رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القلم ليس دائما كمشرط الجراح، فمشرط الجراح ينبغي عليه أن يتجرد من أي انفعال، وأن يتعامل بعقل ومشاعر باردة، عكس القلم يفقد هذه الصفة خاصة عندما تكون الأحداث ساخنة، وموجعة، وتتجاوز حد القدرة على احتوائها لعوار شديد ألم ببيئة حدوثها، وعندما يحيط العوار بالمنوط بهم إدارة الأزمة لتجاوزها بأقل الخسائر، وتزداد الأزمة تعقيدا عندما يعمدها الدم، فالدم خارج ساحات القتال له رائحة الجريمة والغيلة، وعندما يسيل الدم على الأعتاب المقدسة لدور العبادة، يزداد لهيب الأحداث اشتعالا، وتمس الأحداث قداسة المعبود ذاته، وهو ما يصنع عصور الشهداء.
عاد بي عنوان لمقال للأستاذ فهمي هويدي (متى تغضب مصر؟) إلى عنوان لكتاب الأستاذ هيكل (خريف الغضب).
وقرأت عنوان مقال الأستاذ فهمي هويدي، كأنه يسأل: متى تبلغ مصر الرشد؟، ليس بحثا في أمر العمر بعدد السنين، ولكن في أمر ترجمة الغضب إلى فعل، ولعلي أضيف "فعل شعبي".
واسترجعت عنوان الأستاذ هيكل وكأنه لا يتحدث عن غضب وقع في خريف 1981، ولكنه كما لو كان ينعى لنا بلوغ الغضب لخريف العمر، ويقارب نهاية الأجل.
في المقال ناقش الأستاذ فهمي هويدي استقبال مصر لنتنياهو رغم ما أعلن مؤخرا عن عملية تجسس إسرائيلية أطلق عليها "الفخ الهندي" المتهم فيها مصري واثنان من الموساد، ولن أناقش الموضوع ولكن المقال حدد الأفعال التي تقوم بها إسرائيل وعددها 13 فعلا (التجسس – التدمير – الاستيطان – التهويد – التصفية – التنصل – الفضح – الإذلال – الاحتقار – الازدراء – الفصل – الاختراق – التحريض)، والأفعال المواجهة لها (الاستياء – العتاب) ولم تبلغ الغضب أو إعلان الغضب.
والكتاب كان عن فورة غضب متبادلة، مرت بربوع مصر في خريف عام 1981، بين سلطة السادات التي أودعت 1536 من المعارضين له في المعتقل فجر الثالث من سبتمبر عام 1981 ولم يكد يمضي شهر إلا وخالد الإسلامبولي ورفاقه يخرجون من بين جنود العرض العسكري في السادس من أكتوبر ويهاجمون منصة العرض، ويقتلون السادات وهو يرتدي بزة عسكرية، ووسط كل رجال الدولة.
كان غضبا متبادلا، فعل ورد فعل استغرق ثلاثة وثلاثين يوما، وبهتت جذوة الغضب من بعد ذلك.
بعدها قرأنا الفريضة الغائبة للمهندس محمد عبدالسلام فرج، وقرأنا التحليل السياسي للواقع الذي كانت تحياه مصر في ذلك الحين، وكلتا الورقتين حكمتا اتخاذ قرار الاغتيال ومثلتا المقدمات الفكرية والسياسية لاتخاذ القرار، ومن قرأ ورقة التحليل السياسي، والتي نشرت في الجرائد في حينها، كانت لا تختلف عن أي قراءة سياسيه يقوم بها تنظيم سياسي قومي أو يساري، حتى بالألفاظ، أي كانت مصر تملك قراءة واحدة للواقع الذي تحياه، وكانت مصر قريبة من بعضها البعض، متلامسة الأكتاف مع التنوع الفكري والعقائدي، واختار العديد فعلا واحدا ونجح أحدهم في تنفيذه.
جاءت في الساعة الأولى من العام الجديد أنباء عن انفجار أمام كنيسة في الإسكندرية، وأن الانفجار أسفر عن إصابات شديدة، (وجرى دفن 24 جثمانا في مقبرة جماعية، ومازال ثمانون مصابا تحت العلاج)، ولا أستطيع أن أصف الحالة التي مرت بي وبالعديد من الأصدقاء ونحن نتابع الأنباء حتى ظهر اليوم التالي.
