رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في المشهد الأخير من فيلم "العصفور" رسم "يوسف شاهين" صورة لحال مصر، فما إن أنهى عبد الناصر خطاب التنحي، كما عرضه الفيلم، حتى انخرط "صاحب المكتبة" في البكاء، بينما خرجت "بهية" إلى الشارع وسط الجموع البشرية تهتف "حنحارب"، ويكمل يوسف شاهين تشريح المجتمع عند تلك اللحظة، ويعرض لسيارات النقل التي تحمل الماكينات المسروقة من مصنع كان يبني في الصعيد إلى مخازن الفساد، الحدث واحد وهو وقوع الهزيمة وتنحي عبد الناصر، ولكن التصرف تجاهه مختلف حسب الانتماء، ورد الفعل في اتجاهين متناقضا تماما، وهي ذات قصة نبيا الله داود وسليمان وصراع المرأتين على ذات الطفل، فما إن قضى سليمان بقطعه بالسكين إلى نصفين، حتى تباين موقف المرأتين، فانشغلت الأم بالدفاع عن ابنها، وصمتت المرأة الأخرى ليكشف سليمان من هي الأم الحقيقية ومن المدعية.
ذات المشهد تكرر في مصر في أعقاب انفجار الإسكندرية، بينما انشغل الكثير من المشاهدين بالانفجار على أنه المشهد الرئيس في مصر، وأن الخطر يكمن في احتمالات فتنة تطل برأسها بين عنصري الأمة، وانطلقت الأبواق الحكومية تتحدث عن الإرهاب الذي يهدد مصر، والقادم من الخارج، وفي ذات الوقت كانت قافلة الفساد تتحرك في الاتجاه المعاكس، ولكنها لم تكن تنقل ماكينات مصنع جرى تفكيكها وسرقتها من صعيد مصر، بل كانت تحمل في طياتها مخططا تشريعيا يعلن الإجابة عن السؤال: لماذا كان التزوير مطلقا وفجاً لهذا الحد؟، بل إن أخذنا بنظرية المؤامرة نقول إن حادث الإسكندرية كان أمرا يرجوه ويتمناه تحالف السلطة والثروة الحاكم، فقد وضع الحادث حدا للحديث عن الانتخابات والتزوير، ونقل الحديث إلى الإرهاب والوحدة الوطنية وبينهما ورد الإعلان عن قضية الجاسوسية لتمثل مرحلة انتقاليه.
وإدارة الأزمات تقول بوجود فرصة داخل كل أزمة، تمكن من العلاج أو الانطلاق من جديد لتجاوز الأزمة وبناء بيئة تحول دون تكرارها أو تكرار غيرها من أزمات، أو هي تحقق نتائج في إبعاد أخرى غير نطاق الأزمة علي الإطلاق.
أعقب انفجار الإسكندرية انفجار آخر في وجه التحالف الحاكم، حيث أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر حكمها بعدم دستورية القانون 100 لعام 93 والمنظم للانتخابات في النقابات المهنية والذي أدى إلى تعطيل النقابات المهنية في مصر، وفرض الحراسة على نقابة المهندسين لخمسة عشر عاما.
كان توالي الانفجارات يمكن أن يمثل للتحالف الحاكم أزمات تحرجه، ولكنه استخدم الفرصة المتاحة داخل الأزمات لإعادة توجيه الرأي العام، وإغراقه في أمر الفتنة الطائفية وبحث كيف يمكن أن يعيش عنصرا الأمة معا، ورغم أن الأزمة كشفت غياب الدولة وضعفها تجاه قضايا مصر الرئيسة التي تتحملها مباشرة "المياه والوحدة الوطنية"، إلا أن التحالف الحاكم بدأ مباشرة في الدعاية لقانون الإرهاب، وتوالي الإعلان عن مشروعات جديدة للقوانين حتى القانون 100 كان المشروع البديل له موجودا وجاهزا للعرض ويمكن أن يتم إقراره خلال زمن محدود.
