رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرفت الإنسانية الحرب أنها ممارسة السياسة بوسائل أخرى، وأنها وجه الدبلوماسية الآخر، وأن غاية القتال هي الوصول إلى تعديل حالة التوازن بين الإطراف المتحاربة لأن الأوضاع في ميادين القتال تعكس نفسها على مائدة التفاوض التي تجمع الأطراف.
وصار للحرب علوم تكاد تكون في حجيتها وصرامتها دستور لكل من يرتدي زيا عسكريا، أو يدير أمة ويتخذ فيها قرارا. لم تعد الحروب نزهة، ولم تعد خطابا حماسيا، وتطورت الأدوات لتحقق هدف كسر إرادة العدو، مع الحفاظ على أرواح الجند، وكلما ارتقى إحساس الجندي في الحرب بأنه أغلى وأرقى ما في الحرب، زادت شجاعته ورغبته في التضحية.
وتحديد هدف عادل للحرب يحدد مشروعيتها أمام النفس والإنسانية، وترجمة هذا الهدف إلى إستراتيجية عسكرية ومهام للقوات المحاربة وامتلاك الأدوات والتدريب الذي يؤهلها لمهامها يحقق الموضوعية، وتحديد من يتخذ قرار بأنه القيادة السياسية للوطن (الأمير عند كلاوزفتز أو الحكومة المنتخبة عند غيره حسب تطور النظم السياسية) يضع قرار الحرب بيد المجتمع والوطن وليس نزعات طيش عند رجال مدنيين أو عسكريين، ومن يملك قرار بدء الحرب يجب أن تكون لديه القدرة والسلطة على اتخاذ قرار وقفها. والقوات المقاتلة يجب أن تشعر شرف المهمة التي تخوض القتال من أجلها، ودعم المجتمع الذي تخرج منه، لتعود إليه منتصرة ليستقبلها معترفا بتضحياتها ويمنحها أكاليل الغار، أو أن تعجز عن تحقيق أهدافها، فيستقبلها معترفا بقصور لديه سواء في القرار أو المشروعية أو الإمكانات، ويكون لها حاضنا حتى تستعيد القدرة، ليبدأ من جديد ممارسة السياسة بوسائل غير الدبلوماسية، أي بوسائل القتال.
وصارت الحرب، أداة الصراع العالمي سواء للسيطرة على مناطق النفوذ والثروات، وهو ما استقر عليه بالمصالح، واحدة من أهم أسباب البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، لتصبح صناعة السلاح سببا من أسباب القوة، وتصبح تجارة السلاح سببا من أسباب النمو الاقتصادي أو الانهيار الاقتصادي. ولعل صور أثرياء تجارة السلاح لا حدود لها، ولكن المثال الحيوي لمعنى الانهيار نتيجة الصراع على امتلاك القدرة المتوازنة، هي حالة التنافس في حرب النجوم بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وهو واحد من أهم أسباب الانهيار لاقتصادات الاتحاد السوفييتي حتى إن اندروبوف قال قولته الشهيرة عن دعم حركات التحرر ومواجهة أمريكا "نحن على استعداد للتعاون دون أن يطلب أحد منا أن نطعم شعبه!".
والعالم اليوم ليس من الملائكة، ولكن تعدد المصالح وتباينها، والأثمان الباهظة للحروب ومستلزماتها فرضت على من يملك القوة أن يجد الممول الذي يستطيع أن يدفع تكاليف الحرب، كأنه مشروع اقتصادي، ولكن الحبكة السياسية هي خداع الممول لينال أقل ما يمكن من عائداتها، ليستطيع من يملك القوة تحقيق أقصى عائد من استخدامه لأدوات الحرب التي يملكها.
وفي عالم اليوم أيضاً يجري تشكيل فيالق متعددة لتقاتل وفق أهوائها لتحقق لأطراف أخرى مصالح لا تراها، فهي تستعذب القتال وهما ومن يستخدمها يملك إستراتيجية التوظيف وإعادة تشكيل الاهتمامات. ويعاد ترتيب الصراعات بعيدا عن أصحاب المصالح، لتتحول إلى إقليمية، وبأدوات الأقاليم ذاتها، أو داخل حدود الأوطان وفق تعددها العرقي أو الطائفي والمذهبي، وكأن الذئاب تملك قلوبا رحيمة بالأغنام وترعاها وتوفر لها الكلأ والماء وتحميها.
