رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حديث السياسة المتأنق لغة وصياغات عما يجري في مصر، يبدو مع الوقائع هروبا من الحقيقة، والولاية على الشعب والثورة تبدو أيضاً لونا آخر من القرصنة واختطافا جديدا للثورة والدولة.
استهلكت كلمة الشرعية واستبيحت حرمات كثيرة وجرى التجرؤ على قواعد استقرت في علم الثورة والسياسة وتكوين الدولة، وتجري ممارسات في مضمونها فوضى تحت عناوين هزيمة الخوف، وتحبس الثورة في نطاق تفاصيل جزئية، ويبلغ السفه مبلغه عندما يقع ذلك كله ويصمت من يدعون الفكر والثقافة.
تبدو مصر وقد تحولت إلى ساحة للتقاضي وليست ساحة للثورة، محاكمات وإحكام، مظاهرات واعتداءات، كيانات تولدت بلا جذور وغيرها ادعت ملكية الدين، أمراء السياسة وليسوا أمراء الحرب، ولكنهم يشاركونهم في تجارة الأفيون.
الأفيون المنتشر في ربوع مصر الآن لا علاقة له بزهور الخشخاش، ولكنه لون جديد من الأفيون تنتجه أجسام عطنة وعقول احتلتها الأنا وهي تتغنى باسم الشعب، فأطاح بالكثير من المفاهيم والقيم الحاكمة للعلاقات في الوطن، وأكثر من هذا حوَّل قضايا الثورة والتغيير إلى عراك بلا هدف غير النفي والإقصاء والاستحواذ، وانتقلنا من توصيف المجتمع بقواه الاجتماعية، إلى توصيفه بالقدرة على الصلف والبلطجة ولو تحت عباءة الدين، أو عباءة الرياضة، والفارق بينهما يتسع ليشمل كل مقومات الحياة.
في الفترة قبل يونيو 2013 كان واضحا أن هناك من يمكن اتهامه بمحاولة الاستحواذ وتفكيك الدولة، ولكن ما بعد يونيو 2013 تعددت الكيانات التي تتولى المهمة بالوكالة، وكأننا بواحدة من جمهوريات الموز، قوى من الخارج وتجار الكوكايين وجماعات مسلحة تعلن أهدافا سياسية وفساد يعشش في ثنايا المجتمع، والضحية لهذا كله مجتمع في القاع يعاني الجوع والمرض والجهل والاغتصاب، وإذا كان الاغتصاب الجنسي مرفوضا، فإن اغتصاب الشارع والأماكن واستعمال العنف يصمت عنه المجتمع في مصر وكأنه من طبيعة الأشياء أو كان ينشده أو أنه لا يراه خداعا للنفس وهروبا من المسؤولية.
الحقيقة المفزعة التي تطل من ثنايا صخب الأفيون المصري، أن الشعب فقد ثقته في الجميع، وهي مرحلة تكلل فيها الفوضى بداية تحلل القيم والانفلات والبحث عن بديل للصبر والدولة ومؤسساتها، هي بدايات لظلام لا يعلم أحد مداه.
صخب الأفيون المصري نقل الثقل من حركة للشارع مثلت نقطة التعادل والمواجهة لنظام مبارك بكل ما عليه من مآخذ، نقله هذا الثقل إلى جماعات تحاول أن تثمن وجودها بادعاء الولاية على الشعب وحركة الثورة، وهي بما تعلن وتفعل تمارس تفكيك الوطن والدولة على حد وعي قاصر أو عبقري لم يستوعبه الشعب بعد، وأضاف إلى إرهاب العنف إرهابا فكريا ومعنويا تجري ممارسته من الذين هبطوا من سماء الثورة على المجتمع المصري، أسماء أو كيانات كل رصيدها أنها تحمل ختم الحصانة من اسم ميدان أو شارع أو موقف، وصارت بذلك تملك حق الولاية، يدعون الثورة ولا يدركون أن من أهم قواعد الفعل الثوري المجرد، أنك تحمل شرف البداية ولكنك على أي نحو لا تملك حق الولاية على حركة مجتمع بأكمله.
صخب الأفيون المصري وصم كل من مارس العمل العام زمن مبارك بالفلول ولم يتخذ موقفا من التطهير أو من الفساد وخلط بين الحق الإنساني وحق الوطن، وجرى نسخ تعبير العدالة الانتقالية للتهرب من حق المجتمع في المحاسبة، وعجز عن إيجاد تصور للمستقبل فهرب تحت دعاوى العدالة الانتقالية أيضاً إلى ما أسماه بالمصالحة، وعجز عن وضع قواعد للمشاركة في الحياة السياسية، وادعى فضلا من أدعيائه بلا حق يملكونه أن العزل السياسي لا مكان له وكأنه فعل من الشيطان وليس فعلا في مواجهة الفساد والفاسدين.