من ناحية أخرى كانت "الأزمة ـ الفرصة" تفتح بابا للنقاش الوطني حول "من يصنع الفتنة الطائفية في مصر؟"، وهو سؤال ظلت الإجابات فيما سبق تحوم من حوله وتتجنب المكاشفة، ولكن هذه المرة تم عرض كل الأداءات المؤدية للفتنة، وبلا مواربة. وفتح النقاش أيضاً بابا لكشف "الفتنة الكبرى" المستهدفة في مصر، والمتمثلة في اتهام الشعب بالخنوع، والقبول بالهزيمة، ووصل التجاوز بالبعض باتهام الشعب بالجبن، وكأن المتحدثين والمنظرين هؤلاء قد هبطوا على الشعب من السماء، وليسوا منه.
هذا الاتهام الذي يردده البعض هو دلالة غياب عن حقيقة مهمة النخبة، أو الطليعة أو المفرزة المتقدمة في المجتمع، فالشعب هو الهدف، وهو الكتلة الحاسمة لأي صراع اجتماعي إن تم الاقتراب الصحيح إليه لكشف الصورة أمامه، الشعب ليس حالة تمرد دائمة أو حالة خنوع دائمة، الشعب حالة بناء وعمل ومحاولة لتوفير مقومات الحياة دائمة، نعم ينشغل بهموم وطنه بوعيه أو بالاستدعاء أو باستشراف الخطر، وإن كان البعض يراه متخاذلا، فهل من المقبول القول إنه يرى الصراع بين السلطة والنخبة صراع المماليك وأنهم جميعهم يتحدثون لغة لا يعرفها وهو غير موجود في مضمونها فضلا عن غاياتها وأهدافها.
وجود هذا الشعب وصبره وقدرته على التحمل، رغم كل ظروف الحياة، هي التي جعلت مصر باقية عبر التاريخ ورغم كل ما ألم بها، أم أن مصر بقيت لأن البعض منهم وجد طريقه للمعرفة الآن، بقلم يقضي به وقت فراغه، أو "كي بورد" يطلق بها عنتريات التقييم للأمة على الإنترنت.
لو رجعنا إلى كل التحركات التي دارت على مدى السنوات الست الماضية، لوجدناها إما أنها تحركات نخبة، أو أنها تحركات فئات اجتماعيه، وكلاهما سقطت منه الأحزاب.
ولو بحثنا في تحركات النخبة، لوجدناها بدأت انقلابا على الأحزاب بحركة "كفاية"، والسؤال هل جمود الأحزاب مسؤولية الشعب؟
ولوجدنا أن تحركات الفئات الاجتماعية حققت نتائج في مواجهة النظام، هي أخذت المثال من تظاهرات النخبة، واستمدت الإحساس بحقها والشجاعة على المواجهة من المواقف التي خاضتها النخبة، رغم محدودية النتائج التي ترتبت على تلك المواقف.
وإذا ما رجعنا إلى باب كسر القيود الذي فتحته حركة نادي القضاة، لوجدناها كانت إطلالة على طريق الحرية، لم يتحملها التحالف الحاكم فحشد كل إمكاناته لمواجهتها، ولكنها ستبقى في تاريخ الوطن تحمل معنى التفاف الأمة حول قضاياها.
إذا راجعنا انتخابات 2005، ونتائجها، أليست دلالة على حيوية الشعب، أم أن هناك من زورها؟ إن مشهدا لسيدة مصرية تصعد إلى لجنة الانتخابات على سلم نقالي لتعبر من نافذة خلفية لمبنى به لجنة انتخابات، لأن الأمن يحاصر المبنى ويمنع الناخبين من الوصول إليه، لهو مشهد يقول من هو هذا الشعب.
ثم موجة الوحدة الشعبية في مواجهة انفجار الإسكندرية، وبروز دعوة الدروع البشرية، هل تنتج من شعب بلا وعي، أم شعب لا يخشى الموت.
