رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب يملك الجسارة في شبابه والشباب يريد تحقيق مصر القوية
ليس هناك سبيل لإعادة عجلة التغيير إلى الوراء. وكل ما يجري على أرض مصر، محاولات خارج مسار التاريخ وليس لها إلا أحد نتيجتين: إما انتصار الثورة ـ رغم محاولات البعض لإلغاء تعبير انتصار الثورة وكأن نتائج أي صراع غير الانتصار أو الهزيمة ـ أو حمام دم يزيح طليعة الشعب من الشباب الثائر.
المواجهة منذ 11 فبراير كانت على محورين الاعتقالات والمحاكمات العسكرية السريعة لكل من تطال أيديهم. المحور الثاني إرهاب الشعب في خطة منظمة، وإطلاق الإعلام لتغيير المفاهيم حول الوقائع. حرب نفسيه وحرب مادية والهدف واحد إخراج الشعب من معادلة القوة في المجتمع.
الكل في مصر يتكلم، ولم يعد هناك من يخفي وجهة، فالجميع يحارب معركته الأخيرة، عدا هذا الشباب الصابر والقابض على ثورته كالقابض على الجمر.
الصراع في مصر، وعلى مصر دار دورات كثيرة عبر التاريخ، البعض منها انتصر فيها الشعب، والبعض الآخر انتصرت فيها قوى معادية للشعب، وقد يكون في الحساب بعدد السنين أن أزمنة انتصار الشعب أقل بكثير من أزمنة سيادة أعدائه، ولكن دوما كانت الفترات البينية فترات إعداد وتجهيز، ولم يتوانى أعداء الشعب في الداخل والخارج من العمل أولا على تفريغ انتصار الشعب من مضمونه ومن بعد ذلك حصاره والإجهاز عليه.
حياة الشعب فوق تراب مصر قصة صراع منذ بدأ الخليقة، والصراع تتحدد نتيجته بكلمتي النصر والهزيمة، وليس هناك فرصة للتعايش بين طرفي الصراع، ولكن ما يعتقده البعض هدنة في الصراع، هي فترات لإعادة تقييم المواقف والإعداد لجولة جديدة، سواء أدرك هذا أطراف الصراع أم أن أحدا يدعي أنه الموات والنهاية.
دائما كان هناك الفرعون، وكان هناك كهنة المعبد، كان الفرعون تارة قائدا عسكريا أو كان حكيما، أو كان موحدا، ولكن كهنة المعبد كانوا ذاتهم، ولم يكونوا الوطن ولا حتى الفرعون، فالفرعون أداة إن هي استهلكت أنقلب الكهنة عليه وربما قتلوه وهم الذين نصبوه إلها.
وهكذا صار الكهنة تعبيرا عن مصالح غير مصالح الشعب، ومن بينهم تخرج الخيانة للإله الفرعون الذي صنعوه ليحقق لهم مصالحهم.
ويتلون الكهنة حسب المواقف، ولا تعنيهم حمامات الدم، بل قد يصنعوها في بعض المراحل ليوطدوا مكانتهم. لم يخرج منهم قائد عبر التاريخ، وكان دائما القائد يخرج من الشعب، سواء للعدل أو للتحرير، فلم يرصد التاريخ حملة لمواجهة الظلم أو العدو المحتل خرجت من المعابد وقادها الكهنة.
كان الفرعون ينصب ابنه كبيرا للكهنة حتى بأمن شرهم، وليضمن أن ينصب الابن بعد وفاته ملكا، فقد كان الحكم يؤول إلى ابنة الفرعون وكان عليها أن تتزوج كبير الكهنة، هكذا كانت المناورات المضادة بين الفرعون وبين الكهنة.
ومع تطور المجتمع وعبر عصوره تغير مسمى الكهنة، ولكن تغير الاسم لم يكن يعني تغير طبيعة الرابط بينهم وبين غاياتهم، والذي كان دائما "مصلحة غير مصلحة الشعب".
اتخذ خط المصالح مسارا رأسيا، من رأس المجتمع ممتدا داخل طبقاته إلى قاع المجتمع، حتى تجد فيمن يدفعون ثمن العبودية والظلم من يكون "مدعيا الكهانة أكثر من الكهنة"، تتعجب أنه يتحدث بلسانهم مدافعا عنهم بينما هو لا يجد لقمة العيش الكريمة، ويستطيب الاستعباد.
وفي زمننا قد تجده موظفا أو طالبا أو عاملا أو مهنيا بل والأدهى قد يكون مرتديا مسوحا دينيا، فالشعب الذي نادي بالتوحيد قبل إبراهيم أبو الأنبياء، على يد اخناتون، يجري في عروقه الدين مجرى الدم.
دورة التاريخ التي نحياها خرج فيها الشعب لمواجهة الطغيان والفساد ولم تكن المؤشرات توحي أن الثورة قادمة ولا حتى أثناء المواجهة أنها ثورة شعب لن يتراجع.
