رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الثورة قمة النضج البشري عقلا ووجدانا وإرادة
كان الخروج الثاني يوم 8 يوليو إعلانا بثورة ثانية داخل الثورة، تجاوز مجرد المظاهرة، إلى إعلان جديد للثورة الثانية بعد أن استنفدت الموجة الأولى طاقاتها في مقاومة كل محاولات الانقلاب عليها، وحالة الانفلات الأمني، ورغم أن العناوين الأساسية كانت تطالب بالتطهير، أي العودة إلى المربع رقم 1 من عمليات الثورة، غير أنها كانت تعيد إحياء إستراتيجية الثورة "الخبز (العيش) ـ الحرية (الكرامة) ـ العدالة الاجتماعية". كانت شوارع المدن فارغة وقت التجمع، وبدون أي جرائم، وتوقف الانفلات الأمني مع سكون الشرطة بعيدا عن الشوارع ومدرعات الجيش تحمي أقسام الشرطة.
كشفت الأنباء عن محاولات كانت تجري للإعداد لاعتداءات على المتظاهرين وتم إجهاضها، في القاهرة والسويس والإسماعيلية، ودخلت "الغرف التجارية" إلى دائرة التخطيط والتمويل لعناصر البلطجة، إلا أن المظاهرات الشعبية تجنبت الصدام، وفوتت الفرصة على محاولات اختراق التجمعات وتصرفت بعقل بارد وثقافة "أمن المظاهرات" مما أدى إلى نجاح البداية وتأمينها واستمرارها.
التصرفات على الجانب الآخر من المجلس العسكري وحكومة تسيير الأعمال كانت غامضة ووصلت إلى حد الريبة.
نعم تصاعدت بعض الهتافات ضد المجلس العسكري ولكنها كانت تعبر عن لون آخر من الحرب النفسية تديرها عناصر النظام السابق بكافة انتماءاتها ومحورها: ماذا ستفعل الثورة التي لن يتم تمكينها من أهدافها؟، وكأنهم يملكون إستراتيجية المجلس العسكري، وساعد على هذا تصرفات تمت حيال أسر الشهداء أو المتهمين بالقتل وقضايا الكسب غير المشروع.
والتقيت جنرالا سابقا بالطيران في مناسبة اجتماعية مساء يوم السبت 9 يوليو، ورغم العديد من الآراء المنطقية إلا أن الخبر الرئيس الذي كان يؤكد عليه أن الجيش لن يتنازل عن حكم البلاد رغم كل ما يدور من أحاديث داخل المجتمع، وأن مرشحهم هو أحمد شفيق وظل يؤكد ويستدل على حديثه باستفتاء نشره المجلس العسكري حول المرشحين للرئاسة وإضافة اسمي أحمد شفيق وعمر سليمان إلى القائمة التي يجري الاستفتاء حولها.
وصباح الأحد 10 يوليو تناقلت شبكة الإنترنت صورة التقطت في حفل تخريج دفعة جديدة للكلية الجوية، وأحمد شفيق يجلس في منصة الاحتفال بالصف الأول إلى جوار رئيس الأركان المصري.
استفزاز لا حدود له للشعب وإرادته، وكأنه إعلان لموقف مضاد لخيارات الثورة والشعب.
قد يقول قائل إن أحمد شفيق كان حاضرا بصفته قائدا سابقا للقوات الجوية، وهي التي دفعت بطائرتين أف 16 لتحلقا فوق رؤوس المتظاهرين بالتحرير قبل خلع مبارك، كان الحديث يومها أن القوات الجوية تعلن حمايتها للمخلوع، فهل اليوم تعلن القوات الجوية المصرية والمجلس العسكري احتضانهم لأحمد شفيق رغم إرادة الشعب؟، الصورة على أي نحو تزيد من غموض المواقف والريبة تجاه النوايا، وتكاد تعلن موقفا وتتحدى مشاعر الشعب وإرادته التي أقالت شفيق من منصبه كرئيس وزراء عينه مبارك قبل خلعه، واعتبر من رموز النظام السابق وهناك تحقيقات تجري حول اتهامات وجهت إليه أمام الكسب غير المشروع.
رفضت الموجة الأولى للثورة أحمد شفيق، وخرج من الوزارة رغم بكاء د.يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء الحالي على رحيله!!
ظهور الرجل على هذا النحو يؤكد أن هناك تعددا لمراكز القوى داخل المؤسسة، وأن عدم الاستقرار هناك يعكس نفسه على قرارات المجلس واستجابته المترددة لاحتياجات وضرورات المرحلة الانتقالية.