وبدا واضحا أن شيئا مختلفا قد حدث، يماثل واقعة اغتيال رفعت المحجوب في نهاية الثمانينات، التي اتسمت بتكتيك وتنفيذ احترافي، وفي يوم إجازة الجمعة، مما أكد في حينها أن هناك معلومات، وهناك تخطيط، وهناك مستويات متعددة من الأفراد للتنفيذ، وهناك فوق هذا التأمين والإخفاء من بعد التنفيذ، كانت كل تلك المواصفات مع نجاح العملية مؤشرا مغايرا، وأيضا في هذا الحادث هناك شيء ليس من طبيعة هذه العمليات في مصر، حيث صرحت مصادر أمنية، بعد دراسة موقع الانفجار عن احتمال وجود انتحاري هو منفذ التفجير.
الحادث جاء في أعقاب بعض الوقائع:
1. أنه جاء بعد حديث عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية "أمان"، والذي قال فيه: "لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً"، ولم يخرج أحد للرد عليه.
2. جاء بعد كشف شبكة التجسس الإسرائيلية، والمتهم فيها مصري وإسرائيليان، وأن هذا المصري كشف أن أحد المسؤولين عن الملف النووي السوري كان عميلا للموساد، وأن إسرائيل هي التي قامت بتخريب خطوط الإنترنت التي تخدم الشبكة في مصر، وكان هناك حديث عن اختراق لشبكة الاتصالات المصرية. وكان هذا الحادث واقعة كاشفة عن صحة تصريحات يادلين، كما أنها أعادت إلى الأذهان حقيقة الصراع مع العدو الإسرائيلي.
3. أنه في أعقاب حادثين مثلا نقطة انقلاب في العلاقة بين الأمن وبين المواطنين:
حادثة المواجهة بالرصاص بين الأمن والمواطنين في الدائرة الانتخابية التي تقع فيها هذه الكنيسة، وهي الدائرة التي يمثلها وزير حاليا، وكان في حملته الانتخابية يزور الكنائس لحشد أصوات الناخبين المسيحيين، ويستعين بداعية إسلامي شاب لحشد أصوات الناخبين المسلمين، أي أنه من حيث لم يدر أكد الانقسام الطائفي، ولم يطرح حديثا سياسيا يستقطب المواطن أيا كان دينه، لأنه لا يملك مقومات هذا الحديث.
حادثة العمرانية، حيث جرى صدام بين الأمن وحشود من المسيحيين بسبب مبنى إداري تحول إلى كنيسة، وقتل في الواقعة شابان مسيحيان، وهاجم قرابة الثلاثة آلاف من المسيحيين مبنى محافظة الجيزة، وجرى القبض على أعداد منهم، ومازال البعض مقبوضا عليه، وهو أمر اتخذ البابا شنودة موقفا رافضا له، واعتكف في وادي النطرون.
4. وسبق الحادثة تأكيد على طائفية الشارع في مصر شارك في ذلك الأنبا أبشوي والدكتور محمد عمارة والأستاذ سليم العوا، وجرى تلاسن من الجانبين، وكأن كليهما لا يتحمل مسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الوحدة الوطنية، وزاد من اشتعال الموقف غياب دور الدولة، وتركها الأمور علها تذوى جذوتها من ذاتها دون تدخل منها في أدق قضية داخلية في مصر.
5. أن الحادثة جاءت بعد انتخابات مجلس الشعب والتي شهد الجميع فيها أن التزوير كان علنيا ولا يحاول التستر، وأن من أداره هو الجهاز الأمني، ورغم ذلك خرجت قيادات الحزب تعلن أنها خاضت تجربة ديمقراطية ونجحت فيها، وأدرك الشعب أن حالة الكذب لا تراعي أن الناس قد رأت بأعينها، وغير ذلك رأى البعض أن الأعضاء المعينين بالمجلس كان من بينهم مسيحيون لهم موقف من البابا شنودة، وغير هذا استبعدت النائبة "جورجيت قليني" التي وقفت ضد ممارسات "عبد الرحيم الغول" نائب الحزب الوطني والذي اتهم بعلاقة مع المتهم الرئيسي في قضية الهجوم الذي جرى في نجع حمادي على إحدى الكنائس هناك، ونجح الغول في دخول المجلس المصنوع بأيديهم.
