رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدو قصص الثورة ودروسها بلا نهاية، فكلما اقتربت من البشر أكثر، كلما اكتشفت أن الإعجاز ليس فيما تحقق سياسيا وحسب، ولكن في مشاهد إنسانية تتجاوز معارك مواجهة نظام الفساد الذي سرق الوطن والشعب ويتبين كل يوم أحجام الثروات المنهوبة بما يثير الفزع من فجور جماعة الفساد ونظام الحكم. كان حديثنا دائما أن الحركة الوطنية المصرية تعوزها الإمكانات المالية وأنها فقيرة، وفقدان القدرة المالية عائق ويحول أحيانا دون الاستمرار في الحركة، وهو أيضا شرخ يجري التسلل من خلاله إن نقص الوعي أو انحرفت الإرادة.
هذا العوز دائما كان مدخلا للتعاون إن حدث اعتقال، أو حدث إضراب، أو حدثت أزمة، تتكون جماعات الإعاشة وتقبل التبرعات أيا كان مقدارها، ودائما كانت هذه الصناديق مؤشرا أمام أمن الدولة عمن يدعمون الحركة، وتتناولهم أنشطتها بالمضايقات وأحيانا الاعتقالات. عزة ابنة المهندس عادل آدم رحمه الله، صديق العمر ورفيق رحلة العمل الوطني، لم تعاصر زمن اعتقال والدها عام 1971 ولكن القصص وصلتها، واتصلت بي بداية الأحداث أنها ومعها العديد من الشباب يودون دعم الصامدين في مواقعهم بالطعام والغطاء والأدوية، وكانت المعلومات تؤكد أن المنازل والمحلات التي تحيط بالمعتصمين تتولى أمر رعايتهم، وأحطتها علما بما يجري وطلبت منها التوجه بالإمكانات إلى المستشفيات لأنهم هناك يحتاجون الدعم مع تزايد أعداد المصابين.
وبعد نشر مقال الأسبوع الماضي، "الكتلة الشعبية الوازنة" وما تضمنه من مشهد مؤثر من ميدان التحرير، تلقيت من الأستاذة مروة عاشور ليسانس لغة إنجليزية وتعمل مترجمة، رسالة لا يمكن أمامها إلا أن نكبر هؤلاء المقاتلات المحتسبات من بناتنا، وتروي مروة الحكاية على النحو التالي:
"من الحاجات اللي فاكراها وبستغرب لها ساعات بس هي "فدا عيون مصر" إني أنا وبنات معايا أيام الميدان كنا بنروح من بدري ونمشي آخر اليوم، لأن في البيت عندي غير مسموح بالمبيت خارج المنزل.
كنا بننزل نساعد الشباب في تنظيم الميدان وشراء المستلزمات الطبية من الوحدات القريبة لأن إصابات 25 و28 والأربعاء الدامي كانت كتيييير وخطيرة أكتر مما صورها الإعلام، برك الدماء كانت تملأ المكان والشباب فقد عينه وأحيانا أطرافه ومع ذلك يبتسم ويلوح بعلامة النصر وأحيانا كنت لا أتمالك دموعي وهما اللي بيخففوا عني.
في يوم وإحنا هناك حسينا أنه فيه مواد ناقصة من وحدة الطوارئ الطبية وكذلك الغطاء وكنا في عز البرد، وكان لازم الشباب ده يصمد ويكمل وقررنا إننا نساعد بكل ما لدينا، اقترحت فكرة إننا نبيع ما نملك في ذلك الوقت من "ذهب"، خاتم أو أي شيء وقلت لهم: ده اختياري طبعا بس أنا هعمل كده عشان الناس دي لازم تتأمن وتكمل بمنتهى الحماس..... ووافقوا فعلا وجمعنا ما كان معنا، كل شيء.... وكنت بسأل نفسي إيه الشعور اللي يخللي الناس تتنازل عن كل شيء حتى الحياة في حب التراب ده.... وذهبنا لمحل في وسط البلد وعرضنا عليه الموضوع وكنا عارفين إن البلد في حالة كساد ومفيش بيع ولا شراء عشان كده أنا عرضت على صاحب المحل باقتراح إحدى صديقاتي أن يبتاع الذهب ولو بربع الثمن.... وللمفاجأة صاحب المحل خصم جزء بسيط جدا لأنه بعد ما عرف إحنا عايزين الفلوس ليه قال لنا ولاد الميدان في رقبتنا كلنا وأنا مصري يا بنات زيكوا وشاركت في 73 (يعني حرب أكتوبر 1973) وكنا بنبوس الأرض مع كل نصر نحققه وقال لنا لو الفلوس قصرت ارجعولي من غير أي حاجة و.... وتأكدنا في اليوم ده أن الثورة دي مش يتيمة وأن مليون واحد هيدافع عنها معانا واشترينا المستلزمات والبطاطين والأكل ورجعنا للشباب الصامد ودمعت عيوننا كلنا.... تعرف حضرتك أنا لو عشت ميت سنة كمان عمري ما أحس أجمل من المشاعر اللي كانت في الميدان، لكن كان ناقصني حاجة مهمة، "الشهادة"، كان نفسي فيها قوي، وإن شاء الله ربنا يكتبها لي المرة الجاية في فلسطين".
