رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أن نروي عن الشباب أمر غير أن نحيا معه أداءه خارج الميادين وفي مهام تتطلب وعيا وإرادة وليس التظاهر والهتاف والاعتصام.
بعد 16 عاما من الحراسة القضائية على نقابة المهندسين المصرية (450 ألف مهندس) وعدم إجراء انتخابات لتشكيل مجلسها واختيار النقيب العام لها طوال 20 عاما، أتاحت مسؤوليات تولي مهمة الإشراف عليها لي فرصة التعامل مع جيل جديد من المهندسين الشباب، يتزايد عددهم مع تنوع المهام، والإعلام عبر الشبكات الإلكترونية، لتتكشف القدرات المتنوعة التي يمتلكها هذا الجيل وتتجلى صورة الأمل في الرغبة في العمل والمعرفة، أمل يضيء وسط بورصة الانتخابات في مصر.
تبدو حركة الانتخابات المصرية وتكتلاتها وانتقال الأحزاب من تكتل إلى آخر "ضجيج بلا طحن"، أو كما كانت تشيع في بداية السبعينيات مقولة "سياسة الاسكوتر... صوت عال وحركة معدومة"، للتعبير هن مثل هذه الوقائع والتي تتسم بالصوت العالي الذي يصم الأذان وبلا فاعلية، والاسكوتر هو نوع من الدراجات البخارية كانت في مصر ذلك الوقت، يصدر أصواتا عالية بينما حركته بطيئة لا تتناسب وما يصدر عنه من أصوات.
من يتابع قوائم المرشحين الانتخابية وسرعة انتقال الأحزاب والجماعات من تكتل إلى آخر، يدرك أنها تكتلات خارج التاريخ ومسيرته بعد تفجر ثورة الخامس والعشرين من يناير، ويلمس بوضوح أنها تكتلات ليست ناتجة عن اتفاق سياسي أو التوافق بين هوامش برنامجية أو فكرية مشتركة، ولكنها مجرد شوق دفين إلى كراسي نيابية لم يعلن على الشعب مبررات شرعيته كي ينالها، وتكاد تنقض على ثورة الشعب لتحيل المجالس النيابية القادمة إلى تعبير من جديد عن واقع ما قبل ثورة يناير 2011.
الاستقالات من الأحزاب تتوالى، وشخصيات نيابية كان لها دور معارض قبل يناير تتراجع عن المشاركة بما يوحي أن الانتخابات فجرت الأحزاب من الداخل، وهو ما يزيد القادم سوءا، وكأن العملة الرديئة بعد الثورة تطرد العملة الجيدة من مجمل الحياة السياسية، وتكاد مصر تبدو وطنا "تحت الحراسة الثضائية"، سلبت من شعبها، وأنيط بإدارتها غافل أو متطلع أو أناني. ومما زاد الأمر توترا أن زحف أعضاء الحزب الوطني المنحل يتزايد ويكاد يصل إلى نقطة التعادل مع غيره من الأحزاب الأخرى، خاصة أن الأحزاب الأخرى سعت إلى العديد من عناصره لتضعهم على قوائمها لتضمن أصوات العصبيات القبلية والعائلية دون أي تقدير لمعاني التغيير وإعادة بناء الوطن، وبديل الارتقاء إلى قدرة الشعب وإنجازه، يرتدون إلى عصور التخلف والجاهلية السياسية.
تغافلت الحكومة عما يسمونه قانون الغدر والذي كان القصد منه عزل القيادات السابقة للحزب الوطني المنحل والتي أسهمت في إفساد الحياة السياسية والاجتماعية وكانت هذه العناصر أداة التشريع وإصدار قوانين اصطلح على أنها سيئة السمعة وهي منوط بها اختيار لجنة وضع دستور مصر بعد الثورة! وضعت العصي في عجلات الثورة للحيلولة دون الوصول إلى غاياتها، وتحول شباب الثورة وعناصرها إلى فرائس تطاردها قوانين استثنائية أصدرت بعد الثورة، وتقع ضحية هجمات متوالية أمنية وإعلامية، وجرى تجاهل حاجات الشعب التي جسدها شعار "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية".
