رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرفت الإنسانية الحرب أنها ممارسة السياسة بوسائل أخرى، وأنها وجه الدبلوماسية الآخر، وأن غاية القتال هي الوصول إلى تعديل حالة التوازن بين الإطراف المتحاربة لأن الأوضاع في ميادين القتال تعكس نفسها على مائدة التفاوض التي تجمع الأطراف.
وصار للحرب علوم تكاد تكون في حجيتها وصرامتها دستور لكل من يرتدي زيا عسكريا، أو يدير أمة ويتخذ فيها قرارا. لم تعد الحروب نزهة، ولم تعد خطابا حماسيا، وتطورت الأدوات لتحقق هدف كسر إرادة العدو، مع الحفاظ على أرواح الجند، وكلما ارتقى إحساس الجندي في الحرب بأنه أغلى وأرقى ما في الحرب، زادت شجاعته ورغبته في التضحية.
وتحديد هدف عادل للحرب يحدد مشروعيتها أمام النفس والإنسانية، وترجمة هذا الهدف إلى إستراتيجية عسكرية ومهام للقوات المحاربة وامتلاك الأدوات والتدريب الذي يؤهلها لمهامها يحقق الموضوعية، وتحديد من يتخذ قرار بأنه القيادة السياسية للوطن (الأمير عند كلاوزفتز أو الحكومة المنتخبة عند غيره حسب تطور النظم السياسية) يضع قرار الحرب بيد المجتمع والوطن وليس نزعات طيش عند رجال مدنيين أو عسكريين، ومن يملك قرار بدء الحرب يجب أن تكون لديه القدرة والسلطة على اتخاذ قرار وقفها. والقوات المقاتلة يجب أن تشعر شرف المهمة التي تخوض القتال من أجلها، ودعم المجتمع الذي تخرج منه، لتعود إليه منتصرة ليستقبلها معترفا بتضحياتها ويمنحها أكاليل الغار، أو أن تعجز عن تحقيق أهدافها، فيستقبلها معترفا بقصور لديه سواء في القرار أو المشروعية أو الإمكانات، ويكون لها حاضنا حتى تستعيد القدرة، ليبدأ من جديد ممارسة السياسة بوسائل غير الدبلوماسية، أي بوسائل القتال.
وصارت الحرب، أداة الصراع العالمي سواء للسيطرة على مناطق النفوذ والثروات، وهو ما استقر عليه بالمصالح، واحدة من أهم أسباب البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، لتصبح صناعة السلاح سببا من أسباب القوة، وتصبح تجارة السلاح سببا من أسباب النمو الاقتصادي أو الانهيار الاقتصادي. ولعل صور أثرياء تجارة السلاح لا حدود لها، ولكن المثال الحيوي لمعنى الانهيار نتيجة الصراع على امتلاك القدرة المتوازنة، هي حالة التنافس في حرب النجوم بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وهو واحد من أهم أسباب الانهيار لاقتصادات الاتحاد السوفييتي حتى إن اندروبوف قال قولته الشهيرة عن دعم حركات التحرر ومواجهة أمريكا "نحن على استعداد للتعاون دون أن يطلب أحد منا أن نطعم شعبه!".
والعالم اليوم ليس من الملائكة، ولكن تعدد المصالح وتباينها، والأثمان الباهظة للحروب ومستلزماتها فرضت على من يملك القوة أن يجد الممول الذي يستطيع أن يدفع تكاليف الحرب، كأنه مشروع اقتصادي، ولكن الحبكة السياسية هي خداع الممول لينال أقل ما يمكن من عائداتها، ليستطيع من يملك القوة تحقيق أقصى عائد من استخدامه لأدوات الحرب التي يملكها.
وفي عالم اليوم أيضاً يجري تشكيل فيالق متعددة لتقاتل وفق أهوائها لتحقق لأطراف أخرى مصالح لا تراها، فهي تستعذب القتال وهما ومن يستخدمها يملك إستراتيجية التوظيف وإعادة تشكيل الاهتمامات. ويعاد ترتيب الصراعات بعيدا عن أصحاب المصالح، لتتحول إلى إقليمية، وبأدوات الأقاليم ذاتها، أو داخل حدود الأوطان وفق تعددها العرقي أو الطائفي والمذهبي، وكأن الذئاب تملك قلوبا رحيمة بالأغنام وترعاها وتوفر لها الكلأ والماء وتحميها.
