رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقترب الحالة السياسية في مصر من صناعة إقطاع سياسي جديد، تحولت فيه الثورة والسياسة إلى أملاك توزع تحت عناوين ومسميات يجري استحداثها دون سند من المنطق أو العقل أو الواقع.
الإقطاعيات تمتد من الشوارع إلى الميادين والتواريخ وشبكة الإنترنت والفضائيات والصحافة، تأخذ منها الاسم، وختم الحصانة، دون أن يكون لها مضمون، أو انتماء اجتماعي، ولكن الصراعات اختزلت في عناوين الشهداء والمصابين والديمقراطية والشرعية.
وكون الإقطاعيين الجدد طبقة عازلة بين الشعب وبين غايات يمكنها أن تقترب به من تحقيق العيش الكريم.
ولم تتوقف حدود الاقطاعيات علي ما هو سياسي، أو قانوني، أو حزبي، وتجاوزت الكراسي المنشودة والأطماع إلى إقطاع من لون جديد تجاوز حدود الكهنة والكهانة إلى الولاية علي امتلاك الدين. وصار الدين إقطاعية واسعة يجري تقسيمها على ألوان متعددة من الكهنة، أدت إلى احتمال هادم للقيم يجوز أن نصفه بالتصحر أيضا.
ونظرة مباشرة إلى شعار ثورة يناير الذي أبدعه العقل الجمعي الشعبي في ثلاثية "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، نجده قد تواري وراء عناوين باهتة، أخذت من الوقائع والأحداث بديلا للغايات والأهداف.
تحدد الأمم ما يطلق عليه الأهداف الغائية، أو "Grand strategy"، وهي تمثل رؤية الأمة لذاتها، وجودها، تاريخها، نطاقات أمنها، ونفوذها، ومصادر القوة والبقاء لديها وهو ما يطلق عليه أمنها القومي، وهذه الرؤية تجسد وحدة الأرض والبشر، وتجسد حق الحياة والوجود والأمن والدفاع عن النفس، لا تستبدل داخل الوطن بشرا أو أمكنة بديلا سواها، طالما أن الجميع قد امتلك هذه الرؤية للأهداف الغائية، وتصبح من بعد ذلك الاستراتيجيات والتكتيكات محل الجدل والاتفاق والاختلاف حسب معطيات واقع يجري التعامل معه، ومهما تغيرت سلطة الحكم فهو تغيير في أساليب الإدارة وليس في تحديد الوجود من عدمه.
تبقي الأمم ساعية إلى ما يطلق عليه الاستقرار ولا تبلغه دون أن تحدد إستراتيجيتها العليا أو أهدافها الغائية، أي تحدد ماهيتها، وقد يمر سعيها هذا بحالات متعددة من الجل والحوار وقد تصل إلى الحرب الأهلية، فالأمر ليس أفكارا على ورق أو أقوالا على ميكروفونات ولكنه توازن الإرادات والوعي والقوة، وما دون تحقيق هذا التوازن هو حالة من الميوعة والسيولة لا تحقق وجودا ولا تستطيع الحفاظ علية، هي حالة علمية أن لم تتكامل لها شروط الوجود، تصير أقرب إلى حالات الوهم وأحلام اليقظة العاجزة.
وعالم اليوم يتسم بسرعة الحركة والتقدم ولا ينتظر قطار الرحمة فيه أن يلحق العجزة بعرباته.
ووجود الأمم رحلة فكر وعمل وجهد شاقة ومستمرة وليست محطة وصول.
والثورات في التاريخ الإنساني تحاول أن تختزل الزمن، وأن تحقق طفرات، ولا يقتصر تعبير الثورة علي الصراع الاجتماعي والسياسي داخل المجتمعات، بل تجاوزها إلى ما يحققه العلم من طفرات، سواء التحول من الزراعة إلى الصناعة، أو ثورة الاتصالات، أو ثورة الجينوم والفيمتو، أو ثورة النانو، او ثورة ما تكاد أن تحقق إنجازا حتى تتجاوزه وهي ثورة عالم الكمبيوتر والمعلومات.