المفاجأة أخذت بعقول الكثيرين في الداخل والخارج، وكان من الضروري أن يمضي بعض الوقت ليجمعوا شتاتهم ولبناء مواقفهم لمواجهة المتغيرات التي جرت، ذات أداء الكهنة عبر التاريخ.
مصر الآن تضع أملها في هؤلاء الشباب الذين لا نعلم أسماءهم، ولا ندرك وجوههم، فهم جنود المشاة في معركة دورة التاريخ الجديدة.
عرقهم عطر عرس الحرية، ودمائهم تزين وجه العروس مصر.
يأخذ البعض على الشباب أن هناك عشرات التشكيلات التي أعلن عنها، ويأخذون عليهم أنها دلالة انقسام، وأراها دلالة عدم ثقة فيما هو معروض عليهم مما سبق الثورة من تشكيلات أو أشخاص، وهي أيضا محاولات لتنظيم الجهد، وهي ثالثا محاولات لإضافة عمق الرؤية إلى الأداء العملي.
نعم كانت محاولات الفصل بين الشباب والشعب هي الفتنة الأولى التي جرى صياغتها للانحراف بالثورة، والآن يخرج علينا المتحدثون من الحركة الرامية لإجهاض الثورة في تنظيمي الإخوان وحزب الوسط الدينيان لمحاولة اغتيال أداء الشباب.
انضم التنظيمان اللذان ما كان لهما وجود من دون الثورة إلى الجانب الآخر المضاد للثورة، وصار المبدأ الحاكم لحركتهم ومواقفهم هو مجرد الوجود، وأكدا أن غياب المشروع السياسي لديهما يتجاوز حدود الاتهام بعجز في الرؤية، إلى خطورة الأداء، ولا أتوقع أنهم ومن على شاكلتهم سيبقون في الحلبة السياسية طويلا، وتحددت مهمة التطهير القادمة أمام حركة الثورة في مواجهتهم، ليس رغبة في الافتراق ولكنها خنادق الصراع وقواه تفرض نفسها.
من يتابع وقائع الأسبوع الماضي بين يومي 8 يوليو و15 يوليو، يدرك أن خروج الشعب يوم 8 يوليو أصاب المتواطئين والمتباطئين بنوبة هيجان تدلل على حجم الوعي الغائب وعلى عدم القدرة السياسية.
حكومة الدكتور عصام شرف سقطت، وأيضا اتضح للجميع ـ عداه هو شخصيا ـ أنه ليس رجل المهمة، وسيمر بعض الوقت حتى يدرك شرف وجوب الاستقالة، فكل ما نقل عن مشاوراته لتشكيل وزارة جديدة يؤكد أنه بلا رؤية وأنه عبء على الثورة ومهامها.
وبيان المجلس العسكري الذي ألقاه اللواء الفنجري أضفي بعدا جديدا من التوتر على المناخ العام، ودقت طبول الكهنة فرحا، وخرج الإعلام كاشفا أنه مازال في حاجة إلى التطهير، فموجة التحريض التي يمارسها الإعلام في مصر تكشف أنه مستقر في خندق معاد للثورة.
المهمة الحالية أمام الثورة هي إقالة شرف وحكومته، ومن ناحية أخرى أن تصل رؤية الثورة واضحة للمجلس العسكري، والتي يعبر عنها شعار الخبز الحرية والعدالة الاجتماعية.
على الثوار اتباع تكتيك مداه التقدم حتى التلامس بأطراف الأصابع، ومن ثم التراجع، وهو تكتيك الوجود لإعادة الوعي لدى الأطراف الأخرى، وليس تكتيك الاشتباك الكامل، لأن الاشتباك بالإضراب أو العصيان المدني يفرض مهام أخرى باتجاه حشد كل المجتمع، لا يتأتى إلا بالتواصل الكامل مع قوى المجتمع المؤثرة، وهو ما لم يكتمل بعد، ومازال متروكا للتداعي الذاتي.
لم يكتف المجلس العسكري بالبيان ولكنه ألحقه بمؤتمر صحفي، ومن بعده توالت المشاهد من جمع لتوكيلات لتأييد المجلس ومظاهرات بمصر الجديدة لتأييده، واقتحام للاعتصام بمدينة طنطا، وأخيرا دخول اللواء المهدي المكلف بالإعلام إلى التحرير لمناقشة المعتصمين والمعتصمون يرفضونه ويرفضون سماعه، بعد اتهامه لبعضهم بالخيانة.
مشاهد تؤكد خطأ في إدارة الموقف، كتب عنها الكاتب الصحفي جلال عامر "ثورة لها جسد وبلا رأس ومجلس عسكري له رأس وبلا ثورة".
بهذه التصرفات وضع المجلس العسكري نفسه طرفا في مواجهة الشعب.