مراحل تعامل المجلس العسكري مع الثورة وأهدافها أثارت من الأسئلة والريبة أكثر مما أكدت على صحة التفهم والانتماء. فهل نحن ذاهبون إلى صراع إرادات جديد، لاختلال في الوعي بما جرى في كونه ثورة شعب، وخلل في فرز العناصر وانتماءاتها؟، سؤال جديد يفتح أبواب جهنم وقد ينتقل بالثورة من كونها ثورة سلمية رغم دماء الشهداء والمصابين، إلى طبيعة جديدة مغايرة جذريا، إن جرى حساب الجيش الوطني في غير خندق الثورة والشعب، وهو ما يلقي على الجيش مسؤولية الحيلولة دون ذلك الاعتقاد فبقدر حاجة الشعب إلى الجيش للحيلولة دون إجهاض الثورة فالجيش يحتاج الجبهة الداخلية المتماسكة في مواجهة العدو.
ويخرج د.عصام شرف على شاشة التلفزيون باختراق ناعم لحالة الصمت التي واجهت المشهد العظيم ليوم الجمعة، وركن في حديثه إلى استجابات لمطالب المحاكمات وإقالة المتهمين بقتل المتظاهرين والإعلان عن إعانات للشهداء والمصابين وتخصيص دوائر لمتابعة المحاكمات دون إجازات.
لم يمس الحديث جوهر قضايا التطهير، مما أفقده البعد السياسي للحديث، وأفقده زمام الأمور وصار الحديث مجرد هرولة خلف مطالب المتظاهرين، وبلغ بالبعض تشبيه الحديث بحديث مبارك الأول بعد 25 يناير، والذي وصل إلى الناس محرضا أكثر منه مقنعا بأنه استوعب الدرس.
فقدان الوزارة الانتقالية للمبادأة وأد احتمالات الحل السياسي ووضع الجميع أمام أزمة لم تصل إلى ذروتها بعد، وافتقاد هذه الفرصة سيؤدي حتما إلى مواجهة قد تسيل فيها مزيد من الدماء، فالتوجه إلى العصيان المدني يعني تعطيل مرافق الحياة في المجتمع، وهو ما قد يستدعي إجراءات للحيلولة دون ذلك، وهو ما سيعود بنا إلى تصرفات الداخلية خلال الأيام الأربعة الأولى للثورة، وعندها فقدت الشرطة السيطرة وانسحبت، لكن كان وراءها قوة أخرى يمكنها السيطرة على الأمور وهي القوات المسلحة، ولكن الوصول إلى نقطة صدام مع الجيش لن تكون لحظة مقبولة ولا هي مطلوبة، واستمرار الصمت دون اتخاذ إجراءات جذرية تنم عن الاستجابة لإستراتيجية الثورة، تدفع إلى الصدام دون بديل.
وفي الوقت الذي كان رئيس الوزراء يتحدث فيه عن قراراته السبعة وأولها إقالة الضباط المتهمين كان وزير الداخلية يتحدث حديثا مغايرا على قناة أخرى، ويهدد بالاستقالة وأنه لن ينفذ قرارات شرف إلا طبقا للقانون، دلالة أخرى على تعدد المحاور والإرادات بين وزراء حكومة تسيير الأعمال، فكيف اتخذ رئيس الوزراء قرارا دون التشاور مع الوزير، نوع من عشوائية القرار.
وظهر يوم الأحد 10 يوليو تظاهر ضباط الشرطة أمام وزارة الداخلية بقيادة ائتلاف ضباط الشرطة وأعلنوا رفضهم قرار رئيس الوزراء بإقالة المتهمين وطالبوا بمحاكمة عادلة لهم.
ويعلم ضباط الشرطة حقيقة عمليات القتل، ومؤامرة إطلاق الرصاص التي أعقبت خلع مبارك، ويعلمون حقيقة القناصة، وأكثر من هذا يعلمون مدى الفساد داخل الجهاز وعناصره، ويرصد ضباط الأمن المركزي في قطاع القناة دور قائد القطاع قبل الثورة في بناء شاليهات وفيلات لقيادات الداخلية على الشاطئ الشمالي لسيناء، وعلى الرغم من ذلك لم يعلن ائتلاف الضباط أو من خارجه من هم قاتلو المتظاهرين بل وتتواطأ بعض عناصر التحقيق مع القتلة، ويطالبون بشهود أن الضابط "س" قتل المتظاهر "ص"، ويطالبون بسلاح القتل وفوارغ الطلقات!!
شواهد لاحتمالات الانقسام داخل المجلس العسكري، وداخل الحكومة، ويمتد إلى مرشحي الرئاسة فيدعو محمد العوا إلى فض الاعتصامات والاكتفاء بالتظاهر، وهو من رفض المظاهرة يوم 8 يوليو وبمجرد تمامها ذهب إليهم ليخطب فيهم، بينما البرادعي يدعو الحكومة إلى اتخاذ قرارات واضحة وقاطعة بالاستجابة إلى مطالب المتظاهرين.
