رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
روحانية الميدان تجلت في الإيثار و"الأنا" أطفأت ضوء القمر
الأحداث في مصر تتلاحق، وغالبا ما تخرج عن النص، واللاعبون على المسرح يتزايد انشغالهم يوما بعد يوم بقضايا متعددة تتوحد أحيانا وغالبا ما تختلف، عاشت مصر الغناء الأوبرالي العظيم الذي امتد منذ وقفة الشباب الصامتة في كل ربوع مصر لخالد سعيد سواء دعاء بالرحمة أو طلبا للثأر، في مشهد هو أقرب إلى البروفة الجنرال للخروج العظيم الذي بدأ في الخامس والعشرين من يناير.
تصاعد الخروج العظيم للشعب حتى تحقق عزل الرئيس السابق، وما زال يأتي في صورة زخات بشرية لتصحيح مسار أو للضغط لتحقيق هدف.
ولغياب الثورة عن السلطة، وغياب الرؤية عن الثورة، والتشتت في الخطط الزمنية المطروحة واختلاط الأولويات، اعتقد كل لاعب أن ما يشغل باله من قضايا وعناوين هو الأولى بالرعاية من غيره، كفرقة موسيقية على مسرح الأوبرا، لا أحد يعلم إن كان أعضاؤها من العازفين أو عابري السبيل الذين ساقتهم أقدامهم إلى المسرح وليست قدراتهم، كل منهم يخرج أصواتا، والمايسترو غائب، لم يخوضوا معا بروفة قبل الحفل الكبير، فصار الحفل بروفة لمعزوفة مجهولة المصدر والهدف والمحتوى، وصارت الحياة هي بروفة حياة، والثورة بروفة ثورة.
وكما تصور البعض في إعقاب انتحار الشاب التونسي محمد بوعزيزي، أن الانتحار كان زناد تفجير الثورة التونسية، وتوالت مشاهد الانتحار في الجزائر ومصر، أخطأ البعض الآخر بالاعتقاد أن مجرد الاحتشاد بلا مضمون وتحت أي عنوان هو دلالة إرادة، ويمكنها أن تساوي ثورة شعب.
تتوالى المشاهد في مصر، حصار للإعلام، واغتيال معنوي للقضاة أصحاب الرأي، ولعبة السلم والثعبان في أمر التحقيقات فيما يسمى بالكسب غير المشروع، ثم حلقات حوار مجهولة الأعضاء ويلف غاياتها ضباب كثيف يحول بينها وبين المجتمع، حتى أن دعوة للشباب للاجتماع والمجلس العسكري، الدعوة إلى شباب الثورة، بلا تعريف واضح لمعنى شباب الثورة، وكأن الثورة بلا أب، وأن الشعب خارج الاعتبار.
ضجيج وصخب وصراخ وأمن مفقود.
قضية القضايا في مصر الآن هي الأمن المفقود وليس الدور التائه الباحث عن فارسه، وليس الوعي العائد مغتربا بين أهل الوطن الذين في أشد الحاجة إليه، وليست أيضاً الاعتقاد السائد أن مجرد نطق الكلمة يعادل التجربة، ولا هي ذلك النمو السرطاني لتجمعات تحمل من الثورة والشباب والالتئام مجرد الاسم.
الجميع يرصد نمو الجريمة، وتكاد نسبة عالية منها تقع تحت توصيف الجريمة المنظمة، ويكشف تنوعها حجم العقل المخطط لها، وانتشارها بأنواع من الأسلحة يتجاوز أي تصور عن توافرها وبهذه الكميات، ليست أسلحة بيضاء يمكن تصنيعها ولكنها أسلحة نارية متنوعة تتجاوز حتى بنادق الكلاشينكوف.
وصدر تصريح عن وزير العدل في وزارة تسيير الأعمال أن عدد البلطجية في مصر يصل إلى نصف مليون بلطجي، وأن تكلفة الفرد منهم خمسة آلاف جنيه لليوم الواحد، أي أنهم قادرون على رصدهم عددا، ويعلمون تكلفتهم قطعيا.
وترصد المعلومات أن الأمن بدأ في إعادة الاتصال بالبعض من البلطجية، ربما هؤلاء من كانوا بعيدا عن متناول الأمن في أعقاب خلل إعادة ترتيب البيت الداخلي للأمن، والغريب أن إعادة الاتصال بهم ليست بهدف عزلهم عن المجتمع، ولكن الهدف ما زال مجهولا، والبلطجية من هذا النوع كانوا يبحثون عن مصادر للرزق، والآن توقفوا عن البحث مما يؤكد أنهم استعاضوا عن العمل بأشياء أخرى كمصدر للرزق.
