رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الاكتفاء بتوصيف الحالة الراهنة في مصر والوطن العربي وتوزيع الاتهامات دون النظر وبعمق إلى ما نريد ونحدده بعيدا عن حالة الشعارات، في رؤية ومهام وآليات وقوى اجتماعية، هو هروب إلى الأمام لا يتحمله الوطن ولا يتيحه عالم اليوم.
تخطى العالم بعد الحرب العالمية الثانية مراحل متعددة لكل منها طبيعة وإستراتيجيات جرت صياغتها لإدارة الوجود والبقاء لأي من أطراف الصراع، تحشد له كل القدرات والإمكانات، بل إن الصراع من أجل البقاء كان الحافز الرئيسي للتقدم والتطور الصناعي والعلمي.
انتهت الحرب العالمية الثانية لتترك العالم في حالة انقسام وصراع بين طرفين، نحن خارجهما، ولا تعدو المنطقة العربية غير مستعمرات لإمبراطوريات تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولا يحكم نظر العالم إليها غير أنها منطقة تملك منابع الطاقة التي يحتاجها التقدم، وتحيا فوق أرضها شعوب لا تملك معرفة تؤهلها لاستخدامها، لينتقل الاحتلال العسكري إلى السيطرة بالمعرفة. وورثت المنطقة بالإضافة إلى ضحالة المعرفة، الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين، لتتشتت الرؤى والجهود الوطنية بين استقلال الأوطان كمهمة مباشرة ومن ثم تحقيق حياة كريمة للشعوب بجهدها وعملها وعلمها، لترث مهمة مواجهة فرضت عليها من خارج التاريخ والقيم الإنسانية، ليصبح الدفاع عن الكيان الاستيطاني في فلسطين هو الإنسانية، ولم يقبل هذا الكيان أن يحيا داخل العباءات التي تدعمه، ولكنه وضع إستراتيجية محددة بأن بقاءه مرهون بقدرته على مواجهة كل الدول المحيطة به مجتمعة، ولم يتهاون في أعمال قانون التفوق بالقوة.
صمتت مدافع الحرب العالمية الثانية لتنتقل الأطراف إلى حالة توازن تحت سياسة حافة الهاوية، وعندما اعترفت الأطراف بالرعب النووي المتبادل، دخل العالم إلى مرحلة الحرب الباردة، واتجه الصراع إلى الحرب الخفية، وخلخلة الأنظمة من الداخل في المواجهة المباشرة بينهما ولتجري ترجمة ذلك إلى سباق التسلح، وهو بالأساس سباق معرفي وعلمي يستهلك من القدرة الاقتصادية للأطراف قبل أن يضيف إليها، ومن ناحية أخرى دخل التنافس والصراع حول من ينشدون الاستقلال الوطني وثرواتهم ورؤاهم للمستقبل، وكان الفعل الغربي متقدما وجودا وتأثيرا بتاريخ يمتد إلى عصر الاستكشافات ثم بوجود يتصل بزمن الاستعمار.
انتهاء زمن الحرب الباردة وسباق التسلح إلى تفكك دول المنظومة الاشتراكية، لم يكن إشعارا بإبادة هذه الدول أو هزيمة إرادة البقاء لديها، ولكنها كانت إشعارا ببدء مواجهة جديدة تستدعي رؤى وإستراتيجيات وقيادات غير تلك التي وصلت بالإنسان داخلها إلى إحساس أنه لا يحيا انتظارا لوعد العدالة والرخاء ليتحول الحلم إلى كابوس انتظارا للحظة الموت الذري حال اندلاع المواجهة.
كانت المنظومة الاشتراكية أقرب إلى التفكك من خصمها في الغرب لأنها كانت تعتمد بالأساس على قدراتها الذاتية، بينما كان الغرب يسيطر على منابع الطاقة والأسواق والممرات والجرأة على الحسم بالتآمر والقتل والحرب.
مازال الإنسان في الغرب يعاني من توحش النظام الرأسمالي مهما كانت سطوة آلته الدعائية، لتواجه أمريكا أزمة الرهن العقاري ثم أزمة مشروع التأمين الصحي، وتصل قيم الديمقراطية أن تتصرف أمريكا كما تتعامل الشركات المفلسة وتوقف العمل في إدارات الدولة وتمتنع عن دفع رواتب العاملين.
بدت دول العالم الثالث كمن وقع بين مجموعة تروس جبارة تفتك به وهو لا يملك الفكاك منها، وكل ما يتاح له أن يلحق بقطار التبعية لأي من هذه التروس، إلحاق طفيلي لا يملك حق البقاء أو النمو.
وأضيف فوق هذا القانون في منطقتنا العربية، قانونا آخر هو أمن إسرائيل.
كان درس الاستقلال الوطني ومحاولات التخلص من التبعية والتنمية المستقلة يجد ضالته المرجعية في دعوة القومية العربية، والتي تستدعي نداء الوحدة. لكن من يقبل بهذا في عالم تديره مجالس إدارات الشركات العملاقة، وأصبح العرب عندهم مجرد سوق عمالة واستهلاك، ودون هذا فالعرب عبء على عالم القرن الواحد والعشرين.
سيطرة معرفية على مقدرات المنطقة، واستنزاف لثرواتها، وإزكاء الصراع بين أنظمتها، وتفكيك العقيدة الدينية واستخدامها، كل ذلك كان أدوات للسيطرة على المنطقة مضافا إليها حربا نفسية تشوه كل محاولات التحرر والتنمية وبأنها هي سبب التخلف وليست محاولات لكسر سلاسل التبعية وامتلاك المقدرات الوطنية.
