رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تجاوز الشعب المصري بإرادته وحركته وإصراره ودماء الشهداء، كل ما كنا نأمل ونتوقع نحن المؤمنين بأن الشعب وحده القادر على الحركة من أجل التغيير وتحقيقه.
أيام أو هي ساعات خلال تلك الأيام، نقلت الحركة من يوم الغضب في 25 يناير، إلى جمعة الشهداء في يوم 28 يناير، وخلال خمس ساعات من بعد صلاة جمعة الشهداء، كان ملايين المصريين يزيحون نظام مستبداً، متجاهلاً لكل قيم الشعب وتاريخه، جثم على صدر مصر لمدى 30 عاما، في ثاني ثورة شعبية في الوطن العربي خلال شهر يناير، وكأن الأمة العربية في موعدها مع يقظة الشعب وثورته.
فرط نظام مبارك في حقوق الشعب وثروته، واستهان بقدرة الشعب على الثورة، واكتفى بوضع القوة الغاشمة المتمثلة في الأمن المركزي وأوامر القتل المتاحة لقياداته، وكتائب أمن الدولة بالملابس المدنية، وتشكيلات البلطجية التابعة لها، في مواجهة الشعب وكأن هذا النظام المنصرم كان يقول: "ليس للشعب لديَّ سوى القتل".
غاب النظام عن الوجود وعن استيعاب الأحداث، وعندما نطق، كان يعلن شهادة وفاته، حيث أصدر رئيس الجمهورية بصفته الحاكم العسكري قراراً بحظر التجول ونزول الجيش المصري لمواجهة "أعمال الشغب والخروج على القانون وأعمال النهب والتدمير والحرق والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة"، نص كان بمثابة شهادة الوفاة للنظام، وبعده يخرج مبارك على الشعب في منتصف الليل ليعلن إقالة الوزارة، وليرفض الشعب التفاف الرئيس على مطالبه، ويعلنون أن دم الشهداء ثمن لتغيير النظام وليس تغيير الحكومة، ويرتفع هتاف الجماهير "الشعب يريد إسقاط النظام"، ويكتشف الجميع أن المبادأة انتقلت إلى الجماهير المحتشدة في كل مصر.
وتتوالى الأحداث:
- قوات الأمن المركزي التي ظلت تمارس قتل المتظاهرين في كل المحافظات تنسحب من المشهد، وتغادر الساحة في كل الأماكن بعد المقاومة الرائعة التي بذلها المتظاهرون، وبعد سقوط ما يقرب من 200 شهيد وتجاوز أعداد المصابين الثلاثة آلاف مصاب.
- الجيش ينزل إلى الشارع، ويصطدم المتظاهرون ببعض طلائعه عندما وجدوا أنها من تشكيلات الحرس الجمهوري، ويتعدل المشهد، عندما تصل تعزيزات من وحدات أخرى، ويكتب عليها المتظاهرون "يسقط حسني مبارك" ويتعانق الشعب مع أفراد الجيش المصري، وتبيت الجماهير في ميدان التحرير، رافضة الرئيس مبارك وتطالب برحيل النظام.
- هجوم الجماهير في كل المدن والأحياء على مظاهر وجود الداخلية والحزب الوطني، واحتراق العديد من أقسام الشرطة، وحرق مبنى الحزب الوطني على كورنيش النيل، إعلاناً باحتراق هذا الحزب المسؤول عن كل ما أصاب مصر خلال فترة حكم مبارك. وتأكد أن الجماهير في كل المحافظات تسيطر على الموقف، وأن النظام يسقط.
وتبدأ عمليات حرق الأرض، وكأن هذا ما تعلمه النظام من درس الثورة التونسية، وتنتشر عمليات البلطجة والاعتداء على الممتلكات والأشخاص، والهجوم على المنازل الآمنة، ومهاجمة المتحف المصري ومطبعة البنك المركزي، ويتجلى الدرس التونسي في تشكيل لجان شعبية للدفاع عن مصر وفي كل المحافظات، ويصل المشهد إلى ذروته في إطلاق المساجين من السجون بنفس الأسلوب التونسي وكأنها مدرسة واحدة في حرق الأرض وتدمير الوطن.
