رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مصطفى الغزاوي

مصطفى الغزاوي

مساحة إعلانية

مقالات

1051

مصطفى الغزاوي

غرفة الضغط

04 مارس 2014 , 12:27ص

جمعت الليلة الأخيرة في رحلة الدوحة لزيارة شقيقي بعد جراحة اعتبرتها كبيرة، وبدت بوادر الشفاء ورضا الأطباء عن النتائج، جمعت عددا من الأصدقاء والأبناء، يحاولون جلب الابتسامة بينهم ليتجاوزوا إحساس الفراق وواجب الشكر لحالة من الاحتضان الإنساني كشفت عمق الروابط الإنسانية التي تتجاوز مادية الحياة.

هناك في الدوحة تجلى أمامي معنى أننا نحن العرب تجمعنا روابط أعمق من خطوط الحدود الفاصلة بين أقطارنا، وأن الملمات ولحظات الألم تكشف عمق التنادي الإنساني والأخوي واكتشفت أن مصر حاضرة، وأنها ملئ الكيان العربي، وأن حوارات تجرى في القاهرة حول اللحظة تكاد تكون ذاتها هناك، الفارق الوحيد هو المكان والأشخاص وجوازات السفر المتنوعة.

محاولات الابتسام أو تجاوز أزمة أسابيع ثلاث بعد الجراحة فتحت الباب أمام أحد الشباب من الجالسين أن يعبر عن كل أمر بمصطلح في الفن وتكنيك السينما حتى وصل إلى تعبيرMaster scene أو المشهد الرئيسي، ضحكنا، وأوقف الصديق علاء بكري ضحكنا عندما قال بصوت جاد: سأروي لكم ما هو المشهد الرئيسي في حياتي، أسكتنا حديثه الجاد، وصمت الجميع ليقول لنا إن والده أحد محامي نابلس وشارك في تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني، وكانت مدرسة علاء مجاورة لمكتب أبيه، ويمر عليه بعد المدرسة ليصطحبه والده إلى المنزل.

وذات يوم دخل على أبيه مكتبه دون أن يشعر الأب به ووجد أباه يستخدم جزءا من ورقة جريدة بديلا عن المنديل لتطبع أحبار الجريدة علاماتها على أنفه، ويحاول علاء أن يزيلها عن أنف أبيه، ولكنها كانت تترك آثارها في وجدان علاء وعقله، أن هذا المحامي الكبير، قامة ونضالا وعمرا، ترك ما تتيحه الحياة وقبض على قضيته ومات لها.

أحسست أني أريد أن أضم علاء إلى صدري، وترقرقت دمعات حائرة في عين علاء، ولكنها كانت في داخلي نزيفا في القلب، مشاهد للآباء تصوغ حياة الأبناء حتى وإن رحلوا وتحدد لهم موقفهم في الحياة، لينجو به من يحيله إلى حالة صمود.

واستدعى الموقف في ذهني مواقف أبناء وآباء وقلبها قضايا الوطن.

"يوسف" ابن الرابعة حفيد شقيقي، لعبه بين "الآي باد"، وتشخيص لمطاردة ضابط الشرطة للصوص افتراضية من حوله، يشاركه أخوه "زياد" الذي يكبره بأربع سنوات أخرى. يوسف والده ضابط شرطة في مصر، يعيش أزمة الأمن والإعلام ولا يعيش عمره، قلقه الدائم أن يعود أبوه إلى المنزل، وذات يوم وسط فيض الإعلام المستشري حول القتل، إذا بيوسف يفاجئ أباه بقوله: "أنت بتقتل الأطفال ليه يا بابا؟"، ودهش الأب وقال له: لا يا يوسف أنا لا أقتل الأطفال وسلاحي يوجه إلى المجرمين واللصوص للقبض عليهم ولكن يوسف يعود ليفاجئ أباه بكلمة صاخبة: "لا يا بابا، أنتم بتقتلوا الأطفال ومش هتقتلني لأني ابنك!!".

جرح في مجتمع أحدث ندبا في وجدان طفل السنوات الأربع.

هذا مناضل يساري وذلك ضابط شرطة، ولكل منهما أثر في وجدان ابنه، وجدان لم يكن بعيدا عن حالة الوطن لحظة تشكله.

وعادت بي الذاكرة لاثنين من أبناء جيل من المناضلين رحل عنا، وكانا معتقلين معا عام 1959 في معتقل الواحات: محمد الزعفراني وفؤاد حداد.

أحمد الزعفراني تركه أبوه وعمره يقارب عمر يوسف وأختين تكبرانه مع أمهما بعد اعتقاله، منزلهم بالقلعة، تجتهد الأم لتعول أولادها الثلاث.

كان والد أحمد يملك مصنعا للملابس أسماه "دمشق"، لأنه تأسس في عام الوحدة بين مصر وسوريا، وأثناء الاعتقال اهتز المصنع، وطلبت الأم يوما من أحمد أن يذهب إلى صديق حميم لوالده يملك أيضا مصنعا للملابس، ولطالما قدم والد أحمد إليه الخدمات، ويطلب منه جنيها "سلف".. ورد الرجل أحمد قائلا إنه في أول اليوم وليعد إليه بعد ساعات، وعاد أحمد بعد الظهر إلى الرجل الذي كرر ذات الرد " ارجع إلى بعد قليل"، فطلب أحمد نصف جنيه واعتذر الرجل حتى عن طلبه الأخير بربع جنيه، مضى أحمد عائدا إلى منزله وعندما عاد إلى صديق والده بعد ساعة وجد المصنع مغلقا..

ظل الأمر عالقا بوجدان أحمد ليكتب بعدها..

"أنا منين؟

أنا من بكاء أمي

ودموعها السخنة على خدي

من جوعي للقمة ناشفة

مش في يدي

وبتاكلها الصراصير..".

أمين حداد من عمر أحمد الزعفراني، وعندما كتب فؤاد حداد قصيدة إلى ابنه أمين أرسلها محمد الزعفراني أيضا إلى ابنه أحمد.

كان فؤاد حداد يكتب قصائده على ورق لف السجائر الرقيق ليتم تهريبها إلى خارج السجن وتنشر ليوفر عائدها مقومات الحياة لأسرته. وإذا كان فؤاد حداد هو مسحراتي الأمة، فلعله يرى الآن الابن أمين شاعر أجيال الثورة الجديدة والحفيد أحمد مسحراتي جيل الأحفاد.

الموهبة لا تورث، ولكن المواقف والمعاناة والبيئة تصنع الوعي وتخرج من الوجدان موهبة منحها الله للإنسان عبر الأجيال، لا يتسع المقام هنا لعرض أثر آل حداد على أجيال متعاقبة، وقد يأتي وقت يمكننا فيه ذلك.

كانت جلسة أثارت في النفس كل هذا، بدأت بكلمة مصطفى حسين

(Master scene)، كما نطقها، لتتحول إلى غرفة ضغط للإفاقة وتجاوز أثر الانتقال عبر مستويات متعددة من ضغوط الحياة ما زالت تجسد أثر الآباء على أبنائهم.

مساحة إعلانية