العلاقة بين حركة الشعب والمجلس العسكري ليست مسؤولية الشعب وحده، بل مسؤولية المجلس العسكري أيضا، فمن غير المقبول التغاضي عن وقائع الأشهر الماضية منذ إزاحة مبارك، وخلالها لم يقدم المجلس العسكري ما يبني العلاقة مع الشعب، بل دخل في يقين كل المراقبين أن انحياز المجلس للنظام القديم قائم على نحو تعاملاته مع قضايا الفساد ودخل شريكا معه في هذا النائب العام، وأخطر من هذا وضع المجلس العسكري أمر الثورة بيد لجنة البشري والإخوان المسلمين وهو ما حاول المجلس نفيه، ولكن وقائع الأمور كانت تدلل على ذلك رغم هذا النفي، وغير هذا لم يفصل المجلس بين العناصر المنتمية للثورة وبين البلطجية، بل كانت المحاكمات العسكرية تطول شباب الثورة ولا تطول أركان النظام.
المجلس مطالب أن يقدم دليلا على الاستيعاب السياسي لمتطلبات الثورة، وأن يعدل عن انحيازاته، وأن ينحاز للثورة ولا يلقي بها فريسة لادعاءات تنظيمات وكيانات سقطت مع الثورة كما سقط الحزب الحاكم، بما في ذلك الكيانات التي اكتسبت الوجود العلني بقيام الثورة.
الاحتياج في اللحظة أن تكون ممارسات المجلس العسكري وقراراته لصالح الثورة.
لا تختزل الثورة في رؤية ممدوح شاهين والبشري ومن ورائه الإخوان، هناك 45 مليون مصري تحت خط الفقر، لن تخدمهم محاكمات الفساد وحدها ولا حقوق الشهداء والمصابين المهدرة، ولكن يحققها الاستيعاب الجاد لمدلول شعار الثورة "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية".
نحن نحتاج لإعلان سياسي يوضح ماذا تعنون بأنكم مع الشعب، واستمرار الأمور مبنية للمجهول تزيد عمق الاختلاف وتآكل الثقة، والسؤال لمصلحة من غياب الرؤية؟
كيف ترون الفترة الانتقالية التي انقضي منها ستة أشهر، ولا شيء يتحقق إلا بجهد من الشعب وتضحيات، بينما هناك حملات معادية لمطالب الشعب واحتياجاته.
الحياد بين الشعب وأعداء الثورة انحياز مضاد للشعب.
تطهير الإعلام والقضاء والجامعات وإدارة الدولة مهام لم تتم بعد. ولا يمكن إتمامها إلا برؤية سياسية تتبني مدلولات التغيير، والثورة أيها السادة علم تغيير المجتمع، وليس مجرد إزاحة نظام حكم، ولكنها بناء مجتمع بالوعي والإرادة.
وهناك الفساد السياسي، وهو ينطبق على كل من راوغ الشعب طوال الحكم السابق، ويشمل من كانوا بعيدين شكلا عن الحزب الحاكم، وينضوون فعلا داخل عباءته، وأولئك الذين فاوضوا النظام وأمن الدولة لينالوا حظا من الوجود، هؤلاء لا تصلح معهم توبة فهم يأكلون على كل الموائد، وهم اليوم أقرب إلى مجلسكم من الشعب، ومكانهم محكمة الفساد السياسي، فلا تستبدلوا الشعب بهؤلاء.
الشعب يملك الجسارة في شبابه، والشباب يريد تحقيق مصر القوية، فهل تدفعون بشباب مصر وذخيرة المستقبل فيها إلى أن يشق طريقة عنوة فوق بحر من الدم، ويومها لا عاصم من غضبة الشعب.
لست يا أمير الحكم، فلا تصالح مع الفساد، مهما تعددت مناوراتكم.
وكأننا بأمل دنقل ينقل صرخة شهدائنا: هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟، أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء، تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
لا تنسوا أن شعب مصر في رباط إلى يوم الدين، ودورة التاريخ هذه لصالح الشعب وإن طال الزمن.
الأندية الرياضية وبناء الإنسان (1)
بعد أن رسّخت دولة قطر حضورها العالمي في مجال الرياضة، ونجحت في بناء منظومة رياضية متقدمة على مستوى... اقرأ المزيد
135
| 27 مايو 2026
... يبقى الأهل عزوة صلة لا تنقطع
ليس كل ما يحدث داخل العائلة يُحكى، فهناك مشاعر تُخفى احترامًا للعِشرة، وأوجاع نصمت عنها لأن الطرف الآخر... اقرأ المزيد
177
| 27 مايو 2026
حرب أم هيمنة؟
حاولت الابتعاد قليلا عما يحدث بين أمريكا وإيران، خاصة أن دولا مثل باكستان والصين وقطر والسعودية ومصر وتركيا،... اقرأ المزيد
195
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2058
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1134
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1128
| 21 مايو 2026