رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
البديل أن يعود القرار إلى أصحاب المصلحة في التغيير وهو مسار طويل وشاق
أحداث الأسبوع الماضي أسقطت أوراق التوت عن ادعاءات واكبت الثورة بانتماء القوى إليها والتزامها بمطالبها، وكشفت أن أحاديث كثيرة أطلقت انتماء للشعب وفي حقيقتها تضمر غير ذلك، وفي أدائها تحاول إقصاء الكتلة الثائرة خارج دائرة التأثير.
توحدت القوى المضادة للثورة على هدف واحد هو ضرب مصداقية شباب ثائر اتخذ من الميادين مرتكزا له، وصار وجوده علامة الإصرار وقبول تحدي الثورة في تحقيق مجتمع ما بعد التغيير.
رغم تنوع الهجمات والأفعال غير أنها كشفت توازنا للقوى قائما بين القوى المضادة وشباب أعزل يقف في الميادين ويبيت ليلة في العراء في مناخ صيف حار تتجاوز درجات الحرارة فيه أربعين درجة، وشمس قاتلة.
الشمس القاتلة تعيد إلى الذاكرة وقائع صيف دنشواي عام 1906، الذي ناصر الفلاحون ضد جنود الاحتلال البريطاني وقتلت منهم ضابطا لتنعقد محكمة برئاسة بطرس غالي لثلاثة أيام وتصدر أحكام الإعدام على أربعة فلاحين والأشغال الشاقة والجلد على 48 آخرين، وكأن الشعب المصري فوق أرض وطنه لا ينال حقه في الحياة إلا عبر شهداء يقدمهم قربانا للحرية على مذابح السلطة، سواء كانت سلطة احتلال أجنبية أو اتشحت بمصرية مغتربة عن أرضها، ولا يمضي الأمر دون رد فعل ليتم اغتيال بطرس غالي رئيس المحكمة بعد أربعة أعوام.
هذا الرجل كان أيضا متنازلا عن حق الوطن عندما قبل مشروعا بمد امتياز شركة قناة السويس لمدة أربعين عاما حتى عام 2008. ذات مشهد اقتران المحاكمات العسكرية العاجلة لأحفاد شهداء دنشواي وتصدير الغاز لإسرائيل، وكأن التاريخ يعيد نفسه بعد مائة عام.
بات واضحا أن هناك توازنا للقوى بين الشباب الأعزل إلا من إرادة حرة ووطنية وبين معسكر القوى المضادة المدجج بكل أدوات الصراع ويجمع بينها مصالح غير مصلح الشعب وتصل إلى حد التناقض.
توازن القوى مصدره قدرة الشعب التي تجلت خلال الفترة بين 25 يناير و11 فبراير، وكسر هذا الشعب باستعداده للشهادة وتحدي جبروت الشرطة التي هزمها بكل عددها وعتادها خلال أربعة أيام، حاجز الخوف والتردد، وقدرته على المفاجأة وتجاوز كل تحليلات الأجهزة ومراكز البحث.
واتضح أيضا أنهم لم يتوصلوا لتفسير هذه الظاهرة، وصار جهلهم بها وعدم القدرة على استيعابها مصدر التوازن الحقيقي للقوى.
ما هو موقف الشعب؟ وماذا هو فاعل؟، كان دلالة انعدام القدرة على استيعاب أنها ثورة الشعب وأنه سيحميها.
أعلنوا أنهم مع الشعب ومع الثورة، ومن ناحية أخرى أخذوا يجتزئون أهدافها ويشتتون قواها ويستخدمون الوقت معاملا لوأد روح الثورة.
ومع تواصل حالة المقاومة لاغتيال الثورة، انفجرت مكنونات الصدور، وظهر اللواء الرويني يوزع اتهامات التمويل والخيانة، ومن ثم يهدر كل مطالب التطهير وأنها مستوردة. ويضع سيناريو أحداث العباسية صباحا ليتم مساء، وتسقط أخطر أوراق التوت "أن البلطجية أداة الداخلية والرويني في مواجهة الشعب" وتحت بصر جنود الرويني والشرطة العسكرية بقيادة البديني وقوات شرطة العيسوي تهاجم جماعات بلباس مدني يحملون السيوف والسنج وزجاجات المولوتوف، واتضح حسب تقارير صحفية أن هناك أعضاء من مجلس الشعب المنحل أسهموا في حشد البلطجية.
