رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الرمال المتحركة تبتلع الارادة العربية وعلينا أن نحدد الأهداف بدقة
يبدو الواقع العربي المحيط، كرجل وقع في بحر الرمال المتحركة، لا يستطيع أن يقف على قدميه، ولا أن يوقف انزلاقه لباطن الأرض، والرمال تضغط من كل الأجناب على رئتيه فلا يستطيع التنفس، وباتت عيناه جاحظتين عاجزتين عن الأبصار، وإذا ما ألقى أحد ممن التفوا حوله حبلا إليه لعله ينقذه، رآه وهما تملأه الأشواك، ومن خشيته أن تؤلمه الأشواك أو تدمي يديه، يستسلم للمضي إلى حتفه، تحت دقات دفوف لا تغني لحنا عربيا على الإطلاق.
بات من التكرار الممل الإطلال على تفاصيل الصورة، في كل الأرجاء العربية، دولا أو أنظمة أو قوى معارضة أو حتى نخبة الثقافة والفكر فيه، فبين الإدانة أو كشف العجز، صارت الكلمات والمعاني تزيد من اتساع بحر الرمال، ليغرق فيه الزمن القادم من قبل أن نصل إليه، بعد أن جرى وأد التاريخ، وصار التاريخ لعنة على صانعيه، وليس درسا للمتعاقبين على الأرض العربية.
هل يذكر أحد معنى الهجرة، طواعية كانت أو قسرية؟، أذكر في طفولتنا عام 1950 وما بعده هجرة داخل مدينة الإسماعيلية، عندما تحاصر القوات البريطانية المحتلة حي "العرب" الذي نسكن فيه للبحث عن الفدائيين، فنهاجر لبضعة أيام إلى أهلنا القاطنين في حي "الإفرنج"، والفارق بينهما شارع. وهجرة أخرى عام 1967 بعد أن كان القصف الصهيوني قد نال من المدينة، وقتل العشرات، ونسف قطار مهاجرين في اليوم التالي ودمر مبنى محطة السكك الحديدية، وأيضا كانت هجرة إرادية، ووصفناها أنها إجراء يحرم العدو من وسيلة الضغط على الإرادة والأعصاب، ولم يهاجر البشر فقط، ولكن تم تفكيك المصانع ومعامل التكرير ونقلها بعيدا عن قصف العدو، وكما تحدث الفريق عبد المنعم رياض رئيس الأركان المصرية: "العدو يقصف عشوائيا، فيصيب حيثما تصل قنابله أهدافا، بينما نحن يجب أن نحدد الأهداف ونضبط توجيه القصف لنصيب هدفنا".
هذا معنى الهجرة الذي يمكن أن نضم إليه قصص اللاجئين في كل أرجاء الأرض العربية، ولكن الهجرة الجديدة لم تعد إنقاذا للحياة، ولكنها هجرة من الحياة ذاتها، فكأن مجرد الوجود فوق الأرض العربية هو عدوان في حد ذاته على الإنسان، تمثلت معنى الهجرة من الحياة في مشهد الانتحار بحرق النفس في سيدي بوزيد التونسية، والتدلي مشنوقا من كوبرى على النيل بالقاهرة، والمهاجرون الذين يطلقون عليهم مجازا المنتحرون، متعلمون، ولكنهم يعانون من العدوان على حق الحياة فاختاروا الهجرة الطوعية. فارق بين زمنين، وفارق بين عدوين، أحدهم تهرب بالحياة من قصفاته القاتلة، والآخر عدو تهرب من الحياة لأنك لا تتحمل الوجود معه فوق الأرض.
وجديد الإنسان في الوعي العربي هو حق العودة الذي يقامر به العجز العربي، في مقابل القبول الإسرائيلي بالتفاوض، وتأبى إسرائيل التي نجحت في الانتقال بنا، من شعار من النهر إلى البحر، وشعار صراع الوجود وليس الحدود، إلى استجداء وقف الاستيطان من إسرائيل وأميركا، وتأبى إسرائيل وتقضم الأرض، وتعلن "القوة العظمى" عجزها.
