رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رسم الفنان مصطفى حسين كاريكاتير في جريدة الأخبار المصرية، لطائرة تطير في سماء القاهرة فوق مبنى مجلس الشعب ومواطن مصري يقول "يا كابتن أنا لو قفزت دلوقت على مجلس الشعب حتنكسر رقبتي... شوف لي "دستور باراشوت" أقدر أنزل بيه سليم". فيولد تعبيرا وصفيا جديدا للحالة في مصر "الدستور الباراشوت"، وهو يوصف به الصراع بين لجنة الإخوان المسلمين "البشري سابقا"، والمطالبات الدستورية الأخرى والمتداولة على استحياء والتي تستخدم ذات منهج الإخوان في الإقصاء، بل تكاد الفتنة الدستورية تصل مداها في صورة مواجهة بين من يقولون إنهم الدينيون وغير الدينيين، وأصبحت الدولة المدنية، والتي تعني دولة الدستور والقانون، هي دولة إقصاء الدين، ونسي الجميع الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية للثورة.
وبلغ الأمر بالمحامي الإخواني صبحي صالح أن يقول وبكل وضوح في مواجهة الشعب المصري: "نحن كجماعة لا نعترف بمفاهيم مسلم ليبرالي ومسلم علماني ومسلم يساري، نحن لا نعرف إلا مسلم يكفيه دينه عما سواه من المناهج".، ويفتح بهذا القول مرحلة اقتتال واشتباك جديد ينحرف بالثورة والمجتمع انحراف فتنة الجاهلية، وفقط نقول: من فوضك في الحكم على المصريين ومنح شهادات بالإسلام أو منعها؟ ولجنة البشري تصمت عن جريمتها المركبة وهي صبحي صالح والتعديلات التي اقترحتها اللجنة.
ومن جهة أخرى دعا المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا المواطنين للخروج في مظاهرات مليونية إذا تأخر إجراء الانتخابات يوماً واحداً، محذراً من "أن هناك من يريد الالتفاف على نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية لأنها لا تصب في مصلحته"، أي أن هناك مصالح متعارضة قي الإعلان الدستوري وعليه فالفقيه القانوني والمفكر الإسلامي ينحاز لمصلحة دون أخرى وهو ما يمثل إدانة للتعديلات ذاتها!! وحول ما يثار بشأن دفاعه عن عدد من رموز النظام قال «العوا»: "أدافع عن رجلي أعمال فقط لإيماني بأن الحكومة استفادت منهما وضحكت عليهما"، ولم يكشف عن موقفه من الشعب الذي استغلته الحكومة ورجال الأعمال، وها هو الرجل يجمع بين الحسنيين، أموال رجال الأعمال، وتعديل دستوري ينحاز لمصلحته.
هكذا الكاريكاتير بعين الصقر ومن خارج الصندوق يرى أن الدستور أصبح وسيلة انقضاض على المجلس النيابي، بينما جماعة "لجنة البشري" ومن حولها تخشى ألا يستكمل الانقضاض أهدافه، ويتخذون من الدين غطاء. والمجلس العسكري وبعين النملة يغرق في تبريرات الالتزام بالإعلان الدستوري الذي التزم بخيارات "البشري ولجنته"، ويأبى إلا أن تحدث انتخابات تشريعية في سبتمبر، معاندا الواقع والحقيقة كرجل أراد أن يغيظ وجهه فقطع أنفه.
