رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الثورة ستستقر عندما يكون عمودها الفقري العمال والفلاحين
ويكاد ما يدور في وطني الآن أقرب إلى " الطرق على الصفائح الفارغة "، ضجيج بلا طحن.
بل وصل الأمر أن الأصوات والضجيج راحت تقسم المجتمع دون مبرر غير غياب الوعي بحقائق وبديهيات الفعل الثوري الذي حققه الشعب في ثورته.
وانقسم المجتمع، فقهاء دستور يدعون إلى الدستور أولا، وجانب آخر لا نجد له من مبرر لرفض بديهيات الثورة وقول الفقهاء، إلا نتائج الاستفتاء، وهو قول يراد به باطل، فالقصد اختزال الثورة واغتنام الفرصة التي يعتقدونها، وهؤلاء وجدوا من يكتب لهم وينظر قائلا إن الفريق الأول يفرض وصايته على الشعب وإرادته التي تجلت في نتائج الاستفتاء، وهو في هذا ينسى أنه بفرض إرادته على الثورة ويختزلها باستفتاء دعي إليه على غير حاجة، وجرى تجاوزه أيضاً، ولعلهم يذكرون حكمة الثيران " أكلت يوم أكل الثور الأبيض ".
يتزايد الحديث عن غزوة أحد بين المتحاورين في مصر، وموقف رماة النبال الذين أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعتلوا الجبل ولا يغادروه أيا كان موقف القتال، وعندما نجح المسلمون في الجولة الأولى، خالف الرجال فوق الجبل أمر الرسول ونزلوا لجمع الغنائم، فالتف عليهم خيل قريش وانقلبت نتائج المعركة وخسر المسلمون.
ويسوق المجاهد العربي محيي الدين عميمور في حديث عن الثورة المصرية، مثلين من الفتح الإسلامي لمكة المكرمة، الأول عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء "، ويحذر الدكتور من " الطلقاء " في المجتمع بعد الثورة، والثاني بشأن قول الرسول: " من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن ". وينقل عميمور عن كاتب مصري قوله: " إنها كانت عملية الفرز، من دخل البيت الحرام هم الذين كانوا يخفون إسلامهم، ومن دخل بيته لم تصل الدعوة إلى قلبه بعد، أما من دخل بيت أبي سفيان فهم من بقيت في نفوسهم غضاضة تجاه الفتح وانتصار الإسلام ".
انقسمت الأصوات واختلطت في مصر الآن، وجرى استبدال الخصومات، وفي المقال السابق كانت الدعوة إلى لملمة التشتت في المجتمع، وتحديد مهام المرحلة الانتقاليه وبوضوح، ولكن أصحاب الصرخات العالية دخلوا بيت أبي سفيان علهم يأمنون، أو هم بالأحرى يتمنون استبدال استبداد النظام السابق باستبدادهم تحت مقولة إن الشعب أراد وإرادته فوق الجميع، وهم ذاتهم وليس غيرهم يدركون كيف صاغوا تزييف معاني ومضمون الاستفتاء.
الانقسام في المجتمع ليس انقساما مبعثه سياسي بالدرجة الأولى، فالانقسام السياسي لا ينفي حقائق الثورة ولا يتجاهل بديهياتها، فالسؤال السياسي الأساسي لمن يطلبون بيت أبي سفيان قبل العقيدة والمنهج، هؤلاء الذين يهربون إلى الانتخابات قبل الدستور، في أي علم سياسي وجدتم شعبا يختار أفرادا منه ليمثلوه على غير عقد اجتماعي ودون دستور؟. ما الذي يخيفكم من الدستور قبل الانتخابات؟. وكيف تتوقعون أن يقبل بقولكم أحد؟. وكيف تصل بكم الأمور إلى التهديد بمليونية ضد الدستور أولا؟. وكيف تكيدون داخل المجتمع أمرا بين المجلس العسكري والشعب؟ ولماذا تكيدون بين فقهاء الدستور الذين لا يطرحون دستورا ولكنهم يطرحون منهجا وخطة عمل؟ وبأي حق تختزلون الشعب في مائة عضو من مجلس نيابي سيأتي من المجهول؟ راجعوا أنفسكم قبل أن تصل الأمور إلى حالة المواجهة معكم وبيوتكم من زجاج؟ ونحن أحوج ما نكون إلى وحدة كل الشعب لأمرين كلاهما جلل.