إذا عدنا إلى وقائع المحلة الكبرى، وأحداثها، في 6 أبريل 2008، التي أعادت إلى الأذهان مظاهرات المحلة طوال السبعينيات، هل كان عمال المحلة مستوردين من الخارج، أم أنهم عصب حركة الرفض الوطنية.
لقد كانت أحداث 1977 والتي سقط فيها نظام السادات هي نقطة الانقلاب، فكما فتحت مظاهرات العمال وطلاب الجامعة في فبراير 1968 الباب لتكوين الأمن المركزي والذي يتجاوز عدد قواته الآن نصف المليون جندي بكثير، فقد أدت أحداث 1977 إلى خطط جديدة للإجهاز على الحركة الشعبية المصرية، وأدت الانهيارات الاقتصادية وبيع المصانع وتفكيك الوجود العمالي وحصار النقابات إلى تعويق الحركة الشعبية المصرية.
والكثيرون ممن كتبوا عن التغيير واحتمالات انفجار الشارع في وجه التحالف الحاكم، كان يقدم النصح خشية ثورة الجياع التي لن تبقي ولن تذر، وبات الحديث أنها يمكن أن تشتعل من جراء حادث هنا أو هناك، ولم يعد السعي إلى الشعب بخطة عمل، أو بصناعة الفرصة وليس انتظارها واستغلالها بانتهازية، وهو أمر لم يتحقق حتى اللحظة، وكلما طال الزمن دون تحققه، سقطت من النخبة عناصر دون القدرة على الاستمرار، وانفجرت تكوينات حزبية، وكأن الزمن المنقضي دون فعل إيجابي للتغيير ضرورة لتطهير ميدان الحركة من أجل التغيير.
استخدم تحالف السلطة والثروة الحاكم الفرصة التي أتاحتها الأزمة، وكانت الحركة الساعية للتغيير دون القدرة على استخدامها، مما فرض عليها بديلا وحيدا، وهو أن تصنع حركة التغيير فرصتها بذاتها.
بات واضحا أن الشعب هو قوة الحسم الرئيسة في عملية التغيير، والعمل على استقطابه وإدخاله إلى ميزان القوى هو مسؤولية قيادة التغيير، وأن التحالف الحاكم يسعى عكس ذلك في محاولة لإبقاء الشعب حبيس سعيه من أجل لقمة العيش، هذه هي المعادلة الرئيسة لحركة التغيير في مصر، وأي تجاهل لهذه المعادلة هو خروج عن هدف التغيير وتجاهل لحاجة مصر.
فجر يوم التاسع من يناير تنقل وكالات الأنباء أخبارا عن مقتل خمسة من التونسيين في ولاية "القصرين" غرب تونس قرب الحدود الجزائرية، وأن قوات الجيش تنتشر حول المباني الرئيسة في مدينة "تالة" بالولاية، ليبلغ العدد في المساء ما يقارب العشرين شهيدا من جراء استخدام الرصاص الحي، وفي الوقت ذاته مازالت المواجهات مستعرة في الجزائر بين الشعب وقوات مكافحة الشغب، ويوم الجمعة قتلت القوات الصهيونية عمر القواسمي وهو على فراشه في مدينة الخليل بعشر رصاصات، وسيد بلال شاب مصري يعيده الأمن لبيته في الإسكندرية مقتولا بعد القبض عليه بأربعة وعشرين ساعة للتحقيق معه في حادثة الانفجار، واليمن يسعى إلى تعديلات دستوريه للرئاسة مدى الحياة، والجنوب السوداني يبدأ رحلة التصويت لمدة أسبوع على الانفصال، ومازال هناك من يهاجمون الشعب العربي أنه متخاذل، وينتظرون منه أن ينقذهم دون أن يبذلوا في سبيل ذلك ما يلزم من جهد وعرق ودم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5997
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1788
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1209
| 18 مايو 2026