رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رصد الحياة والتعليقات والتصرفات في مصر الآن، يكتشف بنك القلق الذي أصبح لكل المصريين أرصدة لا نهائية فيه، وتعلوا الهمسات إلى صراخ... من سرق الحلم؟
قد يبدو السؤال متشائما، ولكنه واقعي، فكل ما يجري لا يكشف عن أن الثورة على طريقها، ولكنه يدرك وببساطة أن محاولات الالتفاف عليها وطمسها تبدو في اللحظة في ذروتها.
وللإنصاف دعونا نعرض لمحددات أساسية قد تعيننا على تفهم ما هو قائم، لعلنا ندرك مسؤوليات الجميع بعد الأشهر الستة الخالدة في تاريخ مصر:
1. أن مصر كانت تموج بحراك ودعوات طوال السنوات الثمانية السابقة على 25 يناير، ولعل البعض من السياسيين اكتشفوا في حينها ضرورة تكوين جبهة وطنية واحدة، وتجلى هذا في انتخابات 2005 النيابية، ويومها كان الفاعل الرئيس هو الشعب الذي لم يحل التزوير والحصار الأمني عن خروجه ليقول للحزب الحاكم حينها "كفى" لقد سئمناكم، وتجلى مشهد لامرأة تصعد على سلم "نقالي" مما يستخدمه العمال، لتدخل من شباك علوي وخلف لجنة التصويت لتدخل إلى داخلها، ولتقول رأيها، مشهد عبر عن إرادة بلغت حدا من النضج والإصرار تجلى فيما تلى هذا من مواقف.
2. ظهرت حركات وجماعات متعددة، "كفاية" و "تيار استقلال القضاء" و "جماعة 6 أبريل" و "الجمعية الوطنية للتغيير" وجماعات عديدة كلها تنادي "بالإصلاح" وترفض التوريث، وكان نداء التغيير يأتي على استحياء، بل كان لفظ "الثورة"، غريبا حتى على التيارات اليسارية.
3. كان وصول الدكتور البرادعي إلى مصر يمثل منعطفا لدلالات الدعوة من جديد قادم، ويجب للإنصاف القول إن الرجل حال وصوله كان يمتلك رؤية مفاجئة للكثيرين، خاصة أولئك الذين وصل بهم الإرهاق الذهني ومعاندة الواقع لتصوراتهم، وتجمد هذه التصورات عند حد "المطالب" دون الدخول إلى منهج عملي لإعمالها، اللهم تلك المظاهرات التي استمرت طوال تلك السنين دون أن تصل إلى منسوب حشود يناير وفبراير 2011، ولكن هذه المظاهرات كانت إعلانا بفشل الأساليب القديمة غير التظاهر سواء كانت كتابات إعلامية أو مؤتمرات موسميه. وكان قول البرادعي:" أنا لست المخلص" ولكن "يمكن أن يتحقق التغيير عندما يخرج الشعب بالملايين إلى الشارع" غير غريب ولكن بساطة القول والوضوح كانا يؤكدان أنها المعادلة الأساسية لمواجهة النظام القائم.
4. كافة التشكيلات التي ظهرت كانت تعلن وبوضوح سقوط التجربة الحزبية المعارضة القائمة، بل وتجاوز الأوضاع للنخبة التي تملأ الأفق جلبة بلا طحن.
5. وسط ذلك كله طرح الأستاذ محمد حسنين هيكل تصورا في أكتوبر 2009 حول مجلس أمناء الدستور، وكان التصور الأسبق والأعمق لعملية التغيير، فهو لم يبحث في مجرد تعديلات دستورية أو إصلاح يطول العملية الانتخابية، ولكن التصور طال رؤية جديدة للدولة المصرية، وكانت تتجاوز أيضا مواجهة التوريث، وكانت ترى المؤسسة العسكرية وقبل ثورة يناير بأربعة عشر شهرا ضامنا لعملية إعادة البناء، بل يومها طالب أن يكون هذا عمل مبارك الأخير لصالح مصر الوطن.
6. وسط ذلك كله كان النظام السياسي بمضمونه الاقتصادي والاجتماعي يضرب بكل ذلك عرض الحائط، وكانت واقعة مقتل خالد سعيد، والتي نقلت أداء الشباب إلى مشهد شمل كل مصر، على شواطئ النيل والبحر والقناة، الكل بلا قيادة ولكنه في اتجاه واحد وبأسلوب سلمي وبشباب في عمر الزهور أحس كل منهم أنه يمكن أن يلقى نفس المصير، وكان عاملا ترتبت عليه الدعوة إلى مظاهرة 25 يناير ضد انفلات الداخلية ومطالبون بإقالة وزير الداخلية وهو ما طوره الشعب بانضمامه إلى ثورة شعبية فاجأت الجميع.
