رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مصطفى الغزاوي

مصطفى الغزاوي

مساحة إعلانية

مقالات

507

مصطفى الغزاوي

ما بعد الغضب المفقود !

04 يناير 2011 , 12:00ص

القلم ليس دائما كمشرط الجراح، فمشرط الجراح ينبغي عليه أن يتجرد من أي انفعال، وأن يتعامل بعقل ومشاعر باردة، عكس القلم يفقد هذه الصفة خاصة عندما تكون الأحداث ساخنة، وموجعة، وتتجاوز حد القدرة على احتوائها لعوار شديد ألم ببيئة حدوثها، وعندما يحيط العوار بالمنوط بهم إدارة الأزمة لتجاوزها بأقل الخسائر، وتزداد الأزمة تعقيدا عندما يعمدها الدم، فالدم خارج ساحات القتال له رائحة الجريمة والغيلة، وعندما يسيل الدم على الأعتاب المقدسة لدور العبادة، يزداد لهيب الأحداث اشتعالا، وتمس الأحداث قداسة المعبود ذاته، وهو ما يصنع عصور الشهداء.

عاد بي عنوان لمقال للأستاذ فهمي هويدي (متى تغضب مصر؟) إلى عنوان لكتاب الأستاذ هيكل (خريف الغضب).

وقرأت عنوان مقال الأستاذ فهمي هويدي، كأنه يسأل: متى تبلغ مصر الرشد؟، ليس بحثا في أمر العمر بعدد السنين، ولكن في أمر ترجمة الغضب إلى فعل، ولعلي أضيف "فعل شعبي".

واسترجعت عنوان الأستاذ هيكل وكأنه لا يتحدث عن غضب وقع في خريف 1981، ولكنه كما لو كان ينعى لنا بلوغ الغضب لخريف العمر، ويقارب نهاية الأجل.

في المقال ناقش الأستاذ فهمي هويدي استقبال مصر لنتنياهو رغم ما أعلن مؤخرا عن عملية تجسس إسرائيلية أطلق عليها "الفخ الهندي" المتهم فيها مصري واثنان من الموساد، ولن أناقش الموضوع ولكن المقال حدد الأفعال التي تقوم بها إسرائيل وعددها 13 فعلا (التجسس – التدمير – الاستيطان – التهويد – التصفية – التنصل – الفضح – الإذلال – الاحتقار – الازدراء – الفصل – الاختراق – التحريض)، والأفعال المواجهة لها (الاستياء – العتاب) ولم تبلغ الغضب أو إعلان الغضب.

والكتاب كان عن فورة غضب متبادلة، مرت بربوع مصر في خريف عام 1981، بين سلطة السادات التي أودعت 1536 من المعارضين له في المعتقل فجر الثالث من سبتمبر عام 1981 ولم يكد يمضي شهر إلا وخالد الإسلامبولي ورفاقه يخرجون من بين جنود العرض العسكري في السادس من أكتوبر ويهاجمون منصة العرض، ويقتلون السادات وهو يرتدي بزة عسكرية، ووسط كل رجال الدولة.

كان غضبا متبادلا، فعل ورد فعل استغرق ثلاثة وثلاثين يوما، وبهتت جذوة الغضب من بعد ذلك.

بعدها قرأنا الفريضة الغائبة للمهندس محمد عبدالسلام فرج، وقرأنا التحليل السياسي للواقع الذي كانت تحياه مصر في ذلك الحين، وكلتا الورقتين حكمتا اتخاذ قرار الاغتيال ومثلتا المقدمات الفكرية والسياسية لاتخاذ القرار، ومن قرأ ورقة التحليل السياسي، والتي نشرت في الجرائد في حينها، كانت لا تختلف عن أي قراءة سياسيه يقوم بها تنظيم سياسي قومي أو يساري، حتى بالألفاظ، أي كانت مصر تملك قراءة واحدة للواقع الذي تحياه، وكانت مصر قريبة من بعضها البعض، متلامسة الأكتاف مع التنوع الفكري والعقائدي، واختار العديد فعلا واحدا ونجح أحدهم في تنفيذه.