الثورة لم تكن فعلا اختياريا أو اعتياديا، ولكنها كانت ضرورة لتغيير الواقع الذي يحياه الشعب، وتحولت من مجرد حركة في الميادين كسرت حاجز الخوف، تحولت بفعل المعاناة إلى عقيدة وسلوك لدي الشباب، بينما هي لدى النخب السياسية طموح إلى حد الجنون إلى سلطة ترث النظام السابق دون أن يكون الشعب داخل اعتبارها إلا بشعارات وأقوال لا ترقى إلى اليقين.
يرصد أي مراقب منصف أن خللا ما أصاب العلاقة بين المجلس العسكري والأحزاب والنخب السياسية، وصارت بين هؤلاء مجتمعين وبين الشعب فجوة عميقة ليس هناك فرصة لتجاوزها في المدى المنظور، بل هي تضع اللبنات الأولى لصدام قادم، لن يكون بين الشعب وقوى الأمن بالشارع، ولكنه بين الشعب وتلك القوى وممثليها ولكن مسرحه سيكون مبنى المجلس النيابي وما يحيط به من طرق ومبان.
امتد الخلل إلى آلة الإعلام التي تم مصادرتها بذات أساليب النظام السابق، ولم يكتفوا بهذا بل طاردوا أي محاولة وديعة ومهنية لممارسة حرفة الإعلام وفق أصولها المتعارف عليها في كونها أداة للكشف عن حقيقة ما يجري وأن مهمتها في هذه المرحلة هي تحليل الأحداث والإضاءة من حول المخاطر التي تهدد الوطن ومصادرها وما يترتب عليها من أضرار تطول شعب لم يبخل بحياة أبنائه في سبيل لقمة عيش كريمة وحرة وأن يقيم العدل الاجتماعي بين أبنائه وكافة الأطراف الاجتماعية المكونة للشعب.
كسا اللون الأسود تصرفات الأشهر التسعة الماضية، ونازع سواد التصرفات لون الدم الأحمر لأبناء الشعب بأيدي من أطلق عليهم البلطجية، وهم أداة النظام السابق وخط دفاعه الأخير، وانضمت إليهم قوى هي ملك للشعب، فأهدرت دمه ولم تملك إلا تبريرات هي ذاتها تبريرات النظام السابق.
رغم كل ذلك تحولت الثورة في الشباب إلى روح وإلى عقيدة وإلى سلوك، وارتقى الشباب درجات سلم الوعي، يدفع الثمن على أعتابه، ويزيد إصرارا وعنادا، وأدرك بالتجربة الدامية أن الصراع ليس مكانه ميادين مصر وشوارعها، ولكنه صراع على الشعب بفئاته كلها وعيا وإرادة.
ولم يكن هذا مجرد قول ولكنه أخذ سمة الفعل وفي كل الاتجاهات، ولم يضع الشباب إرادته رهينة رغبة أو لقمة عيش، بل تخلص من أسر ذلك بوعيه أن تغيير الوطن هو سبيل البقاء الحر العزيز، وأن التغيير فعل ومنهج ومفاهيم، وليس مجرد أفواه وحناجر، وأن الدم غال وعزيز، وليس إهداره هواية تقليد أعمى ولكن الروح وليس مجرد الدم المسال هي ثمن يدفع، وقد دفع مقدما، وكسر حاجز الخوف وأطلق الإرادة من عقالها.
شباب ينتقل بين الاعتصام نهارا إلى العمل من أجل بناء نقابته ليلا، وشباب يعود من عمله، دون راحة ليسهم في الإعداد لانتخابات هي طريقه لتحرير نقابته، لا يخجل أن يحمل المكانس وينظف مسرحا عشش فيه العنكبوت ويرفع عنه القاذورات، ويحاول إصلاح كراسيه ويبحث عن تطوير إمكاناته إعدادا ليوم الانتخابات، ويتطوع من كل ربوع مصر ليشرف على صناديق الانتخاب، ينتقل بين الكمبيوتر، وشراء سندوتشات الفول والطعمية بلا خجل ولا تردد، يعود سواء كان المريض أم أو ابن، إلى العمل التطوعي إعدادا ليوم الإرادة، ويصنع أعلامه الخاص ليبلغ الدعوة إلى كل أبناء المهنة.
