رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
روحانية الميدان تجلت في الإيثار و"الأنا" أطفأت ضوء القمر
الأحداث في مصر تتلاحق، وغالبا ما تخرج عن النص، واللاعبون على المسرح يتزايد انشغالهم يوما بعد يوم بقضايا متعددة تتوحد أحيانا وغالبا ما تختلف، عاشت مصر الغناء الأوبرالي العظيم الذي امتد منذ وقفة الشباب الصامتة في كل ربوع مصر لخالد سعيد سواء دعاء بالرحمة أو طلبا للثأر، في مشهد هو أقرب إلى البروفة الجنرال للخروج العظيم الذي بدأ في الخامس والعشرين من يناير.
تصاعد الخروج العظيم للشعب حتى تحقق عزل الرئيس السابق، وما زال يأتي في صورة زخات بشرية لتصحيح مسار أو للضغط لتحقيق هدف.
ولغياب الثورة عن السلطة، وغياب الرؤية عن الثورة، والتشتت في الخطط الزمنية المطروحة واختلاط الأولويات، اعتقد كل لاعب أن ما يشغل باله من قضايا وعناوين هو الأولى بالرعاية من غيره، كفرقة موسيقية على مسرح الأوبرا، لا أحد يعلم إن كان أعضاؤها من العازفين أو عابري السبيل الذين ساقتهم أقدامهم إلى المسرح وليست قدراتهم، كل منهم يخرج أصواتا، والمايسترو غائب، لم يخوضوا معا بروفة قبل الحفل الكبير، فصار الحفل بروفة لمعزوفة مجهولة المصدر والهدف والمحتوى، وصارت الحياة هي بروفة حياة، والثورة بروفة ثورة.
وكما تصور البعض في إعقاب انتحار الشاب التونسي محمد بوعزيزي، أن الانتحار كان زناد تفجير الثورة التونسية، وتوالت مشاهد الانتحار في الجزائر ومصر، أخطأ البعض الآخر بالاعتقاد أن مجرد الاحتشاد بلا مضمون وتحت أي عنوان هو دلالة إرادة، ويمكنها أن تساوي ثورة شعب.
تتوالى المشاهد في مصر، حصار للإعلام، واغتيال معنوي للقضاة أصحاب الرأي، ولعبة السلم والثعبان في أمر التحقيقات فيما يسمى بالكسب غير المشروع، ثم حلقات حوار مجهولة الأعضاء ويلف غاياتها ضباب كثيف يحول بينها وبين المجتمع، حتى أن دعوة للشباب للاجتماع والمجلس العسكري، الدعوة إلى شباب الثورة، بلا تعريف واضح لمعنى شباب الثورة، وكأن الثورة بلا أب، وأن الشعب خارج الاعتبار.
ضجيج وصخب وصراخ وأمن مفقود.
قضية القضايا في مصر الآن هي الأمن المفقود وليس الدور التائه الباحث عن فارسه، وليس الوعي العائد مغتربا بين أهل الوطن الذين في أشد الحاجة إليه، وليست أيضاً الاعتقاد السائد أن مجرد نطق الكلمة يعادل التجربة، ولا هي ذلك النمو السرطاني لتجمعات تحمل من الثورة والشباب والالتئام مجرد الاسم.
الجميع يرصد نمو الجريمة، وتكاد نسبة عالية منها تقع تحت توصيف الجريمة المنظمة، ويكشف تنوعها حجم العقل المخطط لها، وانتشارها بأنواع من الأسلحة يتجاوز أي تصور عن توافرها وبهذه الكميات، ليست أسلحة بيضاء يمكن تصنيعها ولكنها أسلحة نارية متنوعة تتجاوز حتى بنادق الكلاشينكوف.
وصدر تصريح عن وزير العدل في وزارة تسيير الأعمال أن عدد البلطجية في مصر يصل إلى نصف مليون بلطجي، وأن تكلفة الفرد منهم خمسة آلاف جنيه لليوم الواحد، أي أنهم قادرون على رصدهم عددا، ويعلمون تكلفتهم قطعيا.
وترصد المعلومات أن الأمن بدأ في إعادة الاتصال بالبعض من البلطجية، ربما هؤلاء من كانوا بعيدا عن متناول الأمن في أعقاب خلل إعادة ترتيب البيت الداخلي للأمن، والغريب أن إعادة الاتصال بهم ليست بهدف عزلهم عن المجتمع، ولكن الهدف ما زال مجهولا، والبلطجية من هذا النوع كانوا يبحثون عن مصادر للرزق، والآن توقفوا عن البحث مما يؤكد أنهم استعاضوا عن العمل بأشياء أخرى كمصدر للرزق.
