رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
علينا ألا نضع قواعد اللعبة في يد غير سياسية تتمسك بالشكل دون المضمون
الدولة في أبسط تصور لها هي أرض وشعب ومنظومة قواعد وأداء وآليات، والطبيعة الجادة في أداءات الدول تدعم تطور منظومتها، وتنمو المنظومة وفق رقي العلاقات البينية بين الشعب فوق الأرض.
وتجارب الدول عبر تاريخها يصنع تراكما من المعرفة والخبرة والدروس المستفادة، والتراكم الكمي هذا يتيح فرص التغيير الكيفي في حياة الأمم، مما ينتج تأثيرا إيجابيا عندما يجري التعامل معه بالعلم. وتنهار التجارب وتتزاحم الفرص الضائعة إذا دخل الهوى الخاص في التعامل مع التجارب والأزمات، حيث يقول علم إدارة الأزمات، أن أي أزمة تتضمن فرصة، وإدراك الفرص المتاحة والتعامل الهادف معها، ينتج نتائج إيجابية تضاف إلى رصيد الأمم وهي تعبر تلك الأزمات، ولكن الشرط الضروري لتحقق ذلك هو وجود الهدف ووضوحه، والتعامل العلمي مع الأزمات.
المشهد في مصر الآن يقول إن هناك خليطا من الأزمات يجب بحث سببه، وتوجيه أصابع الاتهام هنا وهناك لا يعني أنه طريق الحل، بل ينحدر إلى خلق مضاعفات للأزمات قد تتجاوز قدرة المجتمع على التحمل.
الناس في مصر الآن يقومون بمراجعة لما جري، تتسم المراجعة بأنها لا تستسلم لخوف أو خشية، لا تهدف إلى إقصاء أحد دون الآخر، لا تسلم لتابوهات يحظر المساس بها، الناس استعادوا الثقة في النفس، ولكنهم يملكون علامات استفهام كثيرة، وهو حقهم، وأيضا الإيجابي في هذا أن الحوارات وأن جرت في كل مكان إلا أنها تعبر عن نفسها بحركة ومواقف.
ومثال على هذا دعوة ضد الانفلات الأمني نشأت في مدينه الإسماعيلية، بدأتها جمعية وليدة لحقوق الإنسان، وانتهت لتبني القوي الوطنية لهذه الدعوة، وعناصر الإيجاب في هذه الدعوة تعددت وكان أولها مشهد جلوس قيادات الكنيسة إلى جوار قيادات الجماعة السلفية وقيادات الإخوان بالإضافة إلى القوي السياسية والوطنية ومنظمات المجتمع المدني، هذا اللقاء كان أول علامة صحة أن الجميع في قارب واحد، وأن الباب مفتوحا لحوار أعمق، وأن الدعوة عندما تخلصت من "الأنا" نجحت في جمع الجميع حول قضية القضايا في المجتمع، ونجح الحوار في الاتفاق على ما هو أعلى من الحد الأدنى، فيخرج بيان مشترك بأن هناك شكوكا تحيط بالانفلات الأمني وأنه مقصود وفق منهج لإلهاء المجتمع عن قضاياه، وهي نقطة متقدمة في مواقف الأطراف، بل يخرجون إلى الشارع في وقفة واحدة تعلن موقفهم من حالة الانفلات الأمني ومن التخبط في التعامل الداخلي بوزارة الداخلية وتدعو إلى لقاء مع قيادة الجيش في مؤتمر حول الأمن، وكان رجع الصدى أن المواطنين احتضنوا هذا الهدف وصار حديث المدينة التي عانت من موجات عنف واختطاف أدت إلى معدل قتيل يوميا لمدة عشرة أيام متتالية، بينما رجال الشرطة قابعين في مكاتبهم يسوقون مبررات الغياب ويضعون أصابعهم بين شفاههم كطفل رضيع يحتاج أما تدلل وتحنو والأم تفقد الأمن وتهددها الجريمة.
خرج الناس من ميدان التحرير في أعقاب خلع الرئيس مبارك، واكتشفوا بعد خروجهم أنهم خارج السلطة، وصار واجبا عليهم العودة، وتمت وقفة مليونية أطلق عليها جمعة الغضب الثانية في 27 مايو، وانتهت بإعلان أن الثورة وليست المليونيات عائدة بكل رصيدها البشري في الثامن من يوليو ولن تخرج من الميدان دون تحقيق أهدافها.
وهذه الدعوة تعني أن الجميع أمامه ثلاثة أسابيع من الآن للملمة حالة التشتت في المجتمع والتباين في القرارات.
