رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في المشهد الأخير من فيلم "العصفور" رسم "يوسف شاهين" صورة لحال مصر، فما إن أنهى عبد الناصر خطاب التنحي، كما عرضه الفيلم، حتى انخرط "صاحب المكتبة" في البكاء، بينما خرجت "بهية" إلى الشارع وسط الجموع البشرية تهتف "حنحارب"، ويكمل يوسف شاهين تشريح المجتمع عند تلك اللحظة، ويعرض لسيارات النقل التي تحمل الماكينات المسروقة من مصنع كان يبني في الصعيد إلى مخازن الفساد، الحدث واحد وهو وقوع الهزيمة وتنحي عبد الناصر، ولكن التصرف تجاهه مختلف حسب الانتماء، ورد الفعل في اتجاهين متناقضا تماما، وهي ذات قصة نبيا الله داود وسليمان وصراع المرأتين على ذات الطفل، فما إن قضى سليمان بقطعه بالسكين إلى نصفين، حتى تباين موقف المرأتين، فانشغلت الأم بالدفاع عن ابنها، وصمتت المرأة الأخرى ليكشف سليمان من هي الأم الحقيقية ومن المدعية.
ذات المشهد تكرر في مصر في أعقاب انفجار الإسكندرية، بينما انشغل الكثير من المشاهدين بالانفجار على أنه المشهد الرئيس في مصر، وأن الخطر يكمن في احتمالات فتنة تطل برأسها بين عنصري الأمة، وانطلقت الأبواق الحكومية تتحدث عن الإرهاب الذي يهدد مصر، والقادم من الخارج، وفي ذات الوقت كانت قافلة الفساد تتحرك في الاتجاه المعاكس، ولكنها لم تكن تنقل ماكينات مصنع جرى تفكيكها وسرقتها من صعيد مصر، بل كانت تحمل في طياتها مخططا تشريعيا يعلن الإجابة عن السؤال: لماذا كان التزوير مطلقا وفجاً لهذا الحد؟، بل إن أخذنا بنظرية المؤامرة نقول إن حادث الإسكندرية كان أمرا يرجوه ويتمناه تحالف السلطة والثروة الحاكم، فقد وضع الحادث حدا للحديث عن الانتخابات والتزوير، ونقل الحديث إلى الإرهاب والوحدة الوطنية وبينهما ورد الإعلان عن قضية الجاسوسية لتمثل مرحلة انتقاليه.
وإدارة الأزمات تقول بوجود فرصة داخل كل أزمة، تمكن من العلاج أو الانطلاق من جديد لتجاوز الأزمة وبناء بيئة تحول دون تكرارها أو تكرار غيرها من أزمات، أو هي تحقق نتائج في إبعاد أخرى غير نطاق الأزمة علي الإطلاق.
أعقب انفجار الإسكندرية انفجار آخر في وجه التحالف الحاكم، حيث أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر حكمها بعدم دستورية القانون 100 لعام 93 والمنظم للانتخابات في النقابات المهنية والذي أدى إلى تعطيل النقابات المهنية في مصر، وفرض الحراسة على نقابة المهندسين لخمسة عشر عاما.
كان توالي الانفجارات يمكن أن يمثل للتحالف الحاكم أزمات تحرجه، ولكنه استخدم الفرصة المتاحة داخل الأزمات لإعادة توجيه الرأي العام، وإغراقه في أمر الفتنة الطائفية وبحث كيف يمكن أن يعيش عنصرا الأمة معا، ورغم أن الأزمة كشفت غياب الدولة وضعفها تجاه قضايا مصر الرئيسة التي تتحملها مباشرة "المياه والوحدة الوطنية"، إلا أن التحالف الحاكم بدأ مباشرة في الدعاية لقانون الإرهاب، وتوالي الإعلان عن مشروعات جديدة للقوانين حتى القانون 100 كان المشروع البديل له موجودا وجاهزا للعرض ويمكن أن يتم إقراره خلال زمن محدود.