تعدد الجرائم وتنوعها وحدتها وتكرارها في ذات المواقع تؤكد أنه لا رادع لها، وليس للمجرمين خشية من مواجهة أجهزة الأمن.
وانتقلت الجرائم من سرقة كابلات التليفونات، إلى الاختطاف لرجال وسيدات، وإن كانت جريمة اختطاف السيدات مبررة جنسيا، إلا أن اختطاف الرجال أمر لا تفسير له إلا الثأر، أو مجرد الترويع، فالإنسان من دون حماية له سلعة سهلة ورخيصة. ووصل الأمر إلى القرصنة على الطرق بين المدن، وبتكتيكات متنوعة وتنتهي إما باقتناص السيارات وما يمتلكه ركابها، أو يضاف إليها قتل الركاب أيضا.
وضاعف من أثر هذه الجرائم ومعدلات تكرارها، انعدام أي خطة أمنية محسوسة لمواجهتها، وعلى حد تعبير أحد الخبراء الأمنيين، "نحن يجب ألا ننتظر خروج البلطجية إلينا، بل المفروض أن مواقعهم ونوعياتهم مرصودة وهم معروفون على الأقل بنسبة %80، ويجب أن نذهب إليهم، إعمالا لقاعدة أن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع". وتتسرب أنباء عن تعليمات أمنية تطالب الضباط والقيادات المحلية بالهدوء والتروي والتزام الحذر. وبلغ الأمر داخل مؤسسة الشرطة بعدم إلزام رجالها بتنفيذ خطة الأمن أيا كان استغراقها للوقت، ولكن تم تحديد ساعات للعمل الوظيفي، وتحديد مقابل لساعات العمل الإضافية، في حال القبول بالعمل الإضافي، بمبالغ تبلغ 1.5 جنيه للساعة للرتب العظيمة، فما بالنا بالرتب الأقل، وكأن صانع القرار يقول لهم الزموا منازلكم بعد ساعات العمل الرسمية.
وانتقل مفهوم العمل الشرطي من كونه رسالة، إلى أنه وظيفة. ففقد الدافع الرئيسي في العقيدة والمنهج التي تحكم أداء عناصره.
ومن جانب آخر، يخرج وزير داخلية تسيير الأعمال بتصريحات لا تطفئ جذوة الغضب الشعبي من ممارسات الشرطة السابقة حتى يوم 28 يناير يوم مذبحة جمعة الغضب، تصريحات من نوع أن من قتلوا في المظاهرات والهجوم على مقار الشرطة ليسوا شهداء بل "بغاة"، وأن الشرطة كانت في حالة دفاع عن النفس، وبينما يعلم الجميع المسؤولون عن المواجهات الدامية، يتم نقلهم إلى وظائف أكثر سخاء ماليا، وكأن الجهاز يكيد للشعب، وبدلا من إزاحة الفاسدين والمسؤولين عن الجرائم، والدفع بالعناصر غير المتهمة بكل هذا، يتم التحريض بوجوب اعتذار الشعب للشرطة. وتتباطأ عملية المحاكمات، بل وتطلب النيابة شهود رؤية قطعية لعمليات القتل من هذا الفرد الشرطي لذلك الشهيد.
ووصل الأمر بعلامات الاستفهام إلى حد القول إنها خطة منهجية لإثارة الفوضى والغياب عن أداء الدور الأمني، لشغل المجتمع والمواطنين عن قضايا الحياة وإعادة البناء.
وتتصاعد ردود الفعل الشعبية العفوية على أداء بعض رجال الشرطة إلى حد حرق قسم الأزبكية بوسط العاصمة لاعتقاد تسرب إلى الأهالي أن الشرطة قتلت سائق سيارة ميكروباص.
وتنتقل اللائمة إلى كيف نعيد تأهيل الشعب للتعامل مع الشرطة بديلا عن تأهيل أفراد الشرطة لأداء دورهم، وقبل ذلك تأهيل البيئة التي يعملون فيها بإجراءات توضح أن التطهير يتم بعزل كل الفاسدين والمتهمين لحين صدور الأحكام في أمرهم، وعند وضوح هذا الأمر أمام المواطنين، سيكون هناك بالقطع إمكانية لتصديق مقولة إن تغييرا تم في منهج الشرطة في التعامل، أما سياسة المكابرة التي تتبعها وزارة الداخلية صارت هي أداة الاستفزاز الرئيسية للمواطنين.