وصخب الأفيون المصري تعامل بعدم معرفة أو علم مع قضية الجيش المصري والدولة. أفقد صخب الأفيون حقيقة موقف الجيش المصري في 25 يناير، وكأن ميلاد مصر يبدأ من حيث يولد لدى الصاخبين بالأفيون بميلاد وجودهم، وكأن الجيش المصري لا يملك تاريخا أعمق من ميلادهم ورصيدا يجعل من العلاقة بين الجيش المصري وقضاياه الوطنية علاقة تكامل لا تضاد ولا تنافر، وكأن الأمن القومي، الذي هو بالضرورة مجموع مقومات الوجود والحفاظ على البقاء، لديه بديل عن الجيش والشعب.
وصخب الأفيون المصري يمزج بين الأخطاء وبين مقومات الوجود، ولا يعيد الوعي بمكونات القوة للوطن. وإذا كنا ننكر على صخب الأفيون المصري الذي يملأ الأفق المصري بادعاءات ضد الجيش المصري، فإننا في الوقت ذاته لا ننكر أخطاء الفترة الانتقالية، ولن تعود الصحة النفسية للعلاقة بين الجيش والشعب بغير قراءة دقيقة للفترة الانتقالية، نحتاجها نعم، ولكنها لا تستبدل صحة العلاقة بتربص الثأر، فاستبدال الخصومات هو طريق الانهيار للثورة ولعناصرها المخلصة.
وصخب الأفيون المصري يتجاهل حقائق ميلاد 30 يونيو 2013 وموقف الجيش الحاسم لإرادة الشعب، ويبقى من حوله جدلا آخرس مبهما لا يملك نورا ولكنه يشيع ظلام خصومة مدعاة بين الشعب وقواته المسلحة.
إن صخب الأفيون المصري يحيل الوطن إلى ساحة عراك غير مبرر بين قوى الفوضى وبين مكونات الدولة، لن يدفع الزاعقين وصانعي الصخب ثمنا له، ولكن مصر كلها ستدفع الثمن، والصورة من حولنا تتحرك فيها القوى والعلاقات والأهداف لتعيد السيطرة وتقتل الإرادة الشعبية أو تنحرف بها عن مرادها.
لو أنهم تخلصوا من صخب الأفيون وراجعوا بالعقل نقطة مفصلية في عام 1967 لوجدوا أن مراجعة علمية وموضعية للعلاقة بين الجيش والدولة، ولكن تعجل المغانم يدفع بالصاخبين إلى النظر تحت أقدامهم فتطيح برؤوسهم جلسات الكلام والجدل الأجوف.
إن مشهدا آخر يجري في رحاب الجامعة، يأخذ من رصيد الحركة الوطنية الطلابية ولا يضيف إليها، مشهد أحال الحركة الطلابية إلى حالة من البلطجة، في مواجهة المكان والمضمون والأساتذة، وصارت ظاهرة العنف للجماعات الإسلامية التي دخلت الجامعات على يد محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان وأنتجت كل من نراهم من قيادات التيار الإسلامي، تتحول من الاقتتال في مواجهة الطلاب إلى تدمير الجامعة والتجرؤ على قيم دامت داخلها أنها ضمير للأمة يعبر عنها ولا يتحداها، وليس قوة تغيير.
إن ما يجري في الجامعة يزيد من علامات الاستفهام والتعجب لدى جموع الشعب، ويدفع بالحركة الشعبية إلى أتون إنتاج عنف لم يره المجتمع المصري من قبل.
إن مشهد الصخب الأفيوني المصري في الشوارع من مظاهرات، لا ينم عن جدل داخل وطن بين قواه السياسية، ولكنه يكشف عن صدام يستجضر عناصر تكوينه وببطء.
كان تدخل الجيش لإزاحة نظام الإخوان يهدف إلى الحيلولة دون نشوب حرب أهلية، ولكن ذلك لم يحل بين تمادي المظاهرات بعيدا عن كونها تعبيرا عن رأي ولكن سعيا لصدام في مواجهة المواطنين. إنها لم تعد مجرد مظاهرات لتيار سياسي، ولكنها صارت أداة إرهاب مادي داخل المجتمع، فهي تدمر وتحاصر وتعوق، وفي الوقت ذاته تستدعي خروجا من الأهالي ضدها، وهو أيضاً يعبر عن نفسه بعنف مضاد.
