رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العرب قرروا الخروج من التاريخ وانشأوا لانفسهم عشرات من حوائط المبكى
الأحداث الجارية فوق الأرض العربية باختلاف أقطارها "تُنَطَقْ الأخرس" كما تقول أغنيات المقاومة "لأولاد الأرض" بالسويس. ولكن الحالة العربية الآن أفقدت الكلام مضمونه، وأهملت الفعل وحلت مكانه جلسات النواح والبكاء والحياء المنبوذ والتجاوز البذيء على شاشات الفضائيات، والكل يحيا الفوضى ويقبل بها.
مواكب الوارثون ليست جديدة على المجتمع العربي، فقد سبق أن انطلقت وتحت أسماء مختلفة في عامي 1967 و1970 عامي هزيمة يونيو، ورحيل جمال عبد الناصر إلى رحاب ربه. لم يكن الوارثون في حينها أفرادا، وأبناء أو قادمين من المجهول، ولكنهم كانوا تنظيمات وأنظمة، والكل يرفع رايات الثورة العربية، وينشد أناشيد الثأر والتحرير، ويحمل أموالا ينثرها هنا وهناك، انتبهوا وتفرغوا لوراثة جمال عبد الناصر، وتركوا أرض المعركة خالية، وكأني بهم قد هبطوا من جبل أحد، فاستدارت خيل العدو وأحاطت بهم، وكان هذا فعلهم في أقرب لحظات الأمة العربية إلى تحقيق الذات في معركة عسكرية تضع إسرائيل في حدود حجمها الطبيعي وكونها عدوا غير خارق، وأن العمل الاحترافي الجاد يمكنه أن يكشف القدرات لكل الأطراف.
لم تخسر الأمة العربية حالة الحشد من بشر وثروة وقوة وعتاد التي حققتها في 1973، ولكنها خسرت معاييرها، وكأنها قد انتقلت إلى المدينة الفاضلة، وألقت السلاح إلا فيما بينها، وتركت العروبة العقيدة التي وحدتها، وتغاضت عن فلسطين قضيتها المركزية، بل الأدهى من ذلك، أنها وأدت كل الأحزاب والتنظيمات التي احتشد فيها كوادر الأمة السياسية، وتهاوى حزب البعث وجبهة التحرير الجزائرية وطليعة الاشتراكيين والطليعة العربية والأحزاب القومية والشيوعية، ولم يبق منها إلا أسماء خالية من المضمون، وخرجت من الأوكار تنظيمات بديلة سواء قادمة من زمن الاحتلال أو هي قادمة بإدعاءات دينية، وغير كل هذا أنتج الغرب للكوادر العربية عبوات جاهزة، استعاضت عن الفكر السياسي بما يسمى بحقوق الإنسان، ومن الإنسان حقوق المرأة، ومن الأوطان القوميات والأعراق والأديان، وشكلت لهم أوعية ما سمي بمنظمات المجتمع المدني، ولم تتركهم في العراء، بل أوجدت لهم مرجعيات في أوروبا الاسكندنافية وهولندا وأمريكا، وأوجدت لهم التمويل من أوروبا وأمريكا، ونجحت في استقطاب كوادر اليسار الشيوعي والقومي، وصنعت منهم نجوم إعلام، بعد أن تم ترويض الإرادات وتحويل الأفكار.
ولم يتوقف الأمر عند الأحزاب السياسية أيا ما كانت توجهاتها وتاريخها، ولكنه شمل منظمة التحرير الفلسطينية، وميثاقها، وقياداتها، وجرى تصفية كل هذا، وكأن منظمة التحرير الفلسطينية، قررت أن تتجرع السم بيدها وليس بيد إسرائيل. وكما قتلت إسرائيل أبو جهاد وهو قائد انتفاضة الحجارة، ليصنع أبو عمار ما أسماه "بسلام الشجعان"، أنقلب أبو مازن، والذي كان قابعا في هدوء وفي الظلام بينما رجال الثورة يمارسون المقاوم، انقلب على أبو عمار، وجلس في الظل حتى يتم تمهيد الأرض له، واجتمع الجميع على أبو عمار، فبينما كانوا يقررون مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002، كان شارون يحاصر أبو عمار ويخنق الأرض من حوله حتى تم قتلة، ليأتي أبو مازن ويضع يده في يد قاتليه، وهو في الوقت ذاته يضرب المقاومة والمقاتلين في أعنف عملية تصفية بقيادة الجنرال دايتون.
هذه المشاهد جميعها أكدت أن عملية هدم البناء السياسي والشعبي داخل الأمة وفي أقطارها، لم تكن جملة مصادفات التقت في مجرى واحد، ولكنها بالقطع منهج جرى إعماله، وانساق الجميع بإرادتهم إلى تنفيذه.
انتهت خطط وراثة الأنظمة، وأنشأ المثقفون العرب، مؤتمرات تحت مسميات قوميه وإسلامية، والأسماء تحتوي علي كلمة "الحوار"، الكلام، وهي مؤتمرات يسمع المثقفون العرب فيها أنفسهم، ولو بحثت عن الأعضاء لوجدت الأسماء تتكرر في كافة المؤتمرات، وأصبحت هذه المؤتمرات مصدرا للبيانات، وليست معهدا لإنتاج كوادر سياسية مناضلة.
لدى الإسرائيليين حائط مبكى واحد، سرقوه من المسجد الأقصى تمهيدا للاستيلاء على كل المسجد، وأنشأ العرب لأنفسهم عشرات حوائط البكاء، في كل الأقطار، وحول كل القضايا، وتفرغوا للطم وشق الصدور، وقرروا الخروج من التاريخ، وفرطوا في الأرض، من العراق إلى الجولان إلى السودان إلى سيناء.
