رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القيادة تكشف عن نفسها عند مواجهة الأمم للتحديات الخطيرة، ولا ينتجها ضجيج بورصة الأوراق السياسية.
بينما كان محمد نجيب يطوف مصر بسيارة وحوله بعض من الضباط ملوحا للجماهير التي تلتف من حوله، كان عبد الناصر يجلس في مكتبه بمجلس قيادة الثورة يراجع خطط التغيير لتتحول "حركة الجيش المباركة" إلى "ثورة" غيرت وجه مصر والمنطقة ومازال أثرها يمتد عبر العالم والتاريخ.
وبينما كان الضجيج يعلو في مصر حول ديمقراطية الصناديق بعد يناير2011، كان "هو" هناك يدير مصر ويرتب لما تستحقه، وما يجب أن تنتجه ثورة الشعب، ولا أجافي الحقيقة إن قلت إن من أدار المواجهة ضد الثورة المضادة خلال السنوات الثلاث الماضية هو "الأحق" بأن يقود مسيرة البلاد إلى المستقبل.
ظهرت صور عبد الناصر في أيدي المتظاهرين، وفي أيدي البسطاء منهم كانت تعبيراً عن مطلب العدالة الاجتماعية والانحياز للفقراء من عامة الشعب، وكانت أيضاً تعبيراً عن الموقف الشعبي ضد الإخوان، ولكن كان هناك من يحمل الصور أو يطبعها ويوزعها في محاولته لإثبات وجوده السياسي دون جهد حقيقي مع القوى الاجتماعية أو امتلاك رؤية شاملة تربط الاحتياجات بخطط عمل، بالنسبة لهؤلاء كانت "صور الزعيم" تعبيرا عن العجز الذي كشفه-فيما بعد-هتاف يسقط حكم العسكر الذي وحد بعض فصائل اليسار واليمين الإخواني الفاشي أو ممن ينفذون أجندة إسقاط الجيش المصري، وربما وجد هؤلاء مبرراتهم في عدد من تصرفات المجلس العسكري السابق دون معلومات مكتملة أو التغاضي عن طبيعة الحدث ومعناه، سواء في وقائع 8 أبريل 2011 أو في واقعة مجلس الوزراء 2011.
ولكن غير الطبيعي هو اللغط ممن ينتمون إلى ما أطلق عليه التيار الناصري.
انقسم التيار بين وجود شعبي يرى عبد الناصر نصيراً له، جاء من الشعب وعاش له، ورفع رايات الاستقلال الوطني والكرامة والعدالة الاجتماعية، وبين وجود سياسي جعل من الناصرية مبرراً لوجوده الذاتي، وأدى ذلك لتحويل هذا الوجود السياسي إلى مجرد "ظاهرة صوتية" لمجموعة "دكاكين" تنتمي إلى"أفراد" أو "تجارب محدودة" انعزلت عن التواصل مع قوى المجتمع في حركتها نحو التغيير وتحولت هذه الدكاكين إلى بالوعات للتمويل السياسي كما كانت مقبرة لعناصر من الشباب الواعد ولقدرات كان يمكنها أن تنمو وتحافظ على مفاهيم وقيم أرساها عبد الناصر فيما لو توفرت الشروط الصحية لمشاركتها الوطنية.
وحاول البعض الحفاظ على نفسه خارج الدكاكين وأن يمسك بجوهر الانتماء.
محاولة سرقة الثورة أو العيش الطفيلي على حسابها شملت العناصر السياسية في هذا التيار ومن غيره من التيارات السياسية، كما شملت جماعة الإخوان ونسيت هذه العناصر دلالة تحليل مفهوم أساس حكومة عبد الناصر وهو مفهوم تحالف قوى الشعب العامل الذي يشمل (العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية)، ولم يكن انضمام الجنود للتحالف ضمن عسكرة الدولة ولكنه كان تحديداً للدور في مهام المجتمع والدولة، سواء الدفاع ضد العدو الخارجي أو حماية الإرادة الشعبية أو ما جرى التعبير عنها بعد ذلك بحماية الدستور.
تجارب مشاركات من يعلنون انتماءهم الثوري لهذا التيار جميعها تنتهي عند حد التعايش مع النظام حتى وإن بدا أن تعارضا ما بينهما، فالتعارض هذا لم يكن صراع إرادات ولكنه كان مجرد كلام في مواجهة تغييرات مادية تجري في الواقع اليومي.