تغير وجه الأرض والعلاقات وصار مجرد الحديث عما كان هو فقدان للوقت، فما بالنا وهناك من يحاول أن يعيد حركة الزمن إلى الوراء، انه يتحرك ضد قوانين الصيرورة للوجود الإنساني فوق الأرض.
ومن هذه المفارقة يتحقق حتمية انتصار الثورة، ضرورة التقدم للبقاء عجلة زمن متسارعه تختزله، وقوي الردة تحاول أن تضع العصي بالواليب، ولكن قانون البقاء أكثر قوة فهو ناموس سماوي لا يستطيع الجهل والعجز الحيلولة دون تحقيقه للتطور، واختزاله للزمن.
تحول الثورة إلى إقطاعيات، والادعاء بالأحقية في امتلاكها، هو الردة.
المفارقة في حالاتنا العربية، إننا نتكلم عن الثورة، ونحيلها إلى أسماء وأشخاص وليس إلى مضمونها، ونحيلها إلى حالة ثأر ولا نفهم أبعاد القوى الحاكمة التي يجوز أن تقتتل لتقيم التوازن الاجتماعي، ونحيلها إلى نصوص كانت أو صياغات نتهافت عليها لكسب يوافق حالات العجز والتردي التي نثور عليها، فنزيد الثورة نار الثورة تأججا، وبدلا من أن تصبح نار الثورة أداة إنضاج لحالة الوجود، تصبح محرقة للوجود ذاته.
المواجهة مع إقطاع الثورة قائمة ومستمرة، ولا بديل عن انتصار الضرورة الثورية في التعجيل بتحقيق متطلبات الوجود والبقاء.
تحويل الثورة إلى ثأر للشهداء أو المصابين، صورة من الوجود الإقطاعي الجديد.
الانقلاب على حق العمال والفلاحين في الوجود بفعل القانون والدستور، هو إقطاع جديد.
تحويل الثورة إلى احتفاليات بالتواريخ والأحداث، هو إقطاع جديد.
تراكم الأسماء للأشخاص أو الكيانات، هو إقطاع جديد.
استعادة الخوف ليحكم المسار والسلوك الشعبي، هو إقطاع جديد.
اعتبار أن الثورة حركة بالشارع، ومظاهرات، هو إقطاع جديد.
ثم تحويل الفعل الثوري إلى مجرد ملكية تتنازعها الحناجر، هو إقطاع جديد.
ويبلغ الخطر مداه فيما يتخلق من إقطاع تلك الحالة من الارتماء في أحضان الخارج، فتارة يصبح الخارج مصدر القيم، وكيف يمكن أن تتفق قيم خارج الأمم أن لم تشملها ذات المرجعية المطلقة، أو هو الشرطي الراعي للشرعية!
كيف لم تكن عقائدنا مرجعية لمعني حق الإنسان في الوجود؟، وإذا فشلت العقائد التي نؤمن بها أن تحدد حقوق الإنسان في يقيننا وتلزمنا بها، فهل نحتاج إلى عصا الأجنبي لإعادة تربية أمة تحاول أن تحقق وجودها وتدافع عن بقاءها؟
وكيف والمصالح متباينة، أن نعيش عبيد إحسانات الخارج، فهل تحول العالم إلى مؤسسة اجتماعية، هو يعمل ويدفع ضريبة التقدم، ونحن نقبع تحت مائدته راجين الإحسان والرحمة، فكيف يتفق هذا مع مطلب الحرية.