يكرر الغرب وأمريكا ذات الموقف مع تونس، ولكن ثورة الشعب المصري فرضت نفسها على البيت الأبيض وعلى كافة الحكومات الغربية، وهو ما يجب أن نتحسب له، لأن معيار القبول هو الموقف من إسرائيل.
ولأن نظام مبارك كان صديقا استراتيجيا لإسرائيل، فهذا واحد من المخاطر المتوقعة على حركة الشعب.
لم يعد الأمر المطلوب مجرد حماية الممتلكات من النهب، ولكن المطلوب اليقظة والانتباه لاحتمال مواجهة أفعال إسرائيلية داخل مصر، مما قد يفرض على اللجان الشعبية أن تتحول إلى لجان مقاومة شعبية.
وينتقل الموقف من يوم للغضب إلى جمعة الشهداء، ومن غياب للدولة إلى سقوط النظام.
سقط الرئيس وسقط معه مشروع التوريث بعد أن سحب الشعب تفويضه له، ولم تعد تفلح الكلمات الشعارية الجوفاء، وعدم اتخاذ المواقف وترك القضايا دون حل ليتكفل بها الزمن، واسترد الشعب النظام الجمهوري بعد أن كان قد تحول إلى نظام الأسرة الحاكمة.
سقط الحزب الوطني وعناصر الإفك التي كانت تتخذ منه ستاراً للنهب، السياسي والمادي، وحرقت الإرادة الشعبية وجوه، كما حرقت مقاره بما فيها المقر الرئيسي له، وصارت محاكمة قياداته جميعها وفي كل المحافظات بتهمة الإفساد السياسي والتزوير أحد مطالب الحركة الشعبية.
انكشفت حقيقة المجالس المزورة وسقطت سواء على مستوى المحليات أو التشريعية، وصار الواجب حلها، والتحقيق في حقائق التزوير الذي أدى إلى وجودها، وتقديمهم إلى المحاكمة.
تجاوزت حركة الجماهير الدستور القائم، والقوانين الناتجة عنه، وصارت إرادة الجماهير هي مصدر الشرعية.
بدأت الفئران تهرب من مركب النظام الغارق، وببلاهة وكذب وجهالة يصدر عن الحزب الساقط بيان بقبول استقالة أمين تنظيمه، وبقي سؤال: أين هو هذا الحزب لكي يقبل أو يرفض؟ إن حزب سرقة الوطن، الحزب المحروق.
وتحولت حركة الشعب إلى حركة تحرير الوطن وبناء نظام جديد، واستعادة مصر الوطن لكل الشعب وليس لتحالف سلطة شاخت وثروة وطن منهوبة.
وتم تجاوز الخوف من الموت، ونزع سلاح القتل من يد الأمن، والذي لم يتوقف عن القتل حتى مساء السبت 29 يناير، حيث كان القناصة يحتلون سطح وزارة الداخلية، وكانت رمايتهم رماية قتل في الرأس والصدر.
كذلك تم تجاوز احتمالات الفوضى التي جرى التهديد بها، وظهر للمراقبين أن الفوضى بقدر ما أنها جاءت من بلطجية، فإن عناصر من الداخلية كانت تمارس الاعتداءات على الممتلكات والأفراد حتى أنه أذيع على الفضائيات خبراً عن القبض على أفراد شرطة في سيارة ينقلون عدداً من الجثث، وتكررت مشاهد سيارات الإسعاف التي يستخدمها عناصر من الأمن ويطلقون منها الرصاص.
تجاوز الخوف من القتل والقبول بالشهادة، وحصار الفوضى باللجان الشعبية جعلا الوقت معاملا لصالح حركة الثورة الشعبية، وطالما أن الحركة تملك زمام المبادأة، فإن هدوء الثقة يضيف عاملا جديدا من عوامل القوة لحركة الشعب.
