رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ستدخل وقائع ثورة الشعب التونسي كنقطة فاصلة في تاريخ العرب، فعلى مدار الأسبوع الماضي وحده، كانت حركة الشعب التونسي وتفاعله مع المستجدات تؤكد أن الشعب التونسي يعرف ماذا يريد وقرر الحصول عليه، ويحصل عليه. يعلم قيمة الزمن فلا يضيعه من بين يديه، وأيضا لا يستعجله.
ومن السمات التي تشرق مع النجاحات التي يحققها الشعب ما يمكن أن نسميه "التواضع" كدلالة ثقة، والاعتراف "بدور الشباب" كدلالة وحدة رؤية، وفتح الباب على مصراعيه بلا تحفظ لمن يريد الانضمام لمسيرة التغيير، والتبدلات في موقف الأمن من المسيرات الشعبية بعد رحيل "بن علي" دليل يؤكد ذلك. بدأ التعامل الأمني كأن شيئا لم يتغير، ضرب بالعصي والأحذية، ووجوه تدمي، ثم استخدام كثيف للغازات المسيلة للدموع، ولتنتهي بمشهد إطلاق الرصاص في الهواء وبانفعال مريب، وواجه المتظاهرون كل ذلك بالمصافحة والأحضان والجلوس على الأرض، لينتهي الأمر بانضمام رجال الأمن إلى المظاهرات وقيامهم بإضراب في بعض المواقع. تفاعل متبادل بين أطراف المجتمع يؤكد نجاح التظاهرات الشعبية المستمرة في بدء استقطاب قوات الأمن إلى جانبها.
لم يغب عن الشعب في حركته من هو الخصم؟ وما الهدف؟ وكيف الوصول إليه؟
فالهدف إزاحة النظام كله، بشخوصه وحزبه ودستوره وقوانينه، وليس من سبيل إلا الضغط الشعبي بالتظاهر.
وأصبحت سمة تونس أن كل صباح يحمل مهاما جديدة بهدف إزاحة نظام الاستبداد، وإتاحة الفرصة أمام قوى المجتمع للائتلاف، ويلاحظ أيضا أن لغة الحديث هي لغة الجماهير وليست طنطنة النخب، حتى أن المذيعين في حواراتهم المذاعة، تكاد تنتابهم حيرة عما يسألون وما الذي يحاولون استكشافه، فالوقائع غير نمطية.
ولينضم اتحاد الشغل التونسي للمواجهة ويرفض الانضمام للوزارة، ويطالب بعزل بقايا النظام السابق، وتشكيل وزارة ائتلافية للفترة الانتقالية.
يبدو مشهد الوزارة المؤقتة مهينا وهي تستجدي الشعب أن يبقي عليها، ذات المشهد الذي ظهر به بن علي وهو يقول "أنا فهمتكم"، بينما في حقيقة الأمر هو يستجدي الشعب أن يبقيه ولا يطرده.
لا يمكن التعامل مع ما يجري في تونس بعيدا عن محيطها العربي، لأنها أقرب إلى الزلزال، وكأنها بيان تجريبي عما يجب أن يحدث وكيف يمكن أن يحدث. وإن كان العالم قد فوجئ بالوقائع والنتائج وفرض عليه ردود أفعال لم يكن يتوقعها تجاه عملائه، فهو من ناحية أخرى استدعى الانتباه للقادم من احتمالات.
والمحيط العربي يشهد ألوانا متعددة من المواجهات، انفصال جنوب السودان عن الدولة (99%)، والاقتتال في اليمن بين جنوب يطالب بإلغاء الوحدة وشمال ينفذ تعليمات أمريكية فيما يطلق عليه مواجهة مع القاعدة، وفتحت سماء اليمن للطائرات الأمريكية تقصف ما تشاء وقتما تشاء وبالأجر، أو بالمعونات، ومواجهة تتصاعد في لبنان وتقترب من حافة الحرب الأهلية، أو تتجاوزها إلى حرب جديدة بتصورات غير تقليدية بين أمريكا وإسرائيل من ناحية في مواجهة الوجود العربي كله، ولبنان ساحة هذه المواجهة، وأيضا مواجهة بين الشعوب والأنظمة في مصر والجزائر والأردن.