تعدد الجرائم وتنوعها وحدتها وتكرارها في ذات المواقع تؤكد أنه لا رادع لها، وليس للمجرمين خشية من مواجهة أجهزة الأمن.
وانتقلت الجرائم من سرقة كابلات التليفونات، إلى الاختطاف لرجال وسيدات، وإن كانت جريمة اختطاف السيدات مبررة جنسيا، إلا أن اختطاف الرجال أمر لا تفسير له إلا الثأر، أو مجرد الترويع، فالإنسان من دون حماية له سلعة سهلة ورخيصة. ووصل الأمر إلى القرصنة على الطرق بين المدن، وبتكتيكات متنوعة وتنتهي إما باقتناص السيارات وما يمتلكه ركابها، أو يضاف إليها قتل الركاب أيضا.
وضاعف من أثر هذه الجرائم ومعدلات تكرارها، انعدام أي خطة أمنية محسوسة لمواجهتها، وعلى حد تعبير أحد الخبراء الأمنيين، "نحن يجب ألا ننتظر خروج البلطجية إلينا، بل المفروض أن مواقعهم ونوعياتهم مرصودة وهم معروفون على الأقل بنسبة %80، ويجب أن نذهب إليهم، إعمالا لقاعدة أن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع". وتتسرب أنباء عن تعليمات أمنية تطالب الضباط والقيادات المحلية بالهدوء والتروي والتزام الحذر. وبلغ الأمر داخل مؤسسة الشرطة بعدم إلزام رجالها بتنفيذ خطة الأمن أيا كان استغراقها للوقت، ولكن تم تحديد ساعات للعمل الوظيفي، وتحديد مقابل لساعات العمل الإضافية، في حال القبول بالعمل الإضافي، بمبالغ تبلغ 1.5 جنيه للساعة للرتب العظيمة، فما بالنا بالرتب الأقل، وكأن صانع القرار يقول لهم الزموا منازلكم بعد ساعات العمل الرسمية.
وانتقل مفهوم العمل الشرطي من كونه رسالة، إلى أنه وظيفة. ففقد الدافع الرئيسي في العقيدة والمنهج التي تحكم أداء عناصره.
ومن جانب آخر، يخرج وزير داخلية تسيير الأعمال بتصريحات لا تطفئ جذوة الغضب الشعبي من ممارسات الشرطة السابقة حتى يوم 28 يناير يوم مذبحة جمعة الغضب، تصريحات من نوع أن من قتلوا في المظاهرات والهجوم على مقار الشرطة ليسوا شهداء بل "بغاة"، وأن الشرطة كانت في حالة دفاع عن النفس، وبينما يعلم الجميع المسؤولون عن المواجهات الدامية، يتم نقلهم إلى وظائف أكثر سخاء ماليا، وكأن الجهاز يكيد للشعب، وبدلا من إزاحة الفاسدين والمسؤولين عن الجرائم، والدفع بالعناصر غير المتهمة بكل هذا، يتم التحريض بوجوب اعتذار الشعب للشرطة. وتتباطأ عملية المحاكمات، بل وتطلب النيابة شهود رؤية قطعية لعمليات القتل من هذا الفرد الشرطي لذلك الشهيد.
ووصل الأمر بعلامات الاستفهام إلى حد القول إنها خطة منهجية لإثارة الفوضى والغياب عن أداء الدور الأمني، لشغل المجتمع والمواطنين عن قضايا الحياة وإعادة البناء.
وتتصاعد ردود الفعل الشعبية العفوية على أداء بعض رجال الشرطة إلى حد حرق قسم الأزبكية بوسط العاصمة لاعتقاد تسرب إلى الأهالي أن الشرطة قتلت سائق سيارة ميكروباص.
وتنتقل اللائمة إلى كيف نعيد تأهيل الشعب للتعامل مع الشرطة بديلا عن تأهيل أفراد الشرطة لأداء دورهم، وقبل ذلك تأهيل البيئة التي يعملون فيها بإجراءات توضح أن التطهير يتم بعزل كل الفاسدين والمتهمين لحين صدور الأحكام في أمرهم، وعند وضوح هذا الأمر أمام المواطنين، سيكون هناك بالقطع إمكانية لتصديق مقولة إن تغييرا تم في منهج الشرطة في التعامل، أما سياسة المكابرة التي تتبعها وزارة الداخلية صارت هي أداة الاستفزاز الرئيسية للمواطنين.
