رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يجب تمكين الثورة من سلطة القرار أيا كان
الأرقام باردة، مهما عظمت، وأوراق التحقيق باهتة، مهما حملت من اتهام، ولكن النار الحقيقية هي في دم الشهداء المسال على ثرى مصر، والمصابين بفقدان البصر أو قطع الأطراف أو العجز.
هؤلاء لم يصابوا في حوادث طرق أو كارثة طبيعية، هؤلاء كانوا تحت وابل من رصاص القتل المتعمد مع سبق الإصرار، والرصاص الذي قتل أبناء الشعب مدفوع ثمنه من عرق الشعب ذاته، والأسلحة التي استخدمت كذلك، والقاتل ومن أصدر الأمر مصريو الجنسية وكانوا يتقاضون مرتباتهم من عرق الشعب أيضا، رئيسا أو وزيرا أو ضابطا أو جنديا، ولم يكونوا جميعهم من جيش العدو الصهيوني، ولكنهم كانوا مصريين، والتعامل بدم بارد مع هذه الحقيقة، هو قتل متعمد جديد، يتجاوز الشهداء والمصابين إلى ثورة الشعب، بل إلى قتل من جديد لمصر الحرة التي استخلصت كرامتها وحقها في الحياة بكل الشعب ولكل الشعب.
التباطؤ، تواطؤ
والتواطؤ انقلاب على الثورة.
والثورة ليست عرضا مسرحيا، أو مباراة لكرة القدم، وليس هناك مبرر ما يمكنه أن يحل كائنا من كان من الالتزام تجاه الشعب وثورة الشعب.
مصر تحيا أشد الحروب النفسية وطأة في تاريخها.
الهدف الواضح والمباشر تحويل الثورة إلى قصة كانت، وإعادة امتلاك زمام المبادأة.
عاش الشعب المصري عبر نضالاته المعاصرة حروبا نفسية شتى، كانت دوما تستهدف تمزيق وحدته، والقضاء على إرادته. كانت آخر صورها ما صاغه أنور السادات، في محاولة لتمرير اتفاقات الاستسلام والتي أطلق عليها زيفا اتفاقات السلام مع العدو ومصدر الخطر الرئيس المتمثل في الكيان الصهيوني، ويومها أطلق السادات أنها عقدة نفسية وليست صراع وجود مع العدو، وكان لزاما أن يغطي ذلك بشعار داخلي، وأطلق شعار دولة العلم والإيمان، وكان لزاما أن يختار انحيازا اجتماعيا واقتصاديا يدعم توجهه، وظهرت سياسة "الباب المفتوح" اقتصاديا، وبدأ عصر النهب المعاصر لمصر، وتفريغ كل السياسات من الانحياز الاجتماعي للفقراء أصحاب رسالة "المنديل الملفوف به بصل ورغيف البتاو الصعيدي"، والذي قال بشأنها جمال عبدالناصر: لقد وصلتني الرسالة، واستطرد السادات مبررا الاستسلام لأمريكا وإرادة إسرائيل بمقولة: إن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا، كفر بشعبه فقتل فوق منصة العرض، وكان درس التاريخ، من يخون إرادة الشعب وحقه في الحياة ليس له إلا القتل.
وأعقبته سياسات نظام حسني مبارك والذي ادعى أنه المدافع عن الفقراء، وكان سبيل دفاعه استجداء القراصنة الجدد الذين انقضوا على الاقتصاد المصري وثروات مصر أن يحسنوا إلى الفقراء، واعتمد أن فيض الإحسان الاختياري هو الانحياز إلى الفقراء، وتحول العمال إلى المعاشات المبكرة، وامتلأت بهم الشوارع بكل خبراتهم، وتم هدم القطاع العام الذي تحمل مسؤولية التنمية وتحمل مسؤولية فترة الإعداد لحرب التحرير بين عامي 1967 و1973. ولم ينج الفلاحون من هجمة التدمير المنظم للطاقة البشرية الإنتاجية في مصر، وقضى القضاء المصري بنزع ملكيات الإصلاح الزراعي من صغار الفلاحين الذين يملك كل منهم 5 فدادين، وما أن خرجت أحكام القضاء حتى تولت الداخلية التنفيذ، ولم تكن مشاهد ثورة يناير هي بدايات القتل المنظم، ولكن سبقها إخلاء مصر من طاقاتها البشرية وإمكاناتها الاقتصادية.
وعزل الشعب مبارك من الحكم وبالدم.
درس التاريخ المعاصر لشعب مصر، أنه يدرك من معه ومن عليه، قد يطول به الصبر حتى يظن المسيء أنه غائب عن الوعي، ولكنه حين ينفجر يعرف هدفه الأساسي، ولا يحيد عنه.
وكما أن هناك درسا للتاريخ لصالح الشعب، فقد تعلم مبارك الدرس المضاد من سابقه، وقتل الزمن، وشكل طبقة ذات مصالح مرتبطة به، وأغدق عليها المال، فطال به الزمن ثلاثة أضعاف زمن السادات.