نحن نواجه مهام ما بعد الثورة، ومهامها تتعدد وتحتاج إلى رؤية إستراتيجية واحدة لمصر المستقبل، لا تحصر أفقها في المادة الثانية من الدستور التي أقر بها الجميع بمن فيهم البابا شنودة ذاته، وصارت معركة مدعاة أو معركة من لا يريد التقدم إلى صميم قضايا الوطن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ونحن نواجه توترا على الحدود المصرية الشرقية، ورغم أن ثورة يناير أدخلت الشعب الثائر معاملا جديدا على ميزان القوى بيننا وبين العدو الصهيوني، فكيف بكم تحاولون اختزال هذا الثقل الشعبي من المواجهة مع العدو الصهيوني، كيف ؟؟؟؟. وكل معاركنا التي خضناها بعد 1948 كنتم خارج الصف الوطني، بل خرج علينا مرشدكم بتصريح أن الله انتقم منا لأن منكم من كان بالسجون، أي أنكم غير الشعب وغير الوطن وأن أدوات الانتقام لكم كانت إسرائيل وأمريكا وإنجلترا وفرنسا، من أعطاكم السر الإلهي لتتحدثوا عن حكمة الخالق، هل اختصصتم بالله دون الشعب المصري كله، وهل خير أجناد الأرض هم المتاجرون بآلامه والمنفضون عن نضالاته، أليس بينكم رجل رشيد، أم أخذت بعقلكم لحظة الفوضى التي تتحدثون خلالها لتخسروا كل يوم.
أنتم في هذه اللحظات كمن يضرب على الصفائح الفارغة، بلا وعي بحقائق علم الثورة، ولا يشغلكم رغيف الخبز الذي يحصل عليه الفقراء المصريون بشق الأنفس، فقد طالت بكم أزمنة الاكتناز من جهات عديدة، رغم أن بينكم من يراجع نفسه ولكن كما يقول البعض " الجنية شرسة ".
وخرجت الأحزاب والنخب السياسية بمطلب غريب ومريب جديد، هو استفتاء الشعب من جديد على البديهيات، وكأننا أحلنا ثورة الشعب إلى أوراق التصويت، في وقت تجري فيه عمليات الحرب النفسية على أشدها ضد الثورة، سواء بإعلام ناقص أو شاشات تليفزيون تبحث عن الإثارة قبل الإرادة، المنقلبون على الثورة هم " الطلقاء " الذين تحدث عنهم عميمور، وحذر منهم.
الاستفتاء يأتي عندما تحقق الثورة هدفها في التغيير بوضع دستور عبر جمعية تأسيسية يمثل فيها الشعب بكل فئاته، وتقرر رؤية متكاملة اقتصادية وسياسية واجتماعية، يصيغها الفقهاء في نصوص دستورية غير قابلة للتأويل، والدستور أولا كما أنه ليس محلا للاستفتاء، فهذه ثورة أيها السادة، ليس محل استبدال بما يطلق عليه المبادئ فوق الدستورية، فمن يقول بأن هذه مبادئ فوق دستورية؟ هل هو الشعب أم أيا من كان غيره؟.
ووسط كل الضجيج يخرج رئيس حكومة تسيير الأعمال بتصريح بأن الاتجاه إلى الدستور أولا، وكأن الوطن يسترد الوعي بحقائق الثورة وإرادة التغيير، فلا يضرب على الصفيح الفارغ لإحداث ضجيج يطرد به خسوف القمر، ولكنه يتجه بوعي لإقرار أسس الدولة المصرية الحديثة، ويخرج نائب رئيس مجلس الدولة ليهاجم تصريح رئيس الوزراء، وتقود قناة الجزيرة مصر الحملة، وكأنها لم تدرك ملاحظة الشعب عليها بعد دورها في زمن وقائع الأيام الثمانية عشر والذي أكبره الكثيرون، بأنها تحولت إلى بوق لجماعة الإخوان!، مما يستدعي من المشرفين عليها إعادة تقدير الموقف والوقوف إلى جانب إرادة الشعب المصري وليس لصالح جزء منه.
