.
كانت القوة الرئيسة في الثورة قوة شعبية تتسم بالسيولة والفطرة والوطنية المجردة، بلا تنظيم يقودها والبيئة المحيطة تتسم بالتهالك، الكتلة الشعبية تعلم ماذا تريد أن تهدم، ولا تملك رؤية واضحة لما تريد أن تبني، غير شعار خرج من الجماهير يقول "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وإن عبر عن رغبة شعبية ورؤية إجمالية، إلا أنه لم ينتج قيادة تسعى إلى تطبيقه وترجمته إلى مهام.
لم تنتج ثورة يناير قيادة تتولى السلطة ولكنها أوكلت ضمنيا إلى المجلس العسكري إدارة دفة الحكم، ولكنه أيضا كان في رؤيته مختلفا مع رؤية النداء الشعبي بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية. ومن غير العدل أن يتحول الآن المجلس العسكري إلى أحد نقيضين، إما أنه متهم بالانقلاب على الثورة، أو أن ذاته مصونة لا تمس! ليس من حق المجلس العسكري أن يئد الثورة ويمنع أحدا من مناقشته، التناقض في رؤية المجلس العسكري من قبل الشعب من ناحية وأدائه السياسي الذي لا يتحرك فيه عن رؤية الثورة ولكن عن رؤية لمستشاريه أو آخر ما وصل إلية النظام السابق أن الأمر قضاء على التوريث وتعديل للدستور ومن ثم استمرار لواقع النظام بمكونه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي مع إطلاق القوى الممنوعة من الممارسة، كالإخوان والتيارات الدينية، وهو الإطلاق الذي جلب النصف الخفي من النظام المنهار إلى العلن على حساب الثورة والمجتمع المصري وبدعم كامل من الأموال والقبول الأمريكي والسعودي، وهما الجهتان اللتان وجدتا الساحة أمامهما مفتوحة بعد مفاجأة وقائع الأيام الثمانية عشر الأولى للثورة والإطاحة بالرئيس المخلوع.
ويأخذ كثيرون أن ما وصلت إليه الأمور يعود إلى أن المتظاهرين تركوا الميادين يوم 12 فبراير وعادوا إلى منازلهم، ولكننا عرضنا من قبل أن الثورة تعرضت للعديد من موجات الالتفاف والمناورة والفتن المتنوعة، وهو ما كان جديدا على الشعب وكانت الفترة حتى 8 يوليو فترة مقاومة باسلة من الشعب الذي تحمل مسؤولية الأمن والوعي والوحدة الوطنية وحتى انحراف النخبة وفتنة الاستفتاء التي جلبت معها غير الانقسام، شرعية أن ينقلب المجلس العسكري على الاستفتاء ويوظفه فيما يشاء وفي أي اتجاه يرى، وتبعه من شاء من قوى، وظلت المقاومة تؤتي نتائجها حتى مثل الرئيس المخلوع في واحدة من القضايا بقفص الاتهام أمام محكمة تحاكمه في شأن قتل المتظاهرين، وهو أمر يختزل كل الجرائم السياسية والأمنية والاقتصادية في وقائع محدده تتم فيها المحاكمة بناء على عريضة اتهام ناقصة ولا تدعم وقائع ما جرى حتى أنها أسقطت بعض عمليات القتل للمتظاهرين من دعواها.
ولكن دعونا هنا نأخذ بسبب مضاف دون تجاوز هذه الرؤية، وهو انقسام الشباب الذي توحد يوم وقفة الدعاء والتأبين لخالد سعيد على ضفاف الشواطئ المصرية رمز الخلود والنماء، انقسامه إلى تجمعات متعددة بلا رابط بينها، وجل ما تعمل عليه، الكلام والاحتشاد دون أن تبني قواعدها التنظيمية والشعبية.
الكل يدرك ما يفعل وبلا استثناء. عدا قوى الشباب والشعب معها. الأمر الذي جعل الانقلاب على الثورة يجري تحت مباركة من شعب تم خداعه بمقولات تشوه الثورة والثوار وتمنح بلا أي مبرر الشرعية للمجلس العسكري ووزارته المنقلبة على الثورة، الحق في مواجهة الثورة بالقوة المسلحة والتي لم تطلق الرصاص بعد.