مارس مبارك سياسات التضليل والخداع، وتمادى في إفقار الشعب، والاستغفال، وتفريغ الوعي بإعلام مزيف، وفتح باب المنح والرشاوى بلا حدود، ولكن الحبل الذي أرخاه الشعب التف على رقبة مبارك ونظامه وسقط المخلوع، وانهار جدار العزل والخوف.
تقول بعض الإحصاءات المنشورة إن الصناديق الخاصة في مصر كانت تحتوي على 1200 مليار جنيه مصري، أو بعبارة أخرى 1.2 تريليون جنيه، وأنها كانت سبيلا لشراء الولاء، والإغداق على فئات معينة في الجهاز الحاكم، ويضاف غير هذا، ما يمكن تسميته مجازا بحجم الدخول السوداء التي كانت الرشاوى مصدرها، لتتكون جماعات المستفيدين من الفساد وهم في هذه اللحظة "الطلقاء" في المجتمع والذين يجري التباطؤ في مواجهتهم، مما دعاهم إلى استعادة شيئ من القدرة على الحديث، بل واستمراء العودة إلى الرشاوى والدفاع عن مخصصات الولاء التي كانت تمنح لهم.
يجب التسليم بأن الثورة واستخلاص الإرادة الوطنية لم تؤد إلى استيلاء الثورة على السلطة، ولكن تداعيات الأحداث نقلت السلطة إلى المجلس العسكري للقوات المسلحة، والذي أعلن أنه يؤيد المطالب المشروعة للشعب المصري.
ومطالب الشعب كانت تمزج بين رغيف العيش، والكرامة، والعدالة الاجتماعية، وجرى اختزالها عنوة فيما سمي بالتعديلات الدستورية، والتي لا تتجاوز مطالب سابقة على الثورة ، وكأن مصر قامت بثورتها لاختيار نظام مجهول المعالم بدلا من نظام الاستبداد والنهب.
وبدلا من تحقيق إرساء قواعد النظام الجديد خلال الفترة الانتقالية، صارت مهامها ترويض الثورة من حيث المعنى والبشر والمهام.
وأطلق العنان لجماعة "طلقاء" نظام مبارك في البلاد وتعددت روافد "الطلقاء" الذين يقبضون على النظام الإداري واقتصاد المجتمع وأمنه وإعلامه.
وتمثل "الطلقاء" فيمن تم شراء ولائهم، وأي مراجعة لثرواتهم تضعهم تحت طائلة التطهير، وقمة الجهاز الإداري في البلاد، والرأسماليون الجدد ولعل جماعة الغاز ـ إسرائيل مازالت طليقة، وربما منها من يتولى الوزارة، وكذلك جماعة الكويز والتي تسيطر على اتحاد الصناعات، والبعض منهم أسهم في نزح ثروة الاقتصاد المصري إلى الخارج، كما يساهمون في تمويل الحركة المضادة للثورة.
ويندرج ضمن "طلقاء" نظام مبارك جهاز الأمن الذي استشعر الهزيمة بعد نجاح الثورة، ويتساءل عن النظام المطلوب منه حمايته. ولا بديل من الإقرار بأن وزير الداخلية الحالي يقود منظومة الداخلية بمفهوم تأديب الشعب عمليا دون الالتفات إلى تصريحاته التي تمر بلا تفسير ولا حساب.
ومن "الطلقاء" وبلا مراجعة سياسية أعضاء المجالس المحلية. وقيادات الحزب الحاكم وانتماءاتهم العائلية وتجمعات المصالح. ولا يجدي إطلاق لفظ "الفلول" عليهم لإعلان غياب التأثير على مسار المجتمع، بل هو هروب بالمسمى من مسؤولية التطهير.
كما يندرج ضمن "الطلقاء" المحافظون الذين منحت لهم المناصب كإكراميات خدمة وكانوا أداة النظام السابق، وعناصر بالحكم المحلي اتهموا بأنهم بؤرة الفساد الرئيسة داخل المجتمع ومدرسة تجاوز القوانين بالرشوة.
وغير هؤلاء "طلقاء" أنتجتهم أمانيهم ورؤاهم الخاصة، المنقضون على الثورة، والمنقضون على العمال والفلاحين وآخر مكاسبهم في التمثيل النيابي. وأصحاب الاختيار الاقتصادي السابق، والذين سعوا إلى المؤسسات العالمية للاستسلام إلى شروطها مقابل ثلاثة مليارات من الدولارات بلا مبرر من حاجة للشعب إليها.
وينضم إلى "الطلقاء" أداة الانقلاب أعضاء لجنة السياسات بالحزب الوطني المنحل، ويندرج ضمنهم رئيس الوزارة ووزير المالية وغيرهما، بل إن الاتهام بالانتماء إلى منهج النظام السابق بدأ يطارد وزير الخارجية الجديد وقبل أن يحلف اليمين.
"الطلقاء" هم عصب الانقلاب على الثورة وأداته، وليس الحل بتجريدة إقصاء، وإلا انقضى الزمن لمهمة الإقصاء وحدها، ولكن الحل في تأسيس حقيقي لقواعد آليات تضمن القضاء على منهج النظام السابق والبحث عن سياسات بديلة، وليس تمكين "الطلقاء" من مجالس التشريع.
