رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أن نروي عن الشباب أمر غير أن نحيا معه أداءه خارج الميادين وفي مهام تتطلب وعيا وإرادة وليس التظاهر والهتاف والاعتصام.
بعد 16 عاما من الحراسة القضائية على نقابة المهندسين المصرية (450 ألف مهندس) وعدم إجراء انتخابات لتشكيل مجلسها واختيار النقيب العام لها طوال 20 عاما، أتاحت مسؤوليات تولي مهمة الإشراف عليها لي فرصة التعامل مع جيل جديد من المهندسين الشباب، يتزايد عددهم مع تنوع المهام، والإعلام عبر الشبكات الإلكترونية، لتتكشف القدرات المتنوعة التي يمتلكها هذا الجيل وتتجلى صورة الأمل في الرغبة في العمل والمعرفة، أمل يضيء وسط بورصة الانتخابات في مصر.
تبدو حركة الانتخابات المصرية وتكتلاتها وانتقال الأحزاب من تكتل إلى آخر "ضجيج بلا طحن"، أو كما كانت تشيع في بداية السبعينيات مقولة "سياسة الاسكوتر... صوت عال وحركة معدومة"، للتعبير هن مثل هذه الوقائع والتي تتسم بالصوت العالي الذي يصم الأذان وبلا فاعلية، والاسكوتر هو نوع من الدراجات البخارية كانت في مصر ذلك الوقت، يصدر أصواتا عالية بينما حركته بطيئة لا تتناسب وما يصدر عنه من أصوات.
من يتابع قوائم المرشحين الانتخابية وسرعة انتقال الأحزاب والجماعات من تكتل إلى آخر، يدرك أنها تكتلات خارج التاريخ ومسيرته بعد تفجر ثورة الخامس والعشرين من يناير، ويلمس بوضوح أنها تكتلات ليست ناتجة عن اتفاق سياسي أو التوافق بين هوامش برنامجية أو فكرية مشتركة، ولكنها مجرد شوق دفين إلى كراسي نيابية لم يعلن على الشعب مبررات شرعيته كي ينالها، وتكاد تنقض على ثورة الشعب لتحيل المجالس النيابية القادمة إلى تعبير من جديد عن واقع ما قبل ثورة يناير 2011.
الاستقالات من الأحزاب تتوالى، وشخصيات نيابية كان لها دور معارض قبل يناير تتراجع عن المشاركة بما يوحي أن الانتخابات فجرت الأحزاب من الداخل، وهو ما يزيد القادم سوءا، وكأن العملة الرديئة بعد الثورة تطرد العملة الجيدة من مجمل الحياة السياسية، وتكاد مصر تبدو وطنا "تحت الحراسة الثضائية"، سلبت من شعبها، وأنيط بإدارتها غافل أو متطلع أو أناني. ومما زاد الأمر توترا أن زحف أعضاء الحزب الوطني المنحل يتزايد ويكاد يصل إلى نقطة التعادل مع غيره من الأحزاب الأخرى، خاصة أن الأحزاب الأخرى سعت إلى العديد من عناصره لتضعهم على قوائمها لتضمن أصوات العصبيات القبلية والعائلية دون أي تقدير لمعاني التغيير وإعادة بناء الوطن، وبديل الارتقاء إلى قدرة الشعب وإنجازه، يرتدون إلى عصور التخلف والجاهلية السياسية.
تغافلت الحكومة عما يسمونه قانون الغدر والذي كان القصد منه عزل القيادات السابقة للحزب الوطني المنحل والتي أسهمت في إفساد الحياة السياسية والاجتماعية وكانت هذه العناصر أداة التشريع وإصدار قوانين اصطلح على أنها سيئة السمعة وهي منوط بها اختيار لجنة وضع دستور مصر بعد الثورة! وضعت العصي في عجلات الثورة للحيلولة دون الوصول إلى غاياتها، وتحول شباب الثورة وعناصرها إلى فرائس تطاردها قوانين استثنائية أصدرت بعد الثورة، وتقع ضحية هجمات متوالية أمنية وإعلامية، وجرى تجاهل حاجات الشعب التي جسدها شعار "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية".