جديد آخر أوضحت الوقائع أنه يصيب الإنسان العربي في أي قطر دونما سابق إنذار، أن الأنظمة لا تملك إلا الأجهزة الأمنية للتعامل معه، حدث في فلسطين هناك في الضفة وفي غزة، وكلا الأطراف مدانة بهذا، وحدث في مصر، تجاه من حاولوا الإدلاء بأصواتهم، ويحدث الآن في تونس من سيدي بوزيد إلى تونس العاصمة، وبقدر ما واجه الأمن وقتل، بقدر ما تنتشر الاعتراضات إلى قطاعات أوسع.
الخشية من الحرب الأهلية في مقالنا السابق، لم نكن نتوقع أن بشائرها ستقع خلال أيام معدودة.
وها نحن ننتقل من إدراك بأن إسرائيل هي العدو الرئيس، وأن فلسطين القضية المركزية، إلى افتقاد الوعي بأرض الوطن والشعب فوق الأرض.
سلاسة التعامل مع قضية الجنوب السوداني، والتسليم بانفصاله، بل وإلباس الانفصال صيغة الفتح الإسلامي وأنه سيمكنهم أن يفرضوا الشريعة الإسلامية في الشمال، هو حديث خارج عن العقل والسياسة والوطن والدين، هو حديث الإفك، فالأوطان ليست محل التجزئة إلا بالتفريط، وليس الدين الهادي للبشر الذين هم الشعب، محل مفاضلة مع الشعوب ويتحقق بنفي جزء من البشر لإتمام سيادة للدين، هذا هو الجهل بمعني الوطن وجهل بالدين، ليس من الشرع التفريط في الأرض، والشعب، وإلباس الهزيمة لباس الاختيار بين الدين واللا دين!
وليس من الجائز الربط بين اختيار السودانيين الانفصال عن مصر وإعلان الاستقلال عام 1956، وبين تقسيم السودان إلى دولتين،فارق بين فك ارتباط وبين تقطيع أوصال.
كما ليس من المقبول أن ندرك ما تفعله أميركا وإسرائيل بشأن الجنوب ودارفور، ونبلع ألسنتنا، مجرد الكلام نفتقده، وكأن البلاهة بديل البلاغة قد نالت من العقل العربي.
وصارت الأمور في قضايا الأوطان تقاس بحجم إنتاج البترول، وبمقدار الثروة، نتعامل مع الأوطان تعامل المحتل، وليس تعامل الوطني المسؤول عن حريتها ووحدتها.
وهي ذات الرؤية في التعامل مع شمال العراق، وإن كان الطريق إلى الانفصال في بداياته، وفاقدي الهوية الوطنية، ومدعي الانتماءات المذهبية يتحكمون في أمر الأرض والشعب، وهم لا يمكنهم استيعاب دلالات الأرض ولا الشعب، ولكنهم يستوعبون الأجندات الخارجية، وهناك الدين المسيحي يقدم لتقسيم جديد غير التقسيم القومي.