الأمن مسؤولية الجميع الجيش والشرطة والشعب، وبدون هذه المنظومة المتكاملة، فلن يتحقق أمن في بيئة ترفض سلوكيات سابقة ولم تتيقن من جدية التغيير في السلوك والهدف، بل وصل الأمر من تخوف أن عودة الشرطة تعني بدء حملة الانتقام من الشعب.
إن المقاومة الوطنية للمحتل الأجنبي تبني بيئة صديقة لها بين شعبها الذي تهدف إلى تحريره، فما بالنا بشرطة وطنية تواجه الجريمة ومدى حاجتها إلى بيئة صديقة وآمنة تتحرك خلالها، والأمر لا يكلف إلا الصدق وإجراءات طبيعية لمن هم تحت المحاكمة أو متهمون إلى أن تثبت براءتهم أو إدانتهم.
وتجاوز الأمر في العناد إلى مواجهة في دائرة القضاء، ويجري تقديم ثلاثة قضاة إلى التحقيق لظهورهم في أجهزة الإعلام وإعلان آراء لهم في شأن قضايا المجتمع الحالية.
ويبلغ الأمر أن تنعقد الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية يوم الثلاثاء 31 مايو، وتصدر قرار بحظر ظهور أعضاء المحكمة والمفوضين، في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وكذلك عدم المشاركة في أي ندوات أو مؤتمرات، أو الحديث فيما يتعلق بالشأن العام والأحداث الجارية. وكأن القرار يقول بمنع المستشارة تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية بالذات من دورها المجتمعي والبعيد عن الممارسة السياسية، وذلك بعد أن قادت حملة ضد تأجيل الدستور ضمن مجموعة من أساتذة القانون وفقهائه، وكانت هي وسط الكوكبة نجما بازغا طافت محافظات مصر وأجهزة الإعلام شارحة معنى الدستور ولماذا، ووجوب أن يسبق أي انتخابات، ووصل الوعي بالقضية إلى الشعب، وجاء قرار الجمعية العمومية متأخرا وبلا تأثير، بل اصطف العديد من أساتذة القانون للدفع بعدم دستورية هذا القرار لأنه يمنع مواطنا من حق إبداء الرأي الذي يكفله الدستور.
وانتقلنا من أن الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا هي الحامية للدستور إلى كونها معتدية عليه، ضربة أخرى إلى البيئة الآمنة، ومسار جديد تنتهجه مراكز القوى المضادة للثورة، وهو مسار الاغتيال المعنوي لعناصر الوعي والريادة داخل المجتمع.
وتتداعى أسئلة حول ما كان وما هو الممكن:
هل كان من الخطأ ترك ميدان التحرير؟ وهل يمكن تصحيح الخطأ؟
هل الانفلات الأمني دلالة عجز وقصور في الأداء أم أنه خطة منهجية لحصار الثورة؟
هل نلطم الخدود أم ننتقل إلى استكمال أداء كانت آخر مشاهده المضيئة جمعة الغضب الثانية؟
أليس بينهم عقل رشيد نستدعيه دون أن يمن علينا بفضل الانحياز للثورة الغائبة عن الواقع في اللحظة الراهنة، أو أن يتمترس خلف ادعاء القوة وامتلاك حق الإحالة للمحاكمات العسكرية؟
أعتقد نعم يمكن للشعب تحقيق أهدافه بالخروج الثالث، وتحمل مسؤولية الأمن مباشرة عبر اللجان الشعبية كما حققها يوم 27 مايو في جمعة الغضب الثانية، وها هي دعوة جديدة تنادي بالخروج يوم العاشر من يونيو في جمعة استعادت الأمن للمواطن، وهو ما يعني أن الغياب عن الميادين هو مقتل الثورة والاحتشاد فيها هو ضمانة استمرارها.
كتبت بائعة الذهب من أهل التحرير تصف الحال " تجلت روحانية الميدان في الإيثار.. فما إن تذكر كل منا تلك "الأنا" حتى انطفأ ضوء القمر.. فلم نعد نستبين الطريق".
أيها السادة نحن نحيا ثورة وليست بروفة ثورة.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
39510
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7092
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5367
| 13 سبتمبر 2026