رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدو قصص الثورة ودروسها بلا نهاية، فكلما اقتربت من البشر أكثر، كلما اكتشفت أن الإعجاز ليس فيما تحقق سياسيا وحسب، ولكن في مشاهد إنسانية تتجاوز معارك مواجهة نظام الفساد الذي سرق الوطن والشعب ويتبين كل يوم أحجام الثروات المنهوبة بما يثير الفزع من فجور جماعة الفساد ونظام الحكم. كان حديثنا دائما أن الحركة الوطنية المصرية تعوزها الإمكانات المالية وأنها فقيرة، وفقدان القدرة المالية عائق ويحول أحيانا دون الاستمرار في الحركة، وهو أيضا شرخ يجري التسلل من خلاله إن نقص الوعي أو انحرفت الإرادة.
هذا العوز دائما كان مدخلا للتعاون إن حدث اعتقال، أو حدث إضراب، أو حدثت أزمة، تتكون جماعات الإعاشة وتقبل التبرعات أيا كان مقدارها، ودائما كانت هذه الصناديق مؤشرا أمام أمن الدولة عمن يدعمون الحركة، وتتناولهم أنشطتها بالمضايقات وأحيانا الاعتقالات. عزة ابنة المهندس عادل آدم رحمه الله، صديق العمر ورفيق رحلة العمل الوطني، لم تعاصر زمن اعتقال والدها عام 1971 ولكن القصص وصلتها، واتصلت بي بداية الأحداث أنها ومعها العديد من الشباب يودون دعم الصامدين في مواقعهم بالطعام والغطاء والأدوية، وكانت المعلومات تؤكد أن المنازل والمحلات التي تحيط بالمعتصمين تتولى أمر رعايتهم، وأحطتها علما بما يجري وطلبت منها التوجه بالإمكانات إلى المستشفيات لأنهم هناك يحتاجون الدعم مع تزايد أعداد المصابين.
وبعد نشر مقال الأسبوع الماضي، "الكتلة الشعبية الوازنة" وما تضمنه من مشهد مؤثر من ميدان التحرير، تلقيت من الأستاذة مروة عاشور ليسانس لغة إنجليزية وتعمل مترجمة، رسالة لا يمكن أمامها إلا أن نكبر هؤلاء المقاتلات المحتسبات من بناتنا، وتروي مروة الحكاية على النحو التالي:
"من الحاجات اللي فاكراها وبستغرب لها ساعات بس هي "فدا عيون مصر" إني أنا وبنات معايا أيام الميدان كنا بنروح من بدري ونمشي آخر اليوم، لأن في البيت عندي غير مسموح بالمبيت خارج المنزل.
كنا بننزل نساعد الشباب في تنظيم الميدان وشراء المستلزمات الطبية من الوحدات القريبة لأن إصابات 25 و28 والأربعاء الدامي كانت كتيييير وخطيرة أكتر مما صورها الإعلام، برك الدماء كانت تملأ المكان والشباب فقد عينه وأحيانا أطرافه ومع ذلك يبتسم ويلوح بعلامة النصر وأحيانا كنت لا أتمالك دموعي وهما اللي بيخففوا عني.
في يوم وإحنا هناك حسينا أنه فيه مواد ناقصة من وحدة الطوارئ الطبية وكذلك الغطاء وكنا في عز البرد، وكان لازم الشباب ده يصمد ويكمل وقررنا إننا نساعد بكل ما لدينا، اقترحت فكرة إننا نبيع ما نملك في ذلك الوقت من "ذهب"، خاتم أو أي شيء وقلت لهم: ده اختياري طبعا بس أنا هعمل كده عشان الناس دي لازم تتأمن وتكمل بمنتهى الحماس..... ووافقوا فعلا وجمعنا ما كان معنا، كل شيء.... وكنت بسأل نفسي إيه الشعور اللي يخللي الناس تتنازل عن كل شيء حتى الحياة في حب التراب ده.... وذهبنا لمحل في وسط البلد وعرضنا عليه الموضوع وكنا عارفين إن البلد في حالة كساد ومفيش بيع ولا شراء عشان كده أنا عرضت على صاحب المحل باقتراح إحدى صديقاتي أن يبتاع الذهب ولو بربع الثمن.... وللمفاجأة صاحب المحل خصم جزء بسيط جدا لأنه بعد ما عرف إحنا عايزين الفلوس ليه قال لنا ولاد الميدان في رقبتنا كلنا وأنا مصري يا بنات زيكوا وشاركت في 73 (يعني حرب أكتوبر 1973) وكنا بنبوس الأرض مع كل نصر نحققه وقال لنا لو الفلوس قصرت ارجعولي من غير أي حاجة و.... وتأكدنا في اليوم ده أن الثورة دي مش يتيمة وأن مليون واحد هيدافع عنها معانا واشترينا المستلزمات والبطاطين والأكل ورجعنا للشباب الصامد ودمعت عيوننا كلنا.... تعرف حضرتك أنا لو عشت ميت سنة كمان عمري ما أحس أجمل من المشاعر اللي كانت في الميدان، لكن كان ناقصني حاجة مهمة، "الشهادة"، كان نفسي فيها قوي، وإن شاء الله ربنا يكتبها لي المرة الجاية في فلسطين".
باعت بناتنا ذهبهن ليثبتن أن الثورة ليست يتيمة، وأنها تملك موارد شعبها التي لا تنضب، أرواح ودماء وذهب البنات.
تبدو هذه المشاهد التي تمت في صمت وسكينة وأحاطها دم المصابين والشهداء وأرواحهم، فعل الملائكة الحارسة للوطن والذي يعج اليوم بالضجيج، مظاهرات لتنظيمات دينية لف الجهل العقول منها، وعلى كافة الأصعدة، وصار الصراخ باسم الدين لا يعبر عن الدين، ولكنه يعبر عن مجتمع فقد هويته ومقومات بنائه وبقائه، وتعددت صور الفتن التي يمكنها أن تودي بوحدة المجتمع وبالسلام بين أبناء الشعب الواحد.
لا وجه للمقارنة بين بائعة الذهب ومن يطالب باقتحام دور العبادة، أو من يقتل برصاص من كنيسة أو منزل يجاورها، ويتظاهر مطالبا بتدخل أجنبي لحماية الأقليات. هؤلاء خارجون على هذا الشعب، والصمت عليهم هو مشاركة لهم في جريمة قتل الثورة والانحراف بها وإهدار نتائجها.
والغريب أن كليهما، السلفيون والكنيسة، وقفا ضد تحرك الشعب في 25 يناير، ولكنهم عادوا بعدها كل يحارب الآخر غير معركة تحرير إرادة الوطن.
بمجرد أن هدأت موجات الصدام مع النظام المخلوع، بدأت الفتن تطل برأسها لتفتيت جبهة الثورة ولحصارها المعنوي وزرع الفتنة بينها وبين الشعب جميعه.
كانت أولى الموجات، ما يمكن أن نسميه "فتنة الأجيال"، حيث جرى الحديث عن أن الشباب صنع الثورة وأن الشيوخ عجزوا عنها، وكأنهم ولدوا من رحم أجهزة الكمبيوتر، ولم يتشكل وجدانهم وحاجاتهم في مجتمع الأهل، وكأنهم عندما خرجوا ليكسروا حاجز الخوف، تنكر المجتمع بكل أطيافه لهم، ولم يكن حاميا لحركة الاختراق، ومدعما لها بموجات التظاهر باتساع الوطن وبعمق تجاوز الثمانية عشر مليونا. الثورة كانت فعلا شعبيا جامعا، لم تترك جيلا دون الآخر، ولكن هذه الفتنة أنتجت موجة نفاق وتسلق من بعض من الأجيال التي سبقت، وهو الأمر الذي أدى إلى استخدام كلمة "الشباب" في محاولات متكررة للالتفاف على الثورة، ومع ذلك فإن حسم أمر هذه الفتنة لم يستقر بعد، ومازالت تنتج مواجهات داخلية بين قوى الثورة غير المبررة، بينما توقفت حركة الحشد.
وواكب هذا الاتجاه فتنة "الاستقرار"، وأن استمرار التظاهر سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد، واستقطبت هذه الدعوة قطاعا داخل المجتمع، وصارت الثورة مطالبة بالدفاع عن حق التظاهر والحشد وسيلتها الوحيدة للضغط من أجل استكمال المسيرة، وكأنها هي سبب المشكلة وليست طريق الخلاص من الفساد والانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ومنذ اليوم الأول للثورة، اختزل بعض المتعصبين حركة الشعب من أجل التغيير إلى نداء "الإفراج عن كاميليا"، وكاميليا هذه سيدة مسيحية قيل أنها أسلمت، وجرى حبسها في أحد الأديرة، وصارت كاميليا في عرف هؤلاء هي القدس وهي مصر. وخرجت موجات التعصب الديني تمارس جرائم النظام السابق عندما قام بتفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية لإشعال نار الفتنة وإطلاق يد الأمن. كانت نار "الفتنة الطائفية" تختفي تحت رماد مكتوم، والأطراف جميعها تمارس العناد لإعلان وجود الذات، وحصار الوطن رهينة التعصب الديني، الذي نجح في احتواء الجميع أيا كان وعيهم، ويعلن وزير العدل أن بعض ضباط أمن الدولة تنكر في زي الجيش لإشعال الفتنة بين الجيش والشعب وأسفر التحقيق أن هذه الأحداث كانت مرتبة، ولم يتجاوز موقف الحكومة مجرد الإعلان!!
وتبرز "الفتنة الكبرى" التي صاغتها لجنة البشري، وتمثلت في الاتجاه إلى انتخابات تسبق الدستور، وكأن هناك من خطف مصر وسرق الثورة.
وتتجسد سرقة الثورة وعائدها بحفل لتبادل الدروع في الإسكندرية بين وزير العدل في حكومة تسيير الأعمال وجمعية رجال الأعمال بالإسكندرية، ويدلي الوزير بتصريحات تتجاوز المهام الموكلة إليه ويستبق صياغة الدستور، وبصياغة تفتقد الكياسة والوعي بتاريخ مصر، قال: "الدستور الجديد سيتم وضعه في الفترة ما بين الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ولكننا سنلغي فكرة أن يكون نسبة العمال والفلاحين من مجلس الشعب ?50، فلا يوجد دستور في العالم ينص على ذلك، ووجودهم بكل هذه النسبة كان تخلفا".
إن قضية نسبة الخمسين في المائة للعمال والفلاحين في مجلس الأمة، جاءت كأحد إنجازات ثورة يوليو 1952، وتستند لنصوص دستورية لم يتم تعديلها حتى الآن كما لم تكن واحدة من النصوص التي عارضتها الحركة الشعبية المصرية طيلة الأربعين عاما الماضية، وهي عمر الجمهورية المصرية الثانية، أو من النصوص التي عرضت للاستفتاء الشعبي الأخير، ولعل التصريح الجاهل لهذا الوزير يطرح مهمة على كل المعنيين بهذه القضية للبدء بحوار شعبي حولها ضمن إستراتيجية العمل الوطني الجديدة مع تأسيس الجمهورية المصرية الثالثة وإقرار دستورها الدائم.
لم تعد سرقة الثورة من تنظيمات أتاح لها المجلس العسكري الخروج من الظلام إلى النور، بل تشاركه حكومة لا علاقة لها بالشعب ولا ثورته ولا تاريخه. والادعاء بأنها جاءت من ميدان التحرير لا يعني بالضرورة وعيها بمكونات الشعب، ولا بحدود دورها الوظيفي كحكومة تسيير أعمال، لا يحق لها اتخاذ قرارات مصيرية كهذه بالنسبة للمجتمع.
عندما تكون أخطاؤك في حدود ذاتك يصبح لك ما لك وعليك ما عليك، ولكن عندما تتجاوز أخطاؤك ذاتك إلى الوطن وأنبل ما أنتج الوطن في ثورة شعبه، تصبح المواجهة حماية للشعب والثورة والتاريخ. وسيبقى وطن بائعة الذهب حرا ينتظر الاتجاه إلى بناء الدولة بالدستور وليس بالترقيع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
6036
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1800
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1311
| 18 مايو 2026