استخدمت أميركا الدين في منطقتنا مرتين، الأولى مشاركة مع اليمين العربي الذي كان يواجه معها دعوة القومية العربية بغرض تفريغها من مضمونها القومي والاجتماعي، بما يضمن مصادرة البواعث القومية للمواجهة مع أميركا وإسرائيل، والمرة الثانية لحشد المتطوعين من العرب لقتال السوفييت أثناء احتلالهم لأفغانستان، وكانت المساجد تدعو المتطوعين للسفر إلى أفغانستان للجهاد المقدس ضد الملحدين السوفييت، كان السلاح والتدريب والأموال بلا حساب، فهي حرب المجاهدين بالوكالة عن الأميركان ومدعومة بالأنظمة العربية وثروة البترول العربي، وبعد خروج السوفييت من أفغانستان، نفضت السي آي إيه يدها من المجاهدين الأفغان، وتحول الشباب إلى مواجهة مع أميركا ذاتها من ناحية، ومع الأنظمة التي دفعت بهم من ناحية أخرى، ومنذ وقائع الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتفجير مبنى التجارة العالمي في نيويورك، أطلقت أميركا مقولة "إن الإسلامي قرين الإرهاب". اتفقت أميركا وإسرائيل على هذا المصطلح، وجرى تعميقه، بل وتم حصار الدول العربية على أنها تناصر الإرهابيين وتمولهم، وصارت مدارس القرآن هي البيئة الأساسية للإرهاب في عرفهم، فأغلقوها وطاردوا تلاميذها من أفغانستان إلى كل الدول العربية، وبلغ بهم الأمر إلى المطالبة برفع آيات الجهاد من المصحف الشريف، ووقعت الأنظمة العربية في فخ المواكبة، وتولى عدد من الدول العربية مهمة استجواب المجاهدين في سجون عربية، ومن ناحية أخرى استطابوا ادعاء أن الإرهاب قرين الدين، وجرى تعديل على المناهج التعليمية. واشتعلت إفريقيا والجزيرة العربية والعراق وباكستان وأفغانستان في قتال بين "مجاهدين" ينتمون إلى القاعدة أو منهجها، وبين الاحتلال أو الأنظمة التي يعملون فوق الأرض الواقعة تحت حكمهم، واليمن خير دليل علي ذلك.
هكذا أصبح الدين، وهو أحد مقومات الوجود العربي، وإحدى دعائم وحدته، مبررا للحرب على العرب، لأنه دعوة للإرهاب في عالم السلام غير الإسلامي. واعتبرت المقاومة في فلسطين لونا من الإرهاب، وليست حقا تكفله الشرائع الدولية لمواجهة الاحتلال.
هكذا صار الدين وسيلة يستخدمها الجميع لتبرير مواقفهم مهما كان تناقضها فيما بينها، أو تناقضها مع الدين ذاته.
في حديث الأستاذ هيكل على قناة الجزيرة الخميس الماضي 23 ديسمبر 2010، وهو تاريخ كانت مصر تحتفل فيه بهزيمة العدوان الثلاثي في معركة بورسعيد، تحدث عما سيتبع الاستفتاء الذي سيجري في السودان في التاسع من يناير القادم، وبعد أن نوه عن إمكانية تكاد تكون مؤكدة بانفصال الجنوب، فتح ملف مياه النيل، والمنابع، وحدد أن الملف سياسي من المنابع إلى السد العالي، ومن بعد السد إلى المصب ملف فني.
وللمرة الأولى يعرض الأستاذ هيكل استعداده لأن يتقدم بتصور عن الملف السياسي، المرة الأولى يعرض هيكل أمرا كهذا في تاريخ كتاباته وأحاديثه، وعلى الملأ، الأمر الذي يجب التوقف عنده، إن هناك خطرا من نوع جديد، ولا ينفع معه الأداء العاجز، ولا تصلح له الأداءات الوظيفية، فهل سيجد من يسمع له، أم أن الأجندة الداخلية والإفريقية للنظام لا تسمح بهذا.
هكذا الإنسان والأرض والمياه والدين، صارت رمال متحركة تبتلع الإرادة والقدرة العربية، وبقيت كلمات الفريق عبد المنعم رياض رئيس الأركان المصرية: "العدو يقصف عشوائيا، فيصيب حيثما تصل قنابله أهدافا، بينما نحن يجب أن نحدد الأهداف ونضبط توجيه القصف لنصيب هدفنا"، تدوي في الآذان لعلها تصيب انتباها.
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله فيها أبوابًا من الرحمة والقبول لا تتكرر في غيرها، ومن... اقرأ المزيد
135
| 22 مايو 2026
معرض الدوحة للكتاب وترسيخ الوعي بالهوية
تعكس زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمس، إلى معرض الدوحة... اقرأ المزيد
99
| 22 مايو 2026
بالتعليم المبكر نصنعُ الغد
معلمة الطفولة لا تُخرّج طلابًا فحسب، بل تُسهم في صناعة مستقبل الأمة؛ فهي تبذر البذور الأولى للأخلاق، والهوية،... اقرأ المزيد
60
| 22 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1431
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1245
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026