الثورة في تاريخ الشعوب ليست لحظات عابرة تمضي دون أثر لها، ولكنها حين لا تكتمل أهدافها تفتح الباب على مصراعيه للاستفادة من دروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، والاستهانة بهذا سيفتح الباب إلى ثورة أكثر دموية رغم طبيعة الشعب الذي يرفض الدم ولكنه يرى الدماء والقتل يقتحم حياته كل لحظة بل وعلى يد المسؤولين عن حمايته، فبدلا من أن يكون الاستشهاد كسرا لحاجز الخوف، يصبح القتل وسيلة لتحقيق الإرادة.
وتكاد الصورة السوداء تكتمل أركانها بمشاهد جرت الأسبوع الماضي:
المشهد الأول جرت وقائعه عند زيارة رئيس الوزراء إلى مدينة العاشر من رمضان الصناعية، حيث حاول أحد سائقي الأجرة مقابلة الوزير فصفعه رجل الأعمال محمد فريد خميس على وجهه، وسبه، وقرر الرجل الإضراب عن الطعام، ولم ينبس رئيس الوزراء ببنت شفة عن الواقعة. وكانت زيارته السابقة للسويس قد شهدت مظاهرات ضد رئيس الوزراء وتهجما على موكبه، مشهد من الشعب الصامت والمنتظر يوضح مكانة الوزارة عنده.
والمشهد الثاني تمثل في استدعاء للناشطة السياسية أسماء محفوظ أمام النيابة العسكرية لإهانتها للمجلس العسكري والإفراج عنها بكفالة 20 ألف جنيه، أي أنها تنتظر المحاكمة، والموقف يحمل عنصرين، الأول الاستدعاء لناشطة سياسية أمام النيابة العسكرية وهو أمر يجوز حال أن تكون هذه الناشطة من العسكريين أو تكون هناك أحكام عرفية ولا نعلم عنها شيئا، بينما الجميع ينادي بوقف المحاكمات العسكرية، والأمر الثاني أن اللواء الرويني مازال دون التحقيق فيما ادعاه على حركتي كفاية و6 أبريل بتلقي أموال خارجية وأن هناك علاقات تربطهم بالخارج.
المشهد الثالث يقرع أجراس الإنذار بشأن المستقبل وليس الحاضر فقط، فقد أعلنت التيارات الدينية تهديدا بتوعد المجلس العسكري والحكومة بالنزول إلى الشارع ضد أي إعلان دستوري يتضمن مبادئ دستورية، وهو الإعلان الذي رأى البعض أنه حل لمشكلة أيهما يسبق الآخر، الدستور أم الانتخابات، ولكن هناك من يتأبط بمصر شرا ويراه البعض أنه صدمة الضوء للتيارات الدينية بعد زمن حياة الظلام وبديلا عن الانقلاب على نظام استبد بالشعب هاهم يخرجون ليفرضوا وصايتهم على الشعب وهو الأمر الذي مكنهم منه المجلس العسكري تحت ادعاء الحياد وعدم الانحياز، فصار الآن محاصرا بهم بعد أن استخدمهم في حصار الثورة.
ذلك كله يعود بنا إلى البيئة التي تمت فيها وقائع ثورة يناير الشعبية، خاصة أن اقتراح الأستاذ هيكل أعقبه بتفسير الحياة السياسية المصرية أنها كحوض للسباحة بلا ماء، وأن القفز فيه للسباحة قاتل، وليس من سبيل غير أن تكون الفترة الانتقالية سبيلا لإعادة الحيوية إلى الحياة السياسية، وهو ما تجاوز عنه الجميع، ويدعون الشعب للقفز إلى ذات الحوض بلا مياه، دعوة للقتل استجابة لإرادة غير إرادة الشعب.
الاستهانة بدروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، وقد تكون ثورة أكثر دموية. فهل نستطيع تجاوز الأزمة بأفعال وليس نوايا؟
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
537
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10413
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3300
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2472
| 08 سبتمبر 2026