ويحاول النظام المنهار أن يلتف من جديد، بتعيين نائب رئيس ويختار رئيس وزراء، وكأنه يملك مقومات البقاء، وكأنه لم يخرج بضعة ملايين من شعب مصر في كل المحافظات ترفض هذا النظام وتعلن سقوطه، وهنا ليس المطلوب القياس أساسا على ما يقوم به النظام، ولكن ما الذي نملك أن نفعل؟
ونلاحظ أن الكيانات الحزبية والجماعات تحاول أيضا أن تكون مصدرا للقرار، وهو أمر غير مرفوض، ولكنه يبين أن هناك احتياجا من قوى الحركة الشعبية والشبابية من غير الأحزاب، أن تعبر عن إرادتها وتصورها لمشروع التغيير، ومن بين المطروح من رجال يمكن اعتماد أن الدكتور البرادعي أقرب الأشخاص إلى التعبير عن هذه الحركة الشعبية، وتبدو الأحزاب وجماعة الاخوان في حديثها ومحاولاتها في الانقضاض على الحركة، أنها لا تدرك معنى الدم الذي بذله الشعب، وأعتقد مع كامل الرغبة في توحيد جبهة القوى السياسية، أن الأحزاب وجماعة الاخوان قد سقطت جميعها مع النظام ذاته، وتجاوزتهم حركة الشعب من أجل التغيير، وادراكهم لمعنى الجديد الذي يحدث سيغير من سلوكياتهم وقد يبرر وجودهم.
تتمثل مصادر القوة لدى النظام الساقط في الجيش المصري والشرطة.
الجيش المصري والصراع بين الشعب والنظام على انتماء الجيش لمن؟ هل هو للشعب أم لشخص الحاكم، وحتى اللحظة يمثل الجيش ضمانة الأمن والحماية لحركة الجماهير من أجل التغيير، وهو ما يمكن الاعتماد عليه لتحقيق التغيير السلمي.
والشرطة وبالتبعية وزارة الداخلية تتعرض لاتهامات شديدة من جراء ممارساتها بين الثلاثاء إلى الجمعة الساعة السادسة.
قامت قوات الشرطة بالقتل العمد للمتظاهرين العزل
وقامت بمخالفة أمر الحاكم العسكري بمعاونة قوات الجيش لحفظ الأمن وانسحابها غير الشريف وترك الأقسام والسجون دون تسليمها إلى الشرطة العسكرية والتحقيقات العسكرية.
كما خالف الوزير ومعاونوه وضباط الداخلية القسم بالحفاظ على أمن الوطن والمواطنين، وهروبهم وخروجهم من الشارع مهزومين، هو الخيانة العظمى وإلا فما معنى الخيانة العظمى.
ويبقى سؤال ما هي معادلة عودة قوات الشرطة إلى العمل في ظل ظروف عدم الاستقرار، ومن سيقود هذه المؤسسة؟ هل هو الوزير المتهم بجرائم القتل والخيانة العظمى.
تعود الشرطة للعمل في إطار معادلة أصابها الخلل مع أفراد الشعب الذين قاموا بدورها أثناء هروبها في حفظ الأمن، هذا غير أنها تعود غير مميزة عن مجرمين وبلطجية سرقوا سياراتها وزيها الرسمي وأسلحتها، كل ذلك ليمارسوا النهب والقتل، فمن منهم الشرطي ومن منهم المجرم؟
لقد خرجت الشرطة من الشارع مهزومة وها هي تعود للشارع مهزومة بتحديد سلطاتها في عدم الاقتراب من ميدان التحرير وعدم التعرض للتجمعات والتظاهرات.
هذا ما تواجهه ثورة الشعب المصري، ومازالت المهام أمامها، ومازالت في بداية خطواتها الأولى إلا أنها حققت إنجاز إسقاط النظام وكشف عوار أسلوب مواجهته للأزمات، ونجح هذا الشعب أن يؤكد حقيقة قدرة الشعب على الثورة، ونجح الشباب في الوجود رغم هزيمة وتكلس كل الأحزاب والجماعات ويبقى أن مطالب التغيير ليست نوعا من الكهنوت، الكل تحدث عنها والجميع عرض لها، ولكن البحث كان كيف يمكن التحرك؟ ونجح الشباب العظيم في إتمام التحرك بداية، وقبل الشعب بدفع ثمن الحرية ويدفعه، كلنا نريد أن ندفعه.
ليت كل المتكلمة أن يشاركوا الشباب والشعب الثائر الحركة علهم ينجزون شيئاً في حياتهم.
المعادلة الآن هي الشباب كرأس رمح لثورة الشعب، وقد اختار الشباب البرادعي شريكاً له، في مواجهة النظام والمعارضة والجماعة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4299
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
3699
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1470
| 13 مايو 2026