رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

699

الدكتورة حصة حامد المرواني

الأندية الرياضية وبناء الإنسان (1)

27 مايو 2026 , 10:45م

بعد أن رسّخت دولة قطر حضورها العالمي في مجال الرياضة، ونجحت في بناء منظومة رياضية متقدمة على مستوى المنشآت والتنظيم والاستضافة، لم يعد السؤال اليوم: كيف نبني مرافق رياضية حديثة؟ فقد أُنجز هذا المسار بكفاءة واقتدار، إنما السؤال الأعمق الذي يستحق أن يُطرح ضمن النقاش الوطني هو: كيف نحول هذه المنظومة الرياضية الواسعة إلى قوة مجتمعية ناعمة تسهم في بناء الإنسان، وتحصين الشباب، وتعزيز القيم، وصناعة المواطن الفاعل؟

إن الأندية الرياضية، في مفهومها الحديث، لا ينبغي أن تبقى محصورة في المباريات والبطولات والنتائج الفنية، ولا أن يُقاس دورها بعدد الكؤوس أو ترتيب الفرق فقط، بل بقدرتها على أن تكون مؤسسات تربوية ومجتمعية حاضنة، تشارك في تشكيل شخصية الشاب، وتدريب وجدانه على الانضباط، واحترام النظام، والعمل الجماعي، وتقبل الاختلاف، وتحمل المسؤولية، وخدمة المجتمع.

وهذا الطرح ينسجم مباشرة مع روح رؤية قطر الوطنية 2030، التي جعلت التنمية البشرية والاجتماعية في قلب مشروع الدولة، فبناء الإنسان لا يتحقق من خلال التعليم النظامي وحده، ولا عبر المؤسسات الرسمية فقط، بل يحتاج إلى بيئات مساندة تُنمّي السلوك، وتوجّه الطاقة، وتفتح أمام الشباب مساحات آمنة للتجربة، والانتماء، والمبادرة، ومن هنا، يمكن للأندية الرياضية أن تتحول إلى أحد المسارات العملية لترجمة الرؤية الوطنية على أرض الواقع، حين تنتقل من كونها منشآت للرياضة إلى منصات لبناء الإنسان.

إن الرياضة، حين تُدار برؤية وطنية واسعة، لا تصنع لاعبًا فقط، بل تصنع شخصية، فاللاعب يتعلم الالتزام من موعد التدريب، ويتعلم القيادة من روح الفريق، ويتعلم الصبر من الخسارة، ويتعلم الانتماء حين يرتدي شعار ناديه، ويتعلم المواطنة حين يدرك أن نجاحه لا ينفصل عن صورة مجتمعه ووطنه، وهذه القيم، إذا أُديرت بوعي، يمكن أن تتحول من ممارسات فردية داخل الملعب إلى ثقافة عامة داخل المجتمع.

وقد أثبتت تجارب عديدة في دول مختلفة أن النادي الرياضي، متى ما خرج من وظيفته التقليدية، يستطيع أن يصبح مركزًا مجتمعيًا فاعلًا، يحتضن الشباب، وينظم طاقتهم، ويربطهم بالتطوع، والصحة، والقيم، والقيادة، والمسؤولية، فهناك أندية تحولت إلى منصات للاندماج المجتمعي، وأخرى أصبحت شريكة في برامج الصحة العامة، وأخرى أسهمت في حماية الشباب من الفراغ والسلوكيات السلبية من خلال برامج منظمة ومستمرة، وهذا يؤكد أن الرياضة ليست ترفًا، بل أداة تنموية إذا أحسنّا توجيهها.

ولتحقيق هذا التحول في بيئتنا الوطنية، يمكن البدء بعدد من الحلول العملية، أولها إنشاء وحدة للأثر المجتمعي والتدريب الشبابي داخل كل نادٍ رياضي، تكون مسؤولة عن تصميم وتنفيذ برامج نوعية في مجالات القيادة، الانضباط، الصحة النفسية، العمل التطوعي، مهارات التواصل، المسؤولية المجتمعية، والهوية الوطنية، ولا تكون هذه البرامج أنشطة موسمية عابرة، بل مسارات مستمرة لها خطط واضحة، ومؤشرات أداء، ونتائج قابلة للقياس.

كما يمكن إطلاق برنامج وطني بعنوان (الأندية تبني الإنسان)، يقوم على شراكة بين الأندية، والمؤسسات التعليمية، والمراكز التدريبية، والقطاع الخاص، بحيث تصبح الأندية بيئة تطبيقية للتدريب غير النظامي، فالمدرسة والجامعة تقدمان المعرفة، بينما يستطيع النادي أن يحول هذه المعرفة إلى ممارسة وسلوك وتجربة حية.

ولا يمكن لهذا التحول أن يعتمد على الأندية وحدها؛ فالقطاع الخاص شريك أساسي في تحويل الرعاية من إعلان تجاري إلى استثمار مجتمعي، فبدل أن تكون رعاية الشركات مجرد شعار على قميص أو لوحة في الملعب، يمكن أن تصبح رعاية لبرامج القيادة، والتطوع، والصحة النفسية، وبناء القيم داخل الأندية، ويمكن للشركات الوطنية أن تتبنى مسارات واضحة مثل: برنامج إعداد القادة الشباب، برنامج الرياضي المسؤول، برنامج سفراء القيم، أو برنامج التطوع الرياضي، وبهذا تتحول المسؤولية المجتمعية من مبادرات متفرقة إلى أثر شبابي مستدام.

ومن المهم كذلك أن يُعاد النظر في طريقة تقييم الأندية، بحيث لا تُقاس فقط بنتائجها الرياضية، بل أيضًا بحجم أثرها في المجتمع، كم شابًا استفاد من برامجها؟ كم ساعة تطوعية نفذتها؟ كم مبادرة مجتمعية أطلقتها؟ كم شراكة بنتها مع المدارس والجامعات والقطاع الخاص؟ وكم ساهمت في تعزيز السلوك الإيجابي والانتماء والمسؤولية لدى الشباب؟

إن فتح نقاش وطني حول الدور المجتمعي للأندية الرياضية لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح خطوة ضرورية لتعظيم أثر الاستثمار في الرياضة، وتحويل الأندية من مساحات للتنافس الرياضي فقط إلى منصات حية لبناء الإنسان، وتعزيز المواطنة، وترسيخ الانتماء، وتوجيه طاقات الشباب نحو المسؤولية والإنتاج.

إن المطلوب اليوم ليس تحميل الأندية ما لا تحتمل، بل تمكينها لتؤدي دورًا يتناسب مع حجم الاستثمار الوطني في الرياضة، ومع احتياجات الشباب في هذه المرحلة، فالنادي الذي يخرّج لاعبًا ناجحًا يضيف للرياضة، أما النادي الذي يخرّج شابًا منضبطًا، واعيًا، مبادرًا، ومحبًا لوطنه، فإنه يضيف للدولة.

وهنا تكمن ال

نقلة الحقيقية: من أندية تنافس في الملاعب، إلى مؤسسات تشارك في صناعة الإنسان، ومن رياضة تُقاس بنتائج المباريات، إلى رياضة تُقاس بأثرها في المجتمع، وهذه هي القيمة الأعمق التي تستحق أن تكون جزءًا من النقاش الوطني حول مستقبل الأندية الرياضية في دولة قطر.

يتبع في المقال القادم.

مساحة إعلانية