الجميع أمام حالة جديدة، ليست كما كانت قبل 14 يناير 2011، وكأن الشعب العربي اكتشف مكامن الخطر والقوة وخاض تجربة استكشاف القدرات، ووجد طريقة وعرف آلية الطريق، في حين يبدو الصراع واجبا في كل الساحات.
وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال اليو ماري كشفت حقيقة الموقف الفرنسي عندما عرضت في الجمعية الوطنية في 11 يناير الحالي على تونس الخبرة الفرنسية للمحافظة على النظام والتعامل مع التظاهرات، وهو الموقف الذي يتفق عليه كل الغرب وأمريكا تجاه المنطقة العربية باختلاف أقطارها وتجاه شعوبها. وكان إعلان الغرب الحرب على الإرهاب هو إعلان بانكشاف مواقفه تجاه قضايا الأمة العربية، وعناده وعدم تغيير هذه المواقف، والذي وصل بنفس الوزيرة أن تتحدث عن الأسير الإسرائيلي شاليط على أنه جريمة حرب، وتناست الوزيرة الفرنسية أن إسرائيل تحتل منذ 44 عاما أراضي صدرت بشأنها قرارات من الأمم المتحدة ويقضي القانون الدولي بعدم جواز ضمها، وغير هذا تناست موقف الجنرال ديجول في مواجهة وقائع حرب 67، شأنها في ذلك شأن رئيس فرنسا ساركوزي الذي كان والده عميلا للمخابرات الأمريكية في المجر عام 1956، وهو من تتهمه الفيجارو بأنه أحد أربع عملاء للموساد في فرنسا.
أمريكا والغرب يتعاملون مع المنطقة كوحدة واحدة وهم من قسموها إلى أوطان ويسعون الآن إلى تقسيم المقسم وتفتيته، وهم في سعيهم هذا تجمعهم إستراتيجية واحدة الهدف فيها مواجهة "أمة تقطن هذه الأرض لها قومية جامعة"، ووجود هذه الأمة تهديد لمصالحهم فيها، سواء المكان أو مخزون الطاقة أو إمكانات النمو.
وقد يكون التحرك الأمريكي لدعم انفصال جنوب السودان أو فصل دارفور، ولدعم الحريري و14 آذار في لبنان، ودعم أبو مازن في فلسطين، وجرائمهم في العراق على مدى عقدين من الزمن، تصرفات تبدو متسقة مع سياساتهم، ويبدو الغريب والمريب محاولة التجمل التي ادعاها أوباما تجاه الثورة التونسية.
تؤكد المعلومات أن مسؤولين في الإدارة الأمريكية كانوا يبحثون عن الموقف الأفضل الذي يمكن للإدارة الأمريكية أن تعلنه بشأن الثورة التونسية، وهذا يعني بأن الإدارة الأمريكية بكل أجهزتها ومخابراتها ومؤسساتها الإستراتيجية فقدت بوصلة التعامل مع الحدث وارتبكت!! مما جعل تصريحات أوباما عن حق الشعب التونسي تمثل حالة نفاق مزر، ومحاولة تماسك في مواجهة ضربة موجعة تلقتها أمريكا والغرب في تونس. واكتشف الغرب عدم صلاحية الحكام التابعين له في درء الخطر عنه، وتحولوا إلى عبء عليه عندما اكتشفت الشعوب حقيقة ولائهم للغرب، وانتقلت من مطالب الخبز والعمل إلى مطلب الحرية والكرامة والعزة، لنفسها وليس لغيرها.
واستحضرت ثورة الشعب التونسي دروس الحركة من أجل التغيير في يقين الأمة العربية:
1- أن التردد والخوف هو العائق الأول لحركة الشعب وأن الشباب هو رأس الحربة للحركة من أجل التغيير.