صنع عالم المصالح الكبيرة قانونا جديدا للغابة، ويستخدمه، وطاب للقطعان أن تحيا تحت أنيابه، بل وتتنافس على رضا الذئب، ونسوا طبائع الأمور، نسوا التاريخ فوضعوا رقابهم على مذابح المصالح الكبرى، وفقدوا حقيقة الصراع، فصاروا هم القاتل والجلاد، وهم الضحايا.
ما يطلق عليه الحرب الأهلية لا يندرج ضمن قوانين الحروب، وزمن الاقتتال داخل المجتمعات للوحدة أو البناء، ذهب أدراج الحربين العالميتين، وانقسم العالم إلى مجتمعات تعي معنى الحرب فتتجنبها، ولكن مصالحها لدى مجتمعات تملك الثروات الطبيعية والجغرافيا ولا تملك قدرة العلم وإمكاناته، فوضعت لها إستراتيجية الاقتتال لتتمكن من السيطرة عليها. ولم تعد الحرب الوجه الآخر للسياسة، ولكن صارت النزاعات الإقليمية أو الداخلية بالاقتتال سبيل استنزاف القوى ونزح الثروات والحيلولة دون النمو والوجود والقوة.
الاستنزاف الاقتصادي صورة من صور الحرب، والبنك الدولي وصندوق النقد صورة أخرى، والحديث عن العولمة والنظام العالمي الجديد صورة ثالثة، واستطراد الحديث عن حقوق الإنسان وازدواجية المعايير بشأنها صورة رابعة، ثم تغذية العرقيات المتعددة داخل الأقاليم أو الطائفية والمذهبية داخل الأوطان، صورة أخرى.
ظللنا نحاول أن نحول بين ظاهرة الإرهاب ونسبتها إلى الإسلام، وأيضا أن نحول دون وصف المقاومة الفلسطينية بالذات أنها إرهاب، ولكننا هانحن نكتشف حقائق أخرى بمجرد أن رفعت ثورة يناير الغطاء عما هو كامن داخل أوطاننا.
تبدى لنا الآن أن الغرب الذي صنع هذه الظاهرة كان يعلم كيف صاغ عقيدتها، وأن تعامله من بعد انهيار الدولة العثمانية مع ما صنعه بيديه داخل المنطقة العربية، كان يجب أن يظل حبيس تصوره، واستكمل الغرب تصوره بزرع الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين وأعطوا أرضا بلا شعب ولشعب بلا أرض وأيضا بالإرهاب الصهيوني، وكان يمكن للغرب هذا أن يقبل بنداء القومية العربية لو أن هذا النداء لم يتجاوز مجرد الأفكار ولم ينتقل إلى الواقع، يحاول أن يغيره بمضمون الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة وحق العرب في ثرواتهم.
ويضيق البعض بوصف "الاستعمال" لأي من التنظيمات المتأسلمة سواء جماعة الإخوان أو السلفيين، ولكن حقائق الأمور تتكشف لحظة بعد أخرى، والمتغيرات في مصر تؤكد أن لحظات الصعود لثورة يوليو كان الإخوان في موقف العداء بعد فشل محاولات الاستيلاء، وأن حركتهم خارج مصر كانت ضد مصر، وأن صياغة التنظيم الدولي كانت لحصارها، وهكذا كان دور السلفيين في مصر قبل الثورة حيث كانوا أداة إحباط ويحملون فتاوى عدم الخروج على الحاكم طالما هو يسمح بالصلاة في المساجد ولم يغلقها.
ما يجري في مصر لا يعرف أنصاف التوصيفات، إن لم يتم توصيفه بوضوح قاطع، ستدفع مصر والأمة العربية كلها ثمنا لا تتحمله.
ما يجري في مصر لا علاقة له بالثورة أو السياسة، مصر تحت إرهاب يحاول أن يتخفى تحت ظلال الإسلام، كانت البدايات التفافا حول حركة الشعب وثورته، ثم كانت الموجة التالية هي تكفير المجتمع وإهدار تاريخه، والحديث عن شرعية الصندوق، وحقيقة الأمر هو اختطاف السلطة، وعدم امتلاك القدرة على إدارة الدولة، والأخطر عدم الانتماء إلى الوطنية المصرية، ولا يجب أن نقع تحت إرهاب فكرة أن الوطنية تعبير مطلق كما المواطنة، فالفارق جوهري، المواطنة حق لمن ولد فوق الأرض، ولكن الوطنية هي الموقف لصالح الوطن في كافة قضاياه، الوطنية تعني أن الوطن ليس حزبا أو جماعة وأن الحزب ليس وطنا.
