رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمل عبدالملك

[email protected]
@amalabdulmalik

مساحة إعلانية

مقالات

282

أمل عبدالملك

من نكون بلا جمهور

20 سبتمبر 2026 , 12:00ص

في زمن أصبحت فيه الشاشة جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد الظهور مجرد رغبة في مشاركة صورة أو فكرة أو لحظة عابرة، بل تحول عند البعض إلى هاجس حقيقي، كم شخصاً شاهد؟ كم متابعاً أصبح لديه؟ كم إعجاباً حصل عليه؟ وهل تصدر الترند أم مرّ منشوره دون أن يلتفت إليه أحد؟

أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تكشف أحياناً عن مشكلة أكبر، حين يبدأ الإنسان في قياس قيمته من خلال الأرقام التي تظهر على شاشة هاتفه.

عدد المتابعين أصبح عند البعض أشبه بشهادة تقدير، وعدد المشاهدات مقياساً للنجاح، والإعجابات دليلاً على القبول، وإذا ارتفعت الأرقام شعر بالرضا، وإذا انخفضت بدأ يسأل نفسه، لماذا لم يهتم الناس بي؟

وهنا تكمن الخطورة، فالإنسان أكبر من رقم، وقيمته لا يمكن اختصارها في عدد من ضغطوا زر الإعجاب أو شاهدوا مقطعاً لثوانٍ، قد يملك شخص ملايين المتابعين، لكنه لا يملك بالضرورة محبة حقيقية أو أثراً عميقاً في حياة من حوله، وقد يعيش آخر بعيداً عن الأضواء، لكنه يترك أثراً لا تنساه عائلته وأصدقاؤه ومجتمعه.

المشكلة لا تتوقف عند الهوس بالأرقام، بل تمتد أحياناً إلى ما يفعله البعض من أجل الوصول إليها، نرى أشخاصاً يدخلون في تحديات غير منطقية، أو يكشفون تفاصيل خاصة من حياتهم، أو يتعمدون إثارة الجدل، أو يقدمون محتوى صادماً ومحرجاً، فقط لأنهم اكتشفوا أن الغرابة تجلب المشاهدات.

وكأن السؤال لم يعد: هل ما أفعله صحيح؟، بل أصبح: هل سيجعلني ترند؟ وهنا تتغير المعايير تدريجياً، يصبح التصرف غير اللائق مقبولاً إذا حقق ملايين المشاهدات، وتصبح الخصوصية شيئاً يمكن التخلي عنه مقابل انتشار أكبر، ويصبح الجدل هدفاً بحد ذاته، والأسوأ أن بعض الشباب قد يكررون هذه السلوكيات لأنهم يرون أنها الطريق الأسرع إلى الشهرة، من دون إدراك أن ما يُنشر على الإنترنت قد يبقى طويلاً، حتى بعد أن ينتهي الترند وينتقل الناس إلى موضوع آخر.

نحن لا نحتاج إلى محاربة الشهرة أو وسائل التواصل الاجتماعي، فالمنصات الرقمية يمكن أن تكون مساحة جميلة للإبداع والمعرفة والعمل والتواصل، وقد صنعت فرصاً حقيقية لكثير من الموهوبين، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الظهور غاية، بدلاً من أن يكون وسيلة. وللأجيال الناشئة، ربما أهم نصيحة يمكن أن تُقال هي، لا تسمحوا للشاشة أن تخبركم من أنتم.

لا تجعلوا عدد المتابعين يحدد قيمتكم، ولا عدد المشاهدات يحدد نجاحكم، ولا تعليقاً سلبياً يهز صورتكم عن أنفسكم، اسألوا دائماً قبل نشر أي شيء هل سأكون فخوراً بهذا التصرف بعد سنوات؟ وهل يشبه الشخص الذي أريد أن أكونه فعلاً؟

فالترند ينتهي، والمشاهدة تختفي، والأرقام تتغير كل يوم، لكن السمعة والكرامة والذكريات والأثر الذي نتركه في حياة الآخرين تبقى.

* أجمل حضور ليس بالضرورة ذلك الذي، يراه الجميع، بل ذلك الذي يشعر به من حولنا بصدق، لأن الإنسان لا يُقاس بعدد العيون التي شاهدته، وإنما بقيمة الأثر الذي تركه حين كان بعيداً عن الكاميرا.

مساحة إعلانية