سقط اتحاد العمال، فقد ولد في أحضان السلطة وظل كذلك، وسقطت تعاونيات الفلاحين واتحاداتهم الجديدة بعد ثورة يناير التي سعت أيضا إلى حضن السلطة.
غاب المثقفون عن الدور التنويري، وبدت أدوات الثقافة وآلياتها داخل المجتمع غريبة باهتة، وتحللت الرأسمالية الوطنية وانحصرت في أشخاص وغاب عنها دور رئيسي في خطة المجتمع التي اعتبرتها جزءا من موروث مجتمع شمولي وليست المدخل العلمي لمفهوم إدارة الموارد وتنميتها وصار سعيها إلى الكسب السريع والاحتكار وانتقلت إليها كل أمراض الرأسمالية دون قانون يواجه التغول الرهيب على الإرادة الوطنية.
ولم يعد هناك ضمن قوى التحالف سوى الجيش المصري الذي احتفظ بتماسكه نتيجة تراتبية سلطة القرار داخله.
وتعرض الجيش بعد حرب 1973 لمنعطفات رئيسية فرضت عليه خيارات تؤكد نزول الجيش وقياداته للحفاظ على كيان الدولة والحيلولة دون انهيار الوطن.
الأول عندما فرطت "السياسة" فيما أنجزته العسكرية والذي انقلب بعد ذلك إلى اتفاقات ومعاهدات تمنع الجيش عن أداء مهمته في سيناء ومن بعد ذلك وضع سياسة تحجيم القوات والتسريح المبكر للقيادات.
الثاني الحيلولة ما بين الجيش والإمكانات العسكرية التي يجب امتلاكها باختيار "السياسة" أمريكا كمصدر رئيسي للسلاح، خاصة أن الوضع الاقتصادي يحول دون توفير التمويل اللازم لشراء الأسلحة، وانعدام الطموح عند صانع القرار، "السياسة تُفرط أيضا"، لدعم محاولات تطوير السلاح التي يقوم بها الجيش.
الثالث محاولة الجيش للخروج من تأثير التغيرات الاقتصادية المتلاحقة في المجتمع المصري بامتلاك المقدرات المعيشية لقواته، مضافا إلى ذلك عبء مواجهة التفريط في الأرض والإمكانات قبل الثورة (طريق السخنة – بنك القاهرة) وما جرى خلال حكم الإخوان.
الرابع تمثل في موقف من التوريث، والذي كان حلقة الربط بين ثورة يناير2011 وبين الجيش، بالإضافة إلى عقيدة عدم توجيه سلاحه ضد الشعب، وكان المنعطف الأخير هو حالة السيولة التي أعقبت ثورة يناير، حيث أطلق المجلس العسكري السابق كل عناصر الإرهاب من السجون وفتح المطارات لعودة المئات منهم، ثم جاءت نكبة عام الحكم الفاشي الذي حول مصر إلى ملجأ لنفايات الجماعات الإرهابية من جميع أنحاء العالم.
ظل الجيش متماسكا وبرزت عقيدته خلال مواجهات يونيو ويوليو 2013 وانتمائه الذي لم يتحدد فقط يومها ولكن الوقائع والحوارات تؤكد أنها تصور حاكم للدفاع عن الأرض والشعب، ظل راسخا طوال الفترة من يناير 2011 حتى يونيو 2013 كما كان رفض التوريث حاكما لموقف الجيش قبل يناير 2011.
الثورة مواقف وفعل وتغير في موازين القوة وهنا لا يجب أن نبحث عن رموز للثورة، ولكن نبحث عن استيعاب هذه المعاني والقدرة على إعمالها.
الأمم لا تضع إرادتها رهينة التمويل الأجنبي على شاشات الفضائيات ولكنها تخوض مواجهاتها من توفير لقمة العيش إلى الدفاع عن الحياة فوق أرضها، هي مواجهة يومية لتوفير إمكانات الوجود.