عدم الاتفاق على تعريف واضح للمرحلة الانتقالية ومهامها، أدى إلى خلط الأوراق، واتجهت الأعين والرغبات إلى مانشيتات الصحف وصخب الثروات المنهوبة التي أفزعت بالأحجام التي جرى رصدها كل الأطراف حتى المغالين منهم في اتهام النظام السابق بالفساد، وعجزت عن وضعها في الإطار الصحيح بأن النهب جاء نتيجة الفساد السياسي في إدارة مقدرات مصر طوال 30 عاما، وبدلا من المحاكمة السياسية للنظام وعناصره، تم حصر التعامل بقانون الكسب غير المشروع، ويصدم المستشار هشام جنينه رئيس محكمة استئناف القاهرة الجميع بتأكيده على أن جميع إجراءات المحاكمة التي تتم للرئيس السابق وعائلته ورموز نظامه أمام جهاز الكسب غير المشروع غير دستورية ومخالفة للقانون.
وأبدى جنينه تحفظه على عمل جهاز الكسب غير المشروع، وقال: لابد من إعادة النظر في هذا الجهاز من الأساس، حيث إن عمله يقوم على " قلب عبء الإثبات"، أي أنه يتعامل بمنطق المتهم مدان حتى تثبت براءته، وليس العكس كما هو معمول به في كل دول العالم.
وأضيف إلى تحقيقات الكسب غير المشروع بعض التحقيقات في جرائم قتل المتظاهرين، وإن شابها أن الذين يجرى التحقيق معهم مطلقو السراح ويديرون أمن الشعب الذي قتلوا أبناءه.
وفقدت المرحلة الانتقالية قيمة الحوار بين القوى الاجتماعية، وما دار من حوار وفق دعوات حكومية شمل بالأساس عناصر أغلبها من النظام السابق، تتولى صياغة أسس المستقبل بعد الثورة مما أفقد هذه الحوارات قيمتها وأسبغ القائمين عليها بشبهة التواطؤ مع النظام السابق، بالإضافة إلى كونهم دعاة المصالحة مع نظام الفساد السابق تحت دعوى جلب الأموال المهربة.
وسادت المرحلة الانتقالية فزاعة الفتنة الكبرى برفض الحكم العسكري، وجاء من الطرف الآخر أن الجيش يريد تسليم الحكم لإدارة مدنية، وكلتا المقولتين تتجاوزان الوعي بطبيعة المرحلة والعلاقة بين الجيش ودوره في تأمين الثورة وانحيازه لمطالبه، أيا كانت مبررات هذا القرار التي ترددت وتنوعت، إلا أنه كان دورا حاسما وداعما لمطلب التنحي.
وخرجت دعوات بائتمان الجيش على الوطن والانتباه إلى قضايا التغيير إلا أنها لم تنجح في رأب الصدع، وساعد على هذا موقف المجلس العسكري في تشكيل لجنة التعديلات الدستورية وما خرج عنها، ثم الاستفتاء الذي كان من حيث المشاركة الشعبية يوما عظيما، إلا أنه أدي إلى شق الصف إلى كتلتين.
وزاد على ذلك بعض التصرفات في فض الاعتصام في التحرير أو كلية الإعلام أو المحاكمات العسكرية لعناصر من شباب ونشطاء الثورة، ولكن الأمور تبدو وكأنها ذاهبة إلى هدوء واستيعاب من الأطراف أن ما تم هو ثورة شعب وليست جماعة متمردة يجب قمعها.
وتفاقم الأمر بالدعوة إلى انتخابات نيابية تسبق الدستور لملء الفراغ السياسي ليتفرغ الجيش لمهامه الرئيسية على الحدود في مواجهة أي تهديد خارجي، متناسين أن دور الجيش على الحدود يجب أن يستند بالأساس إلى جبهة داخلية متماسكة، وواجهت هذه الدعوة وجهة نظر تقول إن انتخابات نيابية تسبق وضع الدستور وقوانين مباشرة الحقوق السياسية وإقرار التطهير السياسي لعناصر النظام السابق، ستنتج مجلسا نيابيا يماثل مجلس ما قبل الثورة لطبيعة العملية الانتخابية داخل المجتمع، ودون وصاية على الشعب كما يحلو للبعض تصويرها هروبا من استحقاقات المرحلة الانتقالية، ولكن ذلك وعيا بالظروف التي تحيط بالانتخابات النيابية والعناصر المكونة لها من افرد وأموال وعصبيات وأيضا بلطجة.