الإرهاب في مصر يحاصر أعمدة الدولة، ويحاول أن يهدمها لصالح استكمال بناء يسيطر عليه، دون وعي بمصادر الخطر الرئيسية وبدون انتماء للشعب.
يحاصر الإرهاب القضاء وزرع داخله أذرع له، ويحاصر الإرهاب الأزهر، كما يحاصر الكنيسة، ويتجاوز ذلك في الاستيلاء على جهاز الشرطة ويضع على رأسه من يأتمر بأمره، ويسعى الإرهاب إلى الاستيلاء على المؤسسة العسكرية، ويغل يدها بامتلاكه للقرار لصالح الجماعات الإرهابية التي نجحت في التسلل إلى مصر وامتلكت السلاح، وتستخدمه، بل إن الإرهاب في مصر يستخدم المال لإعادة توظيف حالة الفقر لصالحه، وليس أدل على ذلك من المشهد في وسط القاهرة ووقائع أحداث جرت أمام القضاء العالي، حيث كانت المظاهرة السلمية تقع تحت نيران أطلقت من نوافذ مكتب النائب العام وتحت إرهاب أسلحة بيضاء يحملها بائعون يفترشون شارع طلعت حرب وميدان التوفيقية وحولوا القاهرة الخديوية إلى عشوائية، وحجم البضائع يكشف حجم الأموال، والتصرف بالبلطجة والسلاح الأبيض يكشف أبعاد العلاقات وتوافق المصالح، حتى إنهم يحمون نائبا عاما سقطت شرعيته بحكم القضاء.
والغريب أن هناك خللا في رد الفعل على تقييم ما يجري فوق الأرض المصرية. الخبراء العسكريون يحددون أن هناك تواجدا مسلحا في سيناء ومرسى مطروح في الغرب وفي صعيد مصر، وأن سيناء تعتبر مخزنا للسلاح وسوق بيع بالجملة والقطاعي، وعندما تجري مناقشة كيف يصمت الجيش عن مواجهة ذلك، تكون الإجابة أن الجيش يتحرك وفق القرار السياسي، وهو ما يعني أن هذه الجماعات الإرهابية تتمتع بحماية السلطة في مصر. والخلل هنا في التسليم بما أنتجه الصندوق الانتخابي دون الوعي بخطره على الأمن القومي والوطن.
يتمثل أيضاً الخلل فيما يطلق عليه أن الجيش يحمي الشعب ولن يدع الدولة تنهار، ولكننا في مرحلة الدولة الفاشلة وليست مرحلة الدولة المنهارة "هكذا يتحدثون عن أنها علوم في الكتب، وأن أي تدخل الآن سيصفه العالم بالانقلاب!" وكأن الولاية لعالم متعدد المعايير، ويقولون بأعصاب باردة إن كافة الحوادث لم تصل إلى آلاف القتلى في الشوارع؟ هكذا يجب أن يحدث الاقتتال والدم وآلاف القتلى حتى نستعيد مصر من يد الإرهاب، ودعم سلطة القرار السياسي له.
إن الحديث عما يجري في مصر أنه تنافس سياسي هو خداع للنفس، إن ما يجري في مصر هو هدم للدولة، ومراجعة أقوال المتحدثين باسم هذه الجماعات يلحظ لغة الهدم والدعوة للقتل واستباحة كل قيم المجتمع، تعرض المجتمع للفساد قبل الثورة، ولكن هويته الوطنية كانت تحفظ قيما وثقافة جرى العدوان عليها، وكان اغتيال الهوية بالتكفير هو الخطوة الأولى لتبرير القتل، والاغتيال المعنوي المستمر سيفرض لحظة الحقيقة، ويجري تصحيح قواعد الاشتباك، وساعتها ستكون مصر بإرادة الشعب الأعزل مقبرة للإرهاب تحت ظلال الدين كما كانت دوما مقبرة للغزاة.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
640
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3087
| 24 سبتمبر 2026