2- أن غياب الأحزاب والنقابات والجمعيات وحتى النخبة ليس معوقا لإتمام الحركة الشعبية، فهي ليست القوة الرئيسية للتغيير، بل بعضهم عبء على حركة التغيير.
3- أن القبول بالتضحية والاستعداد لها سيحرم السلطة من قيمة استخدامها للعنف كرادع لحركة التغيير.
4- أن انتحار محمد بو عزيزي لم يكن الحل ولكنه كان نداء لإدراك الخطر، والحركة الشعبية هي التي دفعت الثمن ـ100 شهيد ـ وحققت النصر باستمرارها ووعيها وشمولها للأرض والشعب وقدرتها على تطوير أدائها وتحديد أهدافها.
5- أن ما يجري بعد 14 يناير 2011 يتم في مناخ نجاح حركة الشعب التونسي وأثر هذا النجاح على كافة الأطراف الداخلية والخارجية.
6- التجربة كشفت أن الأمن مهما بلغت تجاوزاته فالقوات المسلحة حاكم لعدم تماديه في عنف العاجز بقاعدة "شمشون" وهدم المعبد.
7- أن الكيانات المستبدة مهما كان عنف رد فعلها فهي تنهار في مواجهة إرادة شعبية تملك قدرة الحركة وشجاعة المواجهة، وليس أمامها إلا الهروب.
8- أن الزمن لصالح حركة التغيير الشعبية، طالما حسن توظيفه، وجرى استثماره.
9- أن الثقة في شرعية حركة الشعب من أجل التغيير، وحق الجماهير في ذلك، هو مصدر رئيسي للقدرة، ومظلة جمع كل الشعب في مسيرة التغيير.
10- أن هذه الثقة بالحق في التغيير وشرعية التحرك من أجله، تمكن الحركة من الاستخدام الأمثل للوقت والجهد وعدم الانفلات، وتزيد من الثقة في إمكانية تحقيق الأهداف.
11- أن الشعب، وإن غاب التنظيم في بدايات الحركة، وغابت قيادة لها، إلا أنه يملك القدرة على إنتاج حركة شعبية تملك عقلا ذاتيا يفتح أبواب الإبداع أمام الإنسان المواطن، ويكشف مخزون الشعب من قياداته الطبيعية.
ورغم محاولات المراقبين الغربيين حصار الثورة التونسية ونفي أي احتمال لتأثيرها عبر حدودها، إلا أن الأوضاع في اليمن ومصر والجزائر تعطي مؤشرات بأن المواجهة قادمة بين الشعب والأنظمة الحاكمة، وها هي في الأردن حركة شعبية لمواجهة الحكومة هناك رغم الخصوصية التي تحيط بالحالة السياسية الداخلية في الأردن.
وها هي مصر تنتظر تجليات دروس ثورة تونس، فقد حدد الشباب يوم 25 يناير موعدا ليوم يعلنون فيه غضبهم وكان ذلك محل ملاحظة شخصية كتبت بها إلى البعض منهم، ألا يتم الجمع بين يوم استشهاد رجال الشرطة في مواجهة الاحتلال البريطاني مع يوم احتجاج على أداء الشرطة حاليا، ومع إصرارهم قلت هذا رأي والقرار لكم، ولكن الأمر الذي يثير الريبة، هو غياب الأحزاب عن المشاركة، وكذلك الموقف الذي أعلنته جماعة الإخوان أنها ترفض المشاركة لتوافق التاريخ مع عيد قومي، وهو قول يحاول التغطية على اصطفاف الإخوان في صف النظام الحاكم منذ نجاح ثورة الشعب في تونس، وكأنهم يعودون لمهمة مواجهة الحركة الوطنية والتي استدعاهم إليها أنور السادات.
يواجه الشعب العربي ذاته، واستبداد السلطة، وغياب الأحزاب والقوى السياسية، والقوى الخارجية، ولكن دروس ثورة تونس الشعبية تؤكد بوجوب بدء التحرك لأنها لحظة مواتية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
9132
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2736
| 16 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
1857
| 17 أغسطس 2026