وزاد الزخم من حول دعوة فقهاء القانون الدستوري بأن القواعد تؤكد وجوب وضع الدستور أولا، وأن وضع الدستور ليس مهمة لجنة فنية من خبراء القانون ولكنها مهمة الشعب والقوي المجتمعية، وإلا فهو دستور خاص لفئة وليس دستور الشعب.
وأدى الانفلات الأمني خلال المرحلة الانتقالية والطبيعة المهادنة في التعامل مع جهاز الشرطة الذي يمتنع عن العمل ولا يمارس مهام وظيفته ولا نقول رسالته، لأن رسوخ الرسالة الأمنية في أفراده يعني تغييرا في عقيدة التعامل مع المواطنين، ويقول البعض منهم عن قناعة بأن مهمة الشرطة الحفاظ على النظام، ويتساءلون: أي نظام نحافظ عليه؟.
ويطالبون الشعب الذي مارسوا ضده صنوفا متعددة من الاضطهاد أن يعتذر لهم!.
وكانت حادثة القبض على فتاة في مدينة 6 أكتوبر، والتعامل بأساليب جهاز أمن الدولة الذي تم حلة، مدعاة للشك فيما تعلنة وزارة تسيير الاعمال والشك كذلك فيما قيل إنه ميثاق عمل جهاز الأمن الوطني البديل الجديد لأمن الدولة الذي يقول بابتعاد الأمن الوطني عن التعامل مع الأنشطة السياسية الداخلية، وتحدث عن رقابة قانونيه على أعمال الجهاز.
ونشأ اعتقاد أن الانفلات الأمني منهج مقصود داخل المجتمع، وأن جهاز الشرطة بهذا يمثل أداة للقوي المضادة للثورة، خاصة أن العديد من عناصره يقولون بأن الحالة الأمنية نتيجة مباشرة "لما تسمونه الثورة"!.
نبدو جميعا خارجون على قانون الثورة.
إن كنا ندرك أن التعريف الذي استقر عليه التاريخ الإنساني وعلم الاجتماع بأن الثورة هي علم تغيير المجتمع، فإن ما يجري في مصر لا ينتمي إلى تغيير المجتمع، ولا إلى العلم الذي يفرض أولا وضوح الأهداف للنظام الجديد والتي تتحدد باتفاق مجتمعي شامل، ويرتبط بالتخطيط وفق جداول زمنية تدرك الإمكانات المتاحة وتضعها موضع الاستخدام الأمثل، وتدرك قيمة محاكمة الفساد السياسي وتضعه في مهمة التطهير، ولا تنشغل بأي من هذا كله عن الباقي.
نحن جميعا نلوك كلمة الثورة، كتابة وقولا وصراعا غير منتج، فإن لم نعد لطريق الثورة الواضح وفق قواعدها المتوارثة عبر نضالات الشعوب، فإننا لا نغتال الثورة والفرصة المتاحة فحسب، بل إننا ننتحر ونضحي بجيل استطاع أن يكسر حاجز الخوف والتردد، أو إننا سندفع الثمن باهظا من دم الشعب ومقدراته، وهو نوع من الانتحار غير المبرر. والأولى بنا أن نلتزم جميعا قانون الثورة وإلا تخدعنا أوهام كسب جزئي هنا أو هناك سينتهي حتما إلى خسارة الجميع.
فلنعد إلى قانون الثورة ونتحد إرادتنا معا لمواجهة أي خارج عن الثورة واستحقاقاتها، ولنترك الكبر والعناد، وألا نضع قواعد اللعبة في يد غير سياسية تتمسك بالشكل دون المضمون، ورجال الحرب أقدر القادة على اتخاذ القرار وتعديله وفق المتغيرات والحقائق في ارض الواقع وليس منهم على الإطلاق من يمتلكه قرار سابق بعد أن تتغير الحقائق من حوله.
مغازل الغيب !
يقف السائر في دروب الحياة مأخوذاً ببريق الغايات، يسابق خطاه نحو أمنية رسمها في خياله، فإذا بالمسير ينتهي... اقرأ المزيد
108
| 19 مايو 2026
الحكومة الذكية.. تميز وابتكار وكفاءة وفاعلية
انطلاقا من الأولوية التي تضعها الدولة لبناء منظومة حكومية رقمية متميزة قادرة على تقديم أفضل الخدمات بكفاءة وفاعلية،... اقرأ المزيد
87
| 19 مايو 2026
المواطنة.. من مفهوم قانوني إلى وعي حضاري
في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، لم تعد المواطنة مفهومًا يُختزل في حمل جنسية أو معرفة... اقرأ المزيد
165
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5901
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5772
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1764
| 13 مايو 2026