الأهل تعني قرابة الدم، وأخص الناس بالشخص، وهو تعبير ينم عن التآلف والانتماء بين الجماعة، مرادف للعشيرة، هو التعبير الذي استخدمه شركاء أيام وليالي ومعارك الثورة المصرية لتحديد طبيعة العلاقة بينهم، فبعد أن اقتسموا كسرة الخبز ـ وأعني ما أقول... كسرة الخبز ــ أيام الحصار، ها هم ينقلون العلاقة إلى زمن ما بعد الحصار داخل الميدان، ويتكاتفون وتلتئم لحمتهم دفاعا وحماية لأي منهم إن تعرض لأزمة ما. وشاءت الظروف أن أذهب إلى حيث مكان النيابة العسكرية يوم نظر قضية بعض ممن كانوا يتظاهرون أمام السفارة الإسرائيلية، من بالداخل لديهم قصصهم، ومن بالخارج والشمس تحرق جلودهم لديهم دموعهم وتشتتهم وعدم الدراية بالتعامل مع الأماكن العسكرية، وعلى هؤلاء جميعا يعيش بعض عناصر أمن الدولة بين الرصد والمتابعة، وفي مشهد مكمل للصورة يخرج رئيس تحرير جريدة الشروق الذي كان مستدعى للتحقيق أمام النيابة واثنين من الصحفيين لنشر خبر عن رسالة "طلب السماح" من الرئيس المخلوع، بعد توقيع على تعهد ما؟
مصر الثورة تمثل أمام النيابة العسكرية، ولا أحد يراعي أن شباب الوطن، خرجوا وأطاحوا بنظام فاسد وكأنهم يعاقبون على فعلتهم. وإعلام مصر أيضاً أمام النيابة العسكرية، بينما الأنباء تتردد عن الإفراج المتتالي عن رموز النظام السابق، ويعقبها إلغاء للإفراج، حالة من التأرجح مبررها الوحيد أنهم يحاكمون بقوانين صاغها النظام السابق، وأن المحاكمات تدور حول الفساد المالي، ولم يقترب أحد من الإفساد السياسي بعد وكأنها ليست ثورة شعب من أجل الحرية والكرامة والعدل، ولكنها تجريدة دائنين على جماعة القراصنة، انقلاب بالثورة وعليها للتخلص من المسؤوليات التي تفرضها.
هكذا يبدو الحال الآن في مصر، الثورة في مفترق طرق، والبعض اعتقد أن مكاسبه نتيجة الثورة تمنحه حق المنح والمنع للشعب، والبعض الآخر يحاول أن يحول نتائج الثورة لصالحه حتى وإن غامر بمستقبل الوطن. وتبلغ صورة العناد حدا مزريا بالحديث المتتالي أن المجلس النيابي القادم سيختار لجنة من 100 عضو لوضع الدستور، إجراء أقل ما يوصف به هو الجهل بطبيعة الدستور ومسؤولية وضعه كعقد اجتماعي بين الشعب، وأن هذا الإجراء أقرب إلى الخيانة الوطنية ممن لا يملكون حق التقرير في شأنه ولكنهم اغتصبوا هذا الحق بحلف أسود بينهم وبين جماعة الإخوان التي لا يمكن وصف ما تفعل غير أنه انقلاب على الشعب والثورة.
كل هذه المشاهد تفرض الحرص على حماية نتائج الثورة، من الطبيعي أن تظهر قوى مضادة للثورة، ولكن من غير الطبيعي أن تختفي قوى الثورة. وأخطر من القوى المضادة للثورة.
حالة القوى السياسية ومرشحي الرئاسة التي وصلت إلى حد التلاسن والانشغال عن قضايا الوطن والصراع على التورته المسممة، وهذا كله ليس من طبائع الشعوب الثائرة ولكنه من سمات المنافقين والانتهازيين. وبلغ النداء إلى مليونية يوم الحرية 27 مايو لفرز القوى الحقيقية.
وضع الدستور المصري ليس محطة وصول ولكنه رحلة ممتدة بطول الوطن وعرضه وعمقه:
1. فالمنوط به وضع الدستور هو الشعب، بواسطة جمعية تأسيسية تمثل كل قواه الاجتماعية والسياسية في تجمع مناظر للمؤتمر الوطني القوى الشعبية الذي اجتمع في أول الستينيات، ومثل مصر كلها، وليس مجرد تمثيل نيابي عبر الدوائر الانتخابية وما تحمله الدوائر من عصبيات وانحرافات في التعبير عن الرأي باستغلال الاحتياج الاقتصادي للشعب.
2. والدستور يسبقه خيار اقتصادي ورؤية لمعادلة التنمية والنظام الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ولعل كتابات الأساتذة زياد بهاء الدين، ووائل جمال، وإبراهيم العيسوي، وأحمد النجار في المسألة الاقتصادية تفرض علينا الالتئام في مؤتمر اقتصادي يبحث القضايا الاقتصادية، وعدم الركون إلى تصريحات رئيس حكومة تسيير الأعمال عن الخيار الاقتصادي، فهذا أمر لا تقرره تصريحات، ولكن تقرره رؤى ودراسات وإحصاءات وإمكانات وظروف داخلية وعالمية.