الأمن مسؤولية الجميع الجيش والشرطة والشعب، وبدون هذه المنظومة المتكاملة، فلن يتحقق أمن في بيئة ترفض سلوكيات سابقة ولم تتيقن من جدية التغيير في السلوك والهدف، بل وصل الأمر من تخوف أن عودة الشرطة تعني بدء حملة الانتقام من الشعب.
إن المقاومة الوطنية للمحتل الأجنبي تبني بيئة صديقة لها بين شعبها الذي تهدف إلى تحريره، فما بالنا بشرطة وطنية تواجه الجريمة ومدى حاجتها إلى بيئة صديقة وآمنة تتحرك خلالها، والأمر لا يكلف إلا الصدق وإجراءات طبيعية لمن هم تحت المحاكمة أو متهمون إلى أن تثبت براءتهم أو إدانتهم.
وتجاوز الأمر في العناد إلى مواجهة في دائرة القضاء، ويجري تقديم ثلاثة قضاة إلى التحقيق لظهورهم في أجهزة الإعلام وإعلان آراء لهم في شأن قضايا المجتمع الحالية.
ويبلغ الأمر أن تنعقد الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية يوم الثلاثاء 31 مايو، وتصدر قرار بحظر ظهور أعضاء المحكمة والمفوضين، في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وكذلك عدم المشاركة في أي ندوات أو مؤتمرات، أو الحديث فيما يتعلق بالشأن العام والأحداث الجارية. وكأن القرار يقول بمنع المستشارة تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية بالذات من دورها المجتمعي والبعيد عن الممارسة السياسية، وذلك بعد أن قادت حملة ضد تأجيل الدستور ضمن مجموعة من أساتذة القانون وفقهائه، وكانت هي وسط الكوكبة نجما بازغا طافت محافظات مصر وأجهزة الإعلام شارحة معنى الدستور ولماذا، ووجوب أن يسبق أي انتخابات، ووصل الوعي بالقضية إلى الشعب، وجاء قرار الجمعية العمومية متأخرا وبلا تأثير، بل اصطف العديد من أساتذة القانون للدفع بعدم دستورية هذا القرار لأنه يمنع مواطنا من حق إبداء الرأي الذي يكفله الدستور.
وانتقلنا من أن الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا هي الحامية للدستور إلى كونها معتدية عليه، ضربة أخرى إلى البيئة الآمنة، ومسار جديد تنتهجه مراكز القوى المضادة للثورة، وهو مسار الاغتيال المعنوي لعناصر الوعي والريادة داخل المجتمع.
وتتداعى أسئلة حول ما كان وما هو الممكن:
هل كان من الخطأ ترك ميدان التحرير؟ وهل يمكن تصحيح الخطأ؟
هل الانفلات الأمني دلالة عجز وقصور في الأداء أم أنه خطة منهجية لحصار الثورة؟
هل نلطم الخدود أم ننتقل إلى استكمال أداء كانت آخر مشاهده المضيئة جمعة الغضب الثانية؟
أليس بينهم عقل رشيد نستدعيه دون أن يمن علينا بفضل الانحياز للثورة الغائبة عن الواقع في اللحظة الراهنة، أو أن يتمترس خلف ادعاء القوة وامتلاك حق الإحالة للمحاكمات العسكرية؟
أعتقد نعم يمكن للشعب تحقيق أهدافه بالخروج الثالث، وتحمل مسؤولية الأمن مباشرة عبر اللجان الشعبية كما حققها يوم 27 مايو في جمعة الغضب الثانية، وها هي دعوة جديدة تنادي بالخروج يوم العاشر من يونيو في جمعة استعادت الأمن للمواطن، وهو ما يعني أن الغياب عن الميادين هو مقتل الثورة والاحتشاد فيها هو ضمانة استمرارها.
كتبت بائعة الذهب من أهل التحرير تصف الحال " تجلت روحانية الميدان في الإيثار.. فما إن تذكر كل منا تلك "الأنا" حتى انطفأ ضوء القمر.. فلم نعد نستبين الطريق".
أيها السادة نحن نحيا ثورة وليست بروفة ثورة.
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
129
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
96
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
99
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4326
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4008
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1473
| 13 مايو 2026