استمرار هذه المظاهرات فضحت أن القوى السياسية تكمن بعيدا عن المشهد في مقاعد المتفرجين الانتهازية، وعدم قدرتها على مواجهة تيار الإسلام السياسي في الحشد بالشارع وركنت إلى أن الدور أمني وفقط، فارتدت زي نظام مبارك وعقيدته، فانتفى مبرر بقائها، وزاد اغترابها عن الشعب وعن احتياجات المرحلة.
وزاد ذلك من علامات الاستفهام لدى الشعب، كيف يمكن لجماعة، قيل في شأن تمويلها وإمدادها بالسلاح، وتماهيها مع باقي التنظيمات المسلحة، كيف لها أن تستمر طوال الأشهر الأربعة الماضية؟، وهل تملك مؤسسات الدولة سبيلا للحيلولة دون استمرار هذا المشهد؟، وهل كل ما يجري يمكن معه قبول هذه الجماعة من جديد داخل لحمة المجتمع؟، وهل هناك أي احتمال لإمكانية إقصائها وسط هذا التصحر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وسكين الخارج يبدو مقصلة ترقب وتتحين لحظة للانقضاض؟
وسط فوضى وصخب الأفيون المصري، يبدو الإعلام المصري وكأنه أداة لإشعال الحرائق، وتبدو وسائط الإنترنت الاجتماعية مدفعية الإرهاب اللغوي للمجتمع، والكل ترتعد فرائسه، ويحاول أن يفرغ طاقة العجز في تبادل مروع للنيران الإعلامية بين المنع والاحتجاج والإثارة، والنتيجة إعلام يكنز أموال الإعلانات ولا يقدم للوطن رؤية، ولكنه يثير من أسباب الفوضى أكثر مما يكشف الحقائق.
أنتج الشباب تعبير "مترمل" على من يتعاطى حبوب الترامادول المخدرة، ويبدو أن الحكومة الانتقالية في الحالة "مترملة"، فالأمر في مصر ليس اتخاذ قرارات تحت إرهاب فكري أو إرهاب بالعنف، ولكن الأمر الآن من يستطيع أن يخاطب الشعب ويجمع إرادته لما خرج من أجله في يناير ويونيو ويوليو، واستمرار الوضع على ما هو عليه، سيدفع الشعب إلى خيارات أخرى قد تكون دموية، أو هو قد يعيد إنتاج نظام الإخوان وتيارات العنف.
ويستدعي صراخ مرسي في قفص المحاكمة "أنا الرئيس الشرعي" مشهد لزكي طليمات "أرثر"، في نهاية فيلم صلاح الدين الأيوبي وقد أصابته لوثة عقلية بعد احتراق وجه جميلة الجميلات التي منى النفس بها عشقا، وانعدام أمله في ولاية حكم أورشليم، وقد وضعوه في قفص "حيوانات" في موكب انسحاب ريتشارد من القدس بعد هزيمة الصليبيين على يد صلاح الدين، وهو يصرخ "أنا أرثر ملك أورشليم".
إن صخب الأفيون المصري يحتاج إلى من يملك الشجاعة لإيقافه، ومن الجميع وبلا استثناء، فالأخطار التي تحيق بمصر لا تتحمل ترف ضياع الوقت، أو القبول بالاختراق الداخلي لأمن الوطن، واعتماد الفوضى بديلا عن التمكين، ومشاركة كل الأطراف في خلق الفوضى، هي بذلك تطلق نفيرا عاما جديدا للشعب أن يأخذ أمره بيده، ولكن كيف هذا؟ هو سؤال الأيام القادمة.
التوكل على الله
نسمع كثيرا عمن لا يخطط تخطيطا دقيقا قبل الإقدام على موضوع معين، مع وجود نواقص في دراسته أو... اقرأ المزيد
132
| 10 أبريل 2026
الطاقة الشمسية المنزلية في قطر.. عائد المواطن
مع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، تبرز الطاقة الشمسية المنزلية كأحد الحلول الذكية لتقليل استهلاك الكهرباء وتحقيق... اقرأ المزيد
231
| 10 أبريل 2026
الطامة الكبرى
نعيش اليوم مرحلة مؤلمة ومقلقة في ظل ما شهدته المنطقة من تصاعد في الاعتداءات والانتهاكات، التي طالت الأبرياء... اقرأ المزيد
333
| 10 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
11112
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3201
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1551
| 06 أبريل 2026