6. أنها جاءت بعد تهديد من القاعدة في بلاد الرافدين باستهداف المسيحيين في مصر بعد الحديث عن اختفاء سيدتين مسيحيتين أعلنتا إسلامهما، واختفتا، وصارتا موضوع شحن متبادل، مع غفلة تامة عن مردود هذه المشاحنات، وتهديد القاعدة كل هذا كان يوجب أن تكون اليقظة الأمنية في أعلى حالات الاستعداد.
كان الانفجار وضحاياه نقطة الذروة لكل هذه الوقائع وغيرها، وكان الاستنتاج الوحيد أن هناك دورا غائبا للدولة.
قد يمكن لأي محلل سياسي أن يقول بسقوط نظام حكم، ولكن أن ترتخي قبضة الدولة على أخطر قضايا الوطن، "مياه النيل والوحدة الوطنية"، فهذا واقع يؤكد أن خللا مؤكداً قد أصاب الدولة في مصر.
الوقائع السابقة في تكوينها تعرض للعدو وخططه وأن هذه الخطط محل التنفيذ وقضية التجسس تؤكد ذلك. وتعرض لغياب التعامل السياسي مع المواطن في مصر، وأن الدور الأمني في تزوير الانتخابات، ومواجهة الاحتجاجات والمسيرات بالعنف المسلح، قد أخذ دور الأمن بعيدا عن واجباته، ورغم تكرار حوادث التفجيرات الشديدة من طابا إلى نويبع إلى سيناء والصعيد والإسكندرية لمرات متعددة، إلا أن وزير الداخلية مازال في مكانه، وكأن كل هذا لا يدلل على خلل في الأداء، ويكفيه فقط أنه يواجه الحركة السياسية داخليا. كما أنها تقول إن بعض رجال الدين قد خرجوا عن صحيح الأداء ولم يراعوا مسؤولياتهم.
هكذا يدفع أبناء الشعب أمام دور العبادة دمهم ثمنا لغياب الدولة في مصر، ولعل هذه الدماء لا تفتح أبواب المعتقلات لحملة مماثلة لحملة سبتمبر 1981 لتكون النهايات بعد 30 عاما كما كانت البدايات وليخرج إلينا جديد غير منظور لنا الآن، قد يقود إلى حقبة جديدة في مصر، يقترب فيها حالها لما يجري في السودان بوابة مصر الخلفية وعمقها الإستراتيجي، ولعلنا عندها نكتشف كذب الوعد الأمريكي بأن حقنا في المياه لن يمسه أحد إذا تحقق انفصال الجنوب، وعد أمريكي بضمانة إسرائيلية!
لعلنا لم نبدأ عصرا جديدا للشهداء بالدم المسال على الأعتاب المقدسة لدور العبادة الذي يمس قداسة المعبود ذاته، كل ما حولنا يكشف ما جره على الوطن فقدان القدرة على الغضب، فماذا لو انحرفت بوصلة الغضب بين أبناء الوطن.
التربية أولاً.. لأن الإنسان أولاً
ليست التربية شأنًا أسريًا فحسب... بل هي قرار سيادي غير مُعلن، فالأسرة لا تُنشئ أبناءها فقط، بل تُشكّل... اقرأ المزيد
45
| 04 مايو 2026
لماذا ستخرج قطر من هذه المرحلة أقوى؟
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري.... اقرأ المزيد
63
| 04 مايو 2026
قلم الإنسان
أصبح كلامنا يشبه كلام الذكاء الاصطناعي وأصبح كلام الذكاء الاصطناعي مثل كلامنا لأن الذكاء الاصطناعي لا يستخدم معلوماتنا... اقرأ المزيد
54
| 04 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3840
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1410
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1011
| 29 أبريل 2026