وتتصاعد الحدة في السويس والمستمرة من قبل 8 يوليو وتصل إلى مواجهة بين الشرطة العسكرية والمعتصمين على طريق السخنة عندما أغلقه المتظاهرون، ويحاول آخرون منع استخدام مبنى إدارة الملاحة ببور توفيق ويتدخل الجيش ويقوم باحتلال الموقع، ويبدأ بعض المعتصمين إضرابا عن الطعام، وهو تطور آخر، وتتصاعد المطالب الشعبية بقطع الملاحة في القناة.
وفي الإسكندرية يقطع المعتصمون طريق الكورنيش عند جامع القائد إبراهيم. وفي الإسماعيلية يعتصم المتظاهرون أمام مديرية الأمن، ويحيط الجيش مبنى المحافظة بالأسلاك الشائكة وتحويل الطريق أمامها تحسبا لأي تطورات.
ويغلق المعتصمون في التحرير مبنى "المجمع" الإداري، ويمنعون الموظفين من الدخول، وتتسرب أفكار عن إيقاف خطوط مترو الأنفاق ابتداء من الإثنين، وإن لم يصدر بعد قرار بهذا.
انشطارات عديدة، والجميع يلقي بآخر أوراقه.
مسار المظاهرات يتحول إلى العصيان المدني
والمجلس العسكري يكتفي بردود الفعل وببطء، وينشر صورة لأحمد شفيق في حفل تخرج دون أي داع سوى إرسال رسالة عكسية إلى الثورة.
وحكومة تسيير الأعمال تتخبط وتفتقد القدرة السياسية على إدراك إستراتيجية الثورة وتكتفي بملاحقة المطالب الجزئية للمحاكمات وإعانات للشهداء والمصابين دون تحويل المطالب الأساسية للثورة "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" إلى خطة عمل ومهام قابلة للتنفيذ.
الحديث من الشعب عن الأداء من حيث الاتجاه والمضمون والقوة والمعدل، بينما الحديث المقابل عن الثقة والخطوط الحمراء والصبر. وحوار الطرشان هذا بين الطرفين سيؤدي إلى نقطة أقصى تطور في الأزمة بين الطرفين.
هل هناك من يريد إجهاض الثورة؟ نعم.
هل هناك من يريد تقزيم الثورة عند حدود وعيه القاصر؟ نعم.
هل هناك من يتربص بمصر من الخارج وله في الداخل أنصار وأصحاب مصالح؟ نعم.
هل إستراتيجية الثورة واضحة؟ نعم "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية".
هل يمكن تحقيقها؟ نعم.
ما شرط التحقيق؟ أن ينتمي إليها المجلس العسكري مصدر القرار وحكومة انتقالية تستطيع إدراك مسؤولياتها وتعمل على تحقيقها.
هل هناك قوى سياسية قادرة على قيادة الجماهير؟ لا فقد تجاوز الشعب الجميع وسقطت القوى في بئر "الأنا" ملطخة بدماء الشهداء.
هل يملك الشعب بديلا عن التظاهر؟ نعم التظاهر والاعتصام والعصيان المدني.
هل هناك ما ينقص حركة الاعتصام المدني؟ نعم أن ترتقي كل قوى المجتمع إلى ما وصل إليه الشباب والمعتصمون والمتظاهرون في مدن مصر.
الحركة تحتاج في هذه اللحظة كافة النقابات المهنية والعمالية والعمال في المصانع وعلى وجه الخصوص في المحلة الكبرى، والتي تبدو علامة استفهام كبيرة.
انتقل الحوار من أيهما يسبق الآخر، الدستور أم الانتخابات، إلى الحوار كيف نسترد الشرعية الثورية وما الذي يترتب عليها؟
سقطت الأشهر الماضية يوم 8 يوليو وسقطت معها كل محاولات الانحراف بالثورة وكانت أشد المؤامرات التي جاءت من قوى ظلت حبيسة الظلام إلى أن أسقطت الثورة رأس النظام وجهاز الأمن التابع له.
الذين يمضغون الكلمات ويقولون إن الثورة تحتاج إلى العقلاء وليس إلى الثائرين أبدا، هؤلاء لا يعون ما يقولون.
فالثورة قمة النضج البشري، عقلا ووجدانا وإرادة، أما حديث العقلاء فهم يعنون به أن يصيب الثوار خبالا وليس أن يعقلوا أمرهم. العقل الآن يريد الثورة الثانية، ويفرض خيار العصيان المدني، بديلا وحيدا أمام الثوار.
ويبقى بديل في المجهول، أن يأتي من خارج المشهد من ينتمي إلى الثورة ويفرض استيلاؤها على السلطة تجسيدا لإرادة الشعب وواعيا بمهام المرحلة الانتقالية الحقيقية وليس زيف النوايا الذي نعاني منه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3813
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3144
| 30 أكتوبر 2026