من ناحية أخرى كانت "الأزمة ـ الفرصة" تفتح بابا للنقاش الوطني حول "من يصنع الفتنة الطائفية في مصر؟"، وهو سؤال ظلت الإجابات فيما سبق تحوم من حوله وتتجنب المكاشفة، ولكن هذه المرة تم عرض كل الأداءات المؤدية للفتنة، وبلا مواربة. وفتح النقاش أيضاً بابا لكشف "الفتنة الكبرى" المستهدفة في مصر، والمتمثلة في اتهام الشعب بالخنوع، والقبول بالهزيمة، ووصل التجاوز بالبعض باتهام الشعب بالجبن، وكأن المتحدثين والمنظرين هؤلاء قد هبطوا على الشعب من السماء، وليسوا منه.
هذا الاتهام الذي يردده البعض هو دلالة غياب عن حقيقة مهمة النخبة، أو الطليعة أو المفرزة المتقدمة في المجتمع، فالشعب هو الهدف، وهو الكتلة الحاسمة لأي صراع اجتماعي إن تم الاقتراب الصحيح إليه لكشف الصورة أمامه، الشعب ليس حالة تمرد دائمة أو حالة خنوع دائمة، الشعب حالة بناء وعمل ومحاولة لتوفير مقومات الحياة دائمة، نعم ينشغل بهموم وطنه بوعيه أو بالاستدعاء أو باستشراف الخطر، وإن كان البعض يراه متخاذلا، فهل من المقبول القول إنه يرى الصراع بين السلطة والنخبة صراع المماليك وأنهم جميعهم يتحدثون لغة لا يعرفها وهو غير موجود في مضمونها فضلا عن غاياتها وأهدافها.
وجود هذا الشعب وصبره وقدرته على التحمل، رغم كل ظروف الحياة، هي التي جعلت مصر باقية عبر التاريخ ورغم كل ما ألم بها، أم أن مصر بقيت لأن البعض منهم وجد طريقه للمعرفة الآن، بقلم يقضي به وقت فراغه، أو "كي بورد" يطلق بها عنتريات التقييم للأمة على الإنترنت.
لو رجعنا إلى كل التحركات التي دارت على مدى السنوات الست الماضية، لوجدناها إما أنها تحركات نخبة، أو أنها تحركات فئات اجتماعيه، وكلاهما سقطت منه الأحزاب.
ولو بحثنا في تحركات النخبة، لوجدناها بدأت انقلابا على الأحزاب بحركة "كفاية"، والسؤال هل جمود الأحزاب مسؤولية الشعب؟
ولوجدنا أن تحركات الفئات الاجتماعية حققت نتائج في مواجهة النظام، هي أخذت المثال من تظاهرات النخبة، واستمدت الإحساس بحقها والشجاعة على المواجهة من المواقف التي خاضتها النخبة، رغم محدودية النتائج التي ترتبت على تلك المواقف.
وإذا ما رجعنا إلى باب كسر القيود الذي فتحته حركة نادي القضاة، لوجدناها كانت إطلالة على طريق الحرية، لم يتحملها التحالف الحاكم فحشد كل إمكاناته لمواجهتها، ولكنها ستبقى في تاريخ الوطن تحمل معنى التفاف الأمة حول قضاياها.
إذا راجعنا انتخابات 2005، ونتائجها، أليست دلالة على حيوية الشعب، أم أن هناك من زورها؟ إن مشهدا لسيدة مصرية تصعد إلى لجنة الانتخابات على سلم نقالي لتعبر من نافذة خلفية لمبنى به لجنة انتخابات، لأن الأمن يحاصر المبنى ويمنع الناخبين من الوصول إليه، لهو مشهد يقول من هو هذا الشعب.
ثم موجة الوحدة الشعبية في مواجهة انفجار الإسكندرية، وبروز دعوة الدروع البشرية، هل تنتج من شعب بلا وعي، أم شعب لا يخشى الموت.