7. غير ذلك كله كان الوضع الاقتصادي في مصر يؤول إلى حالة من الإفقار مست رغيف الخبز، وصارت قضية مصر في بداية القرن الواحد والعشرين توفير رغيف خبز صالح للاستخدام الآدمي، وشهدت مصر فارقا رهيبا بين الأسعار والدخول فضلا عن تباين رهيب بين مستويات الدخول، وكانت وقائع القرصنة على شركات القطاع العام والتي تمت تحت اسم الخصخصة تفوق الخيال، وتدنى التعليم الذي أنتج كل المصريين الذين كانوا لحظتها يحكمون مصر إلى أدنى مستوياته، وصار التعليم منتجا لعناصر لا ترقى إلى مستوى الاحتياج الوطني والتنمية. هذه الفوارق الاقتصادية والتعليمية فككت الوجود الاجتماعي في مصر، بل وأدت إلى وأد الطبقات الرئيسة في مصر من عمال وفلاحين.
تلك المحددات تبين البيئة التي جرت في إطارها وقائع ثورة يناير. وهي ذاتها التي جعلت استقبال الحدث ونموه من مظاهرة غضب إلى ثورة شعب متباينا، وصارت المرحلة الانتقالية مرحلة بلورة التباين وتحويله إلى عائق لإنجاز أهداف الثورة.
كانت القوة الرئيسة في الثورة قوة شعبية تتسم بالسيولة والفطرة والوطنية المجردة، بلا تنظيم يقودها والبيئة المحيطة تتسم بالتهالك، الكتلة الشعبية تعلم ماذا تريد أن تهدم، ولا تملك رؤية واضحة لما تريد أن تبني، غير شعار خرج من الجماهير يقول "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وإن عبر عن رغبة شعبية ورؤية إجمالية، إلا أنه لم ينتج قيادة تسعى إلى تطبيقه وترجمته إلى مهام.
لم تنتج ثورة يناير قيادة تتولى السلطة ولكنها أوكلت ضمنيا إلى المجلس العسكري إدارة دفة الحكم، ولكنه أيضا كان في رؤيته مختلفا مع رؤية النداء الشعبي بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية. ومن غير العدل أن يتحول الآن المجلس العسكري إلى أحد نقيضين، إما أنه متهم بالانقلاب على الثورة، أو أن ذاته مصونة لا تمس! ليس من حق المجلس العسكري أن يئد الثورة ويمنع أحدا من مناقشته، التناقض في رؤية المجلس العسكري من قبل الشعب من ناحية وأدائه السياسي الذي لا يتحرك فيه عن رؤية الثورة ولكن عن رؤية لمستشاريه أو آخر ما وصل إلية النظام السابق أن الأمر قضاء على التوريث وتعديل للدستور ومن ثم استمرار لواقع النظام بمكونه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي مع إطلاق القوى الممنوعة من الممارسة، كالإخوان والتيارات الدينية، وهو الإطلاق الذي جلب النصف الخفي من النظام المنهار إلى العلن على حساب الثورة والمجتمع المصري وبدعم كامل من الأموال والقبول الأمريكي والسعودي، وهما الجهتان اللتان وجدتا الساحة أمامهما مفتوحة بعد مفاجأة وقائع الأيام الثمانية عشر الأولى للثورة والإطاحة بالرئيس المخلوع.
ويأخذ كثيرون أن ما وصلت إليه الأمور يعود إلى أن المتظاهرين تركوا الميادين يوم 12 فبراير وعادوا إلى منازلهم، ولكننا عرضنا من قبل أن الثورة تعرضت للعديد من موجات الالتفاف والمناورة والفتن المتنوعة، وهو ما كان جديدا على الشعب وكانت الفترة حتى 8 يوليو فترة مقاومة باسلة من الشعب الذي تحمل مسؤولية الأمن والوعي والوحدة الوطنية وحتى انحراف النخبة وفتنة الاستفتاء التي جلبت معها غير الانقسام، شرعية أن ينقلب المجلس العسكري على الاستفتاء ويوظفه فيما يشاء وفي أي اتجاه يرى، وتبعه من شاء من قوى، وظلت المقاومة تؤتي نتائجها حتى مثل الرئيس المخلوع في واحدة من القضايا بقفص الاتهام أمام محكمة تحاكمه في شأن قتل المتظاهرين، وهو أمر يختزل كل الجرائم السياسية والأمنية والاقتصادية في وقائع محدده تتم فيها المحاكمة بناء على عريضة اتهام ناقصة ولا تدعم وقائع ما جرى حتى أنها أسقطت بعض عمليات القتل للمتظاهرين من دعواها.