الثورة لم تكن فعلا اختياريا أو اعتياديا، ولكنها كانت ضرورة لتغيير الواقع الذي يحياه الشعب، وتحولت من مجرد حركة في الميادين كسرت حاجز الخوف، تحولت بفعل المعاناة إلى عقيدة وسلوك لدي الشباب، بينما هي لدى النخب السياسية طموح إلى حد الجنون إلى سلطة ترث النظام السابق دون أن يكون الشعب داخل اعتبارها إلا بشعارات وأقوال لا ترقى إلى اليقين.
يرصد أي مراقب منصف أن خللا ما أصاب العلاقة بين المجلس العسكري والأحزاب والنخب السياسية، وصارت بين هؤلاء مجتمعين وبين الشعب فجوة عميقة ليس هناك فرصة لتجاوزها في المدى المنظور، بل هي تضع اللبنات الأولى لصدام قادم، لن يكون بين الشعب وقوى الأمن بالشارع، ولكنه بين الشعب وتلك القوى وممثليها ولكن مسرحه سيكون مبنى المجلس النيابي وما يحيط به من طرق ومبان.
امتد الخلل إلى آلة الإعلام التي تم مصادرتها بذات أساليب النظام السابق، ولم يكتفوا بهذا بل طاردوا أي محاولة وديعة ومهنية لممارسة حرفة الإعلام وفق أصولها المتعارف عليها في كونها أداة للكشف عن حقيقة ما يجري وأن مهمتها في هذه المرحلة هي تحليل الأحداث والإضاءة من حول المخاطر التي تهدد الوطن ومصادرها وما يترتب عليها من أضرار تطول شعب لم يبخل بحياة أبنائه في سبيل لقمة عيش كريمة وحرة وأن يقيم العدل الاجتماعي بين أبنائه وكافة الأطراف الاجتماعية المكونة للشعب.
كسا اللون الأسود تصرفات الأشهر التسعة الماضية، ونازع سواد التصرفات لون الدم الأحمر لأبناء الشعب بأيدي من أطلق عليهم البلطجية، وهم أداة النظام السابق وخط دفاعه الأخير، وانضمت إليهم قوى هي ملك للشعب، فأهدرت دمه ولم تملك إلا تبريرات هي ذاتها تبريرات النظام السابق.
رغم كل ذلك تحولت الثورة في الشباب إلى روح وإلى عقيدة وإلى سلوك، وارتقى الشباب درجات سلم الوعي، يدفع الثمن على أعتابه، ويزيد إصرارا وعنادا، وأدرك بالتجربة الدامية أن الصراع ليس مكانه ميادين مصر وشوارعها، ولكنه صراع على الشعب بفئاته كلها وعيا وإرادة.
ولم يكن هذا مجرد قول ولكنه أخذ سمة الفعل وفي كل الاتجاهات، ولم يضع الشباب إرادته رهينة رغبة أو لقمة عيش، بل تخلص من أسر ذلك بوعيه أن تغيير الوطن هو سبيل البقاء الحر العزيز، وأن التغيير فعل ومنهج ومفاهيم، وليس مجرد أفواه وحناجر، وأن الدم غال وعزيز، وليس إهداره هواية تقليد أعمى ولكن الروح وليس مجرد الدم المسال هي ثمن يدفع، وقد دفع مقدما، وكسر حاجز الخوف وأطلق الإرادة من عقالها.
شباب ينتقل بين الاعتصام نهارا إلى العمل من أجل بناء نقابته ليلا، وشباب يعود من عمله، دون راحة ليسهم في الإعداد لانتخابات هي طريقه لتحرير نقابته، لا يخجل أن يحمل المكانس وينظف مسرحا عشش فيه العنكبوت ويرفع عنه القاذورات، ويحاول إصلاح كراسيه ويبحث عن تطوير إمكاناته إعدادا ليوم الانتخابات، ويتطوع من كل ربوع مصر ليشرف على صناديق الانتخاب، ينتقل بين الكمبيوتر، وشراء سندوتشات الفول والطعمية بلا خجل ولا تردد، يعود سواء كان المريض أم أو ابن، إلى العمل التطوعي إعدادا ليوم الإرادة، ويصنع أعلامه الخاص ليبلغ الدعوة إلى كل أبناء المهنة.