صنع عالم المصالح الكبيرة قانونا جديدا للغابة، ويستخدمه، وطاب للقطعان أن تحيا تحت أنيابه، بل وتتنافس على رضا الذئب، ونسوا طبائع الأمور، نسوا التاريخ فوضعوا رقابهم على مذابح المصالح الكبرى، وفقدوا حقيقة الصراع، فصاروا هم القاتل والجلاد، وهم الضحايا.
ما يطلق عليه الحرب الأهلية لا يندرج ضمن قوانين الحروب، وزمن الاقتتال داخل المجتمعات للوحدة أو البناء، ذهب أدراج الحربين العالميتين، وانقسم العالم إلى مجتمعات تعي معنى الحرب فتتجنبها، ولكن مصالحها لدى مجتمعات تملك الثروات الطبيعية والجغرافيا ولا تملك قدرة العلم وإمكاناته، فوضعت لها إستراتيجية الاقتتال لتتمكن من السيطرة عليها. ولم تعد الحرب الوجه الآخر للسياسة، ولكن صارت النزاعات الإقليمية أو الداخلية بالاقتتال سبيل استنزاف القوى ونزح الثروات والحيلولة دون النمو والوجود والقوة.
الاستنزاف الاقتصادي صورة من صور الحرب، والبنك الدولي وصندوق النقد صورة أخرى، والحديث عن العولمة والنظام العالمي الجديد صورة ثالثة، واستطراد الحديث عن حقوق الإنسان وازدواجية المعايير بشأنها صورة رابعة، ثم تغذية العرقيات المتعددة داخل الأقاليم أو الطائفية والمذهبية داخل الأوطان، صورة أخرى.
ظللنا نحاول أن نحول بين ظاهرة الإرهاب ونسبتها إلى الإسلام، وأيضا أن نحول دون وصف المقاومة الفلسطينية بالذات أنها إرهاب، ولكننا هانحن نكتشف حقائق أخرى بمجرد أن رفعت ثورة يناير الغطاء عما هو كامن داخل أوطاننا.
تبدى لنا الآن أن الغرب الذي صنع هذه الظاهرة كان يعلم كيف صاغ عقيدتها، وأن تعامله من بعد انهيار الدولة العثمانية مع ما صنعه بيديه داخل المنطقة العربية، كان يجب أن يظل حبيس تصوره، واستكمل الغرب تصوره بزرع الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين وأعطوا أرضا بلا شعب ولشعب بلا أرض وأيضا بالإرهاب الصهيوني، وكان يمكن للغرب هذا أن يقبل بنداء القومية العربية لو أن هذا النداء لم يتجاوز مجرد الأفكار ولم ينتقل إلى الواقع، يحاول أن يغيره بمضمون الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة وحق العرب في ثرواتهم.
ويضيق البعض بوصف "الاستعمال" لأي من التنظيمات المتأسلمة سواء جماعة الإخوان أو السلفيين، ولكن حقائق الأمور تتكشف لحظة بعد أخرى، والمتغيرات في مصر تؤكد أن لحظات الصعود لثورة يوليو كان الإخوان في موقف العداء بعد فشل محاولات الاستيلاء، وأن حركتهم خارج مصر كانت ضد مصر، وأن صياغة التنظيم الدولي كانت لحصارها، وهكذا كان دور السلفيين في مصر قبل الثورة حيث كانوا أداة إحباط ويحملون فتاوى عدم الخروج على الحاكم طالما هو يسمح بالصلاة في المساجد ولم يغلقها.
ما يجري في مصر لا يعرف أنصاف التوصيفات، إن لم يتم توصيفه بوضوح قاطع، ستدفع مصر والأمة العربية كلها ثمنا لا تتحمله.
ما يجري في مصر لا علاقة له بالثورة أو السياسة، مصر تحت إرهاب يحاول أن يتخفى تحت ظلال الإسلام، كانت البدايات التفافا حول حركة الشعب وثورته، ثم كانت الموجة التالية هي تكفير المجتمع وإهدار تاريخه، والحديث عن شرعية الصندوق، وحقيقة الأمر هو اختطاف السلطة، وعدم امتلاك القدرة على إدارة الدولة، والأخطر عدم الانتماء إلى الوطنية المصرية، ولا يجب أن نقع تحت إرهاب فكرة أن الوطنية تعبير مطلق كما المواطنة، فالفارق جوهري، المواطنة حق لمن ولد فوق الأرض، ولكن الوطنية هي الموقف لصالح الوطن في كافة قضاياه، الوطنية تعني أن الوطن ليس حزبا أو جماعة وأن الحزب ليس وطنا.