البلطجية يهاجمون الشعب تحت حماية الجيش والشرطة العسكرية وشرطة العيسوي... فماذا تبقى ليستروا به خصومتهم مع الثورة والانقلاب عليها؟
وآخر المشاهد مشهد لواء قالوا إنه خبير عسكري وإنه مستشار للتوجيه المعنوي، خرج صوته من التلفزيون يتهم الأستاذة نجلاء بدير الصحفية أنها مخربة؟ لأنها تجرأت وانتقدت أقوال الرويني، هكذا؟
وبأدب ولباقة عالية توقفت مذيعة البرنامج دينا عبدالرحمن وتكشف سطحية ما يعرض له حتى إنه ردد ما قاله أحمد نظيف بأن الشعب المصري لم ينضج ويقول إنهم في التحرير في كي جي 1 وأننا نعلمهم الديمقراطية! لغة استعلاء أخرى.
وتدفع دينا ثمن صدقها ويتم إيقافها عن العمل جزاء لدفع الخطأ وخطايا المتحدث عن زميلتها وعن أهل الوطن، ومازال الأمر لم يستقر حتى اللحظة حول ما سبب هذا الإيقاف؟ وهل سينتهي رغم تردد أنباء عن إنهاء الإيقاف!
صار المجلس ومستشاريه الحَكَم بعد أن كشفوا عن أنهم خصوم للثورة وأهدافها؟ ويبلغ الأمر بهذا لمستشار أن يتهم اثنين من مرشحي الرئاسة بأنهم عملاء لأمريكا؟ وأن هذا "تخمين" من عنده؟، أي هزل هذا في موضع الجد!
لا أحد يطلب من المجلس العسكري أن يحمي الثورة، فهو لم يحمها ولكنه استفاد منها وصار السلطة الحاكمة في مصر.
نعم هو سلم أمر التشريع إلى الإخوان المسلمين، نعم اتخذ من الصناديق والتصويت ادعاء بديمقراطية أدت إلى أول انحراف بحركة الثورة، وتقسيم للشعب، ونعم مارس الإعلام الرسمي المستسلم دورا مناوئا للثورة ومشوها لشبابها، بل تجاوز المجلس العسكري الإعلام الرسمي بهجمات متتالية على الإعلام الخاص، واستدعاء أمام النيابة العسكرية وتحقيقات وكلها تلوح بعصي ولا تستخدمها.
ولكن الجديد الآن أنه استخدم العصا في إطار حملة تشويه، ويقول المثل الشعبي "من كان بيته من زجاج لا يقذف الناس بالحجارة"، فلم يناقش أحد موقف الجيش من النظام السابق، بل وقاوم العقلاء ذلك، لأن المؤسسة العسكرية هي ما تبقي للدولة المصرية والمفروض أن يحكم أداؤها قيم الوطنية، أي أن يحكم أداؤها مصلحة الشعب وليس فئة دون أخرى.
قد يتحمل الموقف عجز حكومة شرف على إدارة الفترة الانتقالية، ولكن الموقف لا يتحمل حيودا للمجلس العسكري عن دور متوازن حتى لا يفتح أبواب الحرب الأهلية على مصراعيها.
سقطت أوراق التوت عن التنظيمات الدينية وبلا استثناء.
فالجهاد القادم من غياهب السجون يعلن أنه سيخرج لتطهير ميدان التحرير من الثوار، وتحت عنوان أنهم ليسوا هؤلاء الثوار، ويتوعد كل من سيقاوم يوم الجمعة 29 يوليو بالويل.
والسلفيون يخرج متحدث باسمهم يعلن نفس الموقف.
والإخوان يناصرون موقف المجلس العسكري من مواجهة التظاهرات بالدم، لأن المتظاهرين ليسوا الثوار؟ فقد ملكوا أمر التثبت ممن هم ثوار ومن هم ضدهم.
وأصحاب رؤوس الأموال يقومون بتمويل العمليات القذرة، من دفع دية الشهداء لتفويت الفرصة على محاكمة القتلة إلى دفع أجرة البلطجية وتكاليف الأسلحة والحجارة القادمة من أموال جمعوها زمن الفساد.
ويخرج بعد ذلك كله متحدث باسم حزب الوسط ليقول إن المجلس العسكري يستشير الإخوان ـ دون كل القوى والتيارات ـ في أمر القوانين التي يصدرها.
اللواء ممدوح شاهين الذي طالبنا من قبل أن يختار المجلس العسكري رجلا غيره للتعبير عن المجلس العسكري لأن لديه قدرة غريبة على استفزاز العقلاء ولا يملك لغة حوار على الإطلاق ولكن المجلس لا يسمع ما يقوله غيره، خرج على الناس بإعلان عن انتخابات في نوفمبر وفق قانون خاص أقروه فيما بينهم، ويحتاج إلى "كتالوج" للشرح والتفصيل.
المجلس العسكري رغم كل النداءات التي وجهت إليه ليأخذ دورا لصالح الشعب وفق إستراتيجية "الخبز ـ الحرية، العدالة الاجتماعية"، ويحول دون الوصول إلى صدام داخل المجتمع سيعود بنا إلى الوراء عشرات السنين، رغم ذلك كله، يقف المجلس حائلا دون تحقيق أهداف الثورة، وكأن الوعي السياسي بمدلول الشرعية الثورية غائب، ولم يبق منه إلا أنه سلطة تكاد تقارب أداء النظام السابق، يعطي إشارات بالتوجه في اتجاه الثورة بالأقوال، ويتحرك على الأرض في عكس الاتجاه، ويأخذ بمهمة تشويه عناصر منها، ويقاومها بالبلطجية.