في مصر الآن اليمين الليبرالي ينافس اليمين الديني، وتغيب المطالب الاجتماعية عن المتنافسين ويغيب الشعب عن المعادلة السياسية.
وتسعى الحرب النفسية إلى تقسيم الشعب إلى فريقين الأول "ديموقراطي منتم لإرادة الاستفتاء"، والثاني معاد للشعب وديموقراطية الاستفتاء.
حرب نفسية وغسيل للعقل هدفه وأد إرادة الشعب بهدف حصر حركته في بديل واحد هو اختيار لأعضاء لمجالس نيابية من الطلقاء تصوغ مستقبل مصر القادم.
لا بديل عن وضع معالم الطريق القادم في مصر
الرؤية المجتمعية للنظام الاقتصادي والتنمية تسبق الدستور.
رؤية إستراتيجية الأمن القومي ومصادر الخطر القائمة والمحتملة، وحدود الأمن تسبق الدستور.
الرؤية الاجتماعية لمكونات المجتمع وحقوقها وواجباتها تسبق الدستور.
رؤية النظام السياسي ومكوناته وعلاقاته وقوانينه الحاكمة والواجبة تسبق الدستور.
رؤية الأمن الداخلي للمجتمع، وإبعاد الخلل وإعادة تكوين جهاز الشرطة تسبق الدستور.
رؤية دور الأجهزة السيادية تسبق الدستور.
رؤية العلاقات مع المحيط العربي والإفريقي والإسلامي تسبق الدستور.
رؤية السياسة الخارجية تسبق الدستور.
رؤية محاور التعليم والبحث العلمي تسبق الدستور.
رؤية الصحة تسبق الدستور.
رؤية التأمينات ورعاية المواطن تسبق الدستور.
والدستور الموضوع بإرادة كل الشعب يسبق أي تشكيل لمؤسسات المجتمع التشريعية.
هذه الرؤى جميعها ينتجها حوار مجتمعي حر وبين كل فئات الشعب وقواه، ولا يجدي معها محاولات الإرهاب الفكري أو لي الذراع لتنفيذ خطط خاصة لا علاقة لها بثورة الشعب.
وليس مرشحا لها عناصر النظام القديم لإقرارها أو الحوار حولها.
هذه مهام يحتاجها المجتمع ليعيد وطنه إلى مكانه ومكانته.
المرحلة الانتقالية تنقضي في اقتتال بلا انتماء للثورة وحاجات الشعب.
والاقتتال أعاد سلوكيات ومناهج ما قبل الثورة، وتلطخ الثوب الناصع للثورة التي شهد لها العالم، بأنها مثال جديد لثورة شعب له حضارة.
مصر ليست جماعة أو حزبا أو مجلسا عسكريا أو فئة دون أخرى، ألم يدرك الإحساس عندكم رائحة الدم الزكي وعرق الشعب، أم أزكمت أنوفكم رائحة الرصاص والغازات ومياه الصرف الصحي التي كانت تطلقها مدافع الشرطة على الشعب.
لم يعد المطلب أيهما نختار، الانتخابات أو الدستور، فهو اختيار غير شرعي، وتبديل للأولويات لأغراض في أنفس وذوات لا تملك مبررا وطنيا واحدا لخياراتها سوى الاستقواء بالمجلس العسكري مصدر القرارات، وأضافوا بادعاء غير أمين مبررات الانتقال إلى الحكم المدني وليس العسكري. هي محاولة لتغليب خيار على آخر فليست المجالس المنتخبة بديلا للمجلس العسكري، ولكنها مكلفة بمهمة ليست لها بحكم المحكمة الدستورية. وتناسى المجلس العسكري مطالب الشعب المشروعة التي أعلن انتماءه إليها وصار كل همه أنه خط أحمر لا يجب الاقتراب منه فضلا عن تجاوزه، واختزلت مصر والشعب والثورة في هذا الخط الوهمي الذي يحول بين الشعب وأهداف ثورته.
الهدف الآن تمكين الثورة من سلطة القرار، أيا كان الثمن، والوسيلة ثورة داخل الثورة، لتحرير إرادة الثورة من الطلقاء المنقلبين.
ليشهدوا منافع لهم
سويعات قليلة، وتدخل على الأمة أعظم أيام الدنيا، الأيام التي لا تشبه مرور الزمن المعتاد، بل تشبه مرور... اقرأ المزيد
180
| 17 مايو 2026
توطين الصناعة من قيود الممرات
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب حساسيتها من التواجد في مناطق ملتهبة بالصراعات والتوترات، لكن الاستثمار... اقرأ المزيد
441
| 17 مايو 2026
سيرة يكتبها صاحبها.. وسيرة تفضحه
مؤخراً.. أصبحت بعض دور النشر العربية تنظر إلى المحرر الأدبي بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، بعدما ظل... اقرأ المزيد
171
| 17 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5730
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5520
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026