ولكن دعونا هنا نأخذ بسبب مضاف دون تجاوز هذه الرؤية، وهو انقسام الشباب الذي توحد يوم وقفة الدعاء والتأبين لخالد سعيد على ضفاف الشواطئ المصرية رمز الخلود والنماء، انقسامه إلى تجمعات متعددة بلا رابط بينها، وجل ما تعمل عليه، الكلام والاحتشاد دون أن تبني قواعدها التنظيمية والشعبية.
الكل يدرك ما يفعل وبلا استثناء. عدا قوى الشباب والشعب معها. الأمر الذي جعل الانقلاب على الثورة يجري تحت مباركة من شعب تم خداعه بمقولات تشوه الثورة والثوار وتمنح بلا أي مبرر الشرعية للمجلس العسكري ووزارته المنقلبة على الثورة، الحق في مواجهة الثورة بالقوة المسلحة والتي لم تطلق الرصاص بعد.
الثورة في تاريخ الشعوب ليست لحظات عابرة تمضي دون أثر لها، ولكنها حين لا تكتمل أهدافها تفتح الباب على مصراعيه للاستفادة من دروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، والاستهانة بهذا سيفتح الباب إلى ثورة أكثر دموية رغم طبيعة الشعب الذي يرفض الدم ولكنه يرى الدماء والقتل يقتحم حياته كل لحظة بل وعلى يد المسؤولين عن حمايته، فبدلا من أن يكون الاستشهاد كسرا لحاجز الخوف، يصبح القتل وسيلة لتحقيق الإرادة.
وتكاد الصورة السوداء تكتمل أركانها بمشاهد جرت الأسبوع الماضي:
المشهد الأول جرت وقائعه عند زيارة رئيس الوزراء إلى مدينة العاشر من رمضان الصناعية، حيث حاول أحد سائقي الأجرة مقابلة الوزير فصفعه رجل الأعمال محمد فريد خميس على وجهه، وسبه، وقرر الرجل الإضراب عن الطعام، ولم ينبس رئيس الوزراء ببنت شفة عن الواقعة. وكانت زيارته السابقة للسويس قد شهدت مظاهرات ضد رئيس الوزراء وتهجما على موكبه، مشهد من الشعب الصامت والمنتظر يوضح مكانة الوزارة عنده.
والمشهد الثاني تمثل في استدعاء للناشطة السياسية أسماء محفوظ أمام النيابة العسكرية لإهانتها للمجلس العسكري والإفراج عنها بكفالة 20 ألف جنيه، أي أنها تنتظر المحاكمة، والموقف يحمل عنصرين، الأول الاستدعاء لناشطة سياسية أمام النيابة العسكرية وهو أمر يجوز حال أن تكون هذه الناشطة من العسكريين أو تكون هناك أحكام عرفية ولا نعلم عنها شيئا، بينما الجميع ينادي بوقف المحاكمات العسكرية، والأمر الثاني أن اللواء الرويني مازال دون التحقيق فيما ادعاه على حركتي كفاية و6 أبريل بتلقي أموال خارجية وأن هناك علاقات تربطهم بالخارج.
المشهد الثالث يقرع أجراس الإنذار بشأن المستقبل وليس الحاضر فقط، فقد أعلنت التيارات الدينية تهديدا بتوعد المجلس العسكري والحكومة بالنزول إلى الشارع ضد أي إعلان دستوري يتضمن مبادئ دستورية، وهو الإعلان الذي رأى البعض أنه حل لمشكلة أيهما يسبق الآخر، الدستور أم الانتخابات، ولكن هناك من يتأبط بمصر شرا ويراه البعض أنه صدمة الضوء للتيارات الدينية بعد زمن حياة الظلام وبديلا عن الانقلاب على نظام استبد بالشعب هاهم يخرجون ليفرضوا وصايتهم على الشعب وهو الأمر الذي مكنهم منه المجلس العسكري تحت ادعاء الحياد وعدم الانحياز، فصار الآن محاصرا بهم بعد أن استخدمهم في حصار الثورة.
ذلك كله يعود بنا إلى البيئة التي تمت فيها وقائع ثورة يناير الشعبية، خاصة أن اقتراح الأستاذ هيكل أعقبه بتفسير الحياة السياسية المصرية أنها كحوض للسباحة بلا ماء، وأن القفز فيه للسباحة قاتل، وليس من سبيل غير أن تكون الفترة الانتقالية سبيلا لإعادة الحيوية إلى الحياة السياسية، وهو ما تجاوز عنه الجميع، ويدعون الشعب للقفز إلى ذات الحوض بلا مياه، دعوة للقتل استجابة لإرادة غير إرادة الشعب.
الاستهانة بدروس الإخفاق، تفتح الباب لثورة ثانية أكثر نضجا وتجربة وعمقا، وقد تكون ثورة أكثر دموية. فهل نستطيع تجاوز الأزمة بأفعال وليس نوايا؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4671
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4326
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1485
| 13 مايو 2026