وتخرج إلى النور مجموعة أخري من شباب المهندسين حديثي التخرج، وتنشر المجموعة فيديو علي شبكة الإنترنت يدعو في هدوء وعمق واصرار كل المهندسين للاحتشاد يوم الانتخاب لتحقيق ارادتهم، عرف أن الإرادة يجب ترجمتها إلى فعل، وان الفعل الجماعي هو الفعل المنتج، وسعيت إلى لقائهم، وبادروا هم باتصال تليفوني، هم المبادرون، لم ينتظروا دعوة من أحد، وجاءوا لنلتقي.
الزمان ليلا وساعة القاهرة التاسعة مساء، والمكان نقابة المهندسين، والحضور يجمع بينهم إنهم مهندسون وتتباين ألوان الشعر، فقد انتقل البعض منا إلى صفة شيوخ المهنة، ويمتد إلقاء إلى منتصف الليل مع شباب "مرصد"، يسألون ويستفسرون لتبين محددات الانتخابات، قواعد وقانون وإجراءات وأماكن، وكان الصباح قد شهد شبابا يتصلون من أماكن عديدة يطلبون دورا أو تحديد مكانا لديهم للجنة الانتخاب، الكل يسعى ليوم الانتخاب.
لم تكن مبادرة الاتصال منهم هي المبادرة الأولى، بل يمكن أن تكون الثالثة فقد سبقها إنتاج فيديو الدعوة وتلي الفيديو ندوة عقدت في مركز الثقافة الشعبي "ساقية الصاوي" ونجحوا في هذه المبادرة أن يجمعوا الشباب من حول انتخابات نقابتهم.
كان سؤالهم الجوهري خلال اللقاء عن ماهية المهام التي يستطيعون أن يساهموا بها وبالإعداد ليوم الانتخابات، بهدوء وسلاسة وبلا انفعال مما يؤكد أن الاهتمام موضوعي وليس مجرد انفعال بالحدث بل هو تفاعل، وانتماؤهم إلى الوطن ترجموه حيال المهنة التي ينتمون إليها بمهنتهم، الدعوة إلى مشاركة كل المهندسين في انتخابات نقابتهم. شباب تجاوز حالة النقد والاتهام إلى حالة البناء بينما النخب السياسية تعيش حالة "الضجيج بلا طحن" ويحكم سلوكهم هدف وراثة سلطة سقطت دون وعي بحقيقة التغيير الذي تحققت نتيجة ثورة يناير في سلوك الشعب وفي عقيدة ووعي الشباب من أبنائه.
وعادت بي هذه الوقائع إلى مقال ودعوة كتبها ابني وهو في سنهم ليقول: "إن تكون الجمعة القادمة وما يأتي لاحقا من مظاهرات "مع" وليست"ضد" مع الحرية مع العدالة مع النظافة مع المستقبل مع النور وليست ضد الطوارئ وضد الكبت وضد الوساخة وضد الماضي وضد الظلام.
لأن " مع " تجعل الحشد إيجابيا بناء أمام الرأي العام بعكس " ضد" تجعل الحشد سلبيا هداما أمام الرأي العام رغم أن كلمة "مع" هي بالضرورة ضد شيء آخر، تجاوز الشباب ما كنا نخشاه أنهم لم يتول أحد أعدادهم ولم يضع أحد مثالا قيميا يحتذون به، فصنعوا لأنفسهم قيمهم الرائعة في مواجهة غياب القدوة.
ورغم ضجيج بورصة صناديق الانتخابات، ستبقى مصر ولادة، وسيظل هذا الشباب مثالا لأجيال قادمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5730
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5601
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026