ندين في التاريخ تعيين رقيبين من أصحاب الديون على مصر، فكيف ونحن نتحدث عن بناء حضاري لأمة ووطن نستدعي الخارج رقيبا على الشرعية؟
ثم لنري الإقطاعيين الجدد تحت عناوين الثورية والاشتراكية والليبرالية، وهم يفسرون الدولة المدنية بانها ليست الدولة الدينية ولا هي الدولة العسكرية؟، وكأننا ننسي أن الدولة المدنية هي دولة يحكمها القانون والدستور، ثم نغوص في رمال متحركة حول الدين وحكم العسكر، وندعي وبلا خجل أن ستين عاما كانت حكم عسكر، وننسى حقيقة ما جرى قبل الستين عاما وخلالها، ما تحقق وما لم يتحقق؟
الأيام الماضية حضر أمامي مشهد من فيلم "وا إسلاماه"، ومبعوث التتار يدخل قاعة الحكم في مصر بعد أن قام جواسيسه وعملاؤه بإعداد الأرض لقدومه وهو يقف متسائلا: "لمَّا أحب أكلم شعب مصر أكلم مين؟"، فالصبية صاروا قائمين على تقييم الوطن وحركة الشعب، والرجال الذين فتح لهم الشعب قلبه يرتحلون تاركين خلفهم تلالا من علامات الاستفهام.
إقطاعيون جدد ظهروا يتحدثون عن كيف نواجه الإرهاب في سيناء، ولكنهم في الوقت ذاته يرقصون علي جثة الثورة، ويدعون أن 25 يناير كانت نكسه. وعلى الضفة الأخرى إقطاعيون من لون آخر يهاجمون ثورة 30 يونيو بأنها الباب الذهبي لعودة الفلول.
ولون آخر من الإقطاعيين يهتفون "لا عسكر ولا إخوان" وهم لم يقدموا لنا بطاقة تعارف بماهيتهم ومبررات وجودهم.
ويخرج علينا الإقطاع الأسود، إقطاع قرر أن الدين ملك له، هو يملك الأرض وما عليها ومن عليها لأنه هو الكاهن ويملك صكوك الغفران، وكأننا في حاجة إلى دهاء اليهودي الذي اشترى كل صكوك جهنم فبارت صكوك الغفران على بائعيها.
فاقت حركة الشعب في يونيو ويوليو 2013 دهاء اليهودي وخبثه، فبارت صكوك الغفران علي الإقطاع الأسود.
لم يستسلم الإقطاع الأسود، ولم يستوعب انه داخل وطن وأمة لها وجودا هي تعاود تنميته والحفاظ علي بقاءه، ويخرج إلى الشوارع، وأحال العلاقة العظيمة بين الحركة الطلابية وكفاح الشعب من أجل الحرية والتحرير، إلى ظاهرة بلطجة سياسية، تخفي فيها رؤوس الإقطاع الأسود نفسها عن الأعين، وتدفع بفلذة الأكباد إلى الشوارع، ليست ظاهرة تعبير، ولكنها أدوات فوضي.
كشفت تحركات الإقطاع الأسود كل احتمالات الريبة والشك التي تأكدت خلال عام من حكمه لمصر، فهو ضد الأزهر، وضد الجيش، وضد الشعب، ومع الشرعية التي نالها بقسط وافر من التآمر والدعم الأمريكي، فكيف به يتوقع قبولا من الشعب ليحيا فوق هذه الأرض معه ويبني معه المستقبل. إن ما تتعرض له مصر الآن، يحتاج إلى كل اليقظة، لأن الإقطاع له امتداداته الخارجية، ونزوعه إلى خلق الفوضى باتت أهدافه مكشوفة.
الأيام القادمة تتحرك فيها قوافل الإقطاع الجديد الذي انقض علي الثورة، كل منهم وفق أوهامه، غير عابئ بوطن او امة او مستقبل.
إننا في حاجة للقبض على الحقيقة كما القابضين علي الجمر، أن الشعب الذي خرج على مدى ثلاثة أعوام وصبر وصابر ورابط، ليس لديه ما يخسره، ولن تأخذه رجفة أو تردد أن استمرت محاولات وأد أهدافه الغائية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43527
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7137
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5400
| 13 سبتمبر 2026