ولأن كل هذا مجتمعا لم يضرب إرادة الشعوب في مقتل، بل كان الظلم والاستبداد وغياب الأمل عوامل تمثل المضادات الحيوية للجسم الشعبي في الأمة كلها وتحول دون فقدان الإرادة، مهما طال الصمت أو كان الثمن، فقد انتقلت المواجهة إلى تفكيك الكيانات الراغبة في التوحد، ثم الحرمان من أسباب البقاء، وتضاف إلى ذلك مصادرة المكون الثقافي والعقائدي للشعوب.
إن أزمة مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي ليست بعيدة عن تلك الحرب.
والاستيلاء على مخزون البحر المتوسط من آبار الغاز والبترول يدخل في ذات الإطار.
وحرب القروض والمعونات وصندوق النقد الدولي جزء من الحرب على المنطقة.
والسيطرة على مصادر السلاح عصب أساسي في المواجهة.
وانفصال جنوب السودان وما ينتظر دارفور، والقتل للشعوب في العراق وليبيا واليمن وسوريا، وبآلة تنظيمات جهادية ترفع شعار الدين فصل من فصول التفكيك والتفتيت.
وتحويل المضمون الاجتماعي والوطني للحركة الوطنية من حق الحياة والبقاء إلى دعوات حقوق الإنسان كما تراها آلة الدعاية الغربية، وتوفير شبكة احتضان وتمويل ورعاية وتنظيم لهذه الدعوات، أفرغ الجهد الوطني من اتجاهاته الرئيسية، وجرى تقسيم المجتمع إلى فئات تتصارع ولا تتكامل، حتى أننا نجد التعامل مع الجيوش الوطنية لا يتسق وحقيقة وجودها وعلاقتها بمجتمعاتها، ولكن تجري إعادة توصيفها إلى فئة داخل المجتمع وما يترتب على ذلك من خلل يصيب مفهوم الدولة ومفهوم الأمن القومي.
إن عدم استيعاب ذلك كله، والاستغراق في أن التحدي الذي نواجهه هو تحد بين مكونات المجتمع ذاته، هو غفلة يدفع ثمنها الوطن وأول خطوات الهروب من المسؤولية.
صراع الإرادات داخل الوطن إن لم يملك آلية للحوار، يحمل في طياته مخاطر الحرب الأهلية، ويفتقد حقيقة أن الصراع في عالم البشر ليس صراع إبادة، ولكنه صراع تعديل شروط البقاء، وإن غاب هذا المفهوم انقلب المجتمع إلى غابة من الحيوانات وليس مجتمعا إنسانيا.
تحاول الأطراف في مصر أن تحدد لأنفسها ملامح بعد أن طغى العناد والعجز والجهل المعرفي على رؤية واستيعاب الأحداث. واختلاط الملامح وتشوهها الحاد والمكابرة زاد من صعوبة اجتياز المرحلة بطريقة آمنة تحول دون المساس بالقدرة الوطنية وانهيار أمن الوطن، والذي يشترط تحققه استيعاب الأطراف لحدود الخصومة وضرورة الإقرار بحق الحياة والحفاظ على مقومات البقاء.
الأطراف في مصر تكاد تتساوى في الخطأ أو الجرم وفي المسؤولية.
طرف يرى أن ما جرى في يونيو 2013 انقلاب على الشرعية، والطرف الآخر يرى أنه استرداد للثورة من خاطفيها. ولكن الطرفين لم يدركا أن أيا منهما ليس التحدي الذي يواجهه الوطن وأن كلا منهما لم يعد مرشحا لعبور الأزمة.
ولعل الأدعى إلى المراجعة هو الحالة التي وصلت إليها الحكومة الانتقالية، ونزوعها إلى وضع مجموعة من القوانين تضعها في مواجهة حركة المواطنين، بطرح قوانين التظاهر والرسم على الحوائط وحماية المسؤولين من المحاسبة وأخيرا قانون الإرهاب. سلسلة من القوانين كان يمكن أن توصف بالاستبدادية لو كان الوضع في المجتمع قد تجاوز مواجهة العنف والمنظمات الإرهابية في الداخل.
إن أداء الحكومة القائمة يستدعي النقد بعد أن كانت تحظى بقبول نتج من تجدد الأمل بعد إزاحة نظام الإخوان.
أصيبت الوزارة الانتقالية بالشلل، ولم تدرك أن البناء يحتاج كل لحظة تمر، وأن انقضاء الزمن بالعجز، ليس في صالح الوطن، بل قد يستدعي خروجا جديدا للتعبير عن الإرادة الشعبية، وهو أمر سيؤدي لأن يكون الشارع هو ساحة المواجهة، وما تجنبته مصر في 30 يونيو من اقتتال بين أطياف الشعب يصبح واقعا.
التردد لا يصنع موقفا، والأيدي التي تحتاج حماية دون المحاسبة على أفعالها، أيد مرتعشة وغير مرشحة للإعداد لمستقبل الأمة.
المكابرة والعناد والأسئلة الكثيرة والمتزايدة عن المستقبل دون إجابات، ودون خطاب سياسي واضح، تفتح الباب للتخمين والتوجس، ويحتل الوهم مكان المعرفة في العقل الجمعي للشعب، وتهدر عقيدة الحفاظ على الوجود والبقاء، ويكرس العنف بديل غياب الأمل، وهو ما يعود بالوطن إلى ذات الحالة قبل يونيو 2013.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
28452
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6897
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5328
| 13 سبتمبر 2026