رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ستدخل وقائع ثورة الشعب التونسي كنقطة فاصلة في تاريخ العرب، فعلى مدار الأسبوع الماضي وحده، كانت حركة الشعب التونسي وتفاعله مع المستجدات تؤكد أن الشعب التونسي يعرف ماذا يريد وقرر الحصول عليه، ويحصل عليه. يعلم قيمة الزمن فلا يضيعه من بين يديه، وأيضا لا يستعجله.
ومن السمات التي تشرق مع النجاحات التي يحققها الشعب ما يمكن أن نسميه "التواضع" كدلالة ثقة، والاعتراف "بدور الشباب" كدلالة وحدة رؤية، وفتح الباب على مصراعيه بلا تحفظ لمن يريد الانضمام لمسيرة التغيير، والتبدلات في موقف الأمن من المسيرات الشعبية بعد رحيل "بن علي" دليل يؤكد ذلك. بدأ التعامل الأمني كأن شيئا لم يتغير، ضرب بالعصي والأحذية، ووجوه تدمي، ثم استخدام كثيف للغازات المسيلة للدموع، ولتنتهي بمشهد إطلاق الرصاص في الهواء وبانفعال مريب، وواجه المتظاهرون كل ذلك بالمصافحة والأحضان والجلوس على الأرض، لينتهي الأمر بانضمام رجال الأمن إلى المظاهرات وقيامهم بإضراب في بعض المواقع. تفاعل متبادل بين أطراف المجتمع يؤكد نجاح التظاهرات الشعبية المستمرة في بدء استقطاب قوات الأمن إلى جانبها.
لم يغب عن الشعب في حركته من هو الخصم؟ وما الهدف؟ وكيف الوصول إليه؟
فالهدف إزاحة النظام كله، بشخوصه وحزبه ودستوره وقوانينه، وليس من سبيل إلا الضغط الشعبي بالتظاهر.
وأصبحت سمة تونس أن كل صباح يحمل مهاما جديدة بهدف إزاحة نظام الاستبداد، وإتاحة الفرصة أمام قوى المجتمع للائتلاف، ويلاحظ أيضا أن لغة الحديث هي لغة الجماهير وليست طنطنة النخب، حتى أن المذيعين في حواراتهم المذاعة، تكاد تنتابهم حيرة عما يسألون وما الذي يحاولون استكشافه، فالوقائع غير نمطية.
ولينضم اتحاد الشغل التونسي للمواجهة ويرفض الانضمام للوزارة، ويطالب بعزل بقايا النظام السابق، وتشكيل وزارة ائتلافية للفترة الانتقالية.
يبدو مشهد الوزارة المؤقتة مهينا وهي تستجدي الشعب أن يبقي عليها، ذات المشهد الذي ظهر به بن علي وهو يقول "أنا فهمتكم"، بينما في حقيقة الأمر هو يستجدي الشعب أن يبقيه ولا يطرده.
لا يمكن التعامل مع ما يجري في تونس بعيدا عن محيطها العربي، لأنها أقرب إلى الزلزال، وكأنها بيان تجريبي عما يجب أن يحدث وكيف يمكن أن يحدث. وإن كان العالم قد فوجئ بالوقائع والنتائج وفرض عليه ردود أفعال لم يكن يتوقعها تجاه عملائه، فهو من ناحية أخرى استدعى الانتباه للقادم من احتمالات.
والمحيط العربي يشهد ألوانا متعددة من المواجهات، انفصال جنوب السودان عن الدولة (99%)، والاقتتال في اليمن بين جنوب يطالب بإلغاء الوحدة وشمال ينفذ تعليمات أمريكية فيما يطلق عليه مواجهة مع القاعدة، وفتحت سماء اليمن للطائرات الأمريكية تقصف ما تشاء وقتما تشاء وبالأجر، أو بالمعونات، ومواجهة تتصاعد في لبنان وتقترب من حافة الحرب الأهلية، أو تتجاوزها إلى حرب جديدة بتصورات غير تقليدية بين أمريكا وإسرائيل من ناحية في مواجهة الوجود العربي كله، ولبنان ساحة هذه المواجهة، وأيضا مواجهة بين الشعوب والأنظمة في مصر والجزائر والأردن.