يبقى أن يلتقي المجلس العسكري مع حكومة تسيير الأعمال، ورغم كل الملاحظات التي يسوقها البعض على أحداث وقرارات للمجلس تعرضنا لها من قبل، إلا أنه ما زال بداخلي ثقة أنه سيتجاوز مستشاريه القانونيين إلى إعمال إرادة الثورة، فدرس الفرص الضائعة في مصر يعلمنا جميعا أن الزمن لصالح الشعب ولصالح إرادته، فما الذي يجدينا أن نفقد الفرصة الثورية المتاحة؟، ولصالح من نفقدها؟، وكل ما تبقى أن يوضع جدول زمني واضح من انتخاب الجمعية التأسيسية لوضع الدستور حتى إجراء الانتخابات، وعندها يمكن القول إن مصر عادت إلى سمائها شمس ثورتها وليس القمر الحجري المخسوف وليتوقف ضاربو الصفيح الفارغ عن الضجيج.
وسوف يذكر التاريخ أن جسر الوعي والإرادة قد امتد بين ثورة 25 يناير وبين جماعة من فقهاء الدستور في مصر، وسيكتب التاريخ أسماءهم بأحرف من دم الشهداء، محمد نور فرحات وتهاني الجبالي وحسام عيسى وإبراهيم درويش ورفاق لهم لن تنساهم مصر فقد تولوا الدفاع عن حق الشعب في الدستور أولا.
كتبت إلى د. محيي الدين عميمور معلقا على حديثه " أنت الذي يستحق الشكر، علمتك فترة النضال أن البقاء بين الناس مبرر الوجود فزاد إصرارك على الوجود بالناس، وانتقلت من الجبل أرض المناضلين الحانية إلى أروقة الدبلوماسية المخملية وعدت إلى أرض الفيس بوك مرشدا وداعيا، تتزايد مهامك كقدوة وما أحوج أمتنا إلى مناضلي السلاح والثورة في هذه اللحظات ليعلموا ويرشدوا، نحن نجتهد والشعوب خرجت، منها من عاد إلى مكمنه ومنها من مازال يقتتل، ولكن هناك رؤية مازالت غائمة، بداياتها رفض الشعوب لما كان ولكن الشعوب بلا تنظيم ولا قيادة قد تفقد ما أنجزت. القديم يتصارع مع الجديد ويحاول أن يؤطره في حدود العجز السابق، والجديد وهو يصنع لنفسه مجرى يقتل كل ما هو قديم حتى التاريخ وبلا بديل ". فهل نخرج من موجات الفتنة المتعاقبة إلى طريق الثورة الأبدية؟.
وقال صديقي في لندن إنهم علموا ابنته بالمدارس هناك كيف يدرسون الأفلام السينمائية، وينقدونها، وهي التي لم تحيا مصر ووقائعها إلا عبر المنقول، وبعدما شاهدت فيلم الأرض قالت له " الغالبية من النخبة هناك هم الشيخ حسونة " ! وهو عندها الشخصية الانتهازية كما صورها يوسف شاهين في فيلم الأرض، والذي بدأ حياته مناضلا في ثورة 1919، وقاوم الإنجليز وتم حبسه ونال التعليم الأزهري وصار شيخا وعاد إلى بلدته في أزمة الاستيلاء على الأرض وقطع مياه الري ليخرج على أهله بتجنيب أرضه الدمار دونا عن كل أهل القرية، ويبقى محمد أبو سويلم رفيق رحلة الكفاح كلها، هو الفلاح المرتبط بأرضه وحده ويرويها بدمه.
ستستقر الثورة في مصر عندما يكون عمودها الفقري العمال والفلاحين، فمازالت مصر وطن الفلاحين ووطن العمال.
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
138
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
96
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
99
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4671
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4329
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1488
| 13 مايو 2026