باعت بناتنا ذهبهن ليثبتن أن الثورة ليست يتيمة، وأنها تملك موارد شعبها التي لا تنضب، أرواح ودماء وذهب البنات.
تبدو هذه المشاهد التي تمت في صمت وسكينة وأحاطها دم المصابين والشهداء وأرواحهم، فعل الملائكة الحارسة للوطن والذي يعج اليوم بالضجيج، مظاهرات لتنظيمات دينية لف الجهل العقول منها، وعلى كافة الأصعدة، وصار الصراخ باسم الدين لا يعبر عن الدين، ولكنه يعبر عن مجتمع فقد هويته ومقومات بنائه وبقائه، وتعددت صور الفتن التي يمكنها أن تودي بوحدة المجتمع وبالسلام بين أبناء الشعب الواحد.
لا وجه للمقارنة بين بائعة الذهب ومن يطالب باقتحام دور العبادة، أو من يقتل برصاص من كنيسة أو منزل يجاورها، ويتظاهر مطالبا بتدخل أجنبي لحماية الأقليات. هؤلاء خارجون على هذا الشعب، والصمت عليهم هو مشاركة لهم في جريمة قتل الثورة والانحراف بها وإهدار نتائجها.
والغريب أن كليهما، السلفيون والكنيسة، وقفا ضد تحرك الشعب في 25 يناير، ولكنهم عادوا بعدها كل يحارب الآخر غير معركة تحرير إرادة الوطن.
بمجرد أن هدأت موجات الصدام مع النظام المخلوع، بدأت الفتن تطل برأسها لتفتيت جبهة الثورة ولحصارها المعنوي وزرع الفتنة بينها وبين الشعب جميعه.
كانت أولى الموجات، ما يمكن أن نسميه "فتنة الأجيال"، حيث جرى الحديث عن أن الشباب صنع الثورة وأن الشيوخ عجزوا عنها، وكأنهم ولدوا من رحم أجهزة الكمبيوتر، ولم يتشكل وجدانهم وحاجاتهم في مجتمع الأهل، وكأنهم عندما خرجوا ليكسروا حاجز الخوف، تنكر المجتمع بكل أطيافه لهم، ولم يكن حاميا لحركة الاختراق، ومدعما لها بموجات التظاهر باتساع الوطن وبعمق تجاوز الثمانية عشر مليونا. الثورة كانت فعلا شعبيا جامعا، لم تترك جيلا دون الآخر، ولكن هذه الفتنة أنتجت موجة نفاق وتسلق من بعض من الأجيال التي سبقت، وهو الأمر الذي أدى إلى استخدام كلمة "الشباب" في محاولات متكررة للالتفاف على الثورة، ومع ذلك فإن حسم أمر هذه الفتنة لم يستقر بعد، ومازالت تنتج مواجهات داخلية بين قوى الثورة غير المبررة، بينما توقفت حركة الحشد.
وواكب هذا الاتجاه فتنة "الاستقرار"، وأن استمرار التظاهر سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد، واستقطبت هذه الدعوة قطاعا داخل المجتمع، وصارت الثورة مطالبة بالدفاع عن حق التظاهر والحشد وسيلتها الوحيدة للضغط من أجل استكمال المسيرة، وكأنها هي سبب المشكلة وليست طريق الخلاص من الفساد والانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ومنذ اليوم الأول للثورة، اختزل بعض المتعصبين حركة الشعب من أجل التغيير إلى نداء "الإفراج عن كاميليا"، وكاميليا هذه سيدة مسيحية قيل أنها أسلمت، وجرى حبسها في أحد الأديرة، وصارت كاميليا في عرف هؤلاء هي القدس وهي مصر. وخرجت موجات التعصب الديني تمارس جرائم النظام السابق عندما قام بتفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية لإشعال نار الفتنة وإطلاق يد الأمن. كانت نار "الفتنة الطائفية" تختفي تحت رماد مكتوم، والأطراف جميعها تمارس العناد لإعلان وجود الذات، وحصار الوطن رهينة التعصب الديني، الذي نجح في احتواء الجميع أيا كان وعيهم، ويعلن وزير العدل أن بعض ضباط أمن الدولة تنكر في زي الجيش لإشعال الفتنة بين الجيش والشعب وأسفر التحقيق أن هذه الأحداث كانت مرتبة، ولم يتجاوز موقف الحكومة مجرد الإعلان!!