الجميع أمام حالة جديدة، ليست كما كانت قبل 14 يناير 2011، وكأن الشعب العربي اكتشف مكامن الخطر والقوة وخاض تجربة استكشاف القدرات، ووجد طريقة وعرف آلية الطريق، في حين يبدو الصراع واجبا في كل الساحات.
وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال اليو ماري كشفت حقيقة الموقف الفرنسي عندما عرضت في الجمعية الوطنية في 11 يناير الحالي على تونس الخبرة الفرنسية للمحافظة على النظام والتعامل مع التظاهرات، وهو الموقف الذي يتفق عليه كل الغرب وأمريكا تجاه المنطقة العربية باختلاف أقطارها وتجاه شعوبها. وكان إعلان الغرب الحرب على الإرهاب هو إعلان بانكشاف مواقفه تجاه قضايا الأمة العربية، وعناده وعدم تغيير هذه المواقف، والذي وصل بنفس الوزيرة أن تتحدث عن الأسير الإسرائيلي شاليط على أنه جريمة حرب، وتناست الوزيرة الفرنسية أن إسرائيل تحتل منذ 44 عاما أراضي صدرت بشأنها قرارات من الأمم المتحدة ويقضي القانون الدولي بعدم جواز ضمها، وغير هذا تناست موقف الجنرال ديجول في مواجهة وقائع حرب 67، شأنها في ذلك شأن رئيس فرنسا ساركوزي الذي كان والده عميلا للمخابرات الأمريكية في المجر عام 1956، وهو من تتهمه الفيجارو بأنه أحد أربع عملاء للموساد في فرنسا.
أمريكا والغرب يتعاملون مع المنطقة كوحدة واحدة وهم من قسموها إلى أوطان ويسعون الآن إلى تقسيم المقسم وتفتيته، وهم في سعيهم هذا تجمعهم إستراتيجية واحدة الهدف فيها مواجهة "أمة تقطن هذه الأرض لها قومية جامعة"، ووجود هذه الأمة تهديد لمصالحهم فيها، سواء المكان أو مخزون الطاقة أو إمكانات النمو.
وقد يكون التحرك الأمريكي لدعم انفصال جنوب السودان أو فصل دارفور، ولدعم الحريري و14 آذار في لبنان، ودعم أبو مازن في فلسطين، وجرائمهم في العراق على مدى عقدين من الزمن، تصرفات تبدو متسقة مع سياساتهم، ويبدو الغريب والمريب محاولة التجمل التي ادعاها أوباما تجاه الثورة التونسية.
تؤكد المعلومات أن مسؤولين في الإدارة الأمريكية كانوا يبحثون عن الموقف الأفضل الذي يمكن للإدارة الأمريكية أن تعلنه بشأن الثورة التونسية، وهذا يعني بأن الإدارة الأمريكية بكل أجهزتها ومخابراتها ومؤسساتها الإستراتيجية فقدت بوصلة التعامل مع الحدث وارتبكت!! مما جعل تصريحات أوباما عن حق الشعب التونسي تمثل حالة نفاق مزر، ومحاولة تماسك في مواجهة ضربة موجعة تلقتها أمريكا والغرب في تونس. واكتشف الغرب عدم صلاحية الحكام التابعين له في درء الخطر عنه، وتحولوا إلى عبء عليه عندما اكتشفت الشعوب حقيقة ولائهم للغرب، وانتقلت من مطالب الخبز والعمل إلى مطلب الحرية والكرامة والعزة، لنفسها وليس لغيرها.
واستحضرت ثورة الشعب التونسي دروس الحركة من أجل التغيير في يقين الأمة العربية:
1- أن التردد والخوف هو العائق الأول لحركة الشعب وأن الشباب هو رأس الحربة للحركة من أجل التغيير.
2- أن غياب الأحزاب والنقابات والجمعيات وحتى النخبة ليس معوقا لإتمام الحركة الشعبية، فهي ليست القوة الرئيسية للتغيير، بل بعضهم عبء على حركة التغيير.
3- أن القبول بالتضحية والاستعداد لها سيحرم السلطة من قيمة استخدامها للعنف كرادع لحركة التغيير.