الإرهاب في مصر يحاصر أعمدة الدولة، ويحاول أن يهدمها لصالح استكمال بناء يسيطر عليه، دون وعي بمصادر الخطر الرئيسية وبدون انتماء للشعب.
يحاصر الإرهاب القضاء وزرع داخله أذرع له، ويحاصر الإرهاب الأزهر، كما يحاصر الكنيسة، ويتجاوز ذلك في الاستيلاء على جهاز الشرطة ويضع على رأسه من يأتمر بأمره، ويسعى الإرهاب إلى الاستيلاء على المؤسسة العسكرية، ويغل يدها بامتلاكه للقرار لصالح الجماعات الإرهابية التي نجحت في التسلل إلى مصر وامتلكت السلاح، وتستخدمه، بل إن الإرهاب في مصر يستخدم المال لإعادة توظيف حالة الفقر لصالحه، وليس أدل على ذلك من المشهد في وسط القاهرة ووقائع أحداث جرت أمام القضاء العالي، حيث كانت المظاهرة السلمية تقع تحت نيران أطلقت من نوافذ مكتب النائب العام وتحت إرهاب أسلحة بيضاء يحملها بائعون يفترشون شارع طلعت حرب وميدان التوفيقية وحولوا القاهرة الخديوية إلى عشوائية، وحجم البضائع يكشف حجم الأموال، والتصرف بالبلطجة والسلاح الأبيض يكشف أبعاد العلاقات وتوافق المصالح، حتى إنهم يحمون نائبا عاما سقطت شرعيته بحكم القضاء.
والغريب أن هناك خللا في رد الفعل على تقييم ما يجري فوق الأرض المصرية. الخبراء العسكريون يحددون أن هناك تواجدا مسلحا في سيناء ومرسى مطروح في الغرب وفي صعيد مصر، وأن سيناء تعتبر مخزنا للسلاح وسوق بيع بالجملة والقطاعي، وعندما تجري مناقشة كيف يصمت الجيش عن مواجهة ذلك، تكون الإجابة أن الجيش يتحرك وفق القرار السياسي، وهو ما يعني أن هذه الجماعات الإرهابية تتمتع بحماية السلطة في مصر. والخلل هنا في التسليم بما أنتجه الصندوق الانتخابي دون الوعي بخطره على الأمن القومي والوطن.
يتمثل أيضاً الخلل فيما يطلق عليه أن الجيش يحمي الشعب ولن يدع الدولة تنهار، ولكننا في مرحلة الدولة الفاشلة وليست مرحلة الدولة المنهارة "هكذا يتحدثون عن أنها علوم في الكتب، وأن أي تدخل الآن سيصفه العالم بالانقلاب!" وكأن الولاية لعالم متعدد المعايير، ويقولون بأعصاب باردة إن كافة الحوادث لم تصل إلى آلاف القتلى في الشوارع؟ هكذا يجب أن يحدث الاقتتال والدم وآلاف القتلى حتى نستعيد مصر من يد الإرهاب، ودعم سلطة القرار السياسي له.
إن الحديث عما يجري في مصر أنه تنافس سياسي هو خداع للنفس، إن ما يجري في مصر هو هدم للدولة، ومراجعة أقوال المتحدثين باسم هذه الجماعات يلحظ لغة الهدم والدعوة للقتل واستباحة كل قيم المجتمع، تعرض المجتمع للفساد قبل الثورة، ولكن هويته الوطنية كانت تحفظ قيما وثقافة جرى العدوان عليها، وكان اغتيال الهوية بالتكفير هو الخطوة الأولى لتبرير القتل، والاغتيال المعنوي المستمر سيفرض لحظة الحقيقة، ويجري تصحيح قواعد الاشتباك، وساعتها ستكون مصر بإرادة الشعب الأعزل مقبرة للإرهاب تحت ظلال الدين كما كانت دوما مقبرة للغزاة.
المونديالي عبدالرحمن الجاسم
يواصل التحكيم القطري ترسيخ مكانته على الساحة الدولية من خلال الكفاءات الوطنية التي أثبتت جدارتها في أكبر البطولات،... اقرأ المزيد
561
| 26 يونيو 2026
أسباب الخمول الوظيفي
الموظف الخامل هو ذلك الشخص الذي يؤدي مهام عمله بالحد الأدنى دون شغف أو طموح للتطور، حيث انه... اقرأ المزيد
18
| 26 يونيو 2026
الدبلوماسية الخليجية ودعم مسار التهدئة الإقليمية
تعكس مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، في... اقرأ المزيد
57
| 26 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31764
| 20 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4536
| 21 يونيو 2026
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
3909
| 23 يونيو 2026