وسقطت ورقة التوت عن وزير الداخلية الذي لا يمكن توصيفه غير كونه أداة لتمكين الانقلاب على الثورة من الداخلية وبكل إمكاناتها.
من ناحية حركة تنقلات الضباط اتضح أنه نقل كل المتهمين بالقتل إلى أماكن أفضل.
وتمارس عناصر جهاز أمن الدولة المنحل ذات الدور القديم تحت اسم الأمن الوطني، ويجري الآن تشكيل مجموعات اختراق لكل التيارات التي نشأت بعد الثورة، فضلا عن إحياء القديم من عملائها.
والأخطر العودة إلى نظام الاختطاف ومافيا أمن الدولة، فيجري اختطاف ابن شاهد على جريمة محل التحقيق ضد مدير أمن القاهرة السابق!
وتكشف واقعة الدكتور حازم عبدالعظيم الذي رشح لمنصب وزير الاتصالات، وهو محسوب على ثوار التحرير، وتدخل أمن الدولة عبر جريدة خاصة للإطاحة به، تكشف الواقعة أن التصنت على التليفون قائم والتهديد والتدخلات قائمة.
وسقطت كل أوراق التوت التي كانت تحول دون كشف عجز حكومة شرف، وليس هناك مبرر واحد لبقائه، فرجل مثله بلا رؤية سياسية غير قادر على الإبحار بسفينة الوطن في هذه المرحلة.
تساقط أوراق التوت وكشف المواقف وحتى توازن القوى بين الثورة وأعدائها لن يضمن تحركا للأمام، بل إنه وضع خطير وحساس لأنه يفتح الاحتمالات على مصراعيها وجميعها ليست في صالح مصر الثورة والشعب.
الخطوة القادمة لتجنب خطورة القادم ليست على جانب واحد دون الآخر، بل هي على ضفتي الأداء في مصر.
فالثورة مطالبة بتعميق العلاقة بينها وبين الشعب بكل طوائفه وفئاته لأنه العمق الحقيقي لها، ولن تتمكن من هذا بغير الحوار البيني بين القوى السياسية وتشكيلاتها المتعددة وأن يكون حوارا حده الأدنى إستراتيجية "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية" وترجمتها إلى مهام. ولن يمكن ذلك بغير إعلان واضح من الكافة عن مدى وعيهم بدلالات الثورة وشرعية إرادتها، والنازل عن "الأنا" والمصالح الضيقة إلى رحابة احتياج الشعب والوطن، الخطوة الأولى العمل على إيقاف الصدام الذي يسعى إليه البعض مع المعتصمين بالتحرير، فهل تنجح الثورة في هذا مع الالتزام بالحفاظ على القوة الدافعة للثورة.
ويبقى الجانب الذي يملك القرار، والمطلب هنا في حاجة إلى وعي بالدور الغائب عن القرار وهو المسؤولية تجاه الشعب والوطن طالما أنه في مركز القرار، وليست الانتخابات التشريعية هي الحل، الاحتياج هو الترجمة العملية لإستراتيجية الثورة إلى مهام، الشعب يعاني من ارتفاع في الأسعار تجاوز 30% ووجب النظر المباشر إلى هدف إستراتيجية الثورة الأول وهو "الخبز"، شعب لا يجد "خبز يومه" لا يعنيه ولن يجدي مع احتياجه انتخابات تشريعيه تدور في مناخ غير مناسب سياسيا وغير معبر عن الثورة.
ليس هناك غير أن يكون القرار لصالح الثورة والشعب وإستراتيجية التغيير، والبديل أن يعود القرار إلى أصحاب المصلحة في التغيير وهو مسار طويل وشاق.
الجيش المصري أشرف وأكبر من أن يرتع أمامه البلطجية سواء في مواجهة شباب الثورة أو في فنادق الخمس نجوم، بينما الشعب ينتظر عائد الثورة وما قدمه من تضحيات.
في يناير الماضي حقق متداول مجهول أرباحًا تجاوزت 436 ألف دولار بعدما وضع ما يقارب 32 ألف دولار... اقرأ المزيد
120
| 20 مايو 2026
طافك رمضان؟ تفضل
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر،... اقرأ المزيد
174
| 19 مايو 2026
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت
في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة الدولي للكتاب في نسخته الحالية كمنارة فكرية تجمع صناع المعرفة... اقرأ المزيد
87
| 19 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
6009
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1794
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1269
| 18 مايو 2026