4- أن انتحار محمد بو عزيزي لم يكن الحل ولكنه كان نداء لإدراك الخطر، والحركة الشعبية هي التي دفعت الثمن ـ100 شهيد ـ وحققت النصر باستمرارها ووعيها وشمولها للأرض والشعب وقدرتها على تطوير أدائها وتحديد أهدافها.
5- أن ما يجري بعد 14 يناير 2011 يتم في مناخ نجاح حركة الشعب التونسي وأثر هذا النجاح على كافة الأطراف الداخلية والخارجية.
6- التجربة كشفت أن الأمن مهما بلغت تجاوزاته فالقوات المسلحة حاكم لعدم تماديه في عنف العاجز بقاعدة "شمشون" وهدم المعبد.
7- أن الكيانات المستبدة مهما كان عنف رد فعلها فهي تنهار في مواجهة إرادة شعبية تملك قدرة الحركة وشجاعة المواجهة، وليس أمامها إلا الهروب.
8- أن الزمن لصالح حركة التغيير الشعبية، طالما حسن توظيفه، وجرى استثماره.
9- أن الثقة في شرعية حركة الشعب من أجل التغيير، وحق الجماهير في ذلك، هو مصدر رئيسي للقدرة، ومظلة جمع كل الشعب في مسيرة التغيير.
10- أن هذه الثقة بالحق في التغيير وشرعية التحرك من أجله، تمكن الحركة من الاستخدام الأمثل للوقت والجهد وعدم الانفلات، وتزيد من الثقة في إمكانية تحقيق الأهداف.
11- أن الشعب، وإن غاب التنظيم في بدايات الحركة، وغابت قيادة لها، إلا أنه يملك القدرة على إنتاج حركة شعبية تملك عقلا ذاتيا يفتح أبواب الإبداع أمام الإنسان المواطن، ويكشف مخزون الشعب من قياداته الطبيعية.
ورغم محاولات المراقبين الغربيين حصار الثورة التونسية ونفي أي احتمال لتأثيرها عبر حدودها، إلا أن الأوضاع في اليمن ومصر والجزائر تعطي مؤشرات بأن المواجهة قادمة بين الشعب والأنظمة الحاكمة، وها هي في الأردن حركة شعبية لمواجهة الحكومة هناك رغم الخصوصية التي تحيط بالحالة السياسية الداخلية في الأردن.
وها هي مصر تنتظر تجليات دروس ثورة تونس، فقد حدد الشباب يوم 25 يناير موعدا ليوم يعلنون فيه غضبهم وكان ذلك محل ملاحظة شخصية كتبت بها إلى البعض منهم، ألا يتم الجمع بين يوم استشهاد رجال الشرطة في مواجهة الاحتلال البريطاني مع يوم احتجاج على أداء الشرطة حاليا، ومع إصرارهم قلت هذا رأي والقرار لكم، ولكن الأمر الذي يثير الريبة، هو غياب الأحزاب عن المشاركة، وكذلك الموقف الذي أعلنته جماعة الإخوان أنها ترفض المشاركة لتوافق التاريخ مع عيد قومي، وهو قول يحاول التغطية على اصطفاف الإخوان في صف النظام الحاكم منذ نجاح ثورة الشعب في تونس، وكأنهم يعودون لمهمة مواجهة الحركة الوطنية والتي استدعاهم إليها أنور السادات.
يواجه الشعب العربي ذاته، واستبداد السلطة، وغياب الأحزاب والقوى السياسية، والقوى الخارجية، ولكن دروس ثورة تونس الشعبية تؤكد بوجوب بدء التحرك لأنها لحظة مواتية.
ليشهدوا منافع لهم
سويعات قليلة، وتدخل على الأمة أعظم أيام الدنيا، الأيام التي لا تشبه مرور الزمن المعتاد، بل تشبه مرور... اقرأ المزيد
93
| 17 مايو 2026
توطين الصناعة من قيود الممرات
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب حساسيتها من التواجد في مناطق ملتهبة بالصراعات والتوترات، لكن الاستثمار... اقرأ المزيد
183
| 17 مايو 2026
سيرة يكتبها صاحبها.. وسيرة تفضحه
مؤخراً.. أصبحت بعض دور النشر العربية تنظر إلى المحرر الأدبي بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، بعدما ظل... اقرأ المزيد
75
| 17 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5490
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5229
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1716
| 13 مايو 2026