غياب المؤسسات السياسية، وغياب حالة الاستنفار بالمقاومة وغياب الفلسطينيين، وقد أنهت أمريكا دورها في الجنوب واستدارت الآن إلى دارفور، ولن يستطيع العرب مواجهة العدو، وغياب لغة محددة وواضحة تعبر عن الرؤية العربية دون نفاق الغرب باستخدام أدبياته، كل ذلك أصاب الإرادة العربية بحالة سيولة وأفقدها قوامها، وصارت قدرة الفعل العربية حديثا من أحاديث الذكريات.
حالة البشير في السودان وأبو مازن في رام الله، تدعو إلى الرثاء أكثر منها دعوة للإدانة. البشير يعرض على الجنوب حصة الشمال في البترول، مقابل خيار عدم الانفصال، والجنوبيون يرفضون ويقولون العرض جاء متأخرا، ولكن أعرض نفس العرض في أبييه، أي تنازل عن جزء آخر، ويخرج المتحدثون باسم المؤتمر الوطني يقولون ما قاله البشير عن الواقعية، إن الانفصال هو الاحتمال الأرجح. وأبو مازن يهرع إلى لجنة المتابعة يسألها ماذا يفعل، بعد الصفعة التي وجهها نتنياهو إلى أوباما، ورفضه إيقاف الاستيطان لـ 90 يوما مقابل 20 طائرة إف 35، وكأن لسان حاله يقول سأحصل على الطائرات من دون مقابل، وإسرائيل لن تتنازل عما في يديها من أرض، فماذا يمكن أن يفعل مجلس الأمن أو العرب لأبي مازن؟ الإجابة لا شيء.
لا يستطيع أحد أن يدين البشير وأبو مازن، فأي منهما لم يظهر في المسرح السياسي فجأة، بل كل مراحل الانهيار تمت أمام كل العرب بل وشاركوا فيها وكذلك جامعة الحكومات العربية، ومن يدين واجب عليه أن يعرض البديل خلال اللحظات الباقية، وهذا أمر يفوق قدرة خدمة "سليمان" من الجن.
يكاد يكون الأفق يحمل للأمة العربية بديلا واحدا هو الحرب الأهلية، ليس فقط في السودان وفلسطين، ولكن في كل القضايا المطروحة، حتى وإن بان للعيان أن هناك إشارات للانفراج، فالحقيقة أن شدة التناقض والتباين في الخيارات تجاه القضايا العربية، حشدت الشعوب في جانب، وكافة مؤسسات السلطة في الجانب الآخر. وصار الأمر جملة من العلاقات المشوهة، تربط كافة الأطراف، وكأن هناك إدارة خفية توجه العلاقات، وكل النتائج تؤدي إلى تفتيت المنطقة إلى شظايا.
محمود عباس لن يستطيع أن ينال شيئا، وهو غير مرشح لإتمام الوحدة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية، لأن خياراته تتناقض كليا مع خيارات باقي الفصائل، ولن يستطيع العرب أن يقدموا جديدا يغير موازين القوى، والأمر مرشح لحرب أهلية بين القوى الفلسطينية.
والبشير غير قادر أن يحمي السودان ويمنع الانفصال برشوة مالية في اللحظات الأخيرة، وتكاد تكون رائحة الدم تزكم الأنوف في السودان، وقد أنهت أمريكا دورها في الجنوب واستدارت الآن إلى دارفور، والأمر كذلك مرشح لحرب أهلية إن لم تكن بين الشمال والجنوب فإنها ستكون بين شمال وشمال، لأن انفصال الجنوب سيترك آثاره الجانبية على متخذ القرار في الشمال.
وإن تركنا هذا ونظرنا إلى الوضع الداخلي في مصر في أعقاب الانتخابات، لا يجوز أن نقول إن هناك انسدادا، ولكن المتابع لحال الأحزاب والنخبة، يجد حالة من عدم وضوح الإرادة، سيولة، كل من يعن له أن يفعل شيئا يفعله، وكل ما يجري بعيدا عن احتياج الجماهير، وانطلق قطار القرارات الهادمة لمجتمع الشعب بداية من التأمين الصحي، وهو أمر يهدد بصدامات لا رادع لها خاصة أن القانون قد غاب، وأهدرت الأحكام القضائية، ولم يعد من سبيل سوى القوة بمعناها البدائي. وأعلن الرئيس المصري أمام المجلس المنتخب مقولة جديدة مفادها "كلنا كنا فقراء"، ووجب على الشعب أن يجد سبيله للانضمام إلى حزب "كنا فقراء"، وأيضا لم يعد من سبيل سوى القوة بمعناها البدائي.
بدأت الحرب الأهلية في مصر داخل الأحزاب، وحزبي التجمع والناصري على وشك الانفجار، والخاسرون في الانتخابات يقفزون فوق الأسباب، ومهام التغيير بإعلان البرلمان الموازي، هم مع أنفسهم، والشعب يرصدهم مع الحزب الحاكم في ذات الخندق، ويدفعون جميعهم الشعب ليتولى أمره بيده، فالأحزاب والجماعات والجمعيات جميعها، مسميات والمضمون ذاتي ولا علاقة له بالمجتمع.
هل لنا أن نساعد في نشوب حرب أهلية عربية عربية؟ هل هذا هو الحل؟ ليمسك من يبقى من العرب بالأمر وتنتهي معادلة اللا سلم واللا حرب، والتي صارت اللا مقاومة واللا دولة، ليس في فلسطين وحدها، ولكن باتساع الخريطة.
هل هناك من يملك تأسيس حركة عربية قادرة على تجاوز عجز الأحزاب؟ أم أن القدر يفرض العودة لنقطة بداية جديدة في الظلام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2952
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
2490
| 04 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
2475
| 30 أبريل 2026