إذا عدنا إلى وقائع المحلة الكبرى، وأحداثها، في 6 أبريل 2008، التي أعادت إلى الأذهان مظاهرات المحلة طوال السبعينيات، هل كان عمال المحلة مستوردين من الخارج، أم أنهم عصب حركة الرفض الوطنية.
لقد كانت أحداث 1977 والتي سقط فيها نظام السادات هي نقطة الانقلاب، فكما فتحت مظاهرات العمال وطلاب الجامعة في فبراير 1968 الباب لتكوين الأمن المركزي والذي يتجاوز عدد قواته الآن نصف المليون جندي بكثير، فقد أدت أحداث 1977 إلى خطط جديدة للإجهاز على الحركة الشعبية المصرية، وأدت الانهيارات الاقتصادية وبيع المصانع وتفكيك الوجود العمالي وحصار النقابات إلى تعويق الحركة الشعبية المصرية.
والكثيرون ممن كتبوا عن التغيير واحتمالات انفجار الشارع في وجه التحالف الحاكم، كان يقدم النصح خشية ثورة الجياع التي لن تبقي ولن تذر، وبات الحديث أنها يمكن أن تشتعل من جراء حادث هنا أو هناك، ولم يعد السعي إلى الشعب بخطة عمل، أو بصناعة الفرصة وليس انتظارها واستغلالها بانتهازية، وهو أمر لم يتحقق حتى اللحظة، وكلما طال الزمن دون تحققه، سقطت من النخبة عناصر دون القدرة على الاستمرار، وانفجرت تكوينات حزبية، وكأن الزمن المنقضي دون فعل إيجابي للتغيير ضرورة لتطهير ميدان الحركة من أجل التغيير.
استخدم تحالف السلطة والثروة الحاكم الفرصة التي أتاحتها الأزمة، وكانت الحركة الساعية للتغيير دون القدرة على استخدامها، مما فرض عليها بديلا وحيدا، وهو أن تصنع حركة التغيير فرصتها بذاتها.
بات واضحا أن الشعب هو قوة الحسم الرئيسة في عملية التغيير، والعمل على استقطابه وإدخاله إلى ميزان القوى هو مسؤولية قيادة التغيير، وأن التحالف الحاكم يسعى عكس ذلك في محاولة لإبقاء الشعب حبيس سعيه من أجل لقمة العيش، هذه هي المعادلة الرئيسة لحركة التغيير في مصر، وأي تجاهل لهذه المعادلة هو خروج عن هدف التغيير وتجاهل لحاجة مصر.
فجر يوم التاسع من يناير تنقل وكالات الأنباء أخبارا عن مقتل خمسة من التونسيين في ولاية "القصرين" غرب تونس قرب الحدود الجزائرية، وأن قوات الجيش تنتشر حول المباني الرئيسة في مدينة "تالة" بالولاية، ليبلغ العدد في المساء ما يقارب العشرين شهيدا من جراء استخدام الرصاص الحي، وفي الوقت ذاته مازالت المواجهات مستعرة في الجزائر بين الشعب وقوات مكافحة الشغب، ويوم الجمعة قتلت القوات الصهيونية عمر القواسمي وهو على فراشه في مدينة الخليل بعشر رصاصات، وسيد بلال شاب مصري يعيده الأمن لبيته في الإسكندرية مقتولا بعد القبض عليه بأربعة وعشرين ساعة للتحقيق معه في حادثة الانفجار، واليمن يسعى إلى تعديلات دستوريه للرئاسة مدى الحياة، والجنوب السوداني يبدأ رحلة التصويت لمدة أسبوع على الانفصال، ومازال هناك من يهاجمون الشعب العربي أنه متخاذل، وينتظرون منه أن ينقذهم دون أن يبذلوا في سبيل ذلك ما يلزم من جهد وعرق ودم.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
537
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34644
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10260
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8268
| 03 سبتمبر 2026