سقط أدعياء الناصرية وسيبقى انتماء عبد الناصر ونداؤه بالحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية خيارا إستراتيجيا للأمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
7278
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1014
| 25 فبراير 2026
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل مكانة أساسية في تعزيز استقرار المجتمع القطري، ودعم تماسكه، إذ تُعتبر العمود الفقري لاستقرار المجتمع وثباته، وانطلاقاً من هذه الأهمية، يجب على الكاتب أن يتصف بالاتزان والوعي في الجمع بين الطرح القانوني والاعتبارات الاجتماعية والإنسانية. ويُعتبر قانون الأسرة القطري رقم (22) لسنة 2006 أحد أهم التشريعات التي تنظّم العلاقات الأسرية، حيث تضمن نصوصاً مستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء، ومُراعية لقيم المجتمع القطري وخصوصيته. وذلك لا ينفي بُروز قضية “الحضانة» كواحدة من أكثر القضايا الجدلية. ومن أبرز القضايا المُثيرة للجدل القانوني والاجتماعي في أروقة المحاكم «قضية الحضانة» إذ تعتبر واحدة من أكثر المسائل الأسرية حساسية، وذلك ليس لضعف النصوص التشريعية وقصورها، إنما لما يرتبط بتطبيقها من تحديات مختلفة تتمثل في التعقيدات الإنسانية والاجتماعية بحثاً عما تتحقق به مصلحة المحضُون، وتكمن صعوبة التطبيق أيضاً في تشابك العوامل النفسية والاجتماعية المصاحبة لانفصال الزوجين. «الحضانة».. حق للمحضون لا للحاضن نظم المُشرع القطري مسألة «الحضانة» معتمداً على رؤية واضحة، وغاية نبيلة تتمثل في رعاية المحضون رافضاً اعتبارها سلعة مقايضة لإنهاء النزاع والخصومة بين الأبوين المنفصلين أو جائزة يفوز بها أحدهما، أو وسيلة لانتقام أحدهما، فلم ينظر القانون الى مسألة «الحضانة» على أنها نزاع بين متخاصمين «مدعي ومدعى عليه»، إنما نظر إليها كونها دعوى تحديد المكان الأنسب للمحضون بما يحقق له الأمان الشامل بشتى أنواعه، واعتبرها واجبا ومسؤولية لحماية الطفل ورعايته وتوفير بيئة آمنة له لضمان نشأته نشأة سليمة تحقق له الاستقرار النفسي والاجتماعي فاستقرار الأسرة أساس نهضة المجتمع الفكرية والتربوية. إن تحديد الحاضن في القانون القطري لا يعتبر إجراءً كافياً لتحقيق المصلحة الكافية والمرجوة للمحضون، إنما لا بد من توجيه دور الوعي المجتمعي نحو تعزيز مفهوم «الوالدية المسؤولة» حتى لو كان ذلك بعد الانفصال، لأن مصلحة المحضون تستوجب مراعاة شعور الطفل من الناحية المعنوية والناحية العاطفية بعد فقدان أحد والديه. وفي هذا السياق يبرز دور «مركز وفاق للاستشارات العائلية» الفعال والواضح في تقديم الإرشاد الأسري والتوجيه التوعوي، إلا أنه ما زال يتطلب مزيداً من العمل المشترك، وتعزيز التعاون بين جميع الجهات المعنية من خلال: 1 - وضع برامج إرشادية أسرية على أن تكون إلزامية قبل وبعد وقوع الطلاق، مع التوعية بالآثار السلبية الواقعة على الأطفال نتيجة فراق الأبوين أو تصعيد النزاع بينهما بعد الانفصال.. 2 - نشر مفهوم «الوالدية الأسرية“ على نطاق واسع يشمل وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية، مع التأكيد على أنه التزام أخلاقي لا يتعلق باستمرار الحياة الزوجية أو انتهائها، مع ضرورة الفصل بين النزاعات المادية والمعنوية مع ما تقتضيه مصلحة المحضون. 3 - تفعيل الشراكة بين الجهات القضائية والتربوية والاجتماعية لمتابعة أحوال المحضون، وضمان توفر البيئة الصحية له، وحصوله على حقوقه كافة. خاتمة: إن النصوص القانونية لا تكفي وحدها لحماية المحضون، فلا بد من نشر الوعي المجتمعي، والدعم المؤسسي، والمسؤولية الوالدية، وحماية المحضون ليست مسؤولية القاضي وحده، بل هي أمانة في عنق الأبوين أمام الله والمجتمع.
717
| 20 فبراير 2026