3. ويسبق الدستور حوار مجتمعي حول مباشرة الحقوق السياسية، تلك التي يجري التعامل معها بقوانين الصدمة، فقانون الأحزاب مشكلة، وقانون الصحافة مشكلة، والتصويت يترنح بين المنح والمنع، والحاجة إلى ربط المصريين بالخارج بوطنهم عبر الإدلاء بأصواتهم، والذي تتراوح فيه الآراء بين المنح والمنع. وغير هذا فإن الحقوق السياسية مرتبطة أيضاً بحالة الإفساد التي جرت طوال 30 عاما مضت، فمن الذين يجب تجميد ممارستهم للعمل السياسي؟ ومن الذين يجب ضمان حقهم وتوفير فرص التعبير عن إراداتهم، وما يدور من حول انتخابات النقابات، يؤكد أننا في حاجة للمشاركة وليس الإقصاء.
4. ويسبق الدستور حوار مجتمعي حول الأمن القومي، الداخلي والخارجي:
أ. مصر التي زرعت فيها عناصر النظام المنحل نصف مليون بلطجي، لخدمة أهداف ترويع المجتمع عند الحاجة، ومصر التي انتشرت فيها الأسلحة البيضاء كما تنتشر في رواندا وبوروندي، يظلل هذا الخطر كل فرص التنمية والبناء، وهو أمر يجب التعامل معه، والقضاء عليه، وبدون خطة أمنية وثقافية وبدون القضاء على البطالة، واستقرار الحالة الإعلامية والقضاء على الفساد والصور الانتهازية في المجتمع، لن يمكن القضاء على هذا الوجود السرطاني، فهم ليسوا محتلا أجنبيا، ولكنهم خلايا مشوهة لها ذات سمات خلايا المجتمع السليمة.
ب. والمجتمع يجب أن يتصدى لدور الشرطة داخله ومهمة إعادة بناء الجهاز، والتغافل عما يحدث من قيادات الجهاز يدلل أن الجهاز منقسم، بين أغلبية لا تريد العودة وفق أصول العمل الشرطي، وأقلية تسلم بدور للشرطة وفق حاجة المجتمع ولصالحه وفي الإطار القانوني لهذا الدور.
ج. والحوار يجب أن يربط بين القضاء وأمن المجتمع، والتصريحات بأن القضاء لم يطله الفساد تبدو كمن يدفن رأسه في الرمال ويعتقد أن لا أحد يراه، ولعل تصريح المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة السابق بأن الثورة لم تصل إلى القضاء يستدعي هذا الحوار.
د. والحديث عن الأمن الخارجي ومواجهة مصادر الخطر والنطاق الأمني المصري وارتباطه بنطاقاته العربية والإفريقية، وحدود النفوذ والتأثير، ومصادر المياه والأسواق، كل هذا يفرض حوارا مجتمعيا بديلا عن حالات التشرذم الواقعة داخل المجتمع والتي خلطت بين العدو والصديق، ولعلنا في هذا الصدد نحتاج إلى دراسة للقدرة العسكرية المصرية والتزامات تطويرها، ولعلنا نكتشف حاجتنا لنبيل العربي وزيرا للخارجية أكثر من الحاجة إليه أمينا لجامعة الحكومات العربية.
المجتمع في كل هذه المهام يجب أن يكون تحت مظلة تؤمن له حرية الحوار، ومن غير المقبول تكرار مقولة أن المجلس العسكري يريد العودة فورا إلى ثكناته، فالمطلوب منه أن يؤدي مسؤولياته، وليس المطلوب منه التزام ثكناته، ودون تحقيق كل ما سبق من حوار والوصول إلى دستور الشعب وبواسطة الشعب لن يستقر أمن ولن يتمكنوا من العودة إلى الثكنات.
مقصلة الثورة الفرنسية حافظت على اندفاع الثورة إلى الأمام، حتى أنها نالت من المفكرين والفلاسفة، ولكنها مثلت صمام عدم الرجوع، والبحث المصري الآن عن مقصلة مصرية، ليس بالضرورة أن تكون مهمتها فصل الرقاب عن الأجساد لضمان الحركة للأمام، ولكنها على الأقل تحول دون الارتداد، فكيف السبيل إليها؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
6036
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1806
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1323
| 18 مايو 2026