وتبرز "الفتنة الكبرى" التي صاغتها لجنة البشري، وتمثلت في الاتجاه إلى انتخابات تسبق الدستور، وكأن هناك من خطف مصر وسرق الثورة.
وتتجسد سرقة الثورة وعائدها بحفل لتبادل الدروع في الإسكندرية بين وزير العدل في حكومة تسيير الأعمال وجمعية رجال الأعمال بالإسكندرية، ويدلي الوزير بتصريحات تتجاوز المهام الموكلة إليه ويستبق صياغة الدستور، وبصياغة تفتقد الكياسة والوعي بتاريخ مصر، قال: "الدستور الجديد سيتم وضعه في الفترة ما بين الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ولكننا سنلغي فكرة أن يكون نسبة العمال والفلاحين من مجلس الشعب ?50، فلا يوجد دستور في العالم ينص على ذلك، ووجودهم بكل هذه النسبة كان تخلفا".
إن قضية نسبة الخمسين في المائة للعمال والفلاحين في مجلس الأمة، جاءت كأحد إنجازات ثورة يوليو 1952، وتستند لنصوص دستورية لم يتم تعديلها حتى الآن كما لم تكن واحدة من النصوص التي عارضتها الحركة الشعبية المصرية طيلة الأربعين عاما الماضية، وهي عمر الجمهورية المصرية الثانية، أو من النصوص التي عرضت للاستفتاء الشعبي الأخير، ولعل التصريح الجاهل لهذا الوزير يطرح مهمة على كل المعنيين بهذه القضية للبدء بحوار شعبي حولها ضمن إستراتيجية العمل الوطني الجديدة مع تأسيس الجمهورية المصرية الثالثة وإقرار دستورها الدائم.
لم تعد سرقة الثورة من تنظيمات أتاح لها المجلس العسكري الخروج من الظلام إلى النور، بل تشاركه حكومة لا علاقة لها بالشعب ولا ثورته ولا تاريخه. والادعاء بأنها جاءت من ميدان التحرير لا يعني بالضرورة وعيها بمكونات الشعب، ولا بحدود دورها الوظيفي كحكومة تسيير أعمال، لا يحق لها اتخاذ قرارات مصيرية كهذه بالنسبة للمجتمع.
عندما تكون أخطاؤك في حدود ذاتك يصبح لك ما لك وعليك ما عليك، ولكن عندما تتجاوز أخطاؤك ذاتك إلى الوطن وأنبل ما أنتج الوطن في ثورة شعبه، تصبح المواجهة حماية للشعب والثورة والتاريخ. وسيبقى وطن بائعة الذهب حرا ينتظر الاتجاه إلى بناء الدولة بالدستور وليس بالترقيع.