وتخرج إلى النور مجموعة أخري من شباب المهندسين حديثي التخرج، وتنشر المجموعة فيديو علي شبكة الإنترنت يدعو في هدوء وعمق واصرار كل المهندسين للاحتشاد يوم الانتخاب لتحقيق ارادتهم، عرف أن الإرادة يجب ترجمتها إلى فعل، وان الفعل الجماعي هو الفعل المنتج، وسعيت إلى لقائهم، وبادروا هم باتصال تليفوني، هم المبادرون، لم ينتظروا دعوة من أحد، وجاءوا لنلتقي.
الزمان ليلا وساعة القاهرة التاسعة مساء، والمكان نقابة المهندسين، والحضور يجمع بينهم إنهم مهندسون وتتباين ألوان الشعر، فقد انتقل البعض منا إلى صفة شيوخ المهنة، ويمتد إلقاء إلى منتصف الليل مع شباب "مرصد"، يسألون ويستفسرون لتبين محددات الانتخابات، قواعد وقانون وإجراءات وأماكن، وكان الصباح قد شهد شبابا يتصلون من أماكن عديدة يطلبون دورا أو تحديد مكانا لديهم للجنة الانتخاب، الكل يسعى ليوم الانتخاب.
لم تكن مبادرة الاتصال منهم هي المبادرة الأولى، بل يمكن أن تكون الثالثة فقد سبقها إنتاج فيديو الدعوة وتلي الفيديو ندوة عقدت في مركز الثقافة الشعبي "ساقية الصاوي" ونجحوا في هذه المبادرة أن يجمعوا الشباب من حول انتخابات نقابتهم.
كان سؤالهم الجوهري خلال اللقاء عن ماهية المهام التي يستطيعون أن يساهموا بها وبالإعداد ليوم الانتخابات، بهدوء وسلاسة وبلا انفعال مما يؤكد أن الاهتمام موضوعي وليس مجرد انفعال بالحدث بل هو تفاعل، وانتماؤهم إلى الوطن ترجموه حيال المهنة التي ينتمون إليها بمهنتهم، الدعوة إلى مشاركة كل المهندسين في انتخابات نقابتهم. شباب تجاوز حالة النقد والاتهام إلى حالة البناء بينما النخب السياسية تعيش حالة "الضجيج بلا طحن" ويحكم سلوكهم هدف وراثة سلطة سقطت دون وعي بحقيقة التغيير الذي تحققت نتيجة ثورة يناير في سلوك الشعب وفي عقيدة ووعي الشباب من أبنائه.
وعادت بي هذه الوقائع إلى مقال ودعوة كتبها ابني وهو في سنهم ليقول: "إن تكون الجمعة القادمة وما يأتي لاحقا من مظاهرات "مع" وليست"ضد" مع الحرية مع العدالة مع النظافة مع المستقبل مع النور وليست ضد الطوارئ وضد الكبت وضد الوساخة وضد الماضي وضد الظلام.
لأن " مع " تجعل الحشد إيجابيا بناء أمام الرأي العام بعكس " ضد" تجعل الحشد سلبيا هداما أمام الرأي العام رغم أن كلمة "مع" هي بالضرورة ضد شيء آخر، تجاوز الشباب ما كنا نخشاه أنهم لم يتول أحد أعدادهم ولم يضع أحد مثالا قيميا يحتذون به، فصنعوا لأنفسهم قيمهم الرائعة في مواجهة غياب القدوة.
ورغم ضجيج بورصة صناديق الانتخابات، ستبقى مصر ولادة، وسيظل هذا الشباب مثالا لأجيال قادمة.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
537
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10314
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8274
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2400
| 08 سبتمبر 2026