جاءت في الساعة الأولى من العام الجديد أنباء عن انفجار أمام كنيسة في الإسكندرية، وأن الانفجار أسفر عن إصابات شديدة، (وجرى دفن 24 جثمانا في مقبرة جماعية، ومازال ثمانون مصابا تحت العلاج)، ولا أستطيع أن أصف الحالة التي مرت بي وبالعديد من الأصدقاء ونحن نتابع الأنباء حتى ظهر اليوم التالي.

وبدا واضحا أن شيئا مختلفا قد حدث، يماثل واقعة اغتيال رفعت المحجوب في نهاية الثمانينات، التي اتسمت بتكتيك وتنفيذ احترافي، وفي يوم إجازة الجمعة، مما أكد في حينها أن هناك معلومات، وهناك تخطيط، وهناك مستويات متعددة من الأفراد للتنفيذ، وهناك فوق هذا التأمين والإخفاء من بعد التنفيذ، كانت كل تلك المواصفات مع نجاح العملية مؤشرا مغايرا، وأيضا في هذا الحادث هناك شيء ليس من طبيعة هذه العمليات في مصر، حيث صرحت مصادر أمنية، بعد دراسة موقع الانفجار عن احتمال وجود انتحاري هو منفذ التفجير.

الحادث جاء في أعقاب بعض الوقائع:

1. أنه جاء بعد حديث عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية "أمان"، والذي قال فيه: "لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً"، ولم يخرج أحد للرد عليه.

2. جاء بعد كشف شبكة التجسس الإسرائيلية، والمتهم فيها مصري وإسرائيليان، وأن هذا المصري كشف أن أحد المسؤولين عن الملف النووي السوري كان عميلا للموساد، وأن إسرائيل هي التي قامت بتخريب خطوط الإنترنت التي تخدم الشبكة في مصر، وكان هناك حديث عن اختراق لشبكة الاتصالات المصرية. وكان هذا الحادث واقعة كاشفة عن صحة تصريحات يادلين، كما أنها أعادت إلى الأذهان حقيقة الصراع مع العدو الإسرائيلي.

3. أنه في أعقاب حادثين مثلا نقطة انقلاب في العلاقة بين الأمن وبين المواطنين:

حادثة المواجهة بالرصاص بين الأمن والمواطنين في الدائرة الانتخابية التي تقع فيها هذه الكنيسة، وهي الدائرة التي يمثلها وزير حاليا، وكان في حملته الانتخابية يزور الكنائس لحشد أصوات الناخبين المسيحيين، ويستعين بداعية إسلامي شاب لحشد أصوات الناخبين المسلمين، أي أنه من حيث لم يدر أكد الانقسام الطائفي، ولم يطرح حديثا سياسيا يستقطب المواطن أيا كان دينه، لأنه لا يملك مقومات هذا الحديث.

حادثة العمرانية، حيث جرى صدام بين الأمن وحشود من المسيحيين بسبب مبنى إداري تحول إلى كنيسة، وقتل في الواقعة شابان مسيحيان، وهاجم قرابة الثلاثة آلاف من المسيحيين مبنى محافظة الجيزة، وجرى القبض على أعداد منهم، ومازال البعض مقبوضا عليه، وهو أمر اتخذ البابا شنودة موقفا رافضا له، واعتكف في وادي النطرون.

4. وسبق الحادثة تأكيد على طائفية الشارع في مصر شارك في ذلك الأنبا أبشوي والدكتور محمد عمارة والأستاذ سليم العوا، وجرى تلاسن من الجانبين، وكأن كليهما لا يتحمل مسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الوحدة الوطنية، وزاد من اشتعال الموقف غياب دور الدولة، وتركها الأمور علها تذوى جذوتها من ذاتها دون تدخل منها في أدق قضية داخلية في مصر.

5. أن الحادثة جاءت بعد انتخابات مجلس الشعب والتي شهد الجميع فيها أن التزوير كان علنيا ولا يحاول التستر، وأن من أداره هو الجهاز الأمني، ورغم ذلك خرجت قيادات الحزب تعلن أنها خاضت تجربة ديمقراطية ونجحت فيها، وأدرك الشعب أن حالة الكذب لا تراعي أن الناس قد رأت بأعينها، وغير ذلك رأى البعض أن الأعضاء المعينين بالمجلس كان من بينهم مسيحيون لهم موقف من البابا شنودة، وغير هذا استبعدت النائبة "جورجيت قليني" التي وقفت ضد ممارسات "عبد الرحيم الغول" نائب الحزب الوطني والذي اتهم بعلاقة مع المتهم الرئيسي في قضية الهجوم الذي جرى في نجع حمادي على إحدى الكنائس هناك، ونجح الغول في دخول المجلس المصنوع بأيديهم.

6. أنها جاءت بعد تهديد من القاعدة في بلاد الرافدين باستهداف المسيحيين في مصر بعد الحديث عن اختفاء سيدتين مسيحيتين أعلنتا إسلامهما، واختفتا، وصارتا موضوع شحن متبادل، مع غفلة تامة عن مردود هذه المشاحنات، وتهديد القاعدة كل هذا كان يوجب أن تكون اليقظة الأمنية في أعلى حالات الاستعداد.

كان الانفجار وضحاياه نقطة الذروة لكل هذه الوقائع وغيرها، وكان الاستنتاج الوحيد أن هناك دورا غائبا للدولة.

قد يمكن لأي محلل سياسي أن يقول بسقوط نظام حكم، ولكن أن ترتخي قبضة الدولة على أخطر قضايا الوطن، "مياه النيل والوحدة الوطنية"، فهذا واقع يؤكد أن خللا مؤكداً قد أصاب الدولة في مصر.

الوقائع السابقة في تكوينها تعرض للعدو وخططه وأن هذه الخطط محل التنفيذ وقضية التجسس تؤكد ذلك. وتعرض لغياب التعامل السياسي مع المواطن في مصر، وأن الدور الأمني في تزوير الانتخابات، ومواجهة الاحتجاجات والمسيرات بالعنف المسلح، قد أخذ دور الأمن بعيدا عن واجباته، ورغم تكرار حوادث التفجيرات الشديدة من طابا إلى نويبع إلى سيناء والصعيد والإسكندرية لمرات متعددة، إلا أن وزير الداخلية مازال في مكانه، وكأن كل هذا لا يدلل على خلل في الأداء، ويكفيه فقط أنه يواجه الحركة السياسية داخليا. كما أنها تقول إن بعض رجال الدين قد خرجوا عن صحيح الأداء ولم يراعوا مسؤولياتهم.

هكذا يدفع أبناء الشعب أمام دور العبادة دمهم ثمنا لغياب الدولة في مصر، ولعل هذه الدماء لا تفتح أبواب المعتقلات لحملة مماثلة لحملة سبتمبر 1981 لتكون النهايات بعد 30 عاما كما كانت البدايات وليخرج إلينا جديد غير منظور لنا الآن، قد يقود إلى حقبة جديدة في مصر، يقترب فيها حالها لما يجري في السودان بوابة مصر الخلفية وعمقها الإستراتيجي، ولعلنا عندها نكتشف كذب الوعد الأمريكي بأن حقنا في المياه لن يمسه أحد إذا تحقق انفصال الجنوب، وعد أمريكي بضمانة إسرائيلية!

لعلنا لم نبدأ عصرا جديدا للشهداء بالدم المسال على الأعتاب المقدسة لدور العبادة الذي يمس قداسة المعبود ذاته، كل ما حولنا يكشف ما جره على الوطن فقدان القدرة على الغضب، فماذا لو انحرفت بوصلة الغضب بين أبناء الوطن.

اقرأ المزيد

alsharq التربية أولاً.. لأن الإنسان أولاً

ليست التربية شأنًا أسريًا فحسب... بل هي قرار سيادي غير مُعلن، فالأسرة لا تُنشئ أبناءها فقط، بل تُشكّل... اقرأ المزيد

45

| 04 مايو 2026

alsharq لماذا ستخرج قطر من هذه المرحلة أقوى؟

تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري.... اقرأ المزيد

63

| 04 مايو 2026

alsharq قلم الإنسان

أصبح كلامنا يشبه كلام الذكاء الاصطناعي وأصبح كلام الذكاء الاصطناعي مثل كلامنا لأن الذكاء الاصطناعي لا يستخدم معلوماتنا... اقرأ المزيد

54

| 04 مايو 2026

مساحة إعلانية