أين تكمن المسؤولية في صناعة الأثر؟
يُجمع كثيرون على أهمية التدريب، وتستثمر المؤسسات سنويًا ميزانيات كبيرة في تطوير كوادرها، لكن يبقى السؤال الذي يفرض... اقرأ المزيد
342
| 27 يوليو 2026
اللجنة الاستشارية للخبراء
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول إلى التقاعد بعد عقود من العطاء وبلوغ السن القانونية، حاملاً... اقرأ المزيد
528
| 27 يوليو 2026
تنسيق مشترك لتعزيز الاستقرار الإقليمي
في إطار دعم دولة قطر الكامل لجميع المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر، والتوصل إلى اتفاق شامل يحقق... اقرأ المزيد
93
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية. وهناك دول يختصرها حاضرها، وأخرى يروي تاريخها قصة سنوات طويلة من العمل والتخطيط والصبر حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. وقطر واحدة من تلك الدول التي لم تصل إلى مكانتها العالمية في ليلة وضحاها، ولم يصبح اسمها حاضرًا في المحافل الدولية بمحض الصدفة، وإنما بجهد متواصل، وإرادة لا تعرف المستحيل، ورؤية آمنت بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. واليوم، ونحن ننظر إلى وطننا، لا ينبغي أن ننظر إليه بوصفه دولة غنية فحسب، بل بوصفه أمانة كبرى. أمانة تتمثل في أمنه، ووحدته، واستقراره، وسمعته، وإنجازاته، ومكانته التي أصبحت محل احترام العالم. فكل طريق، ومدرسة، ومستشفى، وجامعة، وميناء، ومؤسسة، وكل إنجاز تحقق على هذه الأرض، لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات من العمل والإخلاص والتضحيات. وتزداد هذه الأمانة اليوم ثقلًا في ظل أزمة إقليمية لم يعهد الخليج مثل اتساعها وخطورتها. فمن كان يتصور أن تتعرض دول الخليج، الواحدة تلو الأخرى، للصواريخ والمسيّرات والتهديدات القادمة من جهات متعددة؟ ومن كان يظن أن المدن الآمنة، والمنشآت المدنية، والممرات البحرية، ومصادر الطاقة والمياه يمكن أن تصبح في قلب المواجهة؟ لقد تعرضت دول خليجية عدة خلال التصعيد الراهن لهجمات وتهديدات طالت أمنها ومنشآتها الحيوية، ووصل الخطر إلى محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، وإلى خطوط الملاحة في مضيق هرمز والبحار المحيطة بالمنطقة. وهذا يكشف أن الحروب الحديثة لا تستهدف المواقع العسكرية وحدها، بل قد تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للإنسان: الماء الذي يشربه، والغذاء الذي يصل إلى بيته، والكهرباء التي تنير مدينته، والطريق البحري الذي تعبر منه احتياجاته. إن تهديد محطات تحلية المياه في الخليج ليس أمرًا ثانويًا، فدول المنطقة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مياه البحر المحلاة. وأي اعتداء على تلك المنشآت لا يعني تضرر مبنى فحسب، بل يعني تهديد شريان الحياة لملايين البشر. وقد أبرزت الهجمات الأخيرة على منشآت المياه والكهرباء مدى أهمية هذه المرافق أمام الحروب، ومدى ضرورة حمايتها، وتطوير البدائل، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وعدم الاطمئنان إلى أن مصادر الحياة بعيدة عن ميادين الصراع. والغذاء كذلك أصبح جزءًا من الأمن الوطني، لأن اضطراب الملاحة أو إغلاق الممرات البحرية أو تعطل سلاسل الإمداد يمكن أن يرفع الأسعار ويؤخر وصول السلع الأساسية. وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الدولة التي لا تنوّع مصادر استيرادها، ولا تدعم إنتاجها المحلي، ولا تبني مخزونها الاستراتيجي، قد تجد أمنها الغذائي رهينة قرار أو حرب وقعت خارج حدودها. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن التوترات الإقليمية الحالية تهدد سلاسل التصدير والإمداد، وتضاعف مخاطر الأمن الغذائي في المنطقة والعالم. لهذا فإن المحافظة على قطر لم تعد مجرد عبارة وطنية نرددها، بل ضرورة وجودية تتطلب وعيًا شاملًا. فالأمن اليوم ليس حراسة الحدود فقط، بل حماية الماء والغذاء والطاقة والاقتصاد والمعلومات، وحماية المجتمع من الشائعات والفوضى والخوف. وليس كل اعتداء يبدأ بصاروخ، فقد يبدأ بخبر كاذب ينتشر في لحظات، أو إشاعة تدفع الناس إلى الهلع والتدافع وتخزين السلع، فتربك المجتمع وتخدم أهداف العدو من حيث لا يشعر ناشرها. في أوقات الأزمات يظهر المعدن الحقيقي للمجتمعات. يظهر المواطن المسؤول الذي يأخذ معلوماته من المصادر الرسمية، ولا يعيد نشر كل ما يصله، ولا يثير الذعر، ولا يستغل حاجة الناس، ولا يكدس السلع بلا ضرورة. ويظهر التاجر الأمين الذي لا يرفع الأسعار، والموظف المخلص الذي يؤدي واجبه، والإعلامي الذي يزن كلماته، والأسرة التي تربي أبناءها على الثبات والوعي، لا على الخوف والانفعال. إن حماية قطر مسؤولية كل مواطن، ولا تنتهي عند المقيم. فكل من يعيش على هذه الأرض وينعم بأمنها واستقرارها يحمل جزءًا من مسؤولية الحفاظ عليها. الوطن لا تحميه الجدران وحدها، وإنما يحميه الإنسان الواعي الذي يعرف قيمة ما بين يديه، ويحسن التصرف وقت الرخاء والأزمة. وقد أحسنت قطر الاستفادة من التجارب السابقة، فعملت على تنويع مصادر الغذاء، وزيادة الإنتاج المحلي، وبناء مرافق ومخزونات استراتيجية، وتعزيز قدرتها على مواجهة اضطرابات الإمداد. وتؤكد التقارير الحديثة أن الأمن الغذائي في قطر ما زال مستقرًا، نتيجة الاستعداد المبكر وتنوع الخطط والبدائل. لكن قوة الاستعداد لا تعني أن نركن إلى الطمأنينة، بل أن نواصل التطوير، لأن التحديات تتغير، والحروب تكشف كل يوم أدوات جديدة للضغط والاستهداف. إن أعظم الأخطاء أن نعتاد النعمة حتى ننسى كيف جاءت. فمن السهل أن يرث الإنسان وطنًا قويًا، لكن الأصعب أن يحافظ على قوته. ومن السهل أن يعيش في دولة مستقرة، لكن الأصعب أن يكون سببًا في استمرار هذا الاستقرار. فالأوطان لا تتراجع فجأة، وإنما تبدأ بالتراجع عندما يضعف الشعور بالمسؤولية، ويحل محله الاعتقاد بأن الإنجازات ستبقى مهما أهملنا. إن المحافظة على قطر تبدأ من المدرسة والجامعة ومكان العمل والشارع والمنزل ووسائل التواصل الاجتماعي. تبدأ حين يتقن الموظف عمله، ويحترم الطالب علمه، ويخلص التاجر في تجارته، ويحافظ الفرد على الممتلكات العامة، ويحسن استهلاك الماء والغذاء والطاقة، ويدرك أن الإسراف في زمن الأزمات ليس حرية شخصية، بل سلوك يمس أمن المجتمع كله. كما تبدأ المحافظة على الوطن بالوحدة. فالأزمات لا تختبر قوة السلاح وحده، بل تختبر تماسك المجتمع وثقته بقيادته ومؤسساته. وكل محاولة لإثارة الانقسام، أو نشر الكراهية، أو ضرب العلاقة بين المواطن والمقيم، إنما تستهدف جدارًا من جدران الوطن. فالناس في السفينة الواحدة، وأي ثقب فيها لن يسأل عن جنسية من يصيبه الماء. واليوم، وقد أصبحت قطر دولة ذات حضور عالمي، فإن مسؤوليتنا أصبحت أكبر. نحن لا نحمل اسم وطننا داخل حدوده فقط، بل نحمله أينما ذهبنا. العالم يعرف قطر ويراقب تجربتها ويحترم نجاحاتها، ولذلك فإن كل مواطن ومقيم سفير لهذا الوطن، يمثله في أخلاقه وعمله والتزامه قبل أن يمثله بكلماته. قطر اليوم ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل إرث حضاري ومسؤولية تاريخية وأمانة أخلاقية. وما نملكه من أمن ورخاء واستقرار ومكانة ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد، بل نعمة تحتاج إلى الشكر، وإنجاز يحتاج إلى الحماية، ووطن يحتاج إلى رجال ونساء يعرفون أن الولاء الحقيقي يظهر حين تتبدل الأيام وتشتد الأزمات. فليكن سؤال كل واحد منا: ماذا قدمت اليوم لقطر؟ هل حافظت على أمنها؟ هل صنت وحدتها؟ هل كنت مصدر وعي أم مصدر شائعة؟ هل كنت لبنة في البناء أم ثغرة ينفذ منها الخوف؟ الخليج يمر اليوم بامتحان عسير، وقطر ليست بعيدة عن رياحه، لكن الأوطان التي بنت مؤسساتها، ووحّدت صفوفها، وأعدّت أبناءها للأزمات، لا تسقط أمام العواصف، بل تخرج منها أصلب عودًا وأعمق وعيًا. قطر أمانة في أعناقنا، وحمايتها ليست مهمة يوم واحد، بل عهد يتجدد كل صباح، ومسؤولية يؤديها كل إنسان من موقعه، حتى تبقى هذه الأرض آمنة عزيزة، ويظل علمها مرتفعًا، ويصل إرثها إلى الأجيال القادمة أقوى مما تسلمناه.